islamaumaroc

الضمان الاجتماعي في الإسلام

  عبد الكريم التواتي

1 العدد


         شهدت الإنسانية منذ فجرها الأول، منذ أن أوجدها على هذا الكون بارئ الأرض والسماوات القيوم على اطراد أسلوبه في حيواتها، عديدا من الانقلابات، سطحية أحيانا، وعميقة الجذور أحيانا أخرى، تبعا للأهداف التي ترمي إليها تلك الانقلابات والبواعث التي تمخضت عنها، والدوافع التي عبأت القوى الثائرة الموجهة لها، وكانت هذه الانقلابات كذلك ذات مظاهر مختلفة واتجاهات متباينة وأغراض قد تبدو أحيانا متعارضة إلى درجة محيرة، تبعث في نفوس بعض الباحثين الهلع والرعب، وقد رافقت هذه الانقلابات الإنسانية منذ النشأة الأولى، وكانت تاريخها الحقيقي ومعالمها الباقية الخالدة.

           والشيء الوحيد الذي يبعث على الدهشة والارتياح في آن واحد، في هذه الانقلابات، وحدة الأهداف السامية والغايات المثلى التي كانت تتجه إليها - ربما غالبا - بطريقة لا شعورية ورغبة لا إرادية ... ونحن لا نستطيع مهما دققنا النظر وأمعنا التدبير واستعملنا الفكر، أن نجد لهذه الانقلابات المتباينة المظاهر والمتعددة الصور، إلا حقيقة واحدة واضحة، تتمحص في الرغبة الملحة لدى القائمين بها على السير بالقطيع البشري الضال إلى شاطئ السلامة وحياة الهدوء والاستقرار. وهذه الحقيقة كانت وستظل الهدف الأسمى لكل الأناسى مهما اختلفت وسائل كل فريق وتميزت دوافعه وتنافرت -في الظاهر- الأسباب التي يستند إليها. ففي عصور ما قبل التاريخ حيث كانت الأنظمة الاجتماعية، والقوانين الدستورية، لا تتعدى النطاق القبلي، ولا تتجاوز محيط الأسرة أحيانا، وحيث كان هذا النظام مثار مشاحنات ومطاحنات تنتهي غالبيتها بحروب طاحنة مدمرة، ما كانت رغبة الفرقاء المتحاربين -ذودا عن الأسرة أو القبيلة - غير إنسانية أو غير سامية، وإنما كانت إنسانية صرفة - في صورتها الوحشية الظاهرة - وكانت سامية بكل ما في هذه الكلمة من معنى. ذلك أن هدف هؤلاء الفرقاء كان دوما وأبدا العمل الحاسم للمحافظة على الإنسان في الإطار الضيق الذي كان يفهمه إنسان ذلك العصر،  إذ كانت الوشائج الاجتماعية لم تتبلور بعد في إفهام أولئك القوم الذين ظلوا طيلة أعمارهم لا يحسون إلا أخطارا محدقة بهم من كل النواحي، وكوارث محيطة بهم من جميع الجهات: العناصر الطبيعية التي تبدو لعقولهم ذات الأفق الضيق معاكسة لأهدافهم ومضادة في أكثر الأحايين لرغباتهم، والظواهر الكونية التي لا تستند - في محيط فهمهم السطحي - إلى أي قانون ثابت يمكن الاعتماد عليه، أو أي أساس يتفق وما يحسونه أو يهدفون إليه، ثم جهلهم المطبق، ما توصل إليه إنسان العصر الحديث من وجود ارتباطات وثيقة ووشائح عميقة الجذور بين تلك الظواهر والعناصر، وبين تكييف حياة الإنسان على الأرض بوصفه الكائن الحي الذي عليه أن ينظم نفس وجوده وكامل كيانه مع ما يتفق ومبادئ هذه الظواهر والعناصر. كل ذلك دفع بالإنسان الأول إلى عدم الاطمئنان إلى مصيره المجهول، ومصير مستقبل أبنائه الذين انحصرت فيهم - في نظره - كل المعاني التي يحسها ويتذوقها، وكل الأهداف التي يرمي إليها، وجميع القيم التي يمكن أن تكون لنفس حياته.. وبالتالي دفعه هذا الاعتقاد - الذي لم يكن خاطئا من كل وجوهه - إلى العمل في دائرة ضيقة، هي مكافحة كل ما قد يتراءى له خطيرا على ذلك المصير وذلك المستقبل. ويجب أن نقرر هنا بأن التفكير في المصير ومستقبل الأبناء كان اللبنة الأولى لفكرة إيجاد مجتمع قار ذي خصائص إنسانية عالية.

            ثم تطورت الأنظمة الاجتماعية، والقوانين الدستورية، تبعا لتطور إدراك الإنسان للعلائق القائمة بين حياته وبيئتها، وبين وجوده ومصيره وكون مع مرور الأيام - وبعد محن كانت شديدة الوطأة عليه، قاسية التأثير على نفسه - أفكارا ونظريات أصيلة، ناضجة حينا وفجة مائعة أحيانا أخرى، ظلت هذه الأفكار هي الأخرى تدور في فلك واحد هو البحث الدائب المتواصل لتحقيق حلم الإنسانية، المنحصر دائما في إيجاد عالم أفضل، وحياة أحسن، ومصير أكثر طمأنينة مما كان يحس به إنسان يومئذ.

          ومن يتتبع تطورات الإنسان في مدارج تقدمه منذ بداية وجوده إلى الآن، ويقف لحظات قصيرة عند نهاية مرحلة وبداية أخرى، ويمعن النظر في تلك التيارات النفسية الجارفة، والانفعالات الروحية الدافقة، التي كان يحس بها آباؤنا وهم مقبلون على انقلاب ومدبرون عن آخر... يحس في أعماقه ببراكين الطموح الفائرة، التي كانت تدفع الإنسانية دائما إلى السمو الحقيقي والطمأنينة الأبدية.

وما كانت الأطوار التي مرت بها حياة الإنسان القانونية من السلطة الأبوية، فالسلطة القبلية، فالنظام الشوري، فسلطة الفرسان، فالسلطة الدينية، فسلطة النبلاء والعظماء، ثم سلطة عصر النور الذي نحياه، إلا محاولات كانت -وستبقى- تهدف نفس الأغراض السامية التي وعتها الإنسانية في عقولها الباطنية منذ الأزل.

ثم كانت الشرائع السماوية، فكانت غايتها العظمى ورسالتها النبيلة جعل الإنسان يشعر حقا بما كان يصبو إليه، على أنه حقيقة أقرها واجب الوجود وواهب الحياة، وآمن بها الرسل، فهم يجعلونها رسالتهم ومناط أعمالهم ومنتهى آمالهم وجعل الإنسان أيضا يعيد الأمل إلى نفسه، حين يرى في حرارة الإيمان الصادق كيف أن أحلامه في بناء عالم أفضل ليست خيالا أو شطحات، وإنما هي حقيقة كامنة في أعماقه كمون الماء في العود، فكأن الشرائع الإلاهية إنما جاءت لتذكر الإنسان بقدرته على تحقيق ما يشعر به إذا هو استنار بوحي الله وسبحات أفكار الرسل والأنبياء ودعوات الصالحين الأتقياء.

وإذ نعتقد أن لا مندوحة للعالم من بناء جميع أسس وجوده، اقتصادية وسياسية واجتماعية على أساس العمل لتحقيق الغاية المثلى التي من أجلها أوجد الإنسان على هذه الأرض، وحمل الأمانة العظمى، نرى من جهة أخرى أن لا سبيل للوصول إلى هذا البناء إلى على أساس وجود ضمان اجتماعي لجميع طبقات شعوب العالم، لأن ذلك وحده هو الذي سيجعل هذه الطبقات -وهي الوجود- تطمئن إلى حياة وجودها ومصيرها، وبذلك تتجه -تلقائيا- اتجاهات إنسانية إنشائية بناءة، ستبعد عن عالمنا هذه الهزات العنيفة المثبطة، وتلك الرجات من الأهواء المدمرة، ثم هذه الحروب المخربة المحطمة.

         والمغرب - وهو في طور انقلابات خطيرة في حياته الجديدة المحفوفة بالمخاوف والمخاطر والآمال - يجب أن تعبأ فيه جميع القوى، وتتضافر جميع الجهود، لجعل مستقبله مبنيا على أسس متينة من الضمان الاجتماعي، كما يرى هذا النظام الإسلام الذي هو الدين الرسمي للأمة المغربية، ولتهيئة هذا المغرب الجديد ليحتل المكانة السامية التي تتناسب والمركز الذي يجب أن يحتله من محيط التيارات الإنشائية الحديثة.. وللتذكير بهذا الأمل نرجو - إن سمحت العناية الربانية - أن نكتب فصولا عن الضمان الاجتماعي كما يراه الإسلام، شاكرين منذ البداية لمجلة (دعوة الحق) هذه الفرصة التي أتاحتها لنا، مؤملين في نفس الوقت لوزارة الأوقاف - والأوقاف كانت في عديد من الوجوه مما قد نتعرض له في فصولنا المقبلة، محاولات لتقعيد نظام الضمان الاجتماعي في العالم الإسلامي - توفيقا ونجاحا تحقق بهما الغاية السامية التي من أجلها فكر آباؤنا في إيجاد ما يسمى بالأوقاف.
         
(للحديث بقية)
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here