islamaumaroc

بين الجمود والجحود -5-

  المختار السوسي

9 العدد

في ضيافة سعيد:
وصلت على رأس الرابعة إلى المكان الموعود أن نلتقي فيهن ثم بقيت انتظر حتى مر نصف ساعة ولما يأت الرجل، فنويت أن أنتظر أكثر، لان أمثال سعيد – وما أكثر أمثاله من الأهالي – لا يضبطون مواعدهم، فالساعة أن زادت أو نقصت يسهل أمرها عندهم، وما أقبحها خلة، ولو كان معي حماد لوجد أيضا مثلا جديدا لانحطاط الأمة، ومصبا آخر  يصب فيه ما شاء من لعناته.

وأخيرا عند الخامسة إلا ربع، جاء الرجل، وسلم ثم ذهبنا لطيتنا من غير أن يعتذر لتأخره عن الوقت، كأنه ما فعل إلا المعتاد المألوف، وقبل أن نركب سيارة، جاء شرطي ينظر في السيارة وفي ركابها، والغالب أنه لا يقصد شيئان وإنما يقتل الوقت، ولكن صاحبي صارت أساريره ممتقعة، وأطرق برأسه، كأنه مصدوع، ولم يكد الشرطي ينقلب على عقبيه، حتى رفع رأسه، وأحسست بصرة يخبئها تحت جيبه، فلم أشك أنه(الأفيون)، اشتراه من فاس، وما كان امتقاع لونه أمام الشرطي إلا خوف أن يفتش الناس، فيساق على السجن بسبب ما في الصرة.

انطلق لسانه بسرعة بعد ما أمن من الشرطي، كما يحصل من كل من ليس برابط الجأش، متى زال عنه ما كان يتوجس منه خوفا. فقال:

-زرت الآن مولاي إدريس ودفعت في صندوقه زيارة ليحفظني الله حتى أصل إلى داري، فبدا لي منذ الآن أن الحاجة مقضية.

ولم يخف على ما ينويه ولا ما يرمي إليه، فتغافلت عنه، ثم قلت له:

-إن مولاي إدريس رضي الله عنه رجل عظيم حقا، وقد كان يجب لمعتقديه أن يقتدوا في تقواه وفي نصرته للدين، لا أن يتخذوه مفزعا كما يفزعون إلى الله.

فلم يكد سعيد يسمع كلامي، حتى أدرك ما ارمي إليه، فقال:

-إنني ما فزعت إليه بل فزعت إلى ربه الذي خلقتني وخلقه بعد ما ترحمت عليه وجعلت ما وضعته في صندوقه صدقة يصله أجرها، وهذه نيتي، وأنا والحمد لله من أهل السنة الذين يحبون الصالحين ويترحمون عليهم ويودونهم للتقوى التي كانوا عليها في حياتهم، وإنما طلبت الله هناك ليقضي حاجتي لما يذكر من أن ملكا يقف عند قبور الصالحين يقضي حوائج الناس بإذن الله، أو ليس هذا الاعتقاد الذي سمعته مني هو اعتقاد العلماء المحدثين ؟

فلم أزد على أن تبسمت له علما مني بأن الرجل لا مبدأ له يتقلب مع هواه كل حين، فإنه لو لاقى غيري لثبت على ما قاله أولا، ولما احتاج إلى التأويل، وربما زاد على ذلك ما عند الجمهور الذين يقفون على رأس مولاي إدريس فيتوجهون إليه بالله أن يقضي حاجتهم بجعل يقدمونه إليه أو يعدونه بهن وكل من كان في مثل مسلاخ سعيد قلما يجيد فيه وعظ، وغلا بهداية من الله، وكذلك أردت أن أترك المجمجة بيني وبينه، فصارحته بأنه بلغني كل ما يتعاطاه من المخدرات والمعجونات، فأطرق مستحييا، فقلت له:
-أتهدم صحتك هكذا، وتقضي على حياتك بهذه الأخلاق التي لا تلاءم من كان في مثل تلك الأسرة ؟ ولم ينشب أن تباكى إلي، وقال:

-دلني على ما أصنع لأنسى كل هذا. فقلت له :
-استعن بالصبر والصلاة وبمعاشرة الصادقين، فقد قال تعالى:( أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين). فالكون مع الصادقين مما يستقر به الإيمان في القلوب، وأما دمت في تلك المعاشرة السالفة التي تقضي بها لياليكن فلا تطمع في الإقلاع عن تلك العادة الخبيثة.

ثم أنني كفكفت ما أنا فيه، واندفعت معه في المحادثة المتبادلة، فصار يحكي لي عما يزاوله أصحابه خفية، مما يعرق له الجبين، ويتصبب السامع به عرقا، فقلت في نفسي وأنا اسمع ذلك منه:

-من هنا كان أمثال حماد اقرب إلى الخير في نظري من أمثال هؤلاء، فإن ظواهرهم عامرة وبواطنهم خراب، وقد مرنوا على خشية الناس وعلى الجرأة على الله مرانة تامة، ولا أصعب من إزالتها من جبلاتهم، بخلاف أمثال حماد فإنهم وإن كانوا يجاهرون – وكل الناس معافى إلا المجاهرين – يرجى منهم أن وجدوا ناصحا لبقا أن يرجعوا، وقد تربوا بالتربية الأوربية على الصراحة التامة، فلا يعرفون مجمجمة ولا مراوغة، فما اعتقدوه صرحوا به علانية، ومتى اعتقدوا غدا ضد ما اعتقدوا اليوم عادوا وصرحوا به أيضا.

بت عند سعيد، لا أنكر من أمره شيئان فإنه تمشي على النمط الذي يعرف أنه موافق ذوقي، وقد صار يعلن في كل فرصة ابتهاجه بتوبته على يدي، فاقول في نفسي اللهم اجعلها توبة نصوحا.

                                                *      *     *
في ضيافة إبراهيم
قابلني أمام داره ذلك الصفي القليل النظير بين شبابنا المثقف العامل فبعد التحية دخل بي إلى موضوع التحدث حول أخيه حماد، فنفضت إليه كل ما كان بيننا من حين لاقيته إلى أن ودعني. فابتهج ابتهاجا ألقى على محياه نورا لماعا من البشاشة والنضارة.

وفي عشية اليوم تناولت رسالة من البريد فإذا بها من حماد، يقول فيها:
الأخ المؤثر المكهرب بقوة حجته(فلان) تركتني على أحر من جمر، فقد أثرت مني ما لم يثره قط من أعماق فؤادي مثير، حتى أنني بياض أمس، اعتزلت في غرفتي لدراسة ذلك الموضوع الجلل، ولم أكد افتتح التأمل فيه من كتاب«فلسفة الأديان» للعالم اجوست سباتييه، حتى فاجأتني موجة من التفكير غمرتني، فظلت أسبح على أجنحة التأملات سبح الذرة في أجواز الفضاء، فنسيت نفسي والكتاب الذي بين يدي، فوجدت لتأملاتي من اللذة العجيبة ما لم أجده في تأملات صاحب الكتاب، فظللت على ذلك من الزوال حتى العشي وقد حاول بعض المعاشرين أن يخرج بي في الأصيل، فاعتذرت إليه، وبقيت كذلك حتى مضى جل الليل، لئلا تنقطع عني لذة ما أنا فيه من إمعان التأمل، واكتب إليك وإلى أخي إبراهيم أعرض عليكما – إن وافقتما – تأخير ذلك المجمع إلى ما بعد أيام، ريثما أستقر وراء تأملاتي على قرار. وإلى اللقاء القريب.

*  *  *
وافقناه على ما اقترح، وأبرقنا لأخويه بأننا أخرنا المجمع إلى آخر الشهر الآتي، فبدا لي ولإبراهيم تحرير رسالة نشق بها الطريق أمام تأملات حماد، متكلين على الله في نفعها، وقد تراءى لنا من رسالته، أن الذي أطلق عليه التأمل إنما هو حيرة، ونحن نعلم من علم النفسيات، أن الذي لم يكن من عادته قط إمعان الفكر في شيء يستعظمه تغلب عليه الحيرة، ويحتاج إلى من يوجه فكره إلى الناحية المخصوصة، ويستجمع قوته إليها، وقد كنت أريت حمادا كيف يفكر في الموضوع وكيف يدرسه ويبدأه على أساس ما يعلمه مما وصلت إليه العلوم الكونية اليوم من السعة والتدقيق في النبات والحيوان وأجواز السماوات، ولكنه مغلوب كما يظهر بأمواج الحيرة، فأشفقنا عليه أن يسبح كثيرا على غير الوجهة المقصودة، فكتبت إليه الآن هذه الرسالة على نهج ما تقدم مني إليه: 

                                                 *  *  *
الدكتور العزيز الفاضل حماد
قبلنا اقتراحك، واجلنا انعقاد المجمع إلى آخر الشهر المقبل بحول الله.

إن الإنسان غير الحيوان الأعجم وليس التفاوت بينهما بالكلام البين المتزن النبرات المعلن ما في خوالج الضمائر فقط بل كان التفاوت الأعظم مرتكزا على أن الإنسان يشعر دائما أو في فينة بعد فينة على الأقل، بأنه لا يكفيه لسعادته المطعم والمشرب والمأوى، بل تتوقف غاية التوقف على ما وراء الماديات، فتتطلب إحساساته مطالب معنوية، تريد أن تستمدها من غير الماديات، فيطلبها بعضهم في مغازلات الهوى العذري إن كان حبه عذريا لا غرض له في الاستمتاع بالشهوة البهيمية، ويفتش عنها آخرون بين أصداء الشهوة الطنانة، فتراهم ينفقون كل ما في أيديهم من المادة لتذوق لذتها المعنوية، أو تراهم يتعرضون بين القنابر للفتك الذريع، تلذذا بطنين ما يستمتعون به من سمعة الشجاعة والإقدام، فيجودون في ذلك بجميع ما بين أيديهم من أولاد وأموال، بل بمهج الأرواح – والجود بالنفس أقصى غاية الجود – أو تجد آخرين يستميتون وراء معتقدات تأثروا بأرواحها غاية التأثر، فلا يبالون بالماديات ولا بكل ما إليها، بل يبذلون هذه الحياة وكل مباهجها ومتعها عن طيب نفس، ووجوههم متهللة منتظرين لحياة أسمى وأعلى.

فما هذا الشعور الذي يسود على الإنسان ولا يسود على غيره من الحيوانات ؟ وما هذا الإحساس الذي تغمره أمواج موجة وراء موجة، حتى لا يكتفي بمتع المادة فقط ؟.

فأما هؤلاء الذين يسبحون في الهوى العذري، أو كانوا مجنونين بالشهرة أو طيب الذكر، فإن متعهم كلها وإن كانت معنوية، مقصودة على هذه الحياة، ولكن الذي يستلفت أنظار المتأملين، وأفكار الباحثين، هو هؤلاء الذين يسقيهم دين من الأديان كأسا دهاقا، ويبعث منهم عاطفة متأججة، فنجدهم لا يبالون بما يبالي به أصحاب الهوى العذري، ولا عشاق الشهرة الطنانة، من متع هذه الحياة فلا يجعلونها المثل العليا.

ما هو الدين ؟ ما هو الإله الذي على اعتقاد وجوده يدور محور كل دين ؟ أحقيق أن هذا الإله هو الذي خلق هذا الوجود على هذا النظام العجيب الذي يراه ؟ أصحيح أن القوة التي أوجدت هذا العالم هي التي تتولاه دائما في أطوار تغيرات كل ما فيه من غروب شمس وطلوعها، ونبات الأشجار ونضارتها ثم ذبولها، وتكون الحيوانات من بين أحشاء الأمهات بكبرها فكهولتها فشيخوختها فموتها ؟ أصحيح أن الإنسان العاقل العالم المدجج بأسلحة المعارف وبالتجارب لا يزال ككل ما سواه من الحيوانات العجماء تحت يد تلك القوة، فهي التي تسيره كيف تشاء، وتميل به حيث تريد، وأن إرادته إنما هي قبس من إرادتها ؟ وهل حقا هذه القوة موجودة، أم إنما كل ما تقوله الأديان ويتبادر إلى الإحساسات أوهام ؟ أوهام تلقنها الصغير من الكبير، وتلقاها المتأخر عن المتقدم ؟.

يجب على طالب الحقيقة ممن يجلس إلى مشاعره وإلى إحساساته أن ينتحي في حين من الأحيان إلى منعزل، فيجرد نفسه من كل ما كان يعلمه في هذا الموضوع قبل، أو طالعه أو سمعه سواء من جهة أصحاب الأديان أم من جهة الملحدين الكافرين بالأديان، ويتمشى على طريقة ديكارت في نبذ كل ما أثرته فيه الوراثات والبيئات، فحسب نفسه كأنه لا علم له بالموضوع، ولا له فيه تفكير قط، إلا الساعة، ثم يطلق إحساساته ومشاعره في أجواز التأمل، مستضيئا بعقله الذي هو نبراس الإنسان المختص به من بين ما حواليه من المخلوقات، ثم يجول جولة بين السماء والأرض، يبدأها من نفسه. فيقول:

-ها أنا ذا موجود بلا ريب، وهل يمكن أن يكون موجود بلا موجد ؟ أو لا بد لكل محدث من محدث، كما قال غارفليد: (لا تحدث الأشياء في هذه الدنيا ما لم يحدثها أحد) وليتأمل بعقله، لو كان يمشي في فلاة خالية فوجد ءالة من ءلات المذياع أو الحاكي ملقاة ولم يكن له بها علم قطن ثم اهتدى إلى إطلاق الأصوات الرنانة من الآلة: أكان عقله يعتقد أن تلك الآلة وجدت هناك بغير موجد ؟ ثم  إن أمعن النظر في داخلها ورأى كل ما تحتوي عليه، أكان يحسب موجدها عاملا بحكمة، أم أن وجود كل أجزاء الآلة إنما كان مصادفة ؟ فلا ريب أنه يخرج من هذا التأمل بأن للآلة موجدا وأن ذلك الموجد عالم عامل بحكمة، فإن خرج بهذه النتيجة من تأمله في تلك الآلة، فإن النتيجة التي يخرج بها في تأمل أجزاء جسمه، خصوصا أن نظر إليه بوساطة علم التشريح، أعظم من النتيجة التي رجع بها من تأمل الآلة، لان تركب الجسيم بكل ما يحتوي عليه، وكل جزء يودي وظيفته من غير إرادة خاصة من الإنسان صاحب الجسم، وأما إن أضاف إلى أجزاء الجسم الروح التي تدبر الجسم تدبيرا لا يزال مستعصيا عن مدراك العقول كما استعصى عليها إدراك منه الروح، فإن النتيجة أعظم وأعظم، ثم إذا تجاوز المتأمل في جولته هذه جسمه إلى عالم الحيوانات المختلفة المدارك، العالمة عملا واحدا بتمييز متحد، أغرب وأعجب، فإن شعوره بصحة النتيجة المتقدمة، يزداد ازديادا عظيما، خصوصا إن نظر بنظر ما أدركه العلم في دارسه عالم الحيوان، فاعتبر تأثير الحرارة على خلايا الحيوانات من حيث التحلل، والتركب، والتبخر، والامتصاص، والإفراز، ويزداد عبرة بإجالة نظرة حول غرائز أمثال النحل والنمل، ثم إذا وصل عالم النباتات فتأمل تأثير أشعة الشمس على المادة الخضراء في أوراق الشجر، وضرورة تلك المادة في النمو والإزدهار، وكيف تتنفس خلايا أوراق الأشجار ؟ وكيف تتسرب ذرات الأوكسجين وجزئيات حمض الكربونيك منها إلى الأجزاء، فتتكون السوق والأغصان والأزهار والأثمار ؟ كيف تختلف الأثمار من أنواع الأشجار في الألوان واللذات والأشكال والحجوم، وكيف تتلون الأزهار بألوان عجيبة تبهر الأبصار ؟ وكيف تؤتي كل هذه النباتات أكلها أو أزهارها أو حبوبها في مشارق الأرض ومغاربها على كيفية منظمة ؟ إذن يدرك أن القوة التي تتونى تسيير كل ذلك ليست إلا قوة عاملة بحكمة تفوق حكمة الإنسان.

وأما إذا أجال المتأمل عينيه في السماء، فرأى ءاية النهار، وأدرك أن منها مستمد القوة التي يعيش بها حيوان الأرض ونباتاته، فإنه يدرك أن موجود الأرض هو هو بعينه الموجد للسماء بدليل توقف ما في الأرض على ما في السماء، كما نرى من احتياج كل ما في الأرض إلى حرارة الشمس.
ومتى سبح بعقله مع سابحات الليل ورأى القبة الخضراء المرصعة بنجوم بيضاء، ورأى كيف تتحرك تلك المجموعة الشمسية العجيبة بكيفية مدققة الحساب، وأن عددها يصل فيما يدركه علم الإنسان إلى ملايين، ثم لم تكن تلك المجموعة الشمسية إلا مجموعة صغيرة من المجموعات التي أدرك الإنسان بعلمه وعقله وجودها، ثم عجز علما وراءها كما لا يزال عاجزا حتى في إدراك حقائق عظيمة في جسمه، فإنه يرجع وهو يسلم يقينا قدرة تلك القوة، وعلمها الواسع سعة يعجز العقل عن إدراكها.

لا ريب أن العالم، كحضرتك أيها الدكتور، إن جال مثل هذه الجولة، مستعينا أولا بعقله وبشعوره وبإحساسه، ثانيا بما علمه مما وصل إليه علم هذا  العصر في دراسة الكون والنبات والحيوان وغيرها، جدير بأن يستنتج نتيجة عظمى في هذه الجولة، تسود سماسرة الإلحاد، وأسرى المادة، ولا سيما إن درس مع ذلك علم الأرواح، فإنه يدرك أن للعالم موجدا بلا ريب ولا شك، وأنه كما أوجد المحسوسات أوجد أيضا عوالم لا نحس بها بديهة، ولكنها موجودة يقينا، وهذا الموجد هو الله لا إلاه هو عند أصحاب الأديان، وهو الذي يعنيه غيرهم بالقوة الخفية العاملة بحكمة.

وأرجو أن تهتدي أولا من دراسة نفسك فتفكر كيف خلقت من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم صرت جنينا، ثم طفلا، ثم شابا ثم كهلا كما كنت اليوم وأنت ابن 45 سنة، فلا ريب أنه ليس لوالديك في نشأتك الأولى يد، ولا لهما أيضا يد في تنمية أجزاء جسمك، ففكر في هذا كثير، فإنه مفتاح تلك الجولة وهو نهايتها.

وأما كتاب(أوجست سباتييه) وكثير من أمثاله ككتاب(تاريخ الأديان) لرينان، فإنها لا تخرجك عن التقليد. فهذا كتاب الكون مفتوح أمامك، فاقرأ سطوره الوضاحة البينة ترشد، فإن ذلك اقرب لما تريد، وإلا فكيف تنتفع إن لم تدرس لنفسك، بقولة أو نسب رينان في كتابه المذكور:
(من الممكن أن يضمحل ويتلاشى كل شيء نحبه من ملاذ الحياة، ومن الممكن أن تبطل حرية القوة العقلية والعلم والصناعة، ولكن يستحيل أن ينمحي التدين أبدا، وسيبقى حجة ناطقة على بطلان المذهب المادي، الذي يريد أن يحصر فكر الإنسان في المضايق الدنيئة الطينية) وبقولة اجوست سباتييه في كتابه المذكور:
(لماذا أنا متدين ؟ أنا متدين لأنني لم استطع خلاف ذلك، لأن التدين لازم معنوي من لوازم ذاتي يقولون لي : إن ذلك اثر من آثار الوراثة، أو التربية أو المزاج، فأقول لهم : قد اعترضت على نفسي كثيرا بهذا الاعتراض، ولكنني وجدتها تقهقر المسألة ولا تحلها، وإن ضرورة التدين التي أشهدها في حياتي الشخصية أشاهدها بأكثر قوى في الحياة الاجتماعية البشرية، فهي ليست أقل تشبثا مني بأهداب الدين، فالدين باق وغير قابل للزوال، لا ينضب ينبوعه بل نراه يتزايد اتساعا وعمقا تحت المؤثر المزدوج من الفكر الفلسفي والتجارب الحيوية المؤلمة).

إن أمثال هذه الأقوال لا ينجع دواؤها فيمن ارتطم في أدران الشبه، وكان قلبه في غلاف من الشكوك، فما حك جلدك مثل ظفرك فتول أنت بنفسك الدراسة لنفسك فإن التقليد لا يحبه عاقل، ولا يقول به عالم ولا يجيد نفعا في أي دين.

إن أسباب البحث لا يعدمها الإنسان، فإن في طواياه شعورا خفيا لا يزال يدعوه إلى التأمل في أنه ضعيف، وأن ضعفه حقيقة لا ريب فيها، وكثيرا ما يدعو شعور من لا يقول بالله صاحبه إلى مراجعة الحق حين تصدمه إحدى الحوادث التي لا تنقطع عن الإنسان في كل حياته، فمن أصيب بمصيبة من هؤلاء يحس من ضميره منبها على الرجوع إلى الإقرار بالضعف، وإلى إسناد القوة لمن أوجده من العدم، ولكن كثيرا ما يمر هذا الشعور بالماديين الملاحدة، كوميض البرق، حين لا يجد منهم إصاخة ولا من إرادتهم التفاتة، ولا من عقولهم أية انتباهة لذلك، قال بعض الفلاسفة في الموضوع:

(إذا أصيب الإنسان بمصيبة تلظى فؤاده نارا، وكادت نفسه تطير شعاعا، وشعر بحقيقة ضعفه ووهنه وأحس بضئولة قوته وحوله، وإدراك كنه مركزه في هذا الوجود الهائل، وعرف أنه فيه غريب وحيد، بل طريد شريد، أينما يوجه لا يجد معينا له على بلائه، ولا مقيلا له من تعثره في ذيول لإوائه، يرفع رأسه إلى السماء فلا يرى إلا الكواكب الزهر تسبح في الفضاء، والصمت شعارها، والسكوت ديدنها ويرمي بعينيه إلى الأرض فلا يرى إلا غيرانا وجبالا وهضابا وتلالا، إن ناجاها ارتد عليه صوته أو ذهب أدراج الرياح، ثم يرجع إلى نفسه فيرى حوله قومه وبني أبيه، وليس فيهم احد منزه عن مثل ما ألم به – وهبه مليكا متوجا، أو عالما عبقريا، أو غنيا بألقاب المليونير مكللا – فليسوا بأقل احتياجا لتلمس المخلص من مهددات الوجود ومبيدات الحياة، إذن ماذا يعمل هذا الإنسان وهو في تلك الحالة الحرجة والموقف الصعب ؟ بأي ركن يعتصم وإلى أي ملاذ يلوذ ؟ على أي سند وفي أي مساعد يؤمل النجاة ؟.

ليس أمامه إلا الترامي بين يدي تلك القوة الأزلية التي أخرجته من العدم، وقضت عليه بما هو فيه من ذلك الحال، تلك القوة التي أقامت هذا الوجود على دعائم الحكمة غير المتناهية، تلك القوة التي لم تضع شيئا في غير محله، ولم تهب شيئا بدون فائدة، تلك القوة التي وهبت الإنسان هذا الفكر الطموح، والعقل الجموح، والإحساسات المتعاكسة، والميول المتضاربة، لحكمة بالغة ومقصد عظيم.

إذا ألقى الإنسان بنفسه بين هذه القوة، ثلج صدره، واطمأن على نفسه، لتحققه أن هناك قوة معتنية به ومهيمنة عليه ولو فقد الإنسان الثقة بهذه القوة فكيف تدخل نفسه طمأنينة، لم يتذوق لذة الراحة والسكينة).

ما أكثر غرور الإنسان، وما أجهله لإنسانيته وبما يراد منها، فقد يحكم على نفسه بأنه والجمادات سواء، أو ليس الجاهل المغرور يقول: إن هو إلا وجود قصير لا فائدة وراءه ثم لا حياة بعده، فلو أن إنسانا رأى آخر عمد إلى فلاة بقاع خالية، فبنى فيها قصرا عظيما فيه كل ما انتهى إليه فن المعمار من الهندسة التي تبهر العيون، وتستنفد العجب، ومن زخرفة خلابة النميقات، غريبة التنسيقات، بألوان باهرة، وتذهيبات متلألئة، وترخيم مجزع، وتزليج مرصع، ثم نسق حدائق حوالي القصر، ترف بأنواع الأزهار صنوان وغير صنوان، تتخللها جداول متدفقة بالنمير الزلال، وهي تتلوى بين حياض الأزهار المنظمة وتحت ظلال الأشجار المخضرة، ثم لم يعد الباني هذا القصر العجيب إلا ليمكت فيه ثانية فقط ثم يدعه لخراب ينعق فيه البوم، وتتخذه الغربان معششا، لعد منه ذلك حمقا أي حمق، وبلها يستحق به أن يودع في مستشفى المجانين.

أفليس كذلك من يرى كيف خلق الإنسان هذه الخلقة العجيبة بروح لا تقنع إحساساتها بالمادة، وبعقل طموح يتسع محيطه لكل هذه الكائنات على رحبها، ثم يزعم أن الحكمة التي نسقت الإنسان أحسن تنسيق، لم ترد به إلا هذه الحياة وحدها، وهي كلا شيء بين تطاول الأزمنة الماضية والحاضرة، وزيادة على أنها حياة قصيرة مفعمة بالارزاء، وبمعارك ممضة فيما وراء القوت، تنكسر فيها النصال على النصال.

ألا فليعتبر في ذلك المعتبرون الذين يقولون: إن هي إلا أرحام تدفع وقبور تبلع، فأي فرق حينئذ بين الإنسان والبهائم التي يسخرها الإنسان ؟
أيها الدكتور الجليل، هناك بعض أفكار حضرت، لعلها تساندك في دراستك حول القوة الموجدة للعالم، أهي عاملة بحكمة أو لا ؟ وإلى اللقاء.

 


 

 

 

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here