islamaumaroc

كلمة وزير التربية الوطنية بين الأإسلام و علم النفس

  عبد الكريم ابن جلون

34 العدد


مولاي صاحب الجلالة
خلال القرن الثالث  للهجرة، وفي بيئة سنية سلفية تجعل من المسجد النواة الاجتماعية الأولى لانبثاق حياة إسلامية حقة، اتجهت همة امرأة مؤمنة بسمو الرسالة المحمدية وقابليتها لانتشال البشرية من ظلام الجهالة، إلى تشييد بناية بسيطة للعبادة بمعناها العام، المتضمن لإقامة الشعائر الدينية وتزويد العابد في هذه الحياة بوسائل عملية تجعل منه عضوا عاملا في مجتمعه، قائما بمسؤوليته حق قيام، مدربا على مقارعة كل شرك وضلال وعاملا على إبادة كل جرثومة من جراثيم السفالة والانحلال.
ولم تزل جوانب هذه البناية تمتد، وإشعاعها العلمي يتسع، إلى أن أصبحت نقطة انطلاق لنشاط علمي، عم سائر مرافق المعرفة البشرية، ومكنت المدنية المغربية من أن تسهم بحظ وافر في ازدهار الثقافة الإسلامية وانتشارها، يوم أن كانت هذه الثقافة تحمل مشعل الحضارة في العالم أي حينما كان سائر المتعطشين إلى العلم مهما اختلفت دياناتهم ولغتهم، يؤمون العواصم الإسلامية، لدراسة العلوم، والفنون، والفلسفة بما في ذلك التراث الكلاسيكي القديم الذي قام الإسلام على رعايته أحسن قيام، حتى استطاعت أوربا، مرة أخرى، أن تتفهمه وترعاه بعد ذلك.
وكيف لا تتجه ذاكرتنا استخلاصا للعبرة والموعظة، ونحن نعيش لحظة عابرة مضت عليها مئات السنين، نحو ما قدمته المدنية المغربية الأندلسية، خصوصا بعد أن أصبح المغرب قاعدة لحكم الأندلس. إلى الحضارة الإنسانية من أيادي في شتى الميادين، وما كان يتوفر عليه المغرب من مؤسسات علمية ومدارس مختصة.
على أن الرجوع بذاكرتنا إلى الوراء في مثل هذه اللحظات الميمونة لن يكون مجديا، بل ولا باعثا على الافتخار والتنويه، إلا إذا استخلصنا منه عبرا تعيننا على مواجهة هذه الأزمة البشرية الخانقة، وتمكننا –نحن المسلمين بصفة خاصة- من التغلب على مختلف الصعوبات التي تقف دون تحقيق انبعاث ينير أمامنا السبيل في اتجاهنا العام والخاص.
وأن أول عبرة يتعين علينا استخلاصها، ونحن نشيد بعمل هذه المومنة، التي يرجع إليها فضل الأسبقية في إحداث النواة الأولى لجامعة القرويين، هي أن المسلمين في الوقت الذي كانت تتوق فيه همتهم إلى تكوين الفرد، دينيا، وأخلاقيا، كانوا يعملون، كذلك على تمكينه من سلاح العمل المثمر، حتى لا يبقى عضوا أشل في المجتمع، وحتى يتأتى له أن يشارك بعمله الفردي في المجهود الجماعي للأمة، استجابة لقوله تعالى: «وتعاونوا على البر والتقوى» إذ أن «كل ما لمخلوق فيه مصلحة في دينه، أو ما لأغنى للمرء عنه في دنياه فهو بر وتقوى» كما قال ابن حزم عند تعليقه على هذه الآية الكريمة في رسالة مراتب العلوم.
ولعل هذه الظاهرة هي التي جعلت المعاهد العلمية، أيام ازدهار ثقافتنا أكثر ارتباطا بالحياة
الواقعية للمسلمين، تساير التطورات العلمية، والتقلبات الفكرية، بل إنها كانت تسبق الأحداث في كثير من الأحايين، وتتبنى، مقدما، كل الحركات التي من شأنها أن تحقق للفرد السعادة المثلى، والاطمئنان التام، وهذا ما ضمن لها الإشعاع والاستتباب حقبة طويلة من الزمن، وحتى إذا ابتعدت هذه المعاهد عن الحياة الواقعية، أصابها التدهور، والانحلال فكم من معهد كان مصدرا للعلم والعرفان، ثم آل إلى درجة من الانحطاط، أداه إليه خموده واقتصاره على التلقين والترديد، بينما العالم بأجمعه يقطع أشواطا بعيدة المدى في ميدان البحث والاكتشاف والمعرفة.
ولقد كان انعزال المعاهد العلمية عن معترك الحياة مدعاة لهذا الصراع الحاد الذي شاهدنا ألوانا مختلفة منه في كثير من الإفطار.
وإذا كان هذا الصراع لم يخرج في الماضي عن النطاق الجدلي، فقد بلغ اليوم من الخطورة درجة قصوى إذ أن ابتعادنا عن الواقع سيقضي علينا، لا محالة، بالعزلة والركود، في عالم متحرك متجدد يفرض علينا فرضا تغييرات دافعة تقتضي منا مزيدا من اليقظة ومزيدا من العلم والعمل.
وأن مسايرة الواقع الحاضر وإعطاءه الحظ الضروري من العناية والاهتمام لا يتنافى مع السهر على استرسال المقومات الذاتية للأمة، فالمحافظة على القديم من جهة ضروري لاسترسال كيان الأمة وقيمها إذ فيه يتجسم شعورها الديني ومطامحها الإنسانية، والأخذ بأسباب العلم الحديث ومقتضيات التقنية والصناعة لا ينبغي من جهة أخرى أن يتخذ هدفا ومقصدا في حد ذاته بل على أنه وسيلة تيسر الحياة وتمكن من وسائل العيش اللائقة بكرامة الإنسانية، إذ هذه هي الوسيلة الوحيدة التي تمكن الفرد المقدر لمسؤوليته من القيام بوظيفته الاجتماعية، في جو تسوده الرفاهية، والعدل، والإحسان، وهذا بالذات ما عمل الإسلام على تحقيقه، جاعلا من كل مظهر من مظاهر النشاط وسيلة لسعادة المجموع بسعادة الجميع، ساعيا في تحقيق التوازن بين متطلبات الحياة. فلا قديم، ولا جديد، ولا جحود، ولا جمود، وإنما هي مجموعة جهود واعية يكمل بعضها الآخر، رغم اختلاف مظاهرها وأسبابها. إذ الهدف واحد متحد ألا وهو الرفع من قيمة الإنسان والمجتمع البشري إلى المكان اللائق بما كرمه الله به، تمكينا من القيام بما خلق من أجله ألا وهو عبادة الله عبادة تامة مطلقة.
وإن تشبثكم المتين –يا مولاي – بتعاليم الإسلام، وحرصكم الشديد على أن تحيا أمتكم حياة إسلامية صحيحة، لهو السر في اختياركم للأهداف التي تتوخونها من جميع المشاريع الإصلاحية في ميدان التعليم. فلقد أبت همتكم الاقتصار على تمكين هذا الوطن السعيد من أسباب التطور والحضارة، ووطدتم العزم على أن تجعلوا من هذه الأسباب مطية لاسترجاع مظاهر ذلكم العصر الذهبي للحضارة الإسلامية والثقافة العربية ووسيلة لإشراك المغرب في المجهود البشري لصالح الإنسانية وسعادتها، فليست الصدف وحدها هي التي جعلت عامنا الدراسي هذا يشهد، في الوقت نفسه، ميلاد كلية الشريعة بفاس، ومدرسة المهندسين بالرباط، بل إن الكل ينجز تنفيذا لخطة رشيدة محكمة.
وإن إقامتكم لهذه الذكرى المباركة في مثل هذا الحفل البهيج الذي استدعيتم له من مختلف أقطار المعمور أقطاب الفكر، ودعائم الحركات العلمية، لما يظهر بكامل الوضوح والجلاء بأنكم قد صممتم العزم على ربط حاضر أمتكم بماضي الإسلام المجيد، يوم كانت البشرية بجميع عناصرها ومختلف دياناتها تتبادل العون في سبيل ازدهار علمي، ينعم في ظلاله مجموع بني الإنسان مهما اختلفت أجناسهم ودياناتهم.
فاجتماعكم اليوم هنا-أيها السادة الكرام- هو في الواقع امتداد لهذه التقاليد السامية، مما يجعلنا نقدم إليكم أحر الشكر على تلبيتكم دعوتنا وحضوركم في هذا المهرجان الذي نأمل أن يكون نقطة البداية لحركة تتكاتف فيها سائر قوى الخير من أبناء البشر، وتتساند فيها العزائم الطيبة، من أجل الذود عن الكرامة الإنسانية، وإقرار التودد، والتآخي بين بني البشر، في جو يسوده الأمن، والسلام، والاطمئنان، وفي مجتمع تعمه الرفاهية، والعدل والإحسان.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here