islamaumaroc

التعليم الإسلامــي في الصيـــن مـاضيـــــه وحاضــــــــره

  محمد يوسف هواين

العدد 267 صفر 1408- شتنبر-أكتوبر 1987

«اطلبوا العلم ولو في الصين»
     (حـديث نبــوي)

على مدار أكثر من  700 سنة  منذ دخول الإسلام إلى  الصين، من أواسط القرن السابع الميلادي إلى انحسار أسرة يوان (1671 ـ 1368) كان معظم أئمـة المسلمين الصينيين قادمين من بلاد العرب إلى  جانب عـدد من الطلاب العائدين بعد أن أكملوا دراستهم هناك، بسبب انفتاح المواصلات بين الشرق والغرب آنذاك.
غير أن ذلك لا يعني أن المسلمين الصينيين كانوا يخلون من التعليم الديني طوال هـذه الفترة الطويلة،  وممـا يؤسف له أنه لم يكن هناك تدوينـات تاريخية تدل على وجوده، ومع ذلك فإن هذا النـوع من التعليم قد ظهر إلى حيز الوجود منذ دخول الإسلام إلى الصين حسب التقدير، ولو لا ذلك لما شهدت الصين الشيخ هودنغ تشو، المتعمق في علوم الديـن والواسع الاطلاع، والشيخ وانغ داي يوي، والشيخ تشانغ تشونغ، وهم من مؤلفي الكتب الإسلاميـة الصينيين في التاريخ.
ومن الملاحـظ أن هؤلاء العلماء الثلاثـة كلهم ممن حصلوا علوم الدين في الصين، وقد  قدمت هـذه الحقيقة دليـلا على ان التعليم الديني الإسلامي الصيني  قد ظهـر منذ زمـن قديم، ولكن عـدد العلماء الذين  تم إعدادهم في الأثناء هــذه الفترة، قد يكون قليل بسبب محدوديـة الظروف التاريخية آنذاك.
وهناك كثير من المعطيات التاريخية تفيدنـا أن الشيخ هودنغ تشو ( 1522 ـ 1597) هو أول من دعا إلى التعليم المسجدي دون أن يدخر جهدا.
ونظرا لان الشيخ هودنغ تشو  كان قد ساهـم  بقسط كبير في التعليم الديني الإسلامي،  فقد جرت العادة على تسميته « أستاذ الأساتـذة» تعظيما وإكراما له، أما سيرتـه ومآثره فقد سجلت في الكتابات المنقوشـة على نصب«سيرة أستاذ الأساتـذة هو» (تختصر إلى «السيرة» فيما بعد) و«تاريخ التعليم الديني الإسلامـي» (يختصر إلى « التاريخ» فيمـا ليل)، بالتفصيل فيعتبر ذلك مـن الوثائق الهامـة التي يرجع إلهيا في دراسة  تاريخ التعليـم الإسلامي الصيني.
تشير «السيرة» إلى أنه: «بعد انتشار ديننا في الصين الواقعة في الشرق الأقصى، صار إيضاح شرائح وأحكام الإسلام مليئا بالمهبات بسبب نقصان الكتب الدينية على نجو مرعب، وتضاؤل العلماء إلى أبعد الحدود فضلا عن إظهارها كما يجب، ولكن الإسلام في الصين عاد إلى مجراه الطبيعي مع مرور الأيام خاصة بعد بروز الشيخ هودنغ تشو ـ ولقبه مينغ بو  ـ في سنة 1522، إنه من مواليد «وبين» (ويتشنغ التابعة لشيانيانغ بمقاطعة شنشي حاليا)                             ?
وقد تعلم الكونفوشية منذ طفولته إلى شبابه، ثم عدل عن ذلك إلى دراسة الشريعة الإسلامية على يد الشيخ قاو، الذي هو من موالدي «وبين» كذلك ... حتى قطع شوطا كبيرا في هذا المضمار، وصار متبحرا في معاني الكتاب والسنة وعلم التوحيد، فأخذ على عاتقه إظهار الدين الحنيف بهمة عالية، وكان من عادته أن يطعم كل من جاءه لتحصيل العلم ويعلمهم بكل رضى، ومن جراء ذلك أنقذ ديننا من الزوال بعد أن تأزم في الصين كئات السنين، وكان من تلامذته النجباء «فنغ» و«هاي» وأولادهما وأحفادهما وهم يعلمون الآخرين بدورهم مما جعل ديننا ينتعش في البلاد».
وترينا هذه التدوينات بصورة مبسطة مراحل إقبال الشيخ «هو» على تطوير التعليم الديني وخليفة ظهور هذا التعليم وتأثيراته الكبيرة.
وقد عرفنا من «التاريخ» أن الأستاذ من أهل ويتشنغ ... وكان من أغنى أبناء موطنه، وكان يميل إلى قراءة الكتب الإسلامية، وتراوده الرغبة في ترجمتها إلى اللغة الصينية، وبعد أن تقدمت به السن إلى 50 سنة توجه إلى العاصمة، حيث تتلمذ على مشاهير الأساتذة ... وكان يدرس الكتب الإسلامية بجد واجتهاد من جهة، ويفيد زملاءه بدون كملل ولا ملل من جهة أخرى، وقد أمضى  سنوات في الدراسة ساهرا ومحروما من المدفأة في الشتاء، ومن المروحة في الصيف، وبتأثير منه بدا العديد من المسلمين الطبيعيين، كما لو أنهم صحوا من المنام حتى أدركوا أهمية التعليم الديني أكثر فأكثر ، ومنذ ذاع صيت الشيخ «هو»  في الداني والقاصي تقاطر عليه طلاب علم من مقاطعات جيانسفو وهوبي وضبي وشاندونغ جماعات جماعات ليتعلموا منه»... «وكان من ابرز طلابه عالمان يدعى أحدهما «فنغ» والآخر «هاي» وكانا قد استوعبا علوم الدين وهما في شبابهما ومنذ أكثر من مائة سنة حتى الآن (أي سنة 1963) ظل التعليم الديني متداولا بين العلماء جيلا بعد جيل.
وبعد أن استولت أسرة تشينيغ على مقالد الحكم في الصين صار عدد العلماء والأكفاء في الصين كثيرا كالنجوم في كبد السماء ... وقد جاء ذلك نتاجا للجهد الجهيد المبذول من قبل الشيخ «هو» في سبيل إنشاء التعليم الديني واقتداء المتأخيرين به في كشف النقاب عن المبهمات الدينية التي كانت تخفى على المسلمين ردحا من الزمان، وفي الاهتداء إلى طريق تمييز الحق من الباطل.
لم تقدم هذه التدوينات المقتسبة دليلا على صحة ما ورد «في السيرة» فحسب بل وصفت سيرة الشيخ «هو» وموقفه من الدراسة وأمله النبيل وازدهار قضيته المتصاعدة، بصورة حية.
وقد عرفنا من «التاريخ» أن الشيخ «هو» كان جادا في ممارسة التعليم إلى أقصى حد من ذلك أنه كان قد وضع خمسة مقاييس للعلماء المطلوبين كالآتي:
1) عليهم أن يتعمقوا في علوم الدين.
2) وعليهم أن يبرعوا في التعليم.
3) وعليهم أن يتحلوا بالخصال الحميدة دون أن تشوبهم أية شائبة.
4) وعليهم أن يضربوا مثلا للآخرين بأقوالهم وأفعالهم وأن يقوموا بتوعية عامة الناس أينما ذهبوا.
5) وعليهم أن يعيشوا حياة تقشف وأن يرضوا بها.
وعندما كان مؤلف «التاريخ« يعلق على مساهمات الشيخ «هو» في سبيل الله قال: «يا له من عالم لم يكن له مثيل أبدا صح القول ! ذلك أن هذا العالم المتبحر في علوم الدين والبارع في التعليم ليس مؤهلا للقب... أستاذ الأساتذة فحسب، بل هو شخصية عظيمة جدا في تاريخ التعليم المسجدي الصيني.
ومما يستحق الذكر أن الشيخ «هو» كان قد جعل من بيته مدرسة في بادئ الأمر، ثم نقل مدرسته إلى المسجد، فسرعان ما عمت المدارس المسجدية كل مكان في الصين وتحولت المساجد إلى مواقع للتعليم الديني الإسلامي الصيني.                              ?
بديهي أن ذلك يمت إلى الأسباب التاريخية بصلة إذ أن المساجد كانت مواقع تعليمية في تاريخ الإسلام، حين أنها مواقع لممارسة العبادات وخير دليل على ذلك أن جامعة القرويين وجامعة الأزهر اللتين يرجع تاريخهما إلى ألف سنة هما اللتان تطورتا على أساس جامعتين، وأن الكتاتيب الدينية في بعض البلدان مازالت مفتوحة في المساجد حتى زمننا هذا وقد تبين لنا أن التعليم الإسلامي الصيني هو الذي ورث هذا الأسلوب التقليدي بالضبط.
* * *
تطور التعليم المسجدي:
وقد عرف الشيخ «هو» بكثرة تلامذته، وكان الشيخ «فنغ» والشيخ «هاي» من ابرزهم حسب ما جاء في «السيرة» و«التاريخ»، وبالإضافة إلى ذلك فإن هناك جدولين من شأنهما تسجيل أسماء تلامذة الشيخ «هو» من الجيل الثاني والجيل الثالث والجيل الرابع .
وقد دون أحد الجدولين في التاريخ والآخر في بحث بقلم الشيخ محمد تواضع بانغ شيء تيشان (1899/1985) غير أن بين هذين الجدولين اختلافا بسيطا من حيث ترتيب أجيال بعض تلامذة الشيخ«هو» وأغلب الظن أن السبب في ذلك يعود إلى أن تلامذته كثيرون كالنجوم في عز ازدهار التعليم المجدي، أي في عهد الإمبراطور كانغ شي (1622/1722) فضلا عن انتمائهم إلى مقاطعات شنشى وهوبي  وتشيجيانغ وظبي وجيانفسو يوننان وقوانغد ونغ، فمن المحتمل أن لتلامذة الشيخ من الأجيال الثالثة والرابعة والخامسة تأثيرات مختلفة باختلاف أماكن عملهم ما عدا الشيخ «فنغ» والشيخ «هاي» المعترف بهما لدى الجميع، وقد عرفنا من هذه الزاوية أن للجدولين المذكورين آنفا قيمتهما التاريخية.
وقد انقسم التعليم المسجدي إلى مدرستين علميتين فيما بعد وهما: مدرسة «شانشي» و«شاندونغ» وكان لتشولاوية (السيد شتو) تأثيرات أكبر من غيره في مدرسة شانشي.
أما تشانغ شه موي فهو مؤسس مدرسة «شاندونغ» ويفيدنا جدول الشيخ بانغ شيتشيان بأن تشولاويه هو تلميذ الشيخ «هو» من الجيل الرابع ويفيدنا الجدول المرفق بـ «التاريخ» بأن تشانغ شينه موي هو تلميذ الشيخ «هو» من الجيل الرابع أيضا ويعتقد بأن الشيخ تشانغ تشيه موي كان يعيش في عهد الإمبراطور كانغ تشي (1662/1722) بوجه التقريب، أما الشيخ »تشولايه» فلا نعرف عنه إلا إسم عائلته، وإذا كان تلميذا للشيخ «هو» من الجيل الرابع، فيجب اعتباره من المعاصرين للشيخ تشانغ تشيه موي هلى  نحو تقديري.
إن الفرق بين مدرستي شنشي وشان دونغ يتمثل في اختلاف أسلوبهما التعليمي، وحيث إن مقاطعة شنشي هي منبع التعليم المسجدي كما أنها منطقة كان تشانغ تشه موي (مؤسس مدرسة شان دونغ) يكمل دراساته فيها فإن مدرسة شنشي هي أقدم من مدرسة شاندونغ بطبيعة الحال ... وأن هذه الأخيرة هي التي تشعبت من الأولى.
وكانت مدرسة شنشي تتمسك بمبدأ «سبر أغوار العلوم» وإعارة الاهتمام لعلم التوحيد حتى ليقال أن دراسة كتاب (عقائد نفسي) في مدرسة شنشي غالبا ما كانت تستغرق عدة سنوات وتحتاج إلى اثنتي عشرة سنة في بعض الأحيان ، ونتيجة لذلك فإن العلماء الذين تخرجوا من مدرسة شنشي كان من الصعوبة بمكان استيعاب علوم الدين شاملا وكاملا معنى ذلك أن كل واحد منهم كان يركز على دراسة قسم أو قسمين من الأقسام العلمية، ليس غير وكان اسلوب التعليم المتبع في مدرسة شنشي دارجا في مقاطعات شنشي قانوسويونان، خنان آنهوي، جيانغسو وسيتسيشوان ... إلخ.
وقد تم لمدرسة شنشي إعداد الكثرة الكاثرة من العلماء الممتازين علما وخلقا، ومنهم عالم الإسلام الصيني المرموق مادةشين والأخوان يانغ تاي خانع ويانغ تاي تشينغ، والشيخ ما تشانغ تشينغ والشيخ ما ليانغ جيون والشيخ لأن يوه جيون وغيرهم من مشاهير العلماء في العهد القريب                ?
وقد سميت مدرسة شاندونغ على هذا النحو لظهورها في مدينة جينينغ التابعة لمقاطعة شاندونغ، وكانت هذه المدرسة تدعو إلى «سعة الاطلاع واستيعاب علوم الدين بصورة شاملة وتدرس فيها الكتب التعليمية الإسلامية العربية والفارسية في آن واحد، وعرفنا من «دراسات تاريخ الإسلام» بقلم السيد جين جي تانغ أن تشانغ تشه موي (مؤسس مدرسة شاندونغ) والملقب بيون هوا، وكان موطنه الأصلي من سمرقند. وعندما كان في التاسعة من عمره جاء بكين مع عمه المكلف بمهمة توصيل أسد إلى الأمبراطور الصيني آنذاك، ثم استوطن شنشي حيث تتلمذ على أحد تلامذة الشيخ «هو» من الجيل الرابع (من الملاحظ أن تلميذ الشيخ «هو» هذا يجب أن يكون من الجيل الثالث حسب جدول (التاريخ)، ولما أكمل دراساته انتقل من شنشي إلى مدينة جينينغ بمقاطعة شاندونغ حيث تزوج بفتاة من عائلة تشانغ فضم نفسه إلى عضوية هذه العائلة حتى عرف باسم «تشانغ تشه موي»، وكان تشانغ متبحرا في علوم الدين ومتقنا للغة الفارسية بصورة خاصة ... وكان له تلامذة منتشرون في جنوب الصين وشمالها ... دون نسيان الإشارة إلى أنه عالم فذ في علم التوحيد.
وتشانغ تشه موي ذكي الفؤاد جسور على تجديد الأسلوب التعليمي، وقد دعا إلى مطالعة أنواع شتى من الكتب الإسلامية سواء أكانت عربية أم فارسية مما جعل طلاب العلم يستوعبون كل أنواع العلوم الإسلامية، وبذلك فقد تكوّن له الأسلوب التعليمي الخاص به، بل وانتهى به الأمر إلى تأسيس مدرسة شاندونغ المتساوية مع مدرسة شنشي، وكان للشيخ تشانغ عدد كبير من التلامذة، حتى ليقال في «التاريخ» أن العلماء الذين تم إعدادهم في مدارس جيانسغو وهوبي خبي وشنشي لا يمثل إلا 50 بالمائة من العلماء الذين بزغوا على ضفاف نهر جيشوي (أي في مدينة جينينغ) بدليل أن عدد فحول العلماء الذين برزوا في المدينة كان يربو على مائة عالم في فترة من الفترات، ولذلك فقد جرت العادة على اعتبار جينينغ موطنا للعلماء، وكان لمدرسة شاندونغ تأثيراتها الكبيرة في شمال الصين وشمالها الشرقي.
وقد كان هناك عالم مرموق جدا ... يدعي شه تشي يون ويلقب بـ «يون شان» وهو يعاصر الشيخ تشانغ تشه موي ولكن بعض الناس يقول إنه من زملاء تشانغ في الدراسة، وبعضهم الآخر يقول إنه من تلامذته النجباء، وقد قدموا «التاريخ»  دليلا على صحة المقولة الثانية.
وقد اشار السيد فوتونغ شيان في كتابه «تاريخ الإسلام الصيني» إلى أن شه تشي بون كان عالما مرموقا في غربي الصين إنه من تلامذة «تشانغ» وعرف لوذعيته الفائقة. وله قدرة على تفسير الآيات القرآنية جملة جملة على نحو مقنع تماما زد على ذلك أنه قد قام بتجديد 18 عملية غير متفقة مع الشريعة الإسلامية في الصلوات وترتيل الذكر الحكيم والجنائز والحفلات والزفاف، وقد انتشرت تجديداته هذه في عديد من المناطق ولكن بعض المسلمين اتهموه بأنه حاد عن سواء السبيل.
ولم يكن لنا دراية بماهية تجديداته ولكت جاز لنا القول بأنه رائد  في تجديد العادات التقليدية على ضوء الكتاب والسنة وقد فاق الآخرين في هذا الصدد.
وليس فقط أن الشيخ شه تشي بون راد في التجديد بل هو معلم متميز بروح الإبداع فقد كانت له مقاييس شديدة لقبول الطلاب وهي تتلخص في النقط التالية:
1) إيلاء الأولوية لقبول النوابغ الناشئين الصالحين للتربية.
2) لا يمارس التعليم على طلاب العلم فوق الثلاثين من عمرهم إلا بعد أن يتجلى للأعين إنهم ممن يصممون على استيعاب علوم الدين بعزيمة لا تلين لها قناة.
3)  لا يمارس التعليم على الذين هم فوق الأربعين من عملاهم إلا إذا كانوا جادين في الدراسة متأدبين في المعاملات وزاهدين عن الحياة الدنيا وراغبين وفي تهذيب نفوسهم.
4)  لايقبل الأطفال                                         ?
5) إيلاء الأفضلية لغير الأذكياء المخلصين بدلا من الأذكياء المكارين لأن المخلصين باستطاعتهم أن يفهموا معاني الكتب عبر جهود مضنية. بينما المكارون هم الذين يفترون في تحصيل العلم مع مرور الأيام.
أما أسلوب التعليم للشيخ شه تشي بون فيتلخص في إيضاج معاني المواد الدراسية لطلاب العلم، وتركهم يقرؤون ويحفظون، وكان يدعو الابتدائيين إلى قراءة المواد الدراسية 30 مرة يوميا على الأقل فلا غرو أن الطلاب الذين أكملوا دراستهم على يده كانوا بفوقون أمثالهم إذ أنهم  قادرون على استظهار المواد الدراسية بطلاقة إلى حد يثير الإعجاب لدى السامعين.
ويحتل العلماء المذكورون أعلاه المكانة الهامة في تاريخ التعليم الصيني ولكن المزيد من العلماء المتأخرين قد فاقوا الأولين في علوم الدين وما يدعوا إلى الأسف هو أن ضيق المجال لا يسمح لنا بذكرهم واحدا تلو الآخر.
* * *
تركيب التعليم المسجدي:
معروف أن تركيب التعليم في فجر الإسلام بسيط كل البساطة وقد كان بإمكان مثقف وأمي أن يشكلا مدرسة ما دام أحدهما يرضى بالتعليم والآخر يردي التعليم، وكان مثل هذا النوع من المدارس يتم تحت شجرة نخيل أو في خيمة ثم اتخذت المساجد مجالات لدراسة المسلمين.
وقد سميت المدارس بالمسجدية لوقعها في المساجد ويختلف عدد طلابها باختلاف أوضاع المساجد الاقتصادية، فهناك مدارس لا يوجد في كل منها إلا طالب أو طالبان وهناك مدارس يبلغ عدد الطلاب في كل منها مائة طالب.
إن هذا النوع من المساجد تفتح أبوابها لكل الذين يراودهم الأمل في دراسة علوم الدين وليس لها مدة دراسية محددة ولا نظام امتحاني، ويتولى أئمة المساجد التعليم فيها ولكنها تنقسم إلى ثلاث مراحل: ابتدائية ومتوسطة وعالية بوجه التقريب.
وجدير بالذكر أن عدد الطلاب في هذه المراحل الثلاث عادة ما يتضاءل أكثر فأكثر ذلك أن عدد الذين يتابعون دراساتهم الابتدائية كثيرون وأن عدد الذين يمضون بدراساتهم المتوسطة حتى النهاية قليل. أما الذين يكملون دراستهم العالية فهم اقل.
ويعزى هذا السبب في ذلك إلى أن المواد الدراسية في المدارس المسجدية كثيرة فوق العادة وأن الأسلوب التعليمي الذي تسلكه متأخر ونتيجة لذلك فإن  الطلاب غالبا ما يأتون بالنتائج المنشودة في الدراسة وإن كانوا يبذلون قصارى جهدهم من أجل ذلك والأهم من ذلك هو أن الطلاب من الصعوبة بمكان أن يحصلوا على الوظائف المناسبة بعد إكمالهم الدراسات.
أما الذين يتلقون الدروس الابتدائية فهم الصبيان الذين يلتحقون بالكتاتيب الإسلامية التابعة للمساجد عن كثب وتشتمل موادهم الدراسية على تهجية الحروف العربية ومختارات من القرآن الكريم وأبجدية المعاريف الإسلامية، علما بأن دراسات هذه المحتويات الدراسية تعتمد على تكرير القراءة والاستظهار بصورة رئيسية. إن إكمال دراستها عادة ما تستغرق ستنين ... وأن مسألة فيما إذا كان الذين ينتهون من الدراسات الابتدائية ينتقلون إلى المرحلة المتوسطة أم لا تتوقف عن نتائج دراستهم في المرحلة الابتدائية كما تتوقف على أمل أنفسهم وذويهم.
وتشتمل المحتويات الدراسية في المرحلة المتوسطة على علم الصرف وعلم النحو وعلم البلاغة للغة العربية ومن بين موادها «القراءات الخماسية» (يختص الجزء الأول والجزء الثاني بعلم الصرف والثالث بالعوامل اللغوية المائة  والرابع والخامس بالمعلومات النحوية الأساسية) و«الضوء» (كتاب نحوي وملا عصام الدين (جامع النحو وهو كتاب ضخم مكون من مليون كلمة بقلم النحوي المرموق جامي).          ?
و«مختصر البيان» (أي علم البلاغة وهو من أعمال سعد الدين ويقل حجمه عن ملا عصام الدين بعش الشئ).
وبسبب ضخامة هذه المواد الدراسية وحرمان الطلاب الصينيين من المعلومات الأساسية عن اللغة العربية فإن استيعابها صعب جدا بالنسبة إليهم  وكان هناك عدد كبير ممن انصفوا عن الدراسة في منتصف الطريق.
وكان من عادة الطلاب الذين يتابعون دراساتهم أن يغادروا ديارهم إلى أماكن أخرى لتحصيل العلم اعتمادا على دعم مالي من المدارس المسجدية، ويؤدي ذلك إلى تخليصهم من الشؤون المنزلية المرهقة من جهة، وإلى تخفيف أعباء ذويهم الاقتصادية من جهة أخرى، وكان ذلك ضروريا جدا لأن معظمهم ممن انحدروا من عائلات فقيرة ولو التحقوا بالمدارس المسجدية في موطنهم لما استطاعوا أن يتمتعوا بالدعم المالي أبدا، يومها ترى هؤلاء الطلاب دائما ينتقلون من مناطق الصين الداخلية إلى خدوده النائية، ومن المدن إلى القرى أو بالعكس متجشمين مشقات السفر الطويل ومذللين كل أنواع المصاعب والشدائد حرصا منهم على الالتحاق بالمدارس المطلوبة فإذا لم يحالفهم الحظ في الالتحاق بالمدارس المنشودة في مكان ما قوبلوا بحسن الضيافة من قبل المسلمين المحليين في أغلب الأحيان، بل حصلوا على تبرعات منهم إذا كان الأمر ضروريا، ليتسنى لهم أن يتوجهوا إلى مكان آخر لتحقيق أملهم في الالتحاق بمدرسة ما ويجوز لكل طالب أن يكمل دراساته على يد أحد المعلمين، ويسمح له أن يغادر مدرسته إلى مدرسة أخرى لمتابعة دراساته لدى معلم أمهر.
وكان العلماء المتبحرون والنابغون في التعليم دائما يشهدون جماعات جماعات ممن يطالبون بالتتلمذ عليهم ولكنهم لا يمكنهم أن يلبوا طلبات الجميع بطبيعة الحال لأن عدد الطلاب لديهم محدد على كل حال. أما المدارس التي يتولى العلماء الأقل شهرة التعليم فيها فقد كانت تتيح للقادمين فرصا أكثر للالتحاق بها.
ومما يستحق الذكر أن المدارس المتوسطة والعالية غير منفصل بعضها عن بعض وليس بينهما فرق، لولا اختلاف مواردها الدراسية فهناك مدارس تعلم فيها المواد الدراسية العالية والمتوسطة معا بجانب مدارس مختصة بالتعليم العالي ونظيراتها المختصة بالتعليم المتوسط، أما المدارس المزدوجة المواد الدراسية فقد كان المعلمون يكتفون بإلقاء الدروس على طلاب المرحلة العالية ويتركون طلابهم النجباء يعلمون طلاب المرحلة المتوسطة تحت إشرافهم.
وتشتمل المواد الدراسية العالية على علم الفقه (مواده الدراسية هو «الوقاية ـ عمدة الرعاية» وتفاسير القرآن الكريم (من بينها تفاسير الجلالين وحسين القاضي ...) وعلم التوحيد (مواده الدراسية هو «عقائد» بتاليف الحافظ نجم الدين المعروف، باعتباره متكلما حنيفا من المذهب الحنفي) وبالإضافة إلى ذلك فقد كانت هناك مدارس تعلم فيها اللغة الفارسية مما أتاح للطلاب فيها أن يقرأوا الكتب الإسلامية المكتوبة بهذه اللغة، وحيث إن محتويات المواد الدراسية ضخمة جدا فإن إكمال دراستها عادة ما كان يتراوح بين بضع عشرة سنة وعشرين سنة.
* * *
مصادر معاشات الطلاب:
نظرا لأن المدارس المسجدية كانت تتأسس تحت الظروف الاقتصادية الشاقة فإنها كانت تتخذ إجراءات بسيطة متنوعة حسب الأحوال لتوفير معاشات الطلاب وقد سبق للمدارس أن استفادت من نظام الجمع بين العمل والدراسة ردحا من الزمن لتوفير معاشاتهم ويدل ذلك على أن الإمام «ما» أللانتشوي في التاريخ كان قد ابتاع طاحونة مما أتاح للطلاب أن يدرسوا في نصف يوم وأن يطحنوا الحبوب في النصف الآخر لحل مشكلة معاشاتهم.
وبالرغم من أن هذا الأسلوب كان يؤدي إلى شخذ عزيمتهم في التكيف مع الحياة الشاقة إلا أنه قد كان حائلا                       ?
دون تقدمهم في تحصيل ل العلم إذ أنهم كانوا يشتغلـون إذ يتابعون دراستهم، بمشكلة معاشاتهم دائما وأبدا، ونتيجة لذلك فقد حل نظام التموين محل نظام الجمع بين العمل  والدراسة، بالتدريج غير أن تموينات الطلاب كانت تختلف منابعها باختلاف الأماكن، يعتمد بعضها على أوقاف  المساجد وبعضهـا الآخر على تبرعات المسلمين، وبالإضافـة إلى ذلك فقـد لجأ المسلمون في بعض الأماكـن إلى إطعام الكلاب في بيوتهم بصورة متناوبة، وبالرغـم من أ، معاشاتهم كانت على مستويات مختلفة إلا أن معظم كاوا يعيشـون عيشة كفاف، وقد استعرض الشيخ وانغ تشاي  أحد علماء الإسلام الصينيين المرموقين ـ حياته في المدرسة المسجديـة في مقالة تحت  عنوان: « سنة قطعتها في الدراسة» وقـال: في سنة 1903 غادرت تاينجين إلى جنوب تشانغتشو حيث بدأت ر أتتلمذ على الشيخ هاي سي فو... إنه  أو من دعـا إلى تجديد العادات على ضوء الكتاب  والسنة هناك... كما هو معروف بذكائه وكفايته في علوم الدين معا... وقد أمضيت سنتين في مدرسته حيث تعلمت  منه  كثيرا من المعارف كما عانيت من الشدائد والمشقات الكبيرة.
« وكانت حجرات الطلاب محرومة من أي تدفئـة حتى في قمة الشتاء، أم أنا فلم يكن لدي سوى لحاف واحد ومفرش واحد، وكنت غالبا ما ارتجف  آناء الليل من شدة البرد،  وبعد صلاة الفجـر كان الجو باردا إلى درجة ان المياه ما لبثت أن تجمدت فور صبها على الأرض، ولم يكن هناك مبرر لإشعال المار بحزمـة من الهشيم إلا إذا كان البرد يبلغ ذروته،  وكـأن القرويون المحليـون يقدمـون لنا وجبتين من الطعام كل يوم بصورة  متناوبـة شريطة أن  يذهب خادم المسجـد من بيت إلى آخر حاملا  معه سلة وجـارة لجمع  الأطعمة المصنوعة  من دقيق  الذرة أو الحنطـة، وهي صالحة للابتلاع على مضض، وكانت الوجبة الأولى لكل فرد في  بعض الأحيان بسيطـة إلى  حد أنها  لا تتجاوز فنجانين من الحساء مع خلوهـا حتى من الملحات، وكلما انتهت من تناول الطعام عدت إلى غرفتي منفردا للقراءة... ولمواجهة البرد القارس اهتديت إلى طريق الاستدفاء، بإدخال قدمي إلى القش.
 إن رواية الشيخ وانـغ جيبغ تشاي هي صورة مصغرة لحياة طلاب المدارس المسجدية آنذاك، وكان هناك عـدد كبير من الطلاب انصرفوا عن الدراسة في منتصف الطريق بسبب عجزهم عن اجتياز امتحـان الظروف الشاقة أو عن استعياب المواد الدراسية ، ولهذا فإن عـد مكملي الدراسات كان قليلا جدا.
* * *
يفيدنـا تاريخ التعليم الإسلامي أن المعلمين  في فجر الإسلام كلما تم لهم تعليم أحـد وقعوا على غرة كتابه أو على موقع خال من الكتابات تصديقا على إتمـام دراسة له، أو منحـوه رخصة تسمح له أن يعلم الآخرين ما تعلمه هو، ومع تطور التعليم الإسلامـي صار للمعاهـد الدينـية دبلومات مماثلة لنظيراتها في المعاهـد والمدارس العمومية، غير أن دبلومات المدارس المسجديـة في الصين أورع من أمثالها. وقد يعـود السبب في ذلك إلى أن إعداد رجال الدين في البلاد صعب فوق العادة. وبما أن المدة الدراسية للمـدارس  المسجديـة يغر محددة أبدا فليس هنا نصوص مبينة بخصوص وقت تخرج الطلاب، فإذا  كان أحدهـم للتخرج في نظر أسـاتذته أقيمت له حفلة تخرج في أي وقت مناسب وبالرغم من أن ترتيبات الحفلة تختلف باختلاف الاماكن إلا أنها تشتمل على البرامج التالية على وجه العموم.
1) تلاوة الآيات القرآنية
2) إلقاء المعلم كلمة من شأنهـا إيضاح أهمية إعداد رجال الدين استنادا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والتعريف بكفايـة طالبه المكمل للدراسات  وتشجيعه على بذل الذات في سبيل الله.       ?
3) إلقاء مكمل الدراسات محاضرة بهذا الخصوص، والتعبير عن عرفانـه بجميل عامة المسلمين.
4) يتقدم مندوب المسلمين بالتهاني إلى مكمـل الدراسات.
وفي نهاية الأمر يتعين على المعلم أن ينعم  على طالبه بحبـة حريرية خضراء كلباس شرف له، كما يمنحه راية حريرية باعتباره دبلومـا له،  تكتب عليها عبارات، تشير إلى موجـز سيرته وشمائله  وكفايته في علوم الدين، وتعبر عن أمل المسلمين فيه، علما بان هـذا النوع من الرايات غلبا مـا يرفق بعبارتين متوازيتين مكتوبتين على قطعتين حريريتين من شأنهمـا تشجيع المتخرج على تقديم الخدمـات للقضية الإسلامية، بالإضافة إلى ذلك فإن  هنـاك قطعا من الحرير تقدمها المدارس المماثلة وأقرباء المتخـرج وأصدقاؤه، تهنئة له، وعلى أعاليهـا اسم المتخرج وفي أسفلها أسماء المهنئين وفي أواسطها كلمات مشجعة مثل «ممتاز خلقا وعلما» و«لقضيتنـا خلف» و«أظهر ديننا الحنيف» و«في سبيل  شرف الإسلام»... الخ ويختلف عدد هـذه القطع الحريرية بحكم تأثيرات من يستحقونها وباختلاف الأماكن، وهي عـادة ما تتراوح بين عـدة قطع ومائة قطعـة، وبعد هـذه الإجازة يصبح المتخرج مؤهلا للإمامة.
* * *
مساهمــات المدارس المسجدية:
 لقد ظلت المدارس المسجديـة في الصين بسيطة التركيب ومرنـة في التعليم، ومع ذلك فقد توصلت إلى إعداد الآلاف  المؤلفـة من أئمـة المساجد الذين لا يستغنى عنهم للصينيين، مما جعل الإسلام باقيا في الصين على مدى أكثـر من ألف سنة. إن ذلك لمن الإسهامات  التاريخية التي قدمتها المدارس المسجديـة في إظهار الإسلام بالصين وما عدا ذلك فقـد تمخض ذلك عن أعـداد مجموعات كبيرة من فحول العلماء الإسلاميين خلفوا وراءهـم  عـددا كبيرا من المؤلفات الإسلامية القيمة، ومن بين مشاهيرهم الشيخ وانغ دتاي يوي وج وإلى صاحب كتاب« توضيـح الدين الحنيف والشيخ ما تشو صاحب كتاب «إرشاد الإسلام والشيخ ليوتشه صاحب كتب « أحكام الإسـلام» و «حقائق الإسلام» و «سيرة خاتم الأنبياء» والسيخ  ما فوتشو صاحب كتاب « المهمات الأربع» ... إلخ.
ولم تكن هـذه الكتب تتناقلهـا أيدي المسلمين جيلا بعد جيل فحسب بل فتحت لغير المسلمين نافذة على حقيقة الإسلام.
* * *
تجديــد المدارس المسجدية:
لقد كانت دروس  المدارس المسجديـة تنحصر في  الكتب الدينية العربية أو الفارسية وتنقصها دروس اللغة الصينية والمعارف الثقافيـة والاجتماعية، فلا غرو أن ذلك كان حائلا دون توسيع أفق المتعلمين العلمي.
إن  عدم إيـلاء الاهتمام لدراسة اللغـة الصينية كان يسود المدارس المسجديـة على وجه العموم، وفي الحقيقة فإن الصين قد شهدت، في تاريخها، عـدا من العلمـاء الإسلاميين المتفنين للغات العربية والفارسية والصينية، وجرت العادة على تسميتهم علماء الحضارة الإسلامية والحضارة الصينية ومن مشاهيرهم الشيخ وانغ داي يوي والشيخ تشانغ جيون شيء والشيخ ليوتشه، وغيرهم في أواخر عهـد أسرة منيغ وأوائل عهد أسرة تشنيغ.
وكان هؤلاء العلماء يبذلون أقصـى جهدهم لخدمة الإسلام ف يالظروف الشاقة، حتى تم لهـم تأليف وترجمة أعداد كبيرة من الكتب الإسلامية باللغة الصينية ويعتبر ذلك حدثـا منقطع النظير في تاريخ الإسلام الصيني، وبالإضافة إلى ذلك فقد لجـأ الشيخ مليان يوان إلى التعليم باللغتين العربية والصينية معا، إذ كـأن يعمل إماما في قريـة «لونغمن يوشي» بمقاطعـة يوننان.               ?
ومع أن علماء الحضارة الإسلامية والحضـارة الصينية  كانوا موضع الاحترام الكبير، إلا أنه كان هناك نزعـة خاطئـة معمقة في نفوس رجال الدين وعامـة المسلمين وهي تتلخص في عبارة« القرآن الكريم جامع العلوم فلا حاجـة إلى قراءة سائر الكتب» ولذلك فإن أغلبيـة المدارس المسجديـة ظلت تهمل دراسة اللغة الصينية والمعارف الثقافية، باستثناء مذهب « شيداوتانغ» الذي ظهر في أواخر القرن التاسع عشر وهـو ينشر الإسلام اعتمادا  على المؤلفات الدينية المكتوبة، باللغة الصينية فقط، ولكـن هذا المذهب لم يحظ بشعبية واسعـة بين المسلمين، ولم يكن له تأثيرات كبيرة.
وليس هـذا فقط بل كان هناك عدد من الملمين اتهموه بالبدعة، وحيث إن التعليم الإسلامي في الصين كان في حالة متخلفـة ردحا من الزمـن فإن رجال الدين الذيـن تثقفوا على هـذا المنوال أكثر من كانوا ينهجون طريق الأسلاف، وتنقصهم روح التطلع إلى العلاء في مضمـار التعليم، فنظرا لأن رجـال الدين الصينيين ـ بمن فيهم العلمـاء المتعمقون في علوم الدين ـ كانوا لا يعرفون القراءة ولا الكتابة باللغة الصينية فقد كـان من الصعوبة بمكان أن يشرحوا معاني القرآن الكريم، والشريعـة الإسلامية باللغة الصينية المعبرة عن معانيها بما فيه الكفاية. فلا ريب أن ذلك قـد القـى بظله على تطوير الإسلام في الصين ، وفي هذه الحالة بذل الطليعيـون من المسلمين الصينيين جهودهم للاهتداء إلى طريق  تجدي المدارس المسجديـة حرصا منهم على إعـداد علماء الحضـارة الإسلامية والحضارة الصينية  لمواكبة تيار الدهر، وكان أول من دعـا إلى تأسيس المدرس الإسلامية الجديدة الطراز هو الإمـام  وانغ هارون«1848 ـ 1918» ، وقد سبق للشيخ وانغ أن قام بالتحقيق في التعليم في بلدان غربي آسيا، اقتنصـا لفرصة أدائه فريضة الحج في أم القرى، وخلال وجوده في الإمبراطورية العثمانية قوبل بالحفاوة من قبل الخليفة الذي لم يكتف بإهداء كميات كبيرة من الكتب  الدينيـة إلى الضيف  الصيني، بل قـرر إرسال أستاذين إلى الصين، وبعد أن عاد إلى الصين سالما  غانما أقبل سنة 1907 ، على تأسيس مدرسة نظامية إسلامية للمعلمين في مسجد نيوجيـه بيكن،  كما قام في سنة 1908 بتأسيس المدرسة الابتدائية الإسلاميـة رقم 1 في نفس  المكان ، الأمر الذي فتح صفحة جديدة في المسجد الصيني، وفي السنة نفسها نشر في مجلة «توعية المسلمين» التي أسسها طلاب من المسلمين الصينيين في طوكيو، نشرت مقالة تدعـو إلى تجديد التعليم المسجدي هي الأخرى، وكان كاتب المقالة يشير بوضوح إلى ضرورة تجيد التعليم الديني لإعـداد العلماء النابغين في علوم الدين، وذوي المعارف الاجتماعية.... ومن اللازم اتخاذ اللغة العربية واللغـة الصينية وعلم الرياضيـات دروسـا إلزامية والتاريخ والجغرافية وغيرهما دروسا اختيارية...
إن لجوء الشيخ وانغ إلى تأسيس المدرسة الدينية النظاميـة وهتافات مجلة توعية المسلمين قد لعبت دورها في تجديد التعليم المسجدي وتعمي التعليم العمومي، وسط المسلمين، وبتأثير من ذلك ما لبث تيار تأسيس المدارس النظاميـة في المساجـد أن ساد كل أنحاء البلاد، ومن أشرهها المدرسة الإسلامية التي أسسهـا الشيخ يانغ تشونغ مينغ في تيانجيـن في سنة 1910 ، وهي تلتزم بمبـدإ إعارة الاهتمام لدراسة علوم الديـن واللغـة الصينية، ومدرسة تشنغدا للمعلمين التي أسسهـا الشيخ ماسونغ في جينان في سنة  1925 (وقد  انتقلت إلى بيكين في سنة 1929، ثم إلى كولين في فترة حـر بالمقاومة ضد اليابان)، ومدرسة شانغهاي الإسلامية التي افتتحها الشيخ دابو شنغ والشيخ هاده  تشنغ في سنة 1929 (وقـد انتقلت إلى بينغليانـغ بمقاطعة فانسو إبان حرب المقاومـة ضد اليابان  حيث غير اسمها إلى مدرسة المعلين في شرق  قانسو)، ومدرسة وانشيان الإسلاميـة التي افتتحها السيد تشوجي سان والسيد لي سان في سنة 1918 ومدرسة الهلال للبنـات.. تلك التي أسسهـا الشيخ ماسونغ تنغ في بيكين سنة 1935... إلخ.  ?

  وفي القترة مـا بين سنة 1938 تم لهذه المدارس إيفـاد خمسين طالبا صينيا في عدة مجموعات إلى الجامع الأزهر، وقد انبثق منهم عـدة علماء مرموقين أمثال الأساتـذة محمد مكين ومحمد تواضع بانـغ شيء شيانغ وسليمان تشانـغ بينغ دوه وناتشونغ وناشيتون... إلخ وعلبوا دورا كبيرا في نشر الحضارة الإسلامية والتبادل الثقافي بين الصيـن وبلاد العرب، زد على ذلك أن المساجد في مختلف  المناطق بادرت إلى تعميم التعليم العام مما ترك تأثيرات إيجابيـة في رفع المستوى الثقافي لعامة المسلمين.
وتمشيا مع تطور التعليم الإسلامي النظامـي والتعليـم العام للمسلمين شهدت القضية الثقافيـة الإسلامية تطورا أيضا.
وبالرغم من أن المدارس الإسلاميـة النظامية قد تم لها إعداد مجموعة لا باس بها من الأكفاء في علوم الدين إلا أن رجال الدين تربوا على النظام التقليدي ظلوا يمثلون نسبة عظمى  من أئمـة المساجد الصينية.
إن الاستفادة من النظـام التعليمي بنوعيته القديم والجديد هي الميزة الرئيسيـة للتعليم الإسلامي المعاصر في  الصين.
وبعد تأسيس جمهورية الصين الشعبيـة سنة 1949 ظلت الحكومة الشعبيـة تنفذ سياسة الحرية الدينية، هذا مـا جعل المدارس المسجديـة في كل أنحاء البلاد تبقى كما كانت عليه، وليس هذا فقط بل أنشئ في بيكين المعهد الإسلامي الصيني في سنة 1955، وكانت مـدة المعهد الدراسيـة أربع سنوات، ومواده الدراسية هي القرآن الكريم والحديث النبوي والفقه وعلم التوحيـد والغة العربية، الخ... وكان من بين معلمي المعهد علماء صينيون مرموقون مثل  الأستاذ محمـد تواضع بانغ شيء تشيان والأستاذ أمين تشن كهلي، كمـا كان من بينهم أربعة أساتـذة مصريين الدكتور بهي الدين يزان، والأستاذ محمد عبد اللطيف، والأستاذ حامـد سليمان والأستاذ علي مما أتاح للعديد من الطلاب  أن يتربوا  جيدا في علوم الدين واللغـة العربية.
أما في هوس «حملة اكتساح الـقدامين الأربعة» أي «الإيديولوجيـة القديمة والثقافة القديمة والتقاليد القديمة والعادات القديمة » التي ظهرت في بداية الثورة الثقافيـة  أغلقت أبواب  جميع المدارس المسجديـة كما أغلقت أبواب المعهد الإسلامي الصيني الحديث التأسيس.
ومن هنـا لم يعد التعليم الإسلامي الصيني باقيا ما عدا قلة قليـة من المدارس الدينية التي افتتحهـا بعض المسلمين في الخفاء وذلك في المناطق التي كان حكم عصابـة الأربعة فيها ضعيفا بطبيعـة الحال، وبعد انقضاء تلك المحنة الجسيمة عـادت الحكومة الشعبية تنفـذ سياسـة حرية العقيـدة الدينية، ومن هنـا عاد التعليم الإسلامي الصيني إلى مجراه الطبيعي بالتدريج، ليس هـذا فقط بل شهد تطورا في بعض المناطق من ذلك أن أبواب المدارس المسجديـة التي كانت مفتوحة أمام الدارسين الشباب صارت مفتوحة للشابات، زد على ذلك أن عـدد الطلاب في بعض المدارس الدينية قد تجـاوز ما كان عليه، مثلا: عندما كانت إحدى المدارس الدينية في قريـة شاديان بمقاطعة يوننان تحتفل  بإحيـاء ذكرى مولد النبي عليه السلام سنة 1986 أقامت حفلـة  تخرج لثلاثيـن من الطلاب والطالبات دفعة واحـدة، ويعتبر ذلك نادرا في تاريخ التعليم الإسلامي الصيني  وبالإضافة إلى ذلك فقد تم تأسيس خمسة معاهـد إسلامية في شنيانغ لانتشو، ينتشوان، تشنفتشو وكومينغ، بدعـم من الحكومات الشعبية هناك وذلك بعد إعـادة افتتاح المعهد الإسلامي الصينية سنة 1982

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here