شارك

المراحل الفكرية بحياة الغزالي-1-

  دعوة الحق

العددان 41 و42

هل يمكننا حقا ان نطمئن إلى قصة الغزالي عن نفسه ونعتمد عليها اعتمادا موضوعيا للتعرف على افكار الغزالي، وتطوراته النفسية؟
فقد كان هذا حال معظم الباحثين المستشرقين منهم وغيرهم، اذ كانوا يتقبلون ما اورده ابو حامد في كتاب (المنقد) تقبلا تاما.
الا ان الشك قد تسرب إلى نفوس بعض الباحثين في القيمة التاريخية لكتاب (المنقد من الضلال)، ومن بين اولئك الاستاذ ابو العطا عبد الدايم البقري الذي حرر كتيبا بعنوان (اعترافات الغزالي وكيف ارخ الغزالي لنفسه).
هذا الكاتب لا يثق بكلمة مما قاله ابو حامد في منقذه باستثناء شيء واحد هو ما اعلن عنه الغزالي من انه قبل خروجه من بغداد كان يطلب الجاه، وانتشار الصيت، وان احسن اعماله – التدريس – لم يكن خالصا لوجه الله.
والبقري يتتبع الغزالي خطوة خطوة، وينتقد كل ما مر به محاولا استخراج التناقضات بين ما يدلي به الغزالي من اراء.. يشك البقري فيما يرويه ابو حامد عن شكه وما يمثل به من الامثلة ويرى ان ذلك الشك قد اصطنعه اصطناعا عندما هم بتاليف كتابه. اما الامثلة التي اتى بها الغزالي فهي قديمة اوردها السفسطائيون، ولكن الغزالي حورها وعدل فيها، وهو نفسه كان قد اتقدها عندما هاجم التعليمية.
ويقارن البقري بين شك ابي حامد وشك ديكارت، فيفضل الثاني على الاول ويرى ان ديكارت قد اشركنا في الخروج من الشك واخرجنا معه منه.. بينما اعتمد الغزالي على نور قذفه الله في قلبه، فخرج من الشك وحده وتركنا حيارى، فديكارت قرب بين مرحلتي الشك واليقين حتى جمع بينهما، بينما باعد الغزالي بين يقين لا يتطرق اليه الريب، وشك لا يخرج منه، ثم انفلت منه وحده، وتركنا في ظلماته، ولذلك يقرر البقري ان الغزالي لم يشك مطلقا، وانما تجمل بايراد ما اورده لكي يتميز عن جمهور المقلدين فيصبح بذلك مرموقا.
ويلاحظ البقري ان ابا حامد لم يخرج عن ربقة التقليد عندما حصر الحقيقة في الفرق الاربع فاا درس الغزالي على الكلام ثم انصرف عنه، كان في ذلك مجال واسع لتساؤلات البقري: كيف لا يجد الشفاء فيما يقول هؤلاء وهم اهل السنة، وليس ما يقولونه الا القرءان والحديث؟ .. هذا ليقول البقري في الاخير ان مقصد الغزالي هنا ايضا ان يبين ان هؤلاء المتكلمين لا ينتفع بهم الا العامة، اما امثاله فلا.. لان ما يحصل من الاستفاذة للناس من المتكلمين انما هو (حصول مشوب بالتقليد فيما ليس من الاولويات).
اما في موضوع الفلسفة فيرى البقري ان هناكتناقضا في كلام الغزالي تنشا عنها نظريتان :
أ‌- ان الغزالي درس الفلسفة ليعثر على الحقيقة.
 ب - ان الغزالي درس الفلسفة ليهدمها.
أ‌- ففي الاولى يلاحظ ابو العطا عبد الدايم البقري ان ابا حامد اعلن مرارا وتكرارا بانه في هذه الجولة الدراسية بين علم الكلم وبين الفلسفة وغيرها من العلوم انما هو باحث عن الحقيقة.
ويرى البقري ان القول بان الغزالي درس الفلسفة ليجد مخرجا من الشكوك التي اعترته، وهو قول عام غير محدد المعالم.
ب‌- ولكن يلاحظ البقري بوضوح ان الغزالي يقول في مقدمة (مقاصد الفلاسفة) انه التمس كلاما شافيا في الكشف عن تهافت الفلاسفة فرأى ان يقدم بكلام وجيز يشتمل على حكاية مقاصدهم كما ان الغزالي يؤكد في (تهافت الفلاسفة) انه درس الفلسفة ليفهمها وينقضها.
والبقري هنا يحترز احترازا، اذ يفهم من كلام الغزالي اه قرأ الفلسفة كباحث عن الحقيقة، فلما وجد الحق نابيا عنها اراد الرد عليها في التهافتـ ولكنه اضطر إلى بيان فهمه لكلام (المقاصد).. الا ان هذا التفسير يبطل كله اذا علمنا ان ابا حامد قد صرح في (المنقد) بانه راى ان المتكلمين لم يستطيعوا ان ياتوا الا بكلمات معقدة مبددة ظاهرة التناقض والفساد في الرد على الفلاسفة، ولانه احس بانه مطالب عندما بدا التدريس سنة 484هـ ببغداد بسد هذا النقص، وباحالة ذلك الكلام المعقد المبدد إلى براهين سليمة واضحة سيما وهو (تلميذ ذلك البطل المنقذ، بطل علم الكلام ورجله الفذ امام الحرمين) كما يقول الاستاذ البقري.
لهذا – اذن – قام الغزالي بتاليف كتبه الثلاثة في الفلسفة..
وهنا يتساءل البقري : افلا يمكن الجزم بانه درس الفلسفة لينقضها ويشوش عليها.. كما قال هو نفسه واعترف به في كتابه (المنقذ) وفي (التهافت) ايضا؟ من هنا ينطلق البقري مؤيدا نظريته لماذا نقض الغزالي الفلسفة وسفه اصحابها؟ لكي يكون هو المتكلم الذي عرف كيف يغالبها ويصرعها فيكبت بذلك انفاس الفلاسفة ويصبح عن جدارة صارع وهادم المتفلسفين.
 ويعيد البقري التاكيد كنتيجة نهائية – ان هناك تناقضا في كلام الغزالي : دراسة الفلسفة بحثا عن الحقيقة ودراستها لنقدها وهدم اصحابها، فيرضى البقري بالشق الثاني ويتبناه، ويطرح الشق الاول.
اما في موضوع التعلميمية فيجد البقري مجالا واسعا، ولا يصدق ان باعثا داخليا من نفس الغزالي قد انضم إلى الباعث الخارجي الوارد من قبل الخليفة للرد على اتباع الامام المعصوم.. بل يرى البقري امر الخليفة هو الذي جعل ابا حامد يحرر كتاب (المستظهري) في الرد على التعليمية فلم يكن غرضه اذن الا ارضاء للخليفة وانتصارا للمذهب الرسمي.
وفي موضوع لجوء الغزالي إلى التصوف يرى البقري ان ابا حامد قد وجد عنه الصوفية ما يكمل به المجد، ويحيط من حوله هالة من التقديس والاكبار لدى العامة.
ويستدل البقري على ذلك بعدم استقرار الغزالي على حالة التصوف، وما اورده عن نفسه من الانشغال الذي لا يسمح له بالخلو إلى نفسه الا لحظات.. كما يرى ان خروج الغزالي من بغداد ثم عودته إلى التدريس بعد ذلك لم يقصد منه الا اكتساب امجاد جديدة.
وبذلك يفهم البقري من عبارة وردت في (المنقذ) ونصها : (واستهدف لائمة اهل العراق كافة اذ لم يكن من يجوز منهم ان يكون للاعراض عما كنت فيه سبب ديني اذ ظنوا ان ذلك هو المنصب الاعلى في الدين، وكان ذلك مبلغهم من العل).. هذه العبارةيفهم منها البقري ان الغزالي كان يسعى إلى منصب اعلى من الذي كان فيه، وذلك ما لم يستطع ائمة العراق ادراكه.
وبصفة عامة، فان الاستاذ البقري قد فسر كل ما قاله الغزالي عن نفسه على ضوء فكرة ثابتة هي عدم اخلاص العمل لوجه الله.
وينتهي البقري إلى القول ان كل ما جاء في (المنقذ) ليس صادقا ولا يتم عن اخلاص. اننا هنا بصدد قصة بطلها ابو حامد الغزالي... فلقد كان يسعى لان يترك للجيل القادم صورة جميلة عن شخصيته، وان يجعل من حياته نموذجا يحله – دون منازع – المحل الاسمى في مختلف مجالات الفكر وشتى مظاهر الحياة الاسلامية في عصره، وخاصة في المجال الصوفي العملي، وفي سبيل ذلك قدم لنا اعترافات ان لم تكن كلها مغلوطة فهي لا تقابل أي واقع تاريخي...
ان البقري يستعمل في كتابه لهجة عنيفة قوية ... وقد بدأ له ذلك ضروريا لخطورة الموضوع وللاهمية التي اعطيت لكتاب (المنقذ) في بيان الحقيقة التاريخية لحياة الغزالي.
فاذا انتهى البقري من ابداء رايه الاخير، بدأ يحاول تلمس الاعذار لابي حامد .. ان الغزالي يحدد في كتاب (احياء علوم الدين) المواضيع والظروف التي يجوز فيها الكذب من الناحية الشرعية.. والغزالي يحاول هنا اصلاح الناس، وهو لا يضر احدا بتلك الاقوال واذن فكذبه هنا مسموح به.
والآن ما موقفنا من كل ذلك ؟
نحن متاكدون من ان الغزالي قبل خروجه من بغداد كان يطلب لغير الله، وكان يقصد إلى الشهرة والصيت، وذلك لانه يخبرنا بهذا بنفسه بكل وضوح وصراحة..
ومن ذلك نعلم ان الغزالي لم يكن يقرر الحقيقة التي يمن بها عندما حاول دحض اراء الفلاسفة في كتاب (التهافت) وانما كان يقصد إلى اظهار براعته وحيازته قصب السبق امام جميع المتكلمين الذين حاولوا فلم ينجحوا الا قليلا، ولم يكن ما ساقوه – كما ذكر الغزالي – الا كلمات مبددة معقدة ظاهرة التناقض.
وصحيح ايضا ان الغزالي قد استمع إلى اوامر الخليفة فالف (المستظهري) في الرد على التعليمية، وانه كان يسعى من وراء ذلك إلى افحام هؤلاء الذين اشتهر امرهم، والى نبل الحظوة وارضاء الحكام.
وصحيح ايضا انه اقتبس الامثلة التي تؤدي إلى الشك في الحسوسات والمعقولات من السفسطائيين الاولين.
وصحيح كذلك انه قد خرج من الشك وحده بنور قدفه الله في قلبه وتركنا نحن حيارى .. إلى ان يقدف الله في قلوبنا نورا مشابها.
ولكن هذا كله لا يقوم دليلا على ان الغزالي لم يكن يتطلع إلى الحقيقة، ولم يكن يسعى اليها بل من المؤكد ان ابا حامد كان وراء تلك التهجمات والمجادلات، ووراء ارشاء الخليفة بالكشف عن اباطيل التعليمية – كان يحاول التعرف على الحق وليس ذلك بامر غريب.
نعم ان الغزالي عندما كان يناقش الفلاسفة ويحاربهم لم يكن – كما ادعى – غير ذاب عن مذهب معين بل من الواضح انه كان يدافع عن مذهب اهل السنة، وان لم يكن ذلك قصده الاول، بل كان يستعمل مذهب اهل السنة كمقابل يعاكس به الفلاسفة ويشاكسهم.
ويجب الا يغرب عن بالنا ان الذي يريد تشويه سمعة الفلاسفة لدى الناس يجب ان يظهر انهم مخالفون للمذهب الذي يرى الناس فيه المذهب الحق ، وذلك لان الغزالي عندما كتب في الفلسفة والرد على الفلاسفة لم يكن قد انكشف له شيء من الحق الذي لا غبار عليه، ولكنه كما ذكرنا كان ساعيا نحو الحقيقة من جهة، ومستعملا لمذهب اهل السنة الشائع في الرد على الفلاسفة.
ان الاستاذ البقري اراد ان يبرز طلب الحقيقة ومحاولة الهدم لاجل الشهرة وطاعة الخليفة على انهما امران متناقضان لا يمكن اجتماعهما، ولسنا نرى ان الامر يبلغ هذا الحد.
وقد لاحظنا ان الغزالي يقول قبل انتقاله إلى وصف تجربته العملية وخروجه من بغداد (وكان قد حصل معي من العلوم التي مارستها والمسالك التي سلكتها في التفتيش عن صنفي العلوم الشرعية والعقلية ايمان يقيني بالله تعالى وبالنبوة وباليوم الاخر فهذه الاصول الثلاثة من الايمان كانت قد رسخت في نفسي لا بدليل معين محرر بل باسباب وقرائن وتجارب لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها).
ان هذا الذي يقصه علينا ابو حامد امر يقع كثيرا، فطالما خاض باحث في موضوع واكثر من التردد عليه حتى تاثر به تاثرا عميقا يبدا غير مشعور به في الاول، ولكنه يتضح شيئا فشيئا حتى لكانه يشمل النفس الانسانية كلها.
ان مجرد ممارسة عمل من الاعمال لمدة طويلة  يطبع الممارس بطابع لا يفارقه، فالغزالي الذي خاض في المسائل العقائدية وبحث في كلام اوتعمق في دراسة مسائل علم الكلام ، وقام بتدريسها واستكشف افكار التعليمية وناظرهم لابد ان يخرج من ذلك باثر يطبع عقيلته بطابع ما.
ومن ذلك يبدو واضحا ان الغزالي عندما خرج من بغداد ليقوم بتجربته الصوفية الكبرى، لم يكن يسعى إلى الحقيقة – كما قد يفهم الكثيرون – فقد انكشفت له الحقيقة ورسخت في نفسه الاصول الثلاثة : الايمان بالله وبالنبوة واليوم الاخر.. فكيف انكشفت له هذه الحقيقة ؟.. بقرائن وتجارب ذات تفاصيل لا تدخل تحت الحصر .. ان الغزالي لم يستطع التعبير عن كيفية ادراكه للحقيقة.. لان الامر لم يتعلق بدليل عقلي بل بتجمع لا شعوري لاثار الدراسات الماضية..
لهذا نقول ان الغزالي عند خروجه من بغداد لم يكن يسعى نحو ادراك الحقيقة بل كان يسعى نحو مطابقة الفكر للعمل.
نعم لقد وصل الغزالي إلى الحقيقة الالهية والى النبوة، والى الايمان باليوم الاخر فما موقفه من الوضع الذي كان فيه ؟
لقد التفت إلى نفسه فوجد انه منغمس في العلائق، وان نيته من اعماله حتى اشرفها – وهو التدريس – لم تكن خالصة لله، بل كان القصد منها طلب الجاه وانتشار الصيت.
ان ذلك لا ينسجم مع ما وصل اليه من الحقائق .. لا ينسجم مع الايمان باليوم الاخر وما يجب ان يقدمه فيه من اعمال صالحة صادرة عن نيات صالحة .. عليه اذن ان يتزود ليوم القيامة بما ينفعه، فان هذا الذي هو فيه ليس الا بضاعة الدنيا الفانية وان الاخرة لهي دار القرار.
هنالك نشا الصراع بين الفكر والعمل .. ذلك الذي ينشا دائما عند اصحاب الضمائر الحية والنفوس الواعية الكبيرة الذين لا يرضون لانفسهم التناقض ولشخصياتهم الانقسام.
يجب ان تنسجم الفكرة والعمل .. هذه هي الازمة.
وكذلك تغلب الفكر عند الغزالي فقام بارادة من حديد يحطم جميع الاسس التي كان قد بني عليها شخصية زائفة لا تليق به .. لا تليق بنفس كريمة كتبت لها السعادة فحرصت عليها.
قام ابو حامد الغزالي إلى اذن بانقلاب شامل في حياته العملية مبرهنا على ان العمل يجب ان يخضع دائما للفكر والا فلا قيمة لاي منهما .. وكذلك خرج الغزالي من بغداد يطلب التجربة الصوفية.
فلماذا نتهم الرجل بانه كان يسعى فقط نحو الشهرة وانتشار الصيت ؟ ان الاستاذ البقري لا يعتمد في الواقع الا على تصريح الغزالي الذي طالما اشرنا اليه، ولسنا نرى في تصريح الغزالي بانه كان يطلب الشهرة قبل خروجه من بغداد دليلا كافيا لان نشيع ذلك على حياته كلها.
يرى الاستاذ عبد الجليل في احدى مقالاته في موضوع اخلاص الغزالي ان البقري قد اهمل دراسة الظروف التاريخية وان النصوص التي اقتبسها من كتب الغزالي الاخرى على ندرتها واختصارها وما صرح به الغزالي في المنقذ .. كل ذلك قد استغله البقري استغلالا مذهبيا في تاييد اتجاهه الذي يحاول تارة ان يجعل الغزالي متناقضا مع نفسه وتارة اخرى ان يبين الاكاذيب الملفقة في سرده للحوادث.
ومعظم ما يستنتجه البقري ليس استنتاجا بالمعنى الصحيح بل هو – كما يرى الاستاذ عبد الجليل – عبارة عن تحليلات نفسية وفهم خاص لعبارات الغزالي يتوافق مع نظرية البقر الخاصة.
ان التحليلات النفسية لا تغني عن الادلة الواضحة شيئا، ولا يمكن ان تقام عليها النظريات الثابثة، بل ان غاية ما تصلح له ان تكون موجهة للباحث نحو فرضيات مشكوك فيها، وعليه ان يدعمها بعد ذلك بالبراهين ، والا بقيت مجرد فرضيات تحتاج إلى ما يؤيدها.
والحق انه ليس من المفيد في شيء ان نمسك بكتاب (المنقذ) فنحلله تحليلا خاصا وتوجهه دون وجه حق توجيها مغرضا قصد ان نقول في النهاية ان الغزالي لم يكن يطلب الحقيقة بل كان يسعى نحو المجد والشهرة وان ينصب نفسه حجة للاسلام ومصلحا للجمهور في عصره وفي الاجيال القادمة، ثم نعود فنحاول الاعتذار له عن كذبه ذلك بانه كان يقصد الاصلاح، وان ذلك لفائدة الناس وان الكذب في هذه المواضيع ليس حراما، لأننا اذا جردنا الغزالي من نياته الصالحة واقترن اسمه عندنا بالسعي الىالشهرة والمجد، فلا موجب لان نعتذر له بما سعى اليه من الاصلاح، ولكننا – وقد قلنا كل هذا – هل نرىان الغزالي لم يجاوز الحقيقة المطلقة فيما حكاه عن نفسه ؟
ان اللهجة الخطابية المؤثرة والاسلوب القوي الجميل اللذين استعملهما الغزالي في هذا الكتاب بالاضافة إلى وقوفه عند بعض النقط وتحليلها اكثر مما يجب، وكذلك الشروح والمواعظ والارشاداتالتي يصعها ضمن الكتاب.. كل هذا يحملنا علىالقول بان القصد من هذا التاليف ليس مجرد سرد الحقائق ووصف المراحل التي مر بها الغزالي سردا تاريخيا محكما.
ان الغزالي ليس مؤرخا، انه (فقيه) كما يقول الاستاذ عبد الجليل.
لقد قصد الغزالي زيادة على وصف حقيقة احواله الوعظ والارشاد وتقديم المثال، ولذلك فلسنا ننتظر من الغزالي ان يذكر التفاصيل التي مر بها في حياته، وما الذي سوف يستفيذه الناس منتفاصيل حياة الغزالي ؟ وما الذي يلزمه ان يعترف لنا اكثر مما اعترف ؟ لقد كان يشير إلى الحقائق اشارة لا تخفى عندما كان يفضل بين مرحلتي حياته ما قبل الخروج من بغداد وما بعده .. انه لم ينكر ما كان عليه امره قبل عزلته، لم ينكر ان يطلب العلم لغير الله وانه بعد ذلك عاد فاصلح من شأنه وراجع موقفه واعتزل العالم رغبة فيما ينفعه يوم القيامة، وانه رغم عودته من سياحته في بلاد الله بقي معتزلا ولم يعد إلى التدريس حتى علم ان عزلته لن تفيد في اصلاح ما فسد من امر المسلمين ولن تقوم ما اعوج من سلوكهم.
لقد كان عليه اذن ان يستجيب مرة اخرى لضميره فذلك الضمير الذي اشار عليه باعتزال الناس والمجد الزائف هو الذي نبهه إلى خطر سكوته على فتور العقيدة وتدهور حال المسلمين.
ان الغزالي قد صور هذه الحقائق التي عاشها تصويرا جميلا واكسبها روعة من اسلوبه النابض بالحياة فجعلها مؤثرة تطرق القلوب قبل الاسماع، لان ابا حامد كان يسعى إلى الارشاد والتهذيب والتعليم.
فهو لم يلق إلى الناس بقصة حياته جزافا او على طريقة الاوروبيين في (الاعترافات) بل هو قد اغتنم حكاية حياته لكي يرشد الناس ويعلمهم ويبث فيهم الحماس للذين الذي كان يلاحظ بانه يضعف وينهار .. واذا رجعنا إلى ما وصفه لنا الغزالي في (المنقذ) مما يدل على تدهور حالة الناس في عصره من الناحية الدينية لالفينا انه كان واجبا على رجل كابي حامد ان ينهض فيحتمل مسؤولياته كاملة.
فليس لنا اذن ان نتهم بغير وجه حق رجلا مخلصا في الدين منافحا عنه بسوء النية والقصد إلى الشهرة وحب التقديس، فهذه امور لا يستطيع احد ان يتاكد منها تاكيدا تاما خاليا من الشك.
ونحن نظلم ابا حامد ظلما كبيرا اذا جعلنا حياته سلسلة ن الحيل والخداعات ومحاولات الشهرة بجميع الطرق والاشكال.
وبٍلك يمكن القول ان كتاب (المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال)  يمكن الاعتماد عليه إلى حد كبير في التعرف على حياة ابي حامد الغزالي ومراحلها الفكرية، حقا انه ليس مصدرا للحقائق التاريخية المجردة عن كل عامل شخصي، لما يتسم به من طابع محاولة الارشاد والتعليم وذلك ما يستطيع الاستاذ عبد الدايم البقري ان ياخذه على الكتاب، ولا زائد على ذلك.


العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here