السبت 25 رمضان 1442هـ الموافق لـ 8 مايو 2021
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

منهج أبي حنيفة و صاحبيه في الإستنباط

جاء في كتاب "تاريخ بغداد" نقلا عن أبي حنيفة ما نصه : " آخذ بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم أجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت بقول الصحابة، آخذ بقول من شئت، وأدع من شئت منهم، ولا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، فأما إذا انتهى الأمر -أو جاء- إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين وعطاء وسعيد بن المسيب وعدد رجالا، فقوم اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا." (1)

وجاء في مناقب أبي حنيفة "للموقف المكي" ما نصه : " كلام أبي حنيفة أخذ بالثقة، وفرار من القبح والنظر في معاملات الناس، وما استقاموا عليه وصلحت عليه أمورهم، يمضي الأمور على القياس، فإذا قبح القياس يمضيها على الاستحسان مادام يمضي له، فإذا لم يمض له رجع إلى ما يتعامل المسلمون به، وكان يوصل الحديث المعروف الذي قد أجمع الناس عليه، ثم يقيس عليه ما دام القياس سائغا، ثم يرجع إلى الاستحسان، أيهما أوفق رجع إليه. قال سهيل : هذا علم أبي حنيفة رحمه الله، علم العامة." (2) 

وجاء فيه أيضا: " كان أبو حنيفة شديد الفحص عن الناسخ من الحديث والمنسوخ، فيعمل بالحديث إذا ثبت عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم و عن أصحابه، وكان عارفا بحديث أهل الكوفة، وفقه أهل الكوفة، شديد الإتباع لما كان عليه الناس ببلده." (3) 

فبتتبعنا للروايات المنقولة عن أبي حنيفة، نستطيع أن نتعرف على الأصول التي كان يعتمد عليها في اجتهاده.. ويمكن تقسيم هذه الأصول بحسب دور الفقيه فيها إلى أقسام ثلاثة:

* المصادر النقلية: وتشمل القرآن والسنة الصحيحة والإجماع وأقوال الصحابة، فكان أبو حنيفة يأخذ بهذه المصادر، ولا يتعداها إلى المصادر الإجتهادية إذا ثبتت لديه، و اتضحت دلالتها عنده..

*المصادر الإجتهادية: كان أبو حنيفة يعتمد القياس عند عدم وجود نص في القرآن أو السنة أو عند عدم ورود رأي عن الصحابة.. وأحيانا كان يعتمد الإستحسان، و هو الخروج عن مقتضى القواعد القياسية لحكم آخر مخالف له، لعدم صلاحية القياس في هذا الموطن لمخالفته لنص من النصوص القرآنية أو لمخالفته للإجماع..

*الأعراف: كان أبو حتيفة يحترم الأعراف التي لا تخالف نصا من النصوص و يعتبرها و يوجب العمل بها

الهوامش
(1) - تاريخ بغداد الخطيب البغدادي ج3/1681 -دار الكتاب العربي بيروت. وانظر أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيمري ص 10 . دار الكتاب العربي / الطبعة الثانية – 1976م.
(2) - مناقب أبي حنيفة للموفف المكي 1/73 نقلا عن كتاب "أبو حنيفة" ص 266
(3) - أخبار أبي حنيفة - للصيمري - ص11

نبذة موجزة عن المذاهب الفقهية الأربعة

المذهب الفقهي إصطلاح ظهر خلال القرن الرابع الهجري، بعد تميز المذاهب الفقهية، وهو عند الفقهاء الإتجاه الفقهي في فهم أحكام الشريعة والطريقة التي ينهجها المجتهد أو عدد من المجتهدين في الاستنباط، وكيفية الإستدلال، والفروع التي تضاف في ضوء أصول المذهب..

وأصول المذاهب تتميز عن بعضها بسبب اختلاف أصحابها في مناهج الاجتهاد والاستنباط، وليس في الأصول الكلية أو الأدلة الإجمالية.. إذ المنهج الاجتهادي الخاص، واختيارات كل إمام فيما يأخذ به من الأدلة التبعية، هو الذي يميز بين "أصول المذهب" و"أصول الفقه".
وثمة مجموعة من العوامل والخلفيات ساهمت في ظهور المذاهب الفقهية، بحيث يمكن حصر أهم تلك العوامل والأسباب في العاملين السياسي والفكري. هذان العاملان ساهما في ظهور مناطق فراغ في المجال الفقهي، فنشأت عشرات من المذاهب الفقهية خلال القرن الثاني والثالث الهجري لسد هذه المناطق، من خلال بلورة اجتهادات واتجاهات فقهية مختلفة.. حتى أنها عدت خمسين مذهبا انقرض غالبيتها مثل مذهب الليث بن سعد، وداود بن علي الظاهري، وعبد الرحمن الأوزاعي.. ولم يبق منها إلا أربعة سنية، وأخرى غير سنية كالمذهب الجعفري والزيدي والإمامي والإباضي وغيرها من المذاهب التي تتوزع مختلف أقطار العالم الإسلامي.

مراحل تطور المذاهب السنية
مرّت المذاهب الفقهية (السنية) بعد قيامها وتبلور مناهجها بثلاث مراحل أساسية:
- مرحلة التأسيس والبناء: امتدت هذه المرحلة على ما يربو عن ثلاثة قرون حتّى سقوط بغداد (سنة 656)هـ. تميزت هذه المرحلة بتنظيم وترتيب الفقه المذهبي. كما ألفت مدونات جمعت المسائل الخلافية مع المذاهب الأخرى..
- مرحلة شيوع ظاهرة التقليد وإغلاق باب الاجتهاد: مع بداية القرن الثامن الهجري، حيث اقتصر النشاط الفقهي على اجترار التراث الفقهي عن طريق شرحه واختصاره أو تنظيمه، من دون إضافة جديدة. مع طغيان المباحث اللفظية والمسائل الافتراضية، فابتعد الفقه عن الحياة.
- مرحلة التجديد والانطواء: مع بداية القرن التاسع عشر، حيث أخذت الدراسات الفقهية تشق طريقها نحو التجديد والتطوير ومواكبة العصر ومشكلاته المختلفة تحت ضغط التطور الزمني، وتقدم المعارف الإنسانية، والإحتكاك بالحضارات. فظهرت نخبة من العلماء قادوا حركة التجديد وحذروا من الجمود والركود.

المذاهب السنية الأربعة
وهكذا ظهرت المذاهب الفقهية الكبرى في عصر الدولة العباسية. وهذه المذاهب حسب التسلسل التاريخي في الظهور:
- المذهب الحنفي: نسبة إلى الإمام أبي حنيفة النعمان ( 80 - 150 هجرية ) -وإن كان المذهب الحنفي  يشتمل على تحقيق مناهج شيوخ المذهب كأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، ولم يكن قاصرا على منهج أبي حنيفة بالذات- نشأ المذهب الحنفي في الكوفة ونما في بغداد، واتسع بمؤازرة الدولة العباسية له.
وكان مذهبه يعتمد“بالإضافة إلى الأصول النقلية المتفق عليها- على القياس والاستحسان والعرف وقول الصحابي وشرع من قبلنا، فتوسع المذهب في اعتماد الأصول العقلية وتشدد في ضوابط الأخذ بالحديث بسبب تعقد الحياة وتطور المدنية في البيئة العراقية.
ومن أهم كتب المذهب الحنفي: كتب" ظاهر الرواية" الستة، وكتب "النوادر" للإمام محمد بن الحسن، وكتاب "الكافي" للحاكم الشهيد، وكتاب "المبسوط" للسرخسي، وكتاب "بدائع الصنائع" للكاساني، وكتاب حاشية ابن عابدين المسماة "رد المحتار على الدر المختار" وغير ذلك.
- المذهب المالكي: وهو عبارة عما ذهب إليه الإمام مالك ( 39 - 179 هجرية ) من الأحكام الاجتهادية مراعيا في ذلك أصولا معلومة وأخرى مخصوصة. ويعتمد المذهب ـإضافة إلى الأصول المتفق عليها بين جميع الأئمة من الكتاب والسنة والقياس وإجماع الصحابة ـ على عمل أهل المدينة والاستصلاح. ومن أبرز المؤلفات في هذا المذهب:"الموطأ" للإمام مالك، و"المدونة الكبرى" وهي آراء الإمام مالك الفقهية جمعها ودونها سحنون بن سعيد التنوخي..
انتشر المذهب المالكي أكثر ما انتشر في شمال إفريقية ومصر والأندلس، وقام علماء كثيرون بنشره في العراق وبلاد خراسان..
- المذهب الشافعي: وصاحبه محمد بن إدريس الشافعي ( 150 - 204 هجرية)، عاش في مكة ثم رحل إلى العراق حيث تعلم في بغداد فقه "أبي حنيفة" قبل رحيله واستقراره قي مصر. ومن ثم جاء مذهبه وسطاً بين مذهب " أبي حنيفة" المتوسع في الرأي، ومذهب "مالك بن أنس " المعتمد على الحديث. ويعتمد المذهب الشافعي في استنباطاته وطرائق استدلاله على الأصول التي وضعها الإمام الشافعي ودونها في كتابه الشهير "بالرسالة"، بحيث يعد أول من دون كتاباً متكاملاً في علم أصول الفقه. من أبرز علماء الشافعية في حياة الشافعي هم تلامذته: الربيع بن سليمان الجيزي والربيع بن سليمان المرادي، والبوطي..
ومن أشهر كتب مذهبه إضافة إلى كتب الشافعي نفسه كتاب "فتح العزيز في شرح الوجيز" للرافعي، و"روضة الطالبين" و"المجموع" للنووي، و"المهذب" و"التنبيه" للشيرازي، و"تحفة المحتاج" لابن حجر الهيثمي.
- المذهب الحنبلي: وصاحبه الإمام أحمد بن حنبل ( 164 - 241 هجرية )، وهو آخر المذاهب الأربعة من الناحية الزمنية. وكان ابن حنبل يرى أن يقوم الفقه على النص من الكتاب أو الحديث، وأنكر على أستاذه " الشافعي " أخذه بالرأي، واعتبر الحديث أفضل من الرأي. لذلك عد في نظر كثير من العلماء من رجال الحديث لا من الفقهاء. ومن أشهر كتبه "المسند" الذي يعتبر موسوعة لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، والذي يحوي أربعين ألف حديث .
ومن أشهر رجال الحنابلة الذين قاموا بنشر المذهب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية . وأهم تلاميذه صالح ابن الإمام أحمد، وابنه الآخر عبد الله وأبو بكر الأثرم والمروذي وأحمد بن محمد بن الحجاج وإبراهيم الحربي. وأهم كتب مذهبه "مختصر الخرقي"، الذي شرحه ابن قدامه في كتابه "المغني" وكتاب "كشاف القناع" للبهوتي، و"الفروع" لابن مفلح، و"الروض المربع" للحجاوي.
انتشر في عدد كبير من البلاد من أهمها بلاد الشام، ونجد في الجزيرة العربية..

خاتمة
مما سلف نستخلص أن اختلاف المذاهب الفقهية في كثير من الأحكام والفروع له أسباب علمية وموضوعية اقتضته. وتعد هذه الثروة الفقهية التشريعية نعمة ربانية تجعل الأمة الإسلامية في سعة من أمر دينها وشريعتها، فلا تنحصر في تطبيق شرعي واحد، بل يجوز الخروج عن مذهب أحد الأئمة الفقهاء إلى غيره من المذاهب إذا وجدت في المذهب الآخر سعة ومرونة.

المذهب الحنفي

إن الإمام أبا حنيفة وإن لم تؤثر عنه قواعد عامة للإستدلال، فلابد من وجود قواعد قد لاحظها عند استنباطه واعتبرها وعلى ضوئها كان يصدر فتاويه وأحكامه.

إن المذهب الحنفي كان يشمل على تحقيق مناهج شيوخ المذهب كأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، ولم يكن قاصرا على منهج أبي حنيفة بالذات..يقول "الموفق المكي "بعد أن ذكر كبار أصحاب أبي حنيفة: " وضع أبو حنيفة مذهبه شورى بينهم، لم يستبد فيه بنفسه دونهم، اجتهادا منه في الدين، ومبالغة في النصيحة لله ورسوله والمؤمنين، فكان يلقي المسائل مسألة مسألة، ويسمع ما عندهم، ويقول ما عنده، ويناظرهم شهرا أو أكثر، حتى يستقر أحد الأقوال فيها، ثم يثبتها أبو يوسف في الأصول كلها ،وهذا يكون أولى وأصوب، وإلى الحق أقرب، والقلوب إليها أسكن .. من مذهب من انفرد، فوضع مذهبه بنفسه، ويرجع فيه إلى رأيه" (1). ويؤكد الأستاذ "علي الخفيف" هذه الحـقيقة بقولـه : " لقد أطلق هذا الإسم (المذهب الحنفي) على مجموعة الأحكام التي عرفت عن أبي حنيفة وأصحابه.وإنما نسب المذهب إلى أبي حنيفة لأنه كان عميدهم وأستاذهم وإن كانوا جميعا من أهل الإجتهاد المطلق يستوون فيه."(2)

لقد تظافرت عدة أسباب جعلت المذهب الحنفي هو ذلك المزيج من الآراء التي رويت عن أبي حنيفة وأصحابه.. ويرجع الشيخ " محمد أبو زهرة" أسباب هذا المزج إلى :
* إن أقوال الإمام عندما رويت لم ترو مفصلة متميزة بحيث يمكن استخلاص أصول الإمام منفردة، وتكوين وحدة فكرية خالصة له من كل الوجوه من غير اقتران أقوال أصحابه به..

* ومن الأسباب أيضا ما كان يعمد إليه أبو حنيفة عند دراسة المسائل العلمية المختلفة، واستخلاص حكم الوقائع، أو الأمور الفرضية، إذ كان يعرض المسائل، ويسمع آراء تلاميذه ويجادلهم ويجادلونه، وينازعهم القياس، وينازعونه ويفرضون الحلول..

* ولم تكن الرابطة الجامعة بين آراء أولئك الأعلام هي تلك الصحبة التي جعلت آراء كل واحد معروفة عند الآخر، بل إن التلمذة، ثم الصحبة، ثم تدارس الأقوال من بعد؛ جعل تلك الأقوال مهما تختلف أو تتحد تنتهي إلى أصول واحدة، فالأصول التي كان يسير عليها أبو حنيفة هي نفس الأصول التي ارتضاها تلامذته في حياته، أو من بعده، على اختلاف يسير في بعضها، واختلاف في تطبيقها (3)..

من هذا المنطلق، فإن المقصود عند العلماء بالمذهب الحنفي هو ما ذهب إليه أبو حنيفة وصاحباه، باعتبارهم ساهموا جميعا في إرساء قواعد هذه المدرسة وأصولها. يقول "ولي الله الدهلوي" في كتابه "الإنصاف" : " و إنما عد مذهب أبي حنيفة مع مذهب أبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى واحدا، مع أنهما مجتهدان مطلقان، مخالفتهما غير قليلة في الأصول والفروع، لتوافقهم في هذا الأصل، ولتدوين مذاهبهم جميعا في "المبسوط" و"الجامع الكبير"(4).

منهج الحنفية في التأليف
كتب المتأخرون مؤلفات مفصلة في فروع المذهب الحنفي وأصوله ونسبوها إلى أئمتهم، فقالوا هذا الأصل هو رأي أبي حنيفة، وذاك رأي صاحبيه، وذلك رأيهم جميعا، وهكذا.يقـول" ولي الله الدهـلوي" : " ومنها أني وجدت بعضهم يزعم أن جميع ما يوجد في هذه الشـروح الطويلة وكتـب الفتـاوى الضخمة، هو قول أبي حنيفة وصاحبيه، ولا يفـرق بين القـول المخرج، وبين مـا هو قـول في الحقيقـة، ولا يحصل معنى قولهم على تخريج الكرخي كذا، وعلى تخريج الطحاوي كذا، ولا يميز بين قولهم : قال أبو حنيفة: كذا، وبين قولهم جواب المسألة على مذهب أبي حنيفة أو على أصل أبي حنيفة كذا، ولا يصغي إلى ما قاله المحققون من الحنفيين.."(5)

ويـضيف قائـلا : " ومنها أني وجدت بعضـهـم يزعم أن بناء الخلاف بيـن أبي حنيفـة والشـافعي على هذه الأصول المذكورة فـي كتـاب البـزدوي ونحوه، وإنما الحق أن أكثرها أصول مخرجة على قولهم، وعندي أن المسألة القائلة بأن الخاص مبين ولا يلحقه البيان، وأن الزيادة نسخ، وأن العام قطعي كالخاص، وأن لا ترجيح بكثرة الرواية، وأنه لا يجب العمل بحديث غير الفقيه إذا انسد باب الرأي.. وأمثال ذلك أصول مخرجة على كلام الأئمة، وأنه لا تصح بها رواية عن أبي حنيفة وصاحبيه، وأنه ليس المحافظة عليها والتكلف في جواب ما يرد عليها من صنائع المتقدمين في استنباطاتهم كما يفعله البزدوي وغيره، أحق من المحافظة على خلافها عما يرد عليه."(6)

إن هذا الكلام يدل -بلا ريب- على أن الأصول التي يذكرها الحنفية - و هي أصول المذهب الحنفي، أو الأصول التي بنى عليها أئمتهم استنباطهم- ليست من وضع أئمتهم حتى يقال إنهم وضعوها، وقيدوا أنفسهم بالاستنباط على أساسها، بل هي من وضع العلماء في ذلك المذهب، الذين اتجهوا إلى استنباط القواعد من الفروع المأثورة، فهي جاءت متأخرة عن الفروع.

إن هذا التقيد بمذهب إمام من الأئمة و التفقه عليه وتفريع الأحكام انطلاقا من أقواله وقواعده هو ما يسمى "بالتخريج". و هذا يعني أن التخريج في نشأته ووجوده مرتبط بنشأة المذاهب وظهورها بعد عصر الأئمة اتباع التابعين.

ومن الأسباب التي كانت وراء ظهور "فقه التخريج" تمهيد القواعد وإرساء ضوابط الاستنباط وأسسه؛ فأئمة هذا المنهج يعتقدون أن أبا حنيفة هو أول من قعد القواعد الأصولية واعتبرها في اجتهاده تاركا إياها منثورة في ثنايا الفروع الفقهية، لذا نجدهم يرتبطون بهذه الفروع المأثورة عنه، وعن بقية علماء المذهب، لاستنباط القواعد الأصولية منها...

ومع أن هذه الأصول قد استنبطها المتأخرون ولم تؤثر عن الأئمة وتلاميذهم، فلابد من الإشارة إلى أمور ثلاثة وتقرير الحقائق بشأنها:

* إن أبا حنيفة، وإن لم تؤثر عنه أصول مفصلة للأحكام التي استنبطها، لا بد أن تكون له أصول لاحظها عند استنباطه، وإن لم يدونها كما لم يدون فروعه، فإن التماسك الفكري بين الفروع المأثورة - الذي يستبين عند ترديد النظر- يكشف عن فقيه كان يقيد نفسه بقواعد لا يخرج عن حدودها..

* إن العلماء الذين استنبطوا الأصول المدونة "كالبزدوي" وغيره كانوا يلتمسونها من أقوال الأئمة والفروع المأثورة عنهم، إذا نسبوا تلك القواعد للأئمة، ويذكرون أحيانا الفروع الدالة على صحة النسبة في هذه القاعدة، أو بالأحرى الدالة على أن هذه القاعدة كانت ملاحظة عند استنباط أحكام هذه الفروع، وما لا يذكرون فيه فروعا مسندة للأئمة تكون آراء لبعض الفقهاء في المذهب الحنفي كالكرخي، وكثيرا ما يكون ذلك في أمور نظرية(7)...
وعلى هذا يمكن تقسيم أصول الحنفية إلى قسمين :
* قسم ينسبونه إلى الأئمة على أنه القواعد التي لاحظوها عند الاستنباط، وهذا القسم يذكرون فيه الفروع الدالة على صحة هذه القاعدة، وهذا هو القسم الذي يهمنا في هذه الدراسة.
* والقسم الثاني : آراء فقهاء المذهب كرأي " عيسى بن أبان" في رواية الواحد الضابط غير الفقيه إذا كانت مخالفة للقياس(8).

الهوامش
(1)- انظر كتاب: حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي “ لمحمد زاهد الكوثري ص13-15. دار الأنوار 1368هـ/ 1948م
(2)- محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء “ علي الخفيف- ص 269 بتصرف مطبعة الرسالة 1375هـ/1956م
(3)- أبو حنيفة -حياته وعصره آراؤه وفقهه “محمد أبو زهرة- ص 491-494 -بتصرف- دار الفكر العربي 1976م
(4)- الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف -ولي الله الدهلوي- ص 40-41. دار النفائس- الطبعة الثالثة: 1986م 
(5)- حجة الله البالغة- لولي الله الدهلوي “ج1/336-337 “دار الكتب الحديثة “ بالقاهرة. 
(6)- حجة الله البالغة : ج1/ ص 337
(7)- أبو حنيفة ص 264 -بتصرف-
(8)- انظر أبو حنيفة ص 264-265-بتصرف-

المذهب الحنفي

إن الإمام أبا حنيفة وإن لم تؤثر عنه قواعد عامة للإستدلال، فلابد من وجود قواعد قد لاحظها عند استنباطه واعتبرها وعلى ضوئها كان يصدر فتاويه وأحكامه.

إن المذهب الحنفي كان يشمل على تحقيق مناهج شيوخ المذهب كأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، ولم يكن قاصرا على منهج أبي حنيفة بالذات..يقول "الموفق المكي "بعد أن ذكر كبار أصحاب أبي حنيفة: " وضع أبو حنيفة مذهبه شورى بينهم، لم يستبد فيه بنفسه دونهم، اجتهادا منه في الدين، ومبالغة في النصيحة لله ورسوله والمؤمنين، فكان يلقي المسائل مسألة مسألة، ويسمع ما عندهم، ويقول ما عنده، ويناظرهم شهرا أو أكثر، حتى يستقر أحد الأقوال فيها، ثم يثبتها أبو يوسف في الأصول كلها ،وهذا يكون أولى وأصوب، وإلى الحق أقرب، والقلوب إليها أسكن .. من مذهب من انفرد، فوضع مذهبه بنفسه، ويرجع فيه إلى رأيه" (1). ويؤكد الأستاذ "علي الخفيف" هذه الحـقيقة بقولـه : " لقد أطلق هذا الإسم (المذهب الحنفي) على مجموعة الأحكام التي عرفت عن أبي حنيفة وأصحابه.وإنما نسب المذهب إلى أبي حنيفة لأنه كان عميدهم وأستاذهم وإن كانوا جميعا من أهل الإجتهاد المطلق يستوون فيه."(2)

لقد تظافرت عدة أسباب جعلت المذهب الحنفي هو ذلك المزيج من الآراء التي رويت عن أبي حنيفة وأصحابه.. ويرجع الشيخ " محمد أبو زهرة" أسباب هذا المزج إلى :
* إن أقوال الإمام عندما رويت لم ترو مفصلة متميزة بحيث يمكن استخلاص أصول الإمام منفردة، وتكوين وحدة فكرية خالصة له من كل الوجوه من غير اقتران أقوال أصحابه به..

* ومن الأسباب أيضا ما كان يعمد إليه أبو حنيفة عند دراسة المسائل العلمية المختلفة، واستخلاص حكم الوقائع، أو الأمور الفرضية، إذ كان يعرض المسائل، ويسمع آراء تلاميذه ويجادلهم ويجادلونه، وينازعهم القياس، وينازعونه ويفرضون الحلول..

* ولم تكن الرابطة الجامعة بين آراء أولئك الأعلام هي تلك الصحبة التي جعلت آراء كل واحد معروفة عند الآخر، بل إن التلمذة، ثم الصحبة، ثم تدارس الأقوال من بعد؛ جعل تلك الأقوال مهما تختلف أو تتحد تنتهي إلى أصول واحدة، فالأصول التي كان يسير عليها أبو حنيفة هي نفس الأصول التي ارتضاها تلامذته في حياته، أو من بعده، على اختلاف يسير في بعضها، واختلاف في تطبيقها (3)..

من هذا المنطلق، فإن المقصود عند العلماء بالمذهب الحنفي هو ما ذهب إليه أبو حنيفة وصاحباه، باعتبارهم ساهموا جميعا في إرساء قواعد هذه المدرسة وأصولها. يقول "ولي الله الدهلوي" في كتابه "الإنصاف" : " و إنما عد مذهب أبي حنيفة مع مذهب أبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى واحدا، مع أنهما مجتهدان مطلقان، مخالفتهما غير قليلة في الأصول والفروع، لتوافقهم في هذا الأصل، ولتدوين مذاهبهم جميعا في "المبسوط" و"الجامع الكبير"(4).

منهج الحنفية في التأليف
كتب المتأخرون مؤلفات مفصلة في فروع المذهب الحنفي وأصوله ونسبوها إلى أئمتهم، فقالوا هذا الأصل هو رأي أبي حنيفة، وذاك رأي صاحبيه، وذلك رأيهم جميعا، وهكذا.يقـول" ولي الله الدهـلوي" : " ومنها أني وجدت بعضهم يزعم أن جميع ما يوجد في هذه الشـروح الطويلة وكتـب الفتـاوى الضخمة، هو قول أبي حنيفة وصاحبيه، ولا يفـرق بين القـول المخرج، وبين مـا هو قـول في الحقيقـة، ولا يحصل معنى قولهم على تخريج الكرخي كذا، وعلى تخريج الطحاوي كذا، ولا يميز بين قولهم : قال أبو حنيفة: كذا، وبين قولهم جواب المسألة على مذهب أبي حنيفة أو على أصل أبي حنيفة كذا، ولا يصغي إلى ما قاله المحققون من الحنفيين.."(5)

ويـضيف قائـلا : " ومنها أني وجدت بعضـهـم يزعم أن بناء الخلاف بيـن أبي حنيفـة والشـافعي على هذه الأصول المذكورة فـي كتـاب البـزدوي ونحوه، وإنما الحق أن أكثرها أصول مخرجة على قولهم، وعندي أن المسألة القائلة بأن الخاص مبين ولا يلحقه البيان، وأن الزيادة نسخ، وأن العام قطعي كالخاص، وأن لا ترجيح بكثرة الرواية، وأنه لا يجب العمل بحديث غير الفقيه إذا انسد باب الرأي.. وأمثال ذلك أصول مخرجة على كلام الأئمة، وأنه لا تصح بها رواية عن أبي حنيفة وصاحبيه، وأنه ليس المحافظة عليها والتكلف في جواب ما يرد عليها من صنائع المتقدمين في استنباطاتهم كما يفعله البزدوي وغيره، أحق من المحافظة على خلافها عما يرد عليه."(6)

إن هذا الكلام يدل -بلا ريب- على أن الأصول التي يذكرها الحنفية - و هي أصول المذهب الحنفي، أو الأصول التي بنى عليها أئمتهم استنباطهم- ليست من وضع أئمتهم حتى يقال إنهم وضعوها، وقيدوا أنفسهم بالاستنباط على أساسها، بل هي من وضع العلماء في ذلك المذهب، الذين اتجهوا إلى استنباط القواعد من الفروع المأثورة، فهي جاءت متأخرة عن الفروع.

إن هذا التقيد بمذهب إمام من الأئمة و التفقه عليه وتفريع الأحكام انطلاقا من أقواله وقواعده هو ما يسمى "بالتخريج". و هذا يعني أن التخريج في نشأته ووجوده مرتبط بنشأة المذاهب وظهورها بعد عصر الأئمة اتباع التابعين.

ومن الأسباب التي كانت وراء ظهور "فقه التخريج" تمهيد القواعد وإرساء ضوابط الاستنباط وأسسه؛ فأئمة هذا المنهج يعتقدون أن أبا حنيفة هو أول من قعد القواعد الأصولية واعتبرها في اجتهاده تاركا إياها منثورة في ثنايا الفروع الفقهية، لذا نجدهم يرتبطون بهذه الفروع المأثورة عنه، وعن بقية علماء المذهب، لاستنباط القواعد الأصولية منها...

ومع أن هذه الأصول قد استنبطها المتأخرون ولم تؤثر عن الأئمة وتلاميذهم، فلابد من الإشارة إلى أمور ثلاثة وتقرير الحقائق بشأنها:

* إن أبا حنيفة، وإن لم تؤثر عنه أصول مفصلة للأحكام التي استنبطها، لا بد أن تكون له أصول لاحظها عند استنباطه، وإن لم يدونها كما لم يدون فروعه، فإن التماسك الفكري بين الفروع المأثورة - الذي يستبين عند ترديد النظر- يكشف عن فقيه كان يقيد نفسه بقواعد لا يخرج عن حدودها..

* إن العلماء الذين استنبطوا الأصول المدونة "كالبزدوي" وغيره كانوا يلتمسونها من أقوال الأئمة والفروع المأثورة عنهم، إذا نسبوا تلك القواعد للأئمة، ويذكرون أحيانا الفروع الدالة على صحة النسبة في هذه القاعدة، أو بالأحرى الدالة على أن هذه القاعدة كانت ملاحظة عند استنباط أحكام هذه الفروع، وما لا يذكرون فيه فروعا مسندة للأئمة تكون آراء لبعض الفقهاء في المذهب الحنفي كالكرخي، وكثيرا ما يكون ذلك في أمور نظرية(7)...
وعلى هذا يمكن تقسيم أصول الحنفية إلى قسمين :
* قسم ينسبونه إلى الأئمة على أنه القواعد التي لاحظوها عند الاستنباط، وهذا القسم يذكرون فيه الفروع الدالة على صحة هذه القاعدة، وهذا هو القسم الذي يهمنا في هذه الدراسة.
* والقسم الثاني : آراء فقهاء المذهب كرأي " عيسى بن أبان" في رواية الواحد الضابط غير الفقيه إذا كانت مخالفة للقياس(8).

الهوامش
(1)- انظر كتاب: حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي “ لمحمد زاهد الكوثري ص13-15. دار الأنوار 1368هـ/ 1948م
(2)- محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء “ علي الخفيف- ص 269 بتصرف مطبعة الرسالة 1375هـ/1956م
(3)- أبو حنيفة -حياته وعصره آراؤه وفقهه “محمد أبو زهرة- ص 491-494 -بتصرف- دار الفكر العربي 1976م
(4)- الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف -ولي الله الدهلوي- ص 40-41. دار النفائس- الطبعة الثالثة: 1986م 
(5)- حجة الله البالغة- لولي الله الدهلوي “ج1/336-337 “دار الكتب الحديثة “ بالقاهرة. 
(6)- حجة الله البالغة : ج1/ ص 337
(7)- أبو حنيفة ص 264 -بتصرف-
(8)- انظر أبو حنيفة ص 264-265-بتصرف-

facebook twitter youtube