شارك

حازم القرطاجني وآثاره

  دعوة الحق

العددان 41 و42

عرفت حازم القرطاجني من خلال مقصورته الشهيرة التي مدح بها امير المؤمنين المستنصر الحفصي،  وكنت اتتبع هذا النص البديع في الادب العربي بغاية الاهتمام والدرس، ولاسيما وفن المقصورات مازال من الفنون التي لم تنل حظها من البحث والدرس والمقارنة، ومازال شعراء المقصورات يعيشون على هامش البحث الادبي، بينما شعراء المعلقات والمذهبات والاراجيز والبديعيات ينالون حظا وافرا من الترجمة والبحث عند مؤرخي الادب العربي ونقاده من عرب ومستشرقين..
وقد حظي ابن دريد بنصيب لا باس به من الدراسة والبحث وهو من شعراء المقصورات المبرزين.. لكن ابن دريد حظي بهذه الدراسة لكونه خصب الانتاج في اللغة والنحو والفنون الادبية الاخرى وقد نسجت حوله هالة كبرى من الاوليات.. فهو في نظر بعض الباحثين – أول – من فكر في فن المقامات باحاديثه المبتكرة والمنشورة في الامالي لابي علي القالي.. كما انه في نظر آخرين – أو ل- من ابتكر فن المقصورات .. ولسنا بصدد مناقشة هذه الاراء الان .. وانما هي التفاتة إلى هذا الفن المهجور .. لعلنا نوفق إلى دراستها فيما يستقبل من ابحاث .. وهمنا الان البحث عن حازم القرطاجني الاديب الفحل الذي اشتهر بمقصورته البديعة التي اطال فيها النفس الشعري حتى بلغت ابياتها الالف .. وبحثنا عن هذا الشاعر ينحصر في نقطتين اثنتين :
الاولى : عصر حازم من الناحية السياسية والادبية.
الثانية : شخصية حازم واثاره.
ابتسم الدهر للمغرب العربي والاندلسي يوم أظلته الوية الخلافة الموحدية فعاش المغاربة في تونس والمهدية وبجابة وتلمسان وفاس ومراكش واشبيلية والمرية وقرطبة عصرهم الذهبي، وزخرت امصارهم باعلام اللغة والدين والادب والتاريخ والفلسفةوالسياسة والحرب .. ونضجت حضارة المغرب والاندلس نضجا مازال يلفت انظار الباحثين والمؤرخين .. ومازالت الايام ترينا من معالم ذلك العصر ما يعد دليلا قاطعا وبرهانا صادقا على ان الحضارة المغربية الاندلسية كانت في عصر الموحدين مثلا اعلى لشعوب اسيا واوروبا وافريقيا .. وكان عصر المنصور بنوع خاص عصرا سجل مفاخر لا تبلى جدتها، وعظمة لا تذوى زهرتها .. فالى جانب النبوغ الادبي والتقدم العلمي والازدهار الاقتصادي والعمراني .. كان التفوق الحربي ممثلا في الاساطيل البحرية التي تمخر عباب البحر الابيض المتوسط .. والجيوش البرية التي كانت تحمي سواحل البلاد من اعماق الصحراء إلى برقة .. وتنتزع النصر على القوى الزاحفة من جيوش قشتالة النصرانية في الاندلس.. ولاسيما في معركة الارك سنة احدى وتسعين وخمسمائة حيث كان نصرا باهرا سجله الاسلام على الصليبيين في الاندلس بقيادة يعقوب المنصور الموحدي .. كما سجل نفس الانتصار صلاح الدين الايوبي على الصليبيين في الشرق وذلك بفتح القدس سنة ثلاث وتمانين وخمسمائة مما جعل البطلين رمزا لعظمة العصر الذي نتحدث عنه، وعنوانا يشع بالبطولة والعبقرية في سائر الميادين..
وودع المنصور الحياة ودخلت الدولة في مرحلة اخرى من حياتها، وحاول الناصر ان يحتفظ بمكاسب الدولة وان يطيل حبل الاستقرار والازدهار اللذين كانا شعار المنصور وعنوان عصره، وثمره مجهوده فسجل انتصاراته على ابن غانية في تونس، وعلى الصليبيين في الاندلس، غير ان كارثة اعقاب سنة 609هـ كانت النذير الاول بتفتت الوحدة وانحلال الرابطة، وتقلص الظل الوارف الذي تعيش تحت الويته كل من الاندلس والمغرب، وتلا هذه الكارثة ما سجله التاريخ من ضعف في ملوك الموحدين الذين جلسوا على عرش مراكش وقنعوا من الحياة بما تيسر ولان.
وبعض هذا كان كافا لقيام دول وحكومات في تونس والجزائر والمغرب والاندلس.. على انقاض دولة الموحدين واشلاء امبراطوريتها وهو ما كان بالفعل .. فاصبحت كل من غرناطة وتونس وتلمسان عاصمة دولة على راسها امير او ملك او خليفة امير المونين..
هكذا يصور لنا التاريخ عصر حازم القرطاجني وهو كما ترى عصر تحول وانتقال، عصر نشوء دول وقيام حكومات كل منها تطمح لان تنال من وسائل التاييد وفرض الوجود ما يثبت اقدامها، ويعلي شانها ويكسبها العظمة والخلود..
وقد عودنا التاريخ العلمي والادبي ان مثل هذا العصر يكون طافحا بالاعلام والعباقرة والشعراء والمؤلفين والمؤرخين، لان هؤلاء هم السند المعنوي للدول الناشئة وهم عنوانها البارز في الداخل والخارج وهم في الوقت نفسه محل تنافسها لجلب اكبر عدد منهم ال بلاطها.. والامثلة الحية لهذه الظاهرة التاريخية كثيرة في عصر ملوك الطوائف بالاندلس، وعصر انحلال دولة بني العباس في المشرق، ودولة الموحدين في المغرب.
وصاحبنا حازم خضع لهذه العادة فقد عاش في مسقط راسه بالاندلس، ثم هاجر إلى بلاط الموحدين بمراكش ثم استقر به المقام في بلاط الحفصيين بتونس.
وكان سقوط العواصم الاندلسية في ايدي الصليبيين الزاحفين من الشمال والشرق والغرب عاملا اساسيا في هجرة هؤلاء الاعلام الاندلسيين إلى المغرب وتونس ومصر وغيرها من اقطار الاسلام طلبا لالامن والاستقرار.
وكتب التراجم طافحة بهؤلاء الذين تركوا مساقط رؤوسهم في الحواضر الاندلسية ورحلوا عنها وهم يندبون صفحات من الماضي تطوى، ومجدا يدفن، وتاريخا اصبح في خبر كان.. فتكملة ابن الابار 659 وصلة ابن الزبير 708، والذيل والتكملة لابن عبد الملك 703، وغيرها من المصادر التاريخية تضم عددا لا يحصى من هؤلاء الذين عاصروا الفواجع الاندلسية وطوح بهم الدهر هنا وهناك..
بعد هذا التصوير المجمل لعصر حازم ننتقل إلى ترجمته الشخصية ومراحل حياته في الاندلس والمغرب وتونس.
ولد حازم على ما يظن بقرطاجنة الحلفاء كما يسميها ابن عبد المنعم في الروض (1) المعطار وهي مدينة ازلية في شرق الاندلس على شاطئ البحر المتوسط، جيدة التربة والمناخ، تقع وسط اقليم تدمير الشهير بمحصولته وغلاته قديما وحديثا..وكان مولده سنة 608هـ (2)وهي السنة التي عبر فيها الناصر إلى الاندلس ليخوض فيها غمار معركة العقاب المشؤومة على الاندلس والمغرب معا .. ولا نكاد نعرف عن نشاة حازم وتربيته ودراسته الاولية شيئا يذكر سوى بعض الاستنتاجات التي نستنتجها من اقوال المقري في نفح الطيب، وازهار الرياض، والسيوطي في بغية الوعاة ..
ويظهر من آثار حازم انه درس في الاندلس دراسة متينة ولا سيما فنون الادب واللغة متنقلا بين الحواضر الشرقية منها بنوع خاص، ويقول السيوطي "انه روى عن جماعة يقاربون الفا (3)" وكان في مقدمة الاخذين عليه الامام ابو حيان النحوي الذي يقول عن شيخه حازم : " وهو اوحد زمانه في النظم والنثر والنحو واللغة والعروض وعلم البيان (4)" .
كما يظهر ان نبوغ حازم كان في سن مبكرة جدا لاننا نجده يغادر وطنه إلى المغرب الاقصى بعد ان يترك هناك شهرة ذائعة الصيت، وينزل عاصمة مراكش ويمدح الرشيد الموحدي امداحا كثيرة كما يقول صاحب ازهار الرياض (5).
اما سبب هذه الهجرة فهو ولا شك ما هب على الاندلس من اهوال الغزو الصليبي الزاحف من الشمال والشرق والغرب، واما زمانها فمنحصر بين سنة 630هـ و 640هـ، وهي المدة التي جلس فيها الرشيد على عرش مراكش، فيكون سنة اذ ذاك ما بين الثانية والعشرين والثانية والثلاثين.. ولم يطب الصاحبنا المقام بمراكش بسبب الحروب والفتن الداخلية المندلعة في كل مكان ايام الرشيد ومن تلاه من ملوك الموحدين.. ولا يتسع المقام هنا لتجيل جميع الفواجع والاحداث في العدوتين كثورة ابن هود .. وسقوط قرطبة في يد الاسبان سنة 636  (6) وقيام دولة بني الاحمر في غرناطة .. وبني مرين في المغرب الشرقي .. واستقلال الحفصيين بتونس .. وبني عبد الواد بتلمسان.
 فالاحداث والفواجع في عصر حازم تتابع بكيفية مهولة لا في المغرب والاندلس فحسب بل في الشرق ايضا حيث ستلفظ الخلافة العباسية انفاسها في بغداد سنة 656هـ تحت صربات التتار السفاحين ..
ويرحل حازم من مراكش إلى تونس ولا ندري زمن الرحلة بالضبط، غير ان قول المؤرخين انه اتصل بابي زكياء يحيى بن عبد الواحد الحفصي امير تونس ومدحه، يجعلنا نعتقد ان هذه الرحلة من مراكش إلى تونس كانت قبل سنة 647هـ وهي السنة التي توفي فيها ابو زكرياء (7).
شاهد حازم في تونس املا ينبعث وماضيها يتجدد ودولة فتية تريد ان تبعث في تونس ما اناخت عليه الاحداث بكلكلها في مراكش من مجد الموحدين وعظمتهم، اذ لا يخفى ان الحفصيين يرجعون في نسبهم إلى قبيلة هنتاتة البربرية وهي احدى فروع المصامدة القائمين بدعوة الموحدين في المغرب (8). واول من تولى منهم امارة تونس هو الامير عبد الواحد بن عر الهنتالي، بامر الخليفة الناصر الموحدي سنة 603هـ عندما استرجعها من يد ابن غانية ثم اصبحت هذه الامارة – خلافة - بعد ما وصلت امراءها بيعة شاطبة يجملها العلامة ابن الابار، وبيعة سبتة وسجلماسة ثم بيعة اشبيلية.. واخيرا بيعة مكة الكرمة ؟ سنة 657هـ (9).
واستمر المقام بحازم في تونس في ظل الحفصيين، وامتدت حياته بها إلى ان وافاه الاجل المحترم سنة 684هـ (10) واتصل كشاعر للدولة بملوك ثلاثة : ابي زكرياء الاول (625/647) وابي عبد الله المستنصر 647/675 وابي زكرياء الثاني 675/678  (11)غير ان الحظوة الكاملة والجاه الرفيع انما نالها حازم ايام دولة ابن عبد الله المستنصر والى مقامه رفع مقصورته الخالدة، ويحدثنا لسان الدين بن الخطيب في الاحاطة (12) عن الشيخ ابن العباس ابن الكاتب عن حازم بقصة لا تخلو من طرافة وهي في الوقت نفسه تدلنا على مكانة حازم عند مخدومه ابن عبد الله المستنصر...

اثار حازم
1) المقصورة : هي اعظم اثار حازم الادبية تشتمل على الف بيت من الشعر الجيد المسبوك في بحر الرجز، رفعها إلى متبوعه ابن عبد الله الحفصي وهي من الملاحم المطولات الجديرة بالدرس والبحث لا عن لغتها الت تبدو مثلا عاليا في الاحكام والدقة في التعبير فحسب، بل وعن وصفها البديع الرائق  وخيالها الواسع المتعدد الاطراف.
فحازم قد تناول ممدوحه بمناقبه ومفاخره وماثره في العلم والعمران بخمس المقصورة، اما اربعة اخماسها فقد افاض في الوصفيات والوجدانيات والاخوانيات.. وهو في كل ذلك هادئ الاعصاب، قوي الذاكرة .. يغرف من فيض، وينفق من جم لا تضيق به قافية.. ولا يحرجه عروض.
لله ما قد هجت يا يوم النوى
                       على فؤادي من تباريح الهوى
لقد جمعت الظلم والاظلام اذ
                       ورايت شمس الحسن في وقت الضحى
فخلت يومي اذ توارى نورها
                      قبل انتهاء وقته قد انتهى
واقرا وصف معركة صيد خرج لها الامير في رفقة اسفرت عن ضحايا من الوحش وقعت صريعة الاقواس والحراب والحبال ..  واقرا وصفه الحدائق والمنتزهات.. واقرا مودة الاخوان وصفاء الخلان، كل ذلك باسلوب تمتزج فيه رقة الطبع بجزالة اللغة حيث يكمل كل منهما الاخر.. وقد ابقى الدهر على هذه التحفة الادبية فشحها ابو القاسم الشريف السبتي المتوفى سنة 760 وهو مطبوع بمصر سنة 1344هـ، كما شرحها جلال الدين المحلي الشافعي المتوفى سنة 864هـ (12).
2) كتاب القوافي : ولا نعلم عن هذا الكتاب شيئا سوى ان المقري في ازهار الرياش ذكر ان ابن رشيد الفهري شرحه وسمي شرحه : (وصل القوادم بالخوافي) (13)
3) شد الزنار : على جحظة الحمار : رد فيه على ابن عصفور النحوي ذكره المقري في نفح الطيب.
4) نقد كتاب – وشي الحلل – تاليف ابن جعفر احمد ب يوسف الفهري الليلي وكان قد رفعه للمستنصر الحفصي فكلف هذا حازما بنقده وقد روى المقري القصة بطولها في النفح.
5) سراج البلغاء في البلاغة ذكره السيوطي في البغية والمقري في ازهار الرياض، واظن ان هذا الكتاب هو الذي عناه الاستاذ عثمان الكعاك بقوله : "كتاب في نقد الادب من احسن ما الف في العربية مخطوط بجامع الزيتونة".
6) منظومة على روى الميم ذكرها السيوطي في البغية.
7) ديوان شعر يوجد بمكتبة – الاسكوريال – عدد 454 كما يوجد مجموع اخر من شعر حازم في نفس المكتبة عدد 382.
8) القصائد الشعرية في النفح والازهار وهي :
أ‌- الطائية وهي مطولة رائعة البيان تشتمل على 97 بيتا.
ب‌- الجيمية التي عارض بها رائية ابن عمار وتشتمل على 32 بيتا من الشعر الرائق الجميل.
ت‌- اللامية التي ضمن فيها معلقة امرئ القيس
ث‌- مقطعة في الوصف تشتمل على اربعة ابيات
ج‌-  مقطعة في الوردة البيضاء تشتمل على ثلاثة ابيات وكلتاهما في الجزء الثالث من ازهار الرياض ص 177/178.
- وقطعتان نونيتان ينسب ابن عبد الملك في الذيل والتكملة الاولى منهما إلى : ابي علي حازم ؟ والثانية إلى ابن الحسن حازم بن حازم .. ؟ وكلتاهما قيلتا في مجلس الرشيد بمراكش.
هذا ما استطعنا ان نجمعه من اثار حازم ولعل ما فاتنا اكثر لان الاحاطة لا سبيل اليها مادمنا لم نطلع على العدد الكثير من المخطوطات في هذا الميدان.
اما قيمة حازم في نظر معاصريه فيكفينا ان نعلم انه عاش في بلاط الحفصيين، وكان مع الحافظ ابن الابار المقتول سنة 658 كفرسي رهان في ميدان الاداب، وقد جمعهما الزمان وتعلقهما من الدولة الحفصية باهداف، كما ذكره الامام ابو حيان في ثبت شيوخه وابن رشيد الفهري في رحلته وقال فيه : " حبر البلغاء وبحر الادباء" .. لا نعلم احدا ممن لقيناه جمع من علم اللسان ما جمع ولا احكم من معاقد علم البيان ما احكم"، اما الرحالة المغربي(14) الحاحي المعروف بالعبدري وان كانت رحلته تاخرت إلى سنة 688 فقد اتصل ببعض تلامذة حازم في تونس واخذ عنه شعره ثم اتصل ببعض تلامذة حازم في تونس واخذ عنه شعره ثم اثنى عليه وناهيك بثناء العبدري وهو ذو اللسان الطويل والمزاج الحاد .. والوصف الرائع والاسلوب الممتاز.

(1)- طبعة القاهرة /1937/ ص 151 مع تصحيف 
(2)- ازهار الرياض/ط.القاهرة/ ج 3، ص 172 
(3)- بغية الوعاة – ص 214 
(4)- نفس امصددر 
(5)- ج 3 – ص 173 
(6)- الاستقصاء – دار الكتاب – ج 2 – ص 246 
(7)- ازهار الرياض – ج 3 – ص 173 
(8)- الادلة البينة – ص 37 
(9)- الادلة البينة – ص 48-61 
(10)- المؤنس – ط تونس – ص 119 
(11)- اعتمدت في الالقاب والتاريخ على ابن الشماع في الادلة البينة 
(12)- طبعة دار المعارف – ج 1 – ص 208 
(13)- كشف الظنون – طبع استنبول – ج 2- ص 1807 
(14)- ازهار الرياض – ج 2 – ص 350 

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here