islamaumaroc

الربيع في الشعر العربي-4-

  دعوة الحق

39 العدد

لا بأس إذا حاولنا في مقارنة قصيرة أن تبين الفرق بين ما وجدناه عند شعرائنا العرب من نزعة فلسفية في شعر الطبيعة وبين ما ينم عنه شعر الأوروبيين في فلسفة أو فلسفات في الموضوع نفسه.

تعدد الاتجاهات عند الشعراء الأوروبيين:
وأول ملاحظة يجب أن نبديها في هذا الصدد هو أن الشعراء الأوروبيين اختلفت نظرتهم إلى الطبيعة تبعا لعصرهم وشخصيتهم، بحيث نجد أنفسنا أمام تجارب شعرية متعددة تلقي على الطبيعة أضواء متنوعة  في  ألوانها وفي ما تحمله من إيحاء.
لنتبع نوعا ما التسلسل التاريخي، فنحن عندما نلقي نظرة خاطفة على شعر الطبيعة في عصر الانبعاث الأوروبي أي في القرن السادس عشر، نجد إلى جانب النزعة الاستمتاعية التي قد تلمح في مقطوعات لشعراء أمثال«رونسار»الفرنسي، نزعة أخرى ترى في ظواهر الحب والجمال المنبثقة عن الطبيعة رموزا وأسرارا عميقة وتحاول أن تكشف لنا ما وراء تلك الرموز والأسرار.
لنفتتح مثلا ديوان«العاب ريفية مختلفة»لذي خصصه الشاعر الفرنسي«جواشان دي بيللي»لتصوير الحياة الريفية ولنقرأ قصيدته التي عنوانها «أنشودة الحب والربيع»، فالشاعر ينبئنا في هذه القصيدة أن ميلاد الربيع يبعث في نفسه الشعور بقوة خارقة توقظه إيقاظا جديدا وتلهب في فؤاده هياما يخرج به عن طور الرشد، وهل هذا الهيام إلا وليد الحب الذي يخيم على الكون ويتحكم فيه ويلائم بين متناقضاته ويوجد بين أعضائه ويسطر النظام السرمدي الذي تتمشى عليه أجناس الكائنات؟ والربيع إنما هو تعبير بليغ يتجدد كل سنة عن هذا القانون، قانون الحب الذي ما هو إلا صورة من صور وحدة الوجود، ويستنجد الشاعر بهذا الحب ليمده بحرارته وقوته ويلهمه الشعر الجميل فيقول:
«فلتكونـي يا أناشيـي من الحــب            حتى أحلق علـــى أجنحتــــــك
واحصــد زهـــرة البـراري                  التي تعيش فيها الفتيات التسع الخالــدات»
والفتيات التسع هنا إشارة إلى ربات الشعر  عند اليونانيين، ثم يقول
«فإذا كانت العصافيـر النشـوى               فوق الأزاهير الطـــريــة
تتغنــــــى بحبهـــــا                            وسط الغابـــات المتجـــــددة،
فلم لا أتحدث أنــــــــا                        عن سروري الوحيد في الحياة
مادام الحـــب يرغـــب في ذلك         وما دامت السماء تدعوني إليه؟
فالربيع، إذن، رمز للقوة المتحركة النامية الطافحة، وهذه القوة تتمثل في انبثاق الزهور وزقزقة العصفور وأصوات السوائم والأنعام ولمعان الشمس وفي خلجات النفس البشرية أيضا.
هذا مجمل للأفكار التي تنبثق عنها تلك القصيدة وغيرها من الأشعار التي قيلت في عهد الانبعاث الأوروبي، وما هي إلا صدى للفلسفة الأفلاطونية الجديدة التي عرفت نوعا من الازدهار في نفس العصر والتي نجد لها صورة لماعة في مذهب الفيلسوف الايطالي«جيرو دانوبرونو»(1548/1600) فالعالم في نظر هذا الفيلسوف لا ينبغي أن نتمثله في مجموعة من الكائنات المبعثرة في شكل فضوي لا تربط بينها أية رابطة، بل أن له روحا سارية في كل شيء، وهذه الروح هي التي تبعث الطبيعة على خلق الأجناس والأنواع وتوجد بين شتيت الموجودات وتسليمها قبسا من جمالها، فكل شيء سواءا كان جمادا أم نباتا أم حيوانا إلا وفيه جزء من روح العالم، وهكذا، فان الكون الذي نشاهده وندركه بسائر حواسنا ما هو إلا ظل لتلك الوحدة التي هي القانون  الأساس للوجود.
فإذا انتقلنا إلى القرن الثامن عشر نجد احد نوابغ كتابه«جان جاك روسو» قد أعار الطبيعة كثيرا من اهتمامه وخصص لها صفحات طويلة تعد من أروع ما كتب بالفرنسية، وروسو حينما يكتب عن الطبيعة، فانه يصفها بتدقيق ووضوح ولا يحاول أن يزينها بما ليس فيها أو أن يكسوها باردية ينسجها سحر الخيال، ومع ذلك فان صفاحاته تلك تمتاز بلهجتها الجديدة بالنسبة لعصرها وبما تنطوي عليه من أفكار طريفة الطبيعة والمجتمع.
لقد عرف روسو بعد انسجامه  مع المجتمع وبنقمته على حياة الصالونات الراقية التي كانت ملتقى للارستقراطية ولرجال الفكر والقلم، فهو يرى في تلك الصالونات أوكارا للنفاق والغش والخداع والمكر، بالرغم من مظاهر الوداد والمجاملة التي تسودها.
لذلك، فانه حينما يلتفت إلى الطبيعة، يجد فيها ملاذا من مصائب الحياة الاجتماعية ومتاعبها، وتقابله صورة الطبيعة بوداعتها وصفائها فيزداد تعلقا وشغفا بها، ويدفعه هذا الشغف إلى المبالغة في تفضيل في أحضان الطبيعة على الحياة في الحاضرة،وبالتالي، في تفضيل الرجل المتوحش على الرجل المتحضر، وهكذا خلق روسو أسطورة«المتوحش الطيب».
وكذلك فعل«شاتو بريان» لكنه خص بنشره الشعري مناظر البحر التي كان أميل إليها لأنه نشأ وترعرع وسطها ، كما كان للمناظر الطبيعية في الأقطار النائية كأمريكا والشرق نصيب وافر من كتابته الساحرة، والفكرة الطريفة التي تنم عنها كتابته هي ذلك الشعور الذي يثيره في نفس القارئ والذي يحار الإنسان في تسميته، مما جعل بعض أبناء جيله يسمونه«مرض العصر» وهذا يشير إلى ما قد يخلقه منظر الطبيعة من حزن كامن في عمق النفس، حزن ليس بالقوي ولا بالعنيف ولكنه مستقر لا يريم مكانه، فهو كالسامة التي تخيم دوما على النفس.
والشاعر«لامارتين» وان كان يستقي من نبع واحد مع شاتويريان إلا انه يختلف عنه بما يشع في قصائده من أمل وتفاؤل، فهو مثلا، في قصيدته المعنونة«العزلة» يصور لنا قعوده تحت شجرة البلوط فوق جبل من حيث يطل على النهر والبحيرة ويشاهد الشمس عند غروبها وما ترسله من أشعة على الكون ولكنه سرعان ما يدرك أن هذه المرائي الجميلة لا تحقق رغباته الكامنة، فيصرخ:
«وماذا تفيدني هذه الوديان والقصور والأكواخ؟
أليست هي إلا أشياء فارغة فقدت كل جاذبية بالنسبة لي؟
أيتها الأنهار والصخر والغابات، أيتها المآوي العزيزة علي
إذا غاب عنكم مخلوق واحد، أصبحتم قفرا يبابا».
وهكذا ينزل في لا مارتين حركة ثانية إلى وهدة اليأس والحزن، ومع ذلك فلا تستمر به هذه الحل حتى يعاوده الأمل ثانيا، فيتجه بفكره وقلبه إلى عالم مثالي، عالم بعيد عن دنيانا، عالم يرى فيه الشاعر الأمل والحب وصور الخير والحق والجمال، فتنبعث من نفسه الزفرة:
«لماذا أظل فوق أرض المنفى؟
فليس بيني وبين الأرض أية رابطة».
فنحن مع شعراء الغرب وكتابه عند ما نتصفح ما كتبوه عن الربيع والطبيعة، نشعر أننا انتقلنا إلى عالم مرتفع يتضاءل أمامه الكيان الإنساني بأنواع نقصه وضعفه ويحاول – مع ذلك- أن يعثر في ثناياه على صور متجددة للجمال، فقد توفق الشاعر في أن يصور لنا عظمة الكون وجلاله وهيبته، كما استطاع أن يكشف لنا عن جانب البراءة والوداعة والصفاء في الطبيعة فينقلنا معه إلى دنيا تجهل أدران الحضارة ومنغصاتها، ثم خطر له أن يثير في نفوسنا الشعور بتنوع الجمال في الطبيعة فرسم لنا عن ذلك صورا مختلفة متعددة تبين لنا أن الجمال إن كان واحدا في جوهره فان أشكاله لا حصر لها، ثم رأى في الطبيعة صورة القوة والعافية وصورة الحب الكامل الذي يترفع عما تتضمنه تلك القوة في أن واحد من عنف ولين وقساوة وعطف وكبرياء وذل، فعبر لنا عن هذه المتناقضات المجتمعة ، أو بالأحرى ، هذه الجدلية بكل ما يملكه الفن من وسائل أخاذة.
وهكذا، فان الشاعر الأوربي، أثناء تنقله بين ذاتيته والعالم الخارجي، يحملنا معه إلى عوالم مختلفة لا نهاية لها ويتيح لنا الفرصة لنعيش أمام مشهد الطبيعة أحولا نفسية عميقة تتأجج بين الأمل والتشاؤم وبين السرور والأسى وبين الثورة على الواقع والتشبث بالمثل الأعلى.

شعراؤنا بين التقليد والتجديد:
قد يتساءل القاري، بعد هذه النظرة العجلى، عما ابتكره شعراؤنا المعاصرون في هذا المضمار وهل استطاعوا أن ينتهجوا سبلا جديدة ويفتحوا أمام أعيننا أفاقا كانت مجهولة.
ونلاحظ بادئ ذي بدء، أن هناك فرقا جوهريا بين التغيير والتجديد، فالتغيير قد ينبني على أساس التقليد والاقتباس من الغير، أما التجديد، بمعناه العميق، فهو ابتداع الصورة الفنية التي لا يوجد لها نظير فيما سبق.
حقا، لقد تأثر كثير من شعرائنا المعاصرين بثقافتهم ودفعهم إعجابهم بها إلى اقتباس نماذجهم ومثلهم منها، وراحوا ينظمون شعرا يختلف كل الاختلاف عن القديم ويحاول أن يرضي حاجتنا إلى  شعر عربي يلائم عصرنا وعقليتنا، ولكن، هل استطاعوا أن يتحرروا من نماذجهم الغربية فيأتوا من عندهم بمفهوم جديد ويفاجئونا بصور وألوان لا عهد لنا بها؟ وبعبارة أوضح، هل استطاعوا أن يخلقوا لشعرنا العربي المعاصر شخصية جديدة واضحة المعالم لا تختلف في قوتها ومتانتها عن شخصيته القديمة؟ أم هل رضوا له بشخصية مترددة متطامنة مهجنة باهتة؟.
هذا سؤال، بل هو أهم سؤال يمكن أن يلقى على شعرنا المعاصر، وليس في نيتنا ولا في مستطاعنا أن نجيب عنه الآن جوابا كافيا، وإنما نكتفي ، فيما يخص موضوعنا بان نلاحظ أن شعراءنا المعاصرين فيما نظموه عن الربيع والطبيعة، لم يخرجوا عن المفاهيم والأفكار التي وجدناها عند بعض شعراء أوربا.
ومع ذلك، فلا مندوحة لنا، إحقاقا للحق، من أن نعترف لهم بالمجهود الذي بذلوه من حيث الأسلوب ومن حيث تعبيد اللغة وترويض الجملة الشعرية العربية على تقبل المعاني الجديدة واستيعابها.
فمن الأفكار التي وجدناها عند الأوروبيين فكرة براءة الطبيعة وخلوصها من شوائب الخبث البشري وتنزهها عن التعقيد والنفاق والتصنع، وهذا ما توفق خليل مطران إلى تصويره في القطعة التالية:
أيهـا الروض كـن لقلبــي سلامـــا              ومــلاذا مـن الشقـــــاء المــــلازم
زهــر ذابــل كأنــــــي أراه                      ثمـــلا مـن أنفاســ في الكمائــــــم
وغديــر صــاف أقام سياجــا                    حولــه باســق مــن الــدوح قائــــم
تتناغــى بيض مــن الطيــر فيـه                 سابحــات وتحتهــا النجـــم عائـــــم
كيفمــا ســرن فالطريــق عقـود                  نظمــت مـــن محاجـــر ومباســــم
حبــذا البــدر مؤنســـا يتجلـى                   كحبيـــب بعــد التغيــب قــــادم
حبـــذا رسنــه البرايــا كأبهى                    ما تـرى العيــن في صحيفــة راســـم
حبذا الماء والمصابيـــح فيــــه                   كبنـــان يزينهــــا بخــواتـــــم
جنــة بانــت المكــاره عنهــا                     وهــي بكــر مـن الأذى والمحـــارم
إنما أهلهـــا طيـور حســـان                     إن دعاهــا الصبــاح قامــت تنـــادم
وقد توفق الشاعر في هذه القصيدة إلى التعبير عن أفكار جديدة، ولكن بأسلوب السعر العربي التقليدي بحيث لا يحس القارئ لأول وهلة بمجهود التجديد الذي بذله مطران بذوق وكياسة.
إلا أن التجديد الحقيقي ما كان ليتناول الأفكار وحدها دون الأسلوب، فالفكرة الجدية تتطلب تعبيرا جديدا، وما اللغة إلا لباس للأفكار يتغير كغيره من أنواع اللباس تبعا لتطور الإفهام وانتقال المجتمع من مرحلة في هذه الطريق الطويلة التي لا تنتهي والتي رسمها التاريخ للإنسانية في سيرها.
وقد استطاع شاعر مثل أبي القاسم الشابي أن يعبر عن فكرة مثالية الطبيعة وبراءتها بهذا الأسلوب الجديد الذي يبرهن على أن اللغة العربية لا زالت تطيق الحياة بأوسع معانيها ولا زالت على كامل الاستعداد للنزول إلى ميادين السباق لتباري لغات هذا العصر  المشهورة، فلننصت إليه في قصيدة:« الجنة الضائعة»:
«كم من عهود عذبة في عدوة الوادي النضير فضية الأسحار مذهبة الاصائل والبكور كانت أرق من الزهور زمن أغاريد الطيور وألذ من سحر الصبا في بسمة الطفل الغرير قضيتها ومعي الحبيبة لا رقيب ولا نذير ولا الطفولة حولنا تلهو مع الحب الصغير أيام كانت للحياة حلاوة الروض المطير وطهارة الموج الجميل، وسحر شاطئه المنير ووداعة العصفور بين جداول الماء النمير أيام لم نعرف من الدنيا سوى مرح السرور وتبع النحل الأنيق وقطف تيجان الزهور وتسلق الجبل المكلل بالصنوبر والصخور وبناء أكواخ الطفولة تحت أعشاش الطيور»
لقد توفق الشاعر في المقابلة بين طفولته وصور الطبيعة في براءتها، وأبو القاسم الشابي حينما يتحدث عن الطبيعة، فانه يرى فيها العالم الذي تطمح إليه نفسه والذي يتناقض كل التناقض مع عالمه الواقعي الذي هو عليه ناقم ومنه يائس، فلنقف لحظة عند قصيدته«في ظلال الغاب»الذي يبدؤها هكذا مستعطفا مترجيا:
«يا ليت شعري، هل لليل النفس من صبح قريب فتفر عاصفة الظلام.. وتهجع الريح الغضوب ويرتل الإنسان أغنية مع الدنيا طروب؟ ما للرياح تهب في الدنيا، ويدركها اللغوب إلا رياحي، فهي جامحة تمردها عصيب؟ مالي تعذبني الحياة كأنني خلق غريب؟ وتهد من قلبي الجميل، فهل لقلبي من ذنوب؟»
وفي مقطع آخر يصور لنا منظر الطبيعة لدى الغروب ويقابله بشقاء الإنسان:
«يا مهجة الغاب الجميل، لم يصدعك النحيب؟ يا وجنة الورد الأنيق، ألن تشوهك الندوب؟ يا كوكب الشفق الجميل، وأنت مبتهل الكئيب لج في السماء.. وغن أبناء الشقاوة والخطوب أنشودة تهب الحياة لكل مبتئس غريب فالطير قد أغفت وأسكب صوتها الليل الهيوب وابسط جناحك في الوجود.. فانه عذب خلوب متألق بين النجوم كأنه حلم طروب وأنشر ضياءك ساطعا لينير أعماق القلوب فعلى جوانبها من الأحزان ديجور رهيب»
ثم يصور لنا في مقطع آخر عالمه الواقعي الذي يخيم عليه اليأس والقنوط:
«ما للمياه نقية حولي، ومنفجري مشوب؟ ما للصباح يعود للدنيا وصبحي لا يؤوب؟ مالي يضيق بي الوجود، وكل ما حولي رحيب؟ مالي وجمت، وكل ما في الغاب مغترد طروب؟ مالي شقيت، وكل ما في الكون أخاذ عجيب؟»
ونلاحظ في الأخير أن أبا القاسم الشابي، بالرغم من يأسه وتشاؤمه ، ينزع منزع لامارتين في التطلع نحو عالم مثالي، وأن كانت مثالية لامارتين أعمق وأرقى وأوسع إنسانية.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here