islamaumaroc

منوعات عن تلاوة القرءان الكريم بالترجيع والنغم

  محمد بن عبد الهادي المنوني

204 العدد

من آداب القران الكريم، تحسين الصوت بتلاوته، وتطييب اللسان بقراءته، فالقلوب– حسب ابن العربي – (1) تخشع بالصوت الحسن... وما تتأثر به في التقوى فهو أعظم في الأجر، واقرب إلى لين القلوب وذهاب القسوة منها.
ومع ترغيب القارئ في تزيين صوته، يلزمه ان يسير في تلاوته على النهج القويم: تجويدا وترتيلا.
وإنما تجويد الكتاب العزيز: في إخراج الحروف، المتلوة من مخارجها، وفي المحافظة على صفاتها: جهرا أو همسا أو لينا وما جرى مجرى ذلك، مع نبذ التكلف والمشقة في أداء مخارج الحروف أو في بيان صفاتها.
فإذا كانت القراءة –بعد هذا – في تؤدة وتمهل، وحروف مبينة، وحركات مشبعة: فذلك هو الترتيل.
وقد وصفت ام سلمة– رضي الله عنها –تلاوة النبي صلى الله عليه واله وسلم، فاذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا (2).
 ومرة أخرى تقول أم المومنين في هذا الاتجاه:
" كان النبي –صلى الله عليه وسلم – يقطع قراءته: يقول الحمد لله رب العالمين ثم يقف، ثم يقول الرحمان الرحيم ثم يقف " (3).
وجاء عن السيدة عائشة رضوان الله–تعالى- عنها:إن النبي –صلوات الله وسلامه عليه-كان يقرأ في سبحته بالسورة، فيرتلها حتى تكون أطول من أطول.(4).
                             ***
بعد هذه المقدمة تاتي تلاوة الكتاب العزيز بطريقة الترجيع والألحان، وهي مسالة تعددت فيها المذاهب، وتعارضت –بصددها –أراء، غير أن جماهير من العلماء يرون أن لا حرج في أداء الذكر


الحكيم بالترجيع والنغم ، شريطة ان تسير  القراءة على النهج القويم، فيلتزم التالي مراعاة القوانين المتبعة تجويدا وترتيلا، ومن كلام ابن العربي المعافري في تاييد هذا المذهب:
"...واستحسن كثير من فقهاء الأمصار القراءة بالألحان والترجيع، وكرهه مالك، وهوجائز، لقول ابي موسى للنبي عليه السلام: لو علمت انك تسمع لحبرته لك تحبيرا، يريد: لجعلته لك انواعا حسانا ، وهو التلحين..."(5) .
وبعد ابن العربي المالكي ، يقول القسطلاني من ايمة الشافعية :" ولا ريب انه يستحب تحسين الصوت بالقراءة، وحكى النووي والإجماع عليه، لكونه اوقع في القلب ، واشد تأثيرا، وارق لسامعه، فان لم يكن القارئ حسن الصوت فليحسنه ما استطاع، ومن جملة تحسينه ان يراعي فيه قوانين النغم، فان الحسن الصوت يزداد حسنا بذلك.
وهذا اذا لم يخرج عن التجويد المعتبر عند أهل القراءات، فان خرج عنها لم يف تحسين الصوت بقبح الأداء..."(6).
 ومن الجدير بالذكر: إن هذه القراءة المرجعة لم تسر على نغم موحد بين المشرق والمغرب، وانما تتميز كل جهة بلحن قائم بذاته(7)، غير ان طريقة المشارقة صارت تستهوي الحجاج المغاربة لما يستمعون الى ترتيلها بالقاهرة وبيت المقدس وبغداد ومكة المكرمة، وفي هذا الصدد نقدم ارتسامات يسجلها اثنان من اعلام الغرب الاسلامي، وهكذا يقول ابن العربي المعافري عن قراء من المشرق العربي:
"... وقد سمعت تاج القراء بن لفتة بجامع عمرو يقرأ: ( ومن الليل فتهجد به نافلة لك) ، فكاني ما سمعت الاية قط،
وسمعت ابن الرفاء –وكان من القراء العظام-يقرا وانا حاضر بالقرافة: (كهيعص)، فكاني ما سمعتها قط.
 وسمعت –بمدينة الإسلام –شيخ القراء البصريين يقرا في دار بهاء الملك: (والسماء ذات البروج )، فكاني ما سمعتها قط ، حتى بلغ الى قوله تعالى:( لما يريد)، فكان الايوان قد سقط علينا..
وكان ابن الكازروني يأوي إلى المسجد الأقصى، ثم تمتعنا به ثلالثة سنوات، ولقد كان يقرا في مهد عيسى فيسمع من الطور ، فلا يقدر احد ان يصنع شيئا –طول قراءته-الا الاستماع اليه.
وكان صاحب مصر-الملقب بالأفضل-قد دخلها في المحرم سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وخزلها عن أيدي العباسية،  وهو حنق عليها وعلى اهلها بحصاره لهم وقتالهم له، فلما صادفها وتدانى بالمسجد الأقصى منها وصلى ركعتين: تصدى له ابن الكازروني، وقرأ : ( قل اللهم مالك الملك توتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء

وتذل من تشاء بيدك الخير انك على كل شيء قدير)، فما ملك نفسه حين سمعه، ان قال للناس على عظم ذنبهم عنده، وكثرة حقده عليهم: ( لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو ارحم الراحمين)(8) .
ونترك ارتسامات ابن العربي الاشبيلي، لتأتي –بعدها- انطباعات ابي القاسم التجيبي"، وكان قد وصل  الى مكة المكرمة مع شهر رمضان المعظم: " وليلة وصولنا القينا الحرم الشريف قد ملئ شمعا ومشاعل حتى تلألأ الحرم نورا... ووصل في جملة المصريين جماعة من القراء المعروفين بحسن الصوت وطيب النغمة، وكانوا يجتمعون في كل ليلة بازاء باب بني شيبة من الحرم الشريف، فيقرءون جزءا من الكتاب العزيز-متراسلين-بالتلاحين، على عادة القراءة في هذه البلاد المشرقية، فكانت تكاد تخشع لحسن اصواتهم الجمادات...
وكان لاولئك القراء المذكورين واحد كان مقدمهم، وكان من احسن الناس نغمة بالقرءان العظيم، وكان –نفعه الله تعالى- اذا وهب جزء من الليل قصد المدرسة المنصوبة، وصعد على اعلى سطحها المشرف على الحرم الشريف، وتلا هنالك جزءا من الكتاب العزيز، رافعا بذلك صوته العجيب، بحيث يسمعه كل من في المسجد الحرام، ويصغى اليه ويستطيبه.
  وكان ينضاف إلى حسن صوته وطيب نغماته وجودتها وذكائها، شرف الموضع وحسنه وبهاؤه..."(9) .
                           *   *    *
    ومن المشرق ننتقل إلى المغرب، فتلقى مقرئ فاس المرينة: ابا العباس احمد بن محمد الزواوي، حيث يشيد بجودة تلاوته ثلاثة من مؤرخي الغرب الاسلامي المعاصرين:
 فابن الخطيب (لسان الدين): ينعته بالمقرئ الفذ، الشهير في الترنم بالحان القرءان (10).
وابن خلدون يصفه بان له صوتا من مزامير ءال داود (11).
 بينما يقول عنه ابن مرزوق (الخطيب): " ...لم ير في عصره اطيب منه نغمة ، ولا احسن  صوتا ولا انداه، كان ءاية من ءايات الله عز وجل، لم ار في المشرق والمغرب نظيرا له، ولا رايت من رأى مثله ، يسلب العقول ، ويذكر بالله ، لا تملك  النفوس ولا الشوق عند سماعه"(12).
  وفي تونس يلمع اسم ابن برال: محمد بن سعد الانصاري البلنسي الاصل وكان –حسب ابن خلدون (13)-شيخ القراء ومعلمي كتاب الله –تعالى- بالحاضر الحفصية، وقد استمع البلوى إلى طيب نغمته في تلاوة القرءان الكريم، وهو يؤم في صلاة الاشفاع ليالي رمضان بجامع تونس، فيسجل عنه هذه الارتسامة:
"وكان هذا الشيخ قد اوتي من حسن اللفظ بالقرءان ما لم يوته احد ممن بقي على الأرض في هذا الوقت باجماع، حضرت قيامه في ليالي رمضان بالاشفاع، وانتدب الناس اسماعه من النواحي والبقاع، فما قرع سمعي ولا وقع في اذن قلبي: احسن منه صوتا ولا احلى تلاوة، ولا اطيب ايرادا، ولا اعذب مساقا، ولا أعجب أحكاما ، ولا اغرب ترتيلا، ولا أجمل جملة وتفصيلا.
  ولقد كنت في حين قراءته- على قساوة قلبي وغباوة لبي- اتفاشى واتلاشى، ويضج جامع تونس باهله ، ويقص جمعه: فبين باك وداع وخاشع وساقط من القيام: وعادم وجوده في ذلك المقام،


كلهم يفعلو فيه صدقه، ويسكنهم نطقه، ويسكرهم ذوقه" (14) .
                                      *   *    *
واخيرا : نذيل هذا العرض بالاشارة الى ان الترخيص في تلاوة القرءان العزيز بالالحان، مقيد- كما علم ساقا- بما اذا لم يتجاوز القارئ قواعد التجويد المرعبة، اما اذا تعدى هذا الحد ، وخرج عنه الى طريقة الغناء ، فان القراءة – على هذه الصفة- محظورة باجماع العلماء ، حيث ان القارئ يكون قد عدل بالذكر الحكيم، عن منهجه القويم، وفي هذا الاتجاه يقول بعض المغاربة وهو يتحدث عن تلاوة القرءان الكريم بالالحان:
           
      "...وإنما تزين قراءته بالحان العرب الذين انزل بالسنتهم، وذلك ان طبع الموسيقى العجمي لا يتم الا بمد ما لا يمد، وقصر ما لا يقصر، وعلى خلافه اللحن العربي، ولذلك ورد الإذن به..."

---------------------

1" احكام القرءان " مطبعة السعادة بمصر: 2/187.
 2 " الشمائل الترمذية": المتن المنشور ضمن شرحها لمحمد بن القاسم صبيح بالقاهرة: 1346/1927-2/99.
3 " نفس المصدر" 2/100.
4 " الموطأ": عند الباب " ما جاء في صلاة القاعد في النافلة"، مع مصادر اخرى لتخريج الحديث:في معجم المفهرس لالفاظ الحديث النبوي" ج 4 ص 61.
5 " أحكام القرءان " 2/187، وقولة ابي موسى الأشعري نسب ابن حجر تخريجها لابي يعلى، حسب " فتح الباري" : المطبعة الكبرى الميرية:9/81، حيث يذكر –ايضا-عن " سنن ابي داود"-بسند صحسح –من طريق ابي عثمان النهري قال : دخلت دار ابي موسى الاشعري، فما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا ناي احسن من صوته .
6 " ارشاد الساري" ...المطبعة الكبرى الاميرية: 7/481.
7 هناك اشارة في بعض المفيدات الى افراد بجامع القرويين من فاس: كانوا يحتذونفي تلاوتهم الطبوع الاندلسية: طبع الزيدان وتارة الاصبهان ، حسب " كناشة " العباس بن الفقيه محمد بن عبد الر حمان الفيلالي الحجرتي ثم الفاسي ، بالخزانة العامة بالرباط : د: 3634، ص 581.
والظاهر ان احتذاء تلك الطبوع الاندلسية في التلالوة ، يسير مع ما يقرره ابن خلدون وهو يقول:
... وليس المراد تلحين الموسيقى الصناعي ، فانه لا ينبغي ان يختلف في حظره، اذ صناعة الغناء مباينة للقرءان بكل وجه...وانما مرادهم التلحين البسيط الذي يهتدي اليه صاحب المضمار بطبعه...فيردد اصواته ترديدا ععلى نسب يدركها العالم بالغناء وغيره..." ،" المقدمة"
المطبعة الأزهرية بالقاهرة ص 357.
8 احكام القران 2/187

9 مستفاد الرحلة والاغتراب" نشر الدار العربية للكتاب، ص 459 -460
10 الاحاطة نشر مكتبة الخانجي بالقاهرى ، ج 3 ص 199، بمناسبة تعداد  اشياخ محمد بن قاسم الشديد الانصاري.
11 "التعريف بابن خلدون، مطبعة لجنة التاليف والترجمة والنشر بالقاهرة ص 45.
12 " المسند الصحيح الحسن" مخطوط الخزانة العامة بالرباط ، ق 111:عند اواخر الباب 20.
13" التعريف بابن خلدون" ص 310
14" تاج المفرق..." مطبعة فضالة: 1/170، ومن الجدير بالذكر ان هذا البحث سبق نشره في مجلة " الهداية" التوونسية بالعدد 4 من السنة 6 ص12-14، والان اضيف له اسم المقرئ التونسي ابن برال، مع ارتسامات البلوي عن طيب نغمته في التلاوة، ومن اجل هذه الاضافة اعيد نشره.


 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here