islamaumaroc

حديث في الحج

  جمال الدين الرمادي

77 العدد

لم يكن الحج فريضة مبتدعة في الإسلام إنما كان الناس يعجون البيت ويعتمرون ويحرمون ويطوفن ويسعون ويقفون المواقف كنها، ويرمون الجمار، بيد أن الإسلام عندما أشرق نوره على الأكوان وهدم معاقل الشرك والعدوان وفوض صروح البغي والطغيان. هذب هذه الفريضة ونقاها وطهرها من الرجس والإثم وصفاها، وألغى عبادة الاوتان وتقديس الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ولا تغني من جوع. ومن عهد إبراهيم الخليل إلى عهد الرسول محمد-صلى الله عليه وسلم- والناس يحجون عملا سنة إبراهيم.
وفي ذلك يقول جل ثناؤه، وتعالت آلاؤه في كتابه العزيز:«وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت إلا تشرك بي شيئا، وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع والسجود، وإذن في الناس بالحج  يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ياتين من كل فج عميق..».
ومن شعائر الحج في الإسلام-السعي. وهو عبارة عن المشي بين الصفا والمروة سبع مرات، والصفا هو مكان شبيه بالمصلى في أصل جبل أبي قيس ويقع جنوب المسجد الحرام على بعد منه في أصل جبل قعيقعان وهي منتهى السعي ومن الأئمة من قال بوجوب السعي ومنهم من قال انه تطوع.
وقد شرع السعي بين الصفا والمروة لما فيه من تجديد الوقوف برحاب الله تعالى. وملازمة أماكن عبادته، وإظهار النشاط فيها والاستمرار عليها والبعد عن مظاهر الكسل والتراخي في القيام بها.
وروى البخاري ومسلم عن الشعبي قال:
«كان صنم بالصفا يدعى أساق ووثن بالمروة يدعى نائله. فكان أهل الجاهلية يسعون بينهما. فلما جاء الإسلام رمى بهما وقالوا: إنما كان ذلك يصنعه أهل الجاهلية من اجل اوتانهم. فامسكوا عن السعي بينهما. فانزل الله تعالى في سورة البقرة«إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما».
وروى البخاري عن عاصم قال:« قلت لأنس ابن مالك رضي الله عنه «أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟» قال نعم، لأنها من شعائر الجاهلية حتى انزل الله:«إن الصفا والمروة من شعائر الله» الآية.
وكانت العرب في الجاهلية تحرم أربعة أشهر، وهوة الذي كان عليه جمهورهم، وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة ثلاثة سرد وواحد فره، لأجل أداء مناسك الحج والعمرة ولذلك لم يسم الله تعالى أشهر الحج في كتابه الكريم، إنما قال تعالى في سورة البقرة «الحج أشهر معلومات».
وروى البخاري عن عائشة-رضي الله عنها- قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة. وكانوا يسمون «الحمي» وكان سائر العرب يقفون بعرفات. فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه-صلى الله عليه وسلم- إن يأتي «عرفات» ثم يقف بها. ثم يفيض منها فذلك قوله تعالى «ثم أفيضوا من حيث أفاض الله».
وقد اجمع العلماء في الإسلام على أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج، وان من فاته فعليه حج من قابل والهدي في قول أكثرهم لقوله-صلى الله عليه وسلم- «الحج عرفة» واتفقوا على أن الإمام يصلي بالناس بمنى يوم التروية. الظهر والعصر والمغرب قاصرا الرباعية ثم إذا كان يوم عرفة صلى الإمام بالناس الصبح ومشى معهم بعد شروق الشمس من منى إلى عرفة. فإذا وصلوا إليها خطب الإمام الناس بعد الزوال. ثم جمع بين الظهر والعصر في أول وقت الظهر-ووقف حتى تغيب الشمس، والشرط أن يكون الوقوف بعد الزوال. والسنة أن يمتد إلى غروب الشمس. ومن اقتصر على الوقوف والإفاضة قبل الزوال لا يعتد بوقوفه. وعرفة كلها موقف إلا بطن عرفة.
إما التلبية في الحج فكانت معروفة في الجاهلية، وروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان المشركون يقولون «لبيك لا شريك لك» قال: فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم-قد قد يقولون «إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت».
وذكر ابن حجر في الفتح نقلا عن ابن عبد البر قال جماعة من أهل العلم. معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم حين إذن في الناس بالحج. وروى البخاري ومسلم عن مالك عن نافع عن ابن عمر-رضي الله عنهما- أن تلبية رسول الله- صلى الله عليه وسلم-لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك.
وحكي المجاهد انه لما قيل له «وإذن في الناس بالحج يأتوك رجالا. وعلى كل ضامر .» قال: رب كيف لقول: قال قل: يا أيها الناس أجيبوا ربكم، فصعد جبل أبي قبيس فنادي يا أيها الناس أجيبوا ربكم. فأجابوه. لبيك اللهم لبيك في صلب آبائهم وأرحام أمهاتهم فكان ذلك أول التلبية فمن أجاب منهم مرة حدج مرة، ومن أجاب مرتين حج مرتين، وعلى هذا يحجون بعدد ما أجابوا، ومن لم يجب لم يحج.
واتفقوا على أن تلبية الرسول-صلى الله عليه وسلم- كانت بلفظ:« لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، أن الحمد والنعمة لك، والملك. لا شريك لك.» واختلفوا في الزيادة عليها وفي تبديلها، ويروي بعض الأئمة انم التلبية من أركان الحج ويرى غيره أنها ليست من الأركان. ولكن يلزم تاركها دما، وكان النبي-صلى الله عليه وسلم- إذا أعجبه شيء، قال لبيك أن العيش عيش الأخيرة.
وكان أهل الجاهلية يتقربون إلى الله في الطواف بان يطوف احدهم ويده مقرونة بيد إنسان آخر، يسير أو خيط فيسير في الطواف مقترنين. وروى البخاري عن ابن عباس- رضي الله عنهم-أن النبي- صلى الله عليه وسلم- مر وهو يطوف بالكعبة بإنسان قد ربط يده بإنسان آخر فلطمه النبي-صلى الله عليه وسلك- بيده.
أما الطواف في الإسلام فهو الدوران حول الكعبة سبعة أشواط ويرعي فيه شروط الصلاة من طهارة وستر عورة، والطواف ثلاثة أنواع: طواف القدوم على البيت، وطواف الإفاضة بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر، وطواف الوداع. والواجب منها الذي يفوت الحج بفواته هو طواف الإفاضة، وفي هذا المعنى يقول الله تباركت صفاته:«ثم ليقضوا تفتهم، وليفوا لدورهم وليطوفوا بالبيت العتيق».
قال ابن القيم في زاد المعاد «لا خلاف في انه لم يعج –صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة واحدة وهي حجة الوداع. ولا خلاف في أنها كانت ستة عشر من الهجرة، والخلاف إنما هو في حجة قبل الهجرة.
وتعتبر حجة الوداع من ابرز الحجات في حياة الرسول الكريم، وفي حياة الإسلام والمسلمين أجمعين.
ففي شهر ذي الحجة سنة عشرة من الهجرة (مارس 932م) حج رسول الله-صلى الله عليه وسلم- حجة الوداع وخرج معه للحج خلق عظيم حتى إذا نتابع الحجيج من متى إلى عرفات تجلت وحدة الإسلام طاهرة جلية للعيان إذ سرع المسلمون من كل صوب وحدب لأداء هذه الفريضة، ـ لا تتوزعهم الأهواء، ولا تفرقهم الأحقاد، ولا تشتت شملهم أو تبدد شيعتهم الضغائن أو الجزارات بل تظلهم راية واحدة هي راية الإسلام، ويغمر قلوبهم إيمان برب واحد، وهو الله الواحد القهار.
فلا عصبية ولا أحزاب ولا تفاخر بالقبائل أو الأنساب ولا تنافر ولا تناحر، ولا زهو ولا خيلاء بالغني والأمجاد ولا تعلق بعبادة اللات أو لعزى أو غيرهما من الأصنام والأوثان إنما المعبود الله وحده، ولا رب لكنانة ولا معبود لهمدان. «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك».
حتى إذا ما زالت الشمس أمر رسول الله-صلى الله عليه وسلم- بناقته فرحلت، فركب حتى أتى بطن الوادي، وادي عرفة، فوقف واجتمع الناس ليصغوا إلى خطبته الخالدة التي استمع إليها التاريخ في هذا اليوم الحافل، فحفظها ووعاها ورواها عبر السنين.
وبعد لن حمد الله واثني عليه، قال:«يا أيها الناس اسمعوا، قولي فاني لا ادري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا.
أيها الناس، أن دمائكم وامرالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وأنكم ستلقون ربكم، فبالكم عن أعمالكم وقد بلغت فمن كان عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وان كل ربا موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون. قضى الله انه لا رياء، وان ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله.
ولم ينس الرسول – صلى الله عليه وسلم- أن يذكر النساء بالخبر في خطبته، وهو الذي أنقذهن من الوأد، ورفع منزلة كثيرات فأشركهن في الإرث، ونصح الناس أن يأخذوا نصف دينهم مو حميراء-أي عائشة عليها السلام-فقال:«أما بعد، أيها الناس فلن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليهم حق، لكم عليهن إلا يوطئن فراشكم أحدا تكرهونه، وعليهن إلا ياتين بفاحشة مبينة، فان فعلن فان الله قد إذن لكم إن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح، فان انتهين لقهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف واستوصوا بالنساء خيرا. فأنهن عندكم عوان لا يمكن لأنفسهن شيئا، وأنكم إنما اخذ لموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمات الله. 
ولم يشأ الرسول الكريم أن يقفل عن تنبيه المسلمين إلى ضرورة التعاون والتآزر والتكاتف ولتناصر. فقال في خطبته الخالدة.
«فاعلقوا أيها الناس قولي، فاني قد بلغت، وقد تركت فيكم ما أن أعصمتم به. فلن تضلوا أبدا امرأ بينا. كتاب الله وسنة رسوله.
أيها الناس:
اسمعوا قولي واعقلوه، نعلن أن كل مسلم أخ للمسلم وان المسلمين إخوة، فلا يحجل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب النفس، فلا تظلمن أنفسكن، اللهم قد بلغت؟.. فقال الحاضرون نعم.رسول الله. اللهم اشهد.
تلك هي الوصية الكريمة التي ألقاها الرسول على المسلمين في حجة الوداع. وهي التي ختم بها الرسول رسالته. فما أن أتم خطابه حتى نزل عن ناقته القصواء، وأقام حتى صلى الظهر والعصر ثم ركبها حتى بلغ الصخرات وهنالك تلا-عليه السلام- على الناس قوله تعالى:«اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم عمتي ورضيت لكم الإسلام دينا..»   
   وما أن سمعها أبو بكر الصديق حتى فأنت الدموع من عينيه وبكى، إذ أحس أن النبي وقد تمت رسالته، قد دنا يومه الذي يلقي فيه ربه.
وأتم الرسول حجة الوداع.. تلك الفريضة التي هذبها الإسلام.. وخلصها من شوائب الجاهلية الأولى وطهرها من آلافك والإثم، ثم جعلها من دعائم الدين لمن استطاع إليها سبيلا حتى يرث الله الأرض وما عليها ومن عليها.
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here