islamaumaroc

العلاقة الديبلوماسية المغربية في عهد الدولة العلوية الشريفة -3-

  دعوة الحق

39 العدد

فأما مولاي سليمان فانه جعل من علاقته طريقة لم يعهدها احد من قبله، طريقة سلبية رغبة منه في النجاة، وخشية من الوقوع في شرك أوربا، فمنع التجار المغاربة من الاتجار في الاوربا، وأعطى للأجانب المقيمين بالمغرب  حرية التمتع بالجولان والعمل داخل البلاد، وجعل طنجة مقرا للقناصل الذين يفدون عليه من جميع الدول بحيث أن هؤلاء القناصل لا يستطيعون أن يدخلوا إلى العاصمة.كما أنه حفظا على استقلال المغرب وتوثيق العلاقة بينه وبين الدول الأوربية أوقف الأسطول المغربي في البحر لكي لا تحدث مشاكل إلى غير ذلك، لكن الأزمة كانت أقوى من أن ترد بحد السيف لأنها أزمة معنوية كانت تغذيها من طرف خفي بعض الدول وهي تتتبع حوادث المغرب بكل عناية واهتمام.
ولقد صادفت هذه الأزمة المعنوية ملكا هو عبد الرحمن بن هشام الذي لم يحذ حذو الملك السابق فلقد أراد أن يتخذ طريقا آخر وهو الطريق الايجابي في ترقية البلاد وإقرار الأمن والنظام، وإحداث أسطول عظيم لحماية شواطئ المغرب وتطوير البلاد جريا على ما يقتضيه تطور العالم.
وأهم علائقه الدبلوماسية مع ملوك عصره وأمرائه المسلمين وغيرهم من الأوربيين هو ما الم بها المؤرخ المغربي الشهير ابن زيدان في كتابه الاتحاف حيث يقول: كانت للمولى عبد الرحمان علائق ودية وسياسية وتجارية مع جميع دول عصره، فهذا السلطان عبد الحميد الأول العثماني راسله مرارا وتكرارا، وكذلك عباس باشا الأول صاحب مصر، وكانت بيته وبين محمد باشا والي مصر جد عباس باسا المذكور علائق واتصالات طيبة أكثر من اللازم كما كانت بينه وبين المشير محمد( باشا) اتصالات ومكاتبات ودية الخ.
هذا ما يتعلق بالدول الإسلامية التي كانت علاقتها تقتصر على التحيات والابتسامات وتبادل الهدايا إلى غير ذلك، أما مع أوربا فكان له معها علائق سياسية وتجارية، ومخاطبات مع ملوكها ورسائلها، إلا أن هذه العلائق تكون أحيانا سليمة وأحيانا متوترة.
ومثل ذلك ما وقع مع دولة فرنسا التي كانت علاقتهما حسنة منذ عهد مولاي إسماعيل ومحمد بن عبد الله، فلما احتلت فرنسا بلاد الجزائر، وقام الجزائريون يدافعون عن أنفسهم ووطنهم وبايعوا الحاج عبد القادر، وأظهر هذا الأمير الطاعة لملك المغرب توترت العلاقة بين المغرب وفرنسا وصارت الحكومة الفرنسية تنظر إلى ملك المغرب نظر العدو لعدوه، ونشبت فعلا بينهما معارك طاحنة، فهذه معركة( ايسلي) جاءت هزيمة منكرة على المغاربة،وغداة الانهزام أطلقت البوارج الفرنسية قنابلها على مدينتي طنجة والصويرة، مما أدى إلى عقد صلح بين المغرب وفرنسا، وهذا الصلح يبدأ به التدخل الأوربي الاقتصادي ، فتنشأ المراكز التجارية ويتضعضع الاقتصاد الداخلي للبلاد.
ويجمل بنا أن نذكر هنا شروط المعاهدة الني ترأسها السيد ابن سلهام بن علي ازطوط العرائشي، وهي تشتمل على ثمانية شروط:                                       
1- تفريق العساكر المجتمعين في الحدود ولا يبقى بها أكثر من عدد ألفين.
2- أن يعاقب الذين كانوا السبب في المخاصمات التي ارتكبها المغاربة في أرض الجزائر.
3- الاعتراف بالتضامن الكلي بحيث لا يمكن لسلطان المغرب أن يعاون أي أحد من رعية فرنسا الخارجين على القانون في بلاد المغرب.
4- أن ينفي الأمير عبد القادر من أرض المغرب.
5- أن تحد الحدود تحديدا تاما منتظما بين البلدين.
6- لا يبقى بين البلدين نزاع ولا قتال.
7- الالتفات من طرف النواب على عقد شروط جديدة على وجه جميل وأن تؤسس على الشروط السابقة المقررة.
8- الوفاء الكامل بين الجانبين على هذه القوانين السالفة.
ويتقدم بنا الزمن قليلا فنجد أن بعد هذه المعاهدة جاءت معاهدة أخرى تتضمن تحديد الحدود بمقتضى ما أشير إليه في الشرط الخامس، وهي تشتمل على  سبعة شروط، وقد ناب عن المغرب القائد حميدة الشجعي وعن فرنسا الجنرال دولارو.
والبرهان على تمام المودة وتسوية الخلاف الذي كان يسود الدولتين هو ما كتبه السلطان عبد الرحمان للملك الفرنسي( لويس فليب) حيث يقول:« أما بعد فان المراسلة بين الدول والمواصلة بين الملوك والدول تفتح للمودة أبوابا، وتسير للمواصلة أسبابا، وتزيد الود تأييدا، والهناية تجديدا، وتزرع الحب في القلوب وتقرب البعيد وتيسر المطلوب».
كما نجد أن السلطان عبد الرحمان كان يستقبل شعراء فرنسا وقناصلها بكامل الابتهاج والسلرور، فيحسن استقبالهم، ويكرمهم، ومن هؤلاء السفير ( دوموني) والقونصو( ذي لبرط بيش) والقونصو( ميش) الذي كتب عنه الملك عبد الرحمان للويس فقال عنه:« وقد وصل القونصو الذي وجهتم ميشي ليكون مكان القونصو قبله، فتلقيناه بالقبول وألبسناه رداء عنايتنا المسدول وخصصناه بين القنصوات بمزيد الحظوة والشفوف لثنائكم عليه بما هو به لديكم موصوف ووجهنا( ذي يبرط ليش) قونصو القديم بايالتنا مكرم الجانب لأجلكم وهذا هو شأن الأحباب والسلام».
وفي 27 يوليو 1836 ورد على المولى عبد الحمان الكولونيل( دولارو) سفيرا لدى حضرة جلالته كما ورد قنصل آخر اسمه( دينيون) وكتب( لويس فيليب) إلى السلطان باعتماده وكيلا، فأجابه الملك بقوله في ذلك حاثا على المحافظة والصداقة والألفة والوئام وان القونصو الجديد الذي وفد إلى  المغرب فانه سيكون عند حسن ظن جلالته في محل الثقة الكاملة والمعاملة الحسنة حتى يوسع الله في اللفة بين الدولتين.
ثم استدعى القونصو( دينيون) وأقيم مكانه آخر يسمى( دوناطو) ولما نودي بنابليون الثالث ملكا على فرنسا كتب هذا للمولى عبد الرحمان كتابا يعلمه ويؤكد له باستمرار السياسة السابقة وقدم إليه ممثله الجديد( يا جير شمد) ثم بعد هذا( كاستيليون).
وقد أقر رحمه الله معاهدات أجداده الكرام مع كثير من الدول الغربية وعدل معها ما عدل وأنشأ ما أنشأ، ومن أهم هؤلاء الدول انجلترا، البرتغال، اسبانيا، فأما دولة انجلترا فقد أقر معها المعاهدة التي عقدها عمه بعد أن غير منها الفصل السابع والثامن وهي تنقسم إلى قسمين سياسي وتجاري، فالأول يشتمل على ثمانية وثلاثين شرطا، والثاني على خمسة عشر شرطا، وكان المباشر لعقد هذه الشروط السيد محمد الخطيب.
وكذلك دولة البرتغال فقد كتب إلى(جرح كلاص) يعلمه باستمرار السياسة التي كانت على عهد عمه المولى سليمان، وكتب أيضا لدولة اسبانيا، وأقر معها المعاهدة التي عقدها سفير المولى سليمان بن عثمان سنة 1813م.
وهكذا ظل مولاي عبد الرحمان بن هشام في اتصال دائم مع الأوربيين الأقوياء يتجنب ما أمكنه الحرب معهم، ولكن كما قلت سابقا رغم هذه الصلة الظاهرة كان المغرب سائرا في أزمة معنوية شديدة نتيجة الفتن الداخلية والأطماع الاستعمارية منذ احتلال فرنسا للجزائر وأنصارها على المغاربة في موقعة( ايسلي) ، وهذه الأزمة كانت نتيجة وقوع خلاف في أواخر أيامه مع الاسبانيين على حدود مدينة سبتة وهذا الخلاف أدى إلى نشوب معارك طاحنة بينهما تكبد الفريقان فيها خسائر فادحة، وكان رحمه الله يريد أن ينهي ذلك بطرق المفاوضات معتمدا في ذلك على الصداقة البريطانية، وق اظهر نائبه الخطيب لباقة في تسوية هذا الخلاف لكن مولاي عبد الرحمن مات قبل إنهاء القضية.
وتولى بعده ابنه  المولى محمد، وأول شيء واجهه هو حل المشكلة العارضة بأي وجه كان، حيث أرسل الحاج محمد الزبدي الرباطي مندوبا جديدا لمباشرة نفس القضية التي كان النائب الخطيب يباشرها إلا أنه من المفهوم أن هذه المخاربات والمراسلات التي كانت جارية بين الدولتين إنما كانت صوؤية فقط في نظر دولة اسبانيا، والآمر الذي كانت مصممة عليه، مهما كانت الأحوال، هو محاربة المغاربة واحتلال أراضيهم وهكذا نجد دولة اسبانيا تستولي على مدينة تطوان فتقتل أهلها، وتنهب متاجرها وتخرب مساجدها وتقوم بأعمال منكرة، فكم من ذخائر، وكم من تحف وكم من كتب ومخطوطات وكم من وثائق ومستندات كلها ضاعت في أيدي الدولة العابثة الجانية، ولم يبق منها إلا الرماد والألم والحزن فاضطر المغرب لهذه الخسائر الفادحة أن يعقد الصلح مع اسبانيا. وتعهدت أخيرا بإخلاء تطوان تحت تأثير التدخل الانجليزي خمسة شروط وهي:
- تسليم المغرب لاسبانيا أراضي قرب سبتة وأرض في جنوب المغرب.
- أن تدفع الحكومة المغربية لاسبانيا الخسائر الحربية وقدرها عشرون مليونا من الريال.
- منح اسبانيا امتيازات تجارية.
- السماح للرهبان ببناء كنيسة بفاس.
- السماح لممثليها بالسكنى في العاصمة.
ومم حضر على هذه الشروط واتفق المولى العباس خليفة ملك المغرب ورئيس الجيش المغربي، والحاج محمد الخطيب نائب السلطان بطنجة والجنرال اودينيل رئيس الجيوش الاسبانية، وقد وقعت يوم 25 مارس سنة 1860.
وبعد جلاء القوات الاسبانية عن مدينة تطوان تحسنت العلاقة الاسبانية المغربية نوعا ما، وعقدت معاهدة بين الدولتين سنة 1861 بمقتضاها سمح للأسبان بامتيازات منها حق حماية رعاياهم مثل الفرنسيين.
وبالجملة فان السلطان مولاي محمد بن عبد الرحمن شاهد حربين في حياته، حربا مع فرنسا وحربا مع اسبانيا، لذلك أخذ يعمل بعد هذين الحربين، كل ما استطاعته على أن لا يرى حربا ثالثة وذلك بقضاء حياته في ترضية جميع مطالب الأوربيين، وحصر همته في عقد المعاهدات الدولية مع جميع الدول، وكثيرا ما كان يوجه الوفود إلى أوربا لتنهي معها جميع المشاكل، وكثيرا ما كانت هذه المشاكل في غير صالح المغرب، من ذلك المعاهدة التي وقعت بين فرنسا والمغرب سنة 1867 فأعطت لفرنسا امتيازات لم تكن لها ولا لغيرها من قبل، وفتحت أبوابا للتدخل الأجنبي في شؤون البلاد كيفما شاءت تحت التملك، وبحق الحماية، وبحق التمثيل القنصلي وغير ذلك من الأسباب التي كانت تحط من قيمة المغرب وتسير به إلى هاوية الظلام الدامس.
هذه المعاهدة المجحفة التي سبقت فيها فرنسا جميع الدول لفتح طريق شرعي للتدخل في شؤون البلاد، بعد أن مر عليها قرن كامل لم تتقدم هذه الدول ولو خطوة تذكر. معاهدة مجمدة ليست بذات فائدة حتى أواخر القرن التاسع عشر حيث أصبحت المطامع الاستعمارية تتشكل بصورة أوضح وأوسع.
وإذا كان المغرب لم يسقط فريسة للاستعمار الفرنسي في أواخر هذا القرن فلا يرجع السبب في ذلك إلا للموقف العظيم الذي وقفه آنذاك المتربع على العرش السلطان مولاي الحسن، هذا الملك الذي استطاع بحكمته وبعزيمته أن ينهض بالبلاد بعد كبوتها نهضة الشهم الكريم، وأن يحمي الاستقلال المغربي طول حياته بسياسته الرشيدة التي عرفت كيف تستغل تزاحم الدول على البلاد، وان يكسب صداقة أغلب دول أوربا واحترامهم لشعبه وعرشه، فكان دائما يبعث الوفود إلى الحكومات الأوربية لتتمكن عرى الصداقة بينها وبين المغرب، فمن ذاك إرساله للسيد محمد الزبيدي سفيرا وباشا دورا له إلى كل من فرنسا وبلجيكا وايطاليا وانجلترا، وأعطاه أموالا وهدايا فاخرة للعظماء وتأكيدها مع هذه الدول وتقرير ما عنده من الاعتناء بجانبهم.
ولقد خرج هذا السفير المذكور إلى فرنسا أولا حيث استقبلته الحكومة المحلية هناك استقبالا باهرا فأكرمته بكامل الاعتبار والإجلال، وتلقى المارشال ( مكماهون) رئيس الجمهورية الفرنسية ووزير الخارجية المسيو( دوك داكاز) الذي تفاوض معه بكل حفاوة ولطف.
ويقول المؤرخون ان دولة فرنسا هيأت له بعد سفره إلى بلجيكا قطارا خاصا وعربة تليق به وصحبه في ذلك خليفة وزير الخارجية والترجمان ولما أراد النهوض إلى مملكة اكريت بريط هيأت له كذلك بابورا خاصا.
 والتقى بالمملكة الانجليزية( فيكتوريا) وأجرى معها بواسطة وزيرها الأول محادثات ومفاوضات، وهذا كتاب من وزارة الخارجية الانجليزية يشرح ما جرى من المفاوضات تقتطف منه ما يلي: « يا جناب السفير أن حكومة جلالة ملكة انجلترا قد أحلت محل الاعتبار رسالتكم المؤرخة ب 18 الجاري فيما يخص حماية الحكومات الأجنبية لجملة المغاربة القائمين بوظائف السمسرة أو النيابة لدى التجار الأجانب، وردا على رسالتكم المشار إليها أشعر سعادتكم بان حكومة جلالة الملك ليست لها رغبة في بسط هذه الحماية على المغاربة إلا بمقتضى نصوص الفصل الثالث من الاتفاقية المبرمة بين بريطانيا والمغرب في تاريخ 9 دجنبر 1856 وبمقتضى الفصل الرابع من الاتفاق التجاري والبحري الصادر في نفس التاريخ المذكور».
وقد دامت المفاوضة أياما حتى تم الأمر وفق ما يرام ويراد فرجع السفير المغربي إلى فرنسا لتتميم المسائل التي لم تكن قد تما هناك، ثم ذهب إلى ايطاليا فاقتبل السفير الملك الايطالي، وقدم إليه إلهية الملكية، فأظهر له ملك ايطاليا غاية الاعتناء والبرور.
ثم ذهب لمدينة جنوة ومنها إلى طنجة حيث رجع في مركب خاص حربي أعدته له الحكومة الايطالية، وهكذا خلف هذا السفير في مدن أوربا أثارا خالدة مما جعل من المغرب معركة للتسابق بين الدول الأجنبية للحصول على الحظوة لدى الملك، ونيل مصادقته أغلى بعض أمانيهم.
وبعد هذه السفارة بعث سفارة أخرى ثانية للرئيس( كارنو) الفرنسي ترأسها أولا السفير عبد المالك علي السعدي وثانيا الحاج محمد بن سعيد السلوي، وفي سنة 1894 وجه أيضا أبا عبد الله محمد فتحا والسيد عبد السلام بن محمد السوسي والحاج عبد الكريم بريشة التطواني سفراء له في دولة اسبانيا كما وجه الخطيب بن هيمة وعبد السلام بن رشيد والحاج محمد بركاش لالمانيا، وكانت له مع دولة البرتغال مكاتبات ومراسلات وتبادل السفراء من ذلك السفير( خسي دنيل كلاص) الذي قدم عند الملك بكتاب صادر من الملك البرتغالي لويز يقصد تجديد المحبة والمودة بين الجانبين، وكانت له مع جمهورية أمريكا علائق ومراسلات أيضا فمن ذلك كتاب الرئيس ( هارسون) إليه منبئا بتأخير القنصل لويز عن خدمته بالايالة السعدية، وكانت له مع بلجيكا علاقات ودية ويظهر من ذلك أنه راسل ملكها( ليوبلد الثاني) جوابا عن كتاب بمناسبة نعي ولد أخيه.
وليس فيما سردناه من أعمال مولاي الحسن تجاه هذه الدول إلا نماذج من العلائق الدبلوماسية التي ظل مسيرا لها طول حياته ليظهر بذلك انه مخلص لها، ويرغب في صداقتها، وانه يريد أن يعاملها معاملة سليمة مبنية على المساواة والحقوق والاحترام.
وبقدر ما كان مولاي الحسن يجهد نفسه في المحافظة على استقلال المغرب إزاء كل دولة مسلمة كانت أو مسيحية، فانه كان يسعى دائما وأبدا في التمسك بالحياد، وعدم تفضيل أي دولة على الأخرى ويجتهد في إثارة المشاكل بين الدول حتى لا توجه أنظارها نحو المغرب المستقل.
وتعد معاهدة مدريد التي عقدت سنة 1890 من حسنات السلطان مولاي الحسن حيث كانت صالح المغرب لأنها وضعت حدا لنظام الحمايات ولطغيان النفوذ الأجنبي بالمغرب وهي أول معاهدة دولية عقدت للنظر في القضية المغربية ونقلها من دائرة المناقشات الضيقة إلى الساحة الدولية العامة، وقد حضرت في هذه المعاهدة الدول الآتية: المغرب، فرنسا، اسبانيا، انجلترا، ألمانيا، النمسا، بلجيكا، الدانمرك، الولايات المتحدة الأمريكية، ايطاليا، هولندا، البرتغال، السويد، وحضر نائبا عن المغرب فيها السيدان محمد بركاش والحاج عبد الكريم بريشة
إن هذه المعاهدة بعد أن تقدم الزمن قليلا أصبحت تهدد الحكومة بفوضى اجتماعية وسياسية، ولكن لم يقع شيء بموجب هذا البروتوكول طيلة أيام مولاي الحسن، وحتى إذا توفاه الله وجلس ولده عبد العزيز على العرش فان الوزير احمد بن موسى قد عمل كل ما في وسعه على الاحتفاظ باستقلال المغرب واستقرار الأمن والنظام في ربوسه والإبقاء على مهابة الحكومة وجلالة العرش كما كان في عهد السلطان مولاي الحسن.
وفي الوقت نفسه اتبع خطة مولاي الحسن في سياسته الحكيمة وهي مقاومة التدخل والمحافظة على الاستقلال وإرجاع حقوق المغرب الضائعة والتخفيف مما يضر به من الالتزامات الدولية وذلك بإنشاء علاقات واتصالات بين جميع الدول المعاصرة، منها السفارة التي بعثها لاسبانيا سنة 1895 للمذاكرة حول معاهدة كانت ممضية بين الدولتين وفي نفس السنة بعث سفارة لانجلترا لاستخلاص مرسى طرفاية.
وهكذا ظل المغرب في عهده محتفظا بوضعه الدولي إلى أن مات رحمه الله، وكان الملك مولاي عبد العزيز قد بلغ رشده، وفي عهده حدثت حوادث وفظائع يشيب لها الرضيع حيث عمت الفوضى في جميع أنحاء المغرب واختل النظام، وانتشرت الحمايات والاضطرابات فمن ثورة أبي حمارة الجيلالي في الجنوب إلى ثورة الريسوني في الشمال الأمر الذي جعل البلاد تسير نحو الهلاك والدمار.
في هذه الظروف الحرجة التي كان يجتازها المغرب قرر مولاي عبد العزيز توجيه سفراء مندوبين لعواصم أوربا لطلب النصير من الدول العظيمة مثل فرنسا وانجلترا وألمانيا، وذلك للقضاء على هذه الثورات وإعادة الهدوء إلى نصابه، لهذا الغرض سافر وزير الحربية آنذاك المهدي بن العربي المنبعي لانجلترا، ومعه السيد عبد الرحمن بركاش والسيد الزبير سكيرج والسيد بوستة وعقد معها شروطا رسمية تحتوي على أربعة فصول، وسافر أيضا السيد عبد الكريم بن سليمان وزير الخارجية آنذاك  إلى فرنسا وروسيا وألمانيا.
ولم يكد يمر زمن قليل على حكم عبد العزيز حتى تحولت قضية المغرب إلى قضية دولية ثار بسبها نزاع خطير بين الدول، ودام أكثر من عشر سنوات وهذه الدول هي فرنسا اسبانيا أبريطانيا ألمانيا، إلا أن فرنسا كانت أشدهم خطرا على المغرب ففي سنة (1800) حصلت على تنازل ايطاليا عن مطامعها بالمغرب وفي مقابل ذلك تنازلت هي لايطاليا عن مطامعها بطرابلس وفي 1804 أبرمت مع انجلترا اتفاقا يقضي بتنازل انجلترا عن مقاومة فرنسا في المغرب وهذه بتنازلها عن مصر وجزيرة( نيوفاولدلات) ولكن بشرط أن لا تقيم فرنسا أية استحكامات في شمال المغرب، وأبرمت سنتي(1904-1905) اتفاقيتان مع اسبانيا تعاهدتا على اقتسام المغرب عند ما يتيسر احتلاله.
ظنت فرنسا بعد ما أبرمت هذه الاتفاقيات كلها أن الجو خلا لها فبادرت إلى مولاي عبد العزيز تطلب منه إدخال الإصلاحات للمغرب، ولكنه عارض في ذلك اشد المعارضة وكان جوابه لسفيرها( سان ريني صلنديير): أن الحكومة المغربية لا تسمح لأية دولة منفردة عن باقي الدول في إدخال أي نوع من أنواع الإصلاحات. وكان من أهم ما اقترحه السفير وألح في التعجيل به هو إحداث شرطة في ثغور المغرب وضواحيه.
وما يزيد على ذلك وقوف ألمانيا إلى جانب المغرب، وعم اعتبار انجلترا عن مطامعها في المغرب كاف لإطلاق يد فرنسا فيه، وبهذه المناسبة زار إمبراطور ألمانيا غليوم الثاني مدينة طنجة سنة 1905 وصرح بما يلي:( أنا أقوم بزيارتي هذه لملك المغرب مفتوحا للتدخل السلمي من جميع الأمم دون احتكار أو امتياز على أي شكل من الأشكال).
وعلى أثر هذا الصراع الطويل بين فرنسا وألمانيا الذي كاد أن يؤدي الى حرب عالمية عقدت الدول بدعوة من السلطان مولاي عبد العزيز ومجلس الأعيان مؤتمرا دوليا في مدينة الجزيرة الخضراء سنة 1906م وقد تضمن العقد إصلاحات تتعلق بنظام الشرطة وتكوين بنك مخزني، وتنظيم مالية المغرب، وتنظيم الجمارك، والقضاء على تهريب الأسلحة، ثم نص في فصل سادس على تنظيم الخدمات العامة.
وإذا كانت هذه المعاهدة قد ضمنت في مقدمتها استقلال المغرب وسيادته وحفظ وحدة أراضيه فان بقية فصوص المعاهدة نظمت التدخل الأجنبي في شؤون المغرب وتمييز فرنسا واسبانيا خاصة بحظوظ كبيرة.
كان السلطان مولاي عبد العزيز يفكر في ا، هذا العقد سيبقى كما كان في اوله، وتبقى علائقه مع فرنسا قائمة على أساس «هافاس»وأن يحتفظ هذا العقد في أساسه على مبدأ تلاثي: سيادة السلطان ونفوذه، استقلال المغرب ووحدته، المساواة الاقتصادية بين جميع الدول، إلا انه وجد العقد يسير في اتجاه، وفرنسا تسير في اتجاه مما نتج عن ذلك دخول جيش فرنسي سنة 1907 بقيادة الجنرال ليوتي إلى مدينة وجدة ثم في نفس السنة إلى الدار البيضاء وفي سنة 1908 احتل منطقة الشاوية.
وجاءت سنة 1911 حيث شاهد المغاربة حادثتين فاصلتين كانتا أشد الحوادث خطرا، حادثة سجلها التاريخ بين فرنسا وألمانيا، وحادثة أخرى هي دخول جيش أوربي لأول مرة في تاريخ المغرب الإسلامي إلى  مدينة فاس تحت قيادة الجنرال الفرنسي مسيو ( مواني).
وبما أن اسبانيا كانت ترى نفسها قرينة فرنسا في العمل بالمغرب فإنها استقرت في المناطق المجاورة لمليلية وسبة واحتلت مدينة العرائش والقصر الكبير.
وعلى اثر هذه الفتوحات والتدخلات نشبت ثورة داخلية على السلطان مولاي عبد العزيز، الذي كان يظهر للشعب بمظهر المتهاون، المتلاعب، والضعيف المستسلم وبايعت أخاه عبد الحفيظ بصفته سلطانا منقذا ومحررا على أساس رفض معاهدة الجزيرة الدولية وإجلاء الجيوش الأجنبية المحتلة، وتطهير صفوف الأمة من الحمايات الخارجية واطلاع الأمة على سير المفاوضات مع الأجانب، وعدم قبول أي اتفاق لا تصادق عليه الأمة وتنظيم الدفاع عن الوطن.
لكن مولاي عبد الحفيظ لم يستطع أن يعمل شيئا من هذه الشروط المفروضة عليه من طرف الشعب في هذه الظروف الحرجة فكثرت عليه الاعتراضات من زعماء المغرب حتى سولت له نفسه الانسحاب والتخلي عن العرش، وحتى لا يضطر إلى الاهانة من الشعب.
وفي أثناء هذا الضغط العنيف على السلطان مولاي عبد الحفيظ قامت فرنسا تتم الدور الخطير الذي بدأته منذ أعوام طوال، وذلك بإدخال جنودها إلى فاس للقضاء على هذه الثورات من قبائل المغرب والاعترافات من زعماء المغرب، قد خضع السلطان لذلك، وفي هذه الأثناء وصل مبعوث الحكومة الفرنسية _ رينون9 إلى فاس يوم 24 مارس 1912، واستعرض القوات الفرنسية آنذاك أمام عبد الحفيظ بغية الضغط والتهديد والإرهاب، وبعد هذا الاستعراض دخل ( رينو) مع عبد الحفيظ في مفاوضة عقد الحماية، وكان موقف السلطان هو الرفض، ومقاومة رينو مقاومة عنيفة كادت بعض الأحيان تؤدي إلى فشل الخطة الفرنسية، ولن تحت التهديد والضغط الدبلوماسي والعسكري والتوقيع مكرها على عقد الحماية يوم30 مارس سنة 1912.
ولم يكد خبر إعلان الحماية يشيع في المدينة الفاسية حتى أعلن الجيش الملكي الثورة على رؤسائه وشاركت العامة الجيش في الاعتداء على بعض الأجانب وأعمال النهب والإفساد ووقعت معارك لا تزال تعرف بأيام فاس الدموية، وقد تحدث احد الكتاب الفرنسيين عن هذه الحوادث بقوله: « كيف يمكن أن ينتظر من المغرب الذي ظل خلاله ثلاثة عشر قرنا ليس فقط دولة مستقلة ولكن أيضا آخر وطن إسلامي يحافظ على التقاليد الإسلامية الطاهرة أن يدخل تحت الحماية  دون أي احتجاج؟ نعم لقد دخل المغرب بالقوة والإكراه تحت هذه الحماية ودخل تحتها غاضبا ومحتجا، وثائرا، كما يشهد بهذا التاريخ المغربي الحافل بأعمال المقامة والبطولة».
ولم تكن الثورة تنطلق من عقال أهل فاس فحسب بل ظهرت عدة قبائل من بعد تحت زعامة السيد احمد الريسوني سنة 1913 في المنطقة الشمالية ثائرة على الجيوش الاسبانية ودامت أكثر من ثمانية عشر سنة وفي سنة 1921 وقعت بين الزعيم عبد الكريم الخطابي وبين الاسبانيين معارك جمة أهمها معركة أنوال الشهيرة التي كان الانتصار فيها حليفا.
وهكذا كان المغرب ثورة تتلو ثورة في الجبال والسهول والبراري إلى أن أنشئت بدلا من المقاومة المسلحة مقاومة سياسية وحركات خفية وظاهرة وهجمات فدائية حيث دخل المغرب في طور جديد من الحياة والكفاح في سبيل الخلاص من السيطرة الأجنبية.
ومن صدد هذا الكفاح المرير الذي استرخصه جل المغربة منذ معاهدة الحماية من أجل الحرية ومن أجل الكرامة يفضي بي الأمر إلى أن أكتب هنا ما قاله السلطان مولاي عبد العزيز رحمه الله قال:«ماأعظم حظ السلطان سيدي محمد نصره الله، فقد كنت أكافح وحدي لما كنت سلطانا، وما كنت أجد من يشد عضدي ويقوي ساعدي أو على الأقل يقدر مقاومتي حق قدرها ولو كان لي رجال مثل رجال اليوم متيقضين شاعرين والخطر المحيط بهم مؤمنين برسالتهم لما لحق المغرب ضيم ولما داس الاستعمار حقوقه».
حقا أن المغرب وجد رجالا أقوياء ضحوا بحياتهم في سبيل المثل العليا والبلوغ إلى الهدف المنشود بجانب البطل العظيم الملك محمد الخامس نصره الله الذي بذل كل ما في وسعه ليجني ثمرة شجرة الحرية التي يغرسها بيده ويسقيها بدمه ويغذيها بعرقه.
وبهذا المجهود المتبادل بين الملك وشعبه استطاع المغرب أن يبلغ آماله وأن ترفرف راية الحرية والاستقلال  على ربوع الأطلس الشامخ، فتعيد عرق الحياة فيه من جديد.
وأن المغرب الذي خرج من هذه المحنة قد وطد عزمه على أن يعود بعلائقه الدبلوماسية مع جميع الدول كما كان في سالفه متشبثا في ذلك بتقاليد التسامح والكرم والصداقة، وهذه العلائق مبنية على عدم التبعية ناشدة التعاون مع جميع الأمم الشرقية منها والغربية حتى يظهر المغرب بالمظهر اللائق به كدولة عريقة في المجد، فقد انضم المغرب إلى منظمة هيئة الأمم المتحدة وباقي المنظمات الدولية التي تنتمي إليها كمنظمة اليونسكو، والمنظمة الدولية للصحة، كما انضم أيضا إلى جامعة الدول العربية لتحقيق استقلاله والتعاون معها على ما يحقق سلامة الكل وطمأنينة الجميع.
وكانت النتائج التي حصل عليها المغرب من هذه المنظمات هو تصفية المشاكل المعلقة بينه وبين بعض الدول عن طريق المفاوضات وإبرام معاهدات صداقة وتعاون ومراسلات مع ملوك الدول الصديقة ورؤسائها ولقد اتسع نطاق المغرب الدبلوماسي في تمثيله إلى حد كبير سواء في الشرق أو في الغرب حيث أسست ممثليات سياسية وقنصلية مع كثير من الدول.
ولنجعل ختام هذا الحديث فقرة من تصريح جلالة الملك محمد الخامس في هيأة الأمم المتحدة حيث قال: ( ومن البديهي أن بلادا كالمغرب تمتاز بموقع جغرافي واستراتيجي هام وتتمتع بنظام كالذي نرغب فيه لجديرة بأن تقوم بأدوار هامة في دائرة التعاون الدولي وتحتل مقاما في مصاف الأمم الحرة).

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here