islamaumaroc

حظ الثقافة في التربية الدينية

  عبد الكريم ابن جلون

20 العدد

مرت على الإنسانية عصور طويلة كانت الثقافة فيها وقفا على فئة من الناس فرضت لنفسها حق التفكير، وأقاموا بينهم وبين العامة حاجزا حصينا يحول دون نفوذ أشعة الفكر إلى الجماهير، على اعتقاد منهم بأن الدهماء يكفيها غذاء البدن وتقليد أعمى بشعائر الدين واستسلام جامد لإرادة الحاكمين فلم يكن بالطبع ثمة مجال للكلام في الثقافة الشعبية بل لم يكن من سبيل للجمع بين هاتين اللفظتين.

لكن السنة التي أرادها الله لخلقه اقتضت أن يأتي يوم تنقشع فيه تلك السحب التي كانت تحجب أشعة الفكر عن الجماهير، وتخرج فيه من الظلمات إلى النور، فإذا بها تتطلع متشوقة إلى هذا النور الذي حرمت منه عصورا وإذا بالقادة يتزحزحوا ليقتربوا منها وإذا بالثقافة تصير ثقافة أمية، والعلم يصير فريضة على كل مسلم ومسلمة، وإذا بالثقافة الشعبية تصبح واقعا ملموسا يشغل بال القائمين بشؤون الحكم وقادة الفكر.

وعليه فلا يسع المتبصر في شؤون الإسلام وتعاليمه وتاريخيه ونظمه إلا أن يعترف بأن الدين الحنيف قد إختط هذا التوجيه الصحيح والنهج القويم الذي يضمر للمرء السعادة في الدنيا والآخرة.

وهذا ما حذا بي إلى جعل موضوع الحديث "حظ الثقافة الشعبية في التربية الدينية".

وقبل كل شيء ما هي الثقافة الشعبية وما هي خصائصها الأساسية في الوقت الحاضر؟

ليست الثقافة مجرد معلومات يحشى بها الذهن ويتسلى بها العقل في أوقات الفراغ إنما هي مجموعة عناصر عقلية وعملية تؤدي إلى تحسين الحياة بأوسع معانيها فالثقافة الشعبية هي والحالة هذه الثقافة الحية التي يحتاجها شعب ما في آونة معينة من تاريخه وإذا صادفت هذه الآونة نقطة تحول في تاريخ هذا الشعب وجب أن يكون ما يمكن لكل فرد أن يجنيه من هذه الثقافة من تغيير مادي وفكري ونفسي وأخلاقي أشد وأعمق منه في أية آونة أخرى فتكون إذ ذاك مهمة الثقافة الشعبية توجيه حياة الفرد وتكوينه أخلاقيا وأعداد المواطن إعدادا صحيحا بتدريبه على الحياة الجماعية داخل إطار أقرب إلى ظروف الوجود الواقعية.

ومن هنا يمكننا أن نستخلص انه من الواجب أن تتوفر فيها العناصر الآتية:

أولا – إدراك الواقع

ثانيا – اكتساب المعرفة

ثالثا – الرغبة في الابتكار والإنشاء

رابعا– التشبع بالحياة الجماعية

فبقولنا إدراك الواقع نعني أن كل فرد ملزم بفهم الوضع الذي يجب أن ينشأ عن التغيير الحاصل في حياة الأمة وبتقدير الواجبات التي يلقيها على عاتقه هذا التغيير بصفته عضوا عاملا ليس من حقه أن يقف من المجتمع موقف المتفرج بل لا بد له أن يفهم مجهود الشعب إنما هو مجموع مجهودات الأفراد وان كل عضو مهما صغر دوره في تسيير حركة المجموع.

وهذا الإدراك من شأنه أن يكون حافزا للفرد على اكتساب المعرفة فإذا ما فهم واجباته أدرك أنه بحاجة إلى توسيع أفق معلوماته ليتسنى له القيام بتلك الواجبات على أكمل وجه وأنمه وليتسنى له

القيام بتلك الواجبات على أكمل وجه وأتمه وليتسنى له الانتفاع في حياته اليومية بالتراث الثقافي الذي خلقته العصور الفائتة وما تنتجه الشعوب الأخرى في مجهودها المستمر نحو الرقي فتنمو في النفس الرغبة في المعرفة والسعي وراء الحصول عليها بشتى الوسائل.

بيد أن اكتساب المعرفة ليس غاية بحد ذاته وليس المقصود منه شحن العقل بمعلومات نظرية تلهي المرء عن السير في ميدان الحياة الواقعية وإنما هو وسيلة للإفادة في الحياة فمن واجب الفرد إذن وقد أدرك واجبه وورد مناهل المعرفة أن يتخذ لنفسه موقعا ايجابيا يحمله على الابتكار والإنشاء دون أن ينتظر من المجتمع أن يقدم له كل شيء فغاية المعرفة هي السعي وراء ما هو أفضل وواجب كل فرد أن يستخدم ما اكتسبه من معرفة للوصول إلى هذه الغاية.

لكن الفرد لن يدرك هذه الغاية منعزلا: أن الحياة ضمن المجتمع تقتضي من كل فرد واحد أن يتشبع بالحياة الجماعية وان يدرك أن عمله الفردي لن يوصله إلى الغاية المنشودة إذ لم يقترن بمشاركة الآخرين فمن واجبه إذن أن يربي في نفسه حب العمل ضمن الجماعة والمساهمة في المجهود المشترك والحياة والعمل داخل إطار جماعي يؤلف بين القوى والجهود لتسير بانسجام نحو الهدف الواحد.

ولن يتم ذلك إلا إذا خضعت التربية داخل هذه الثقافة إلى مجموعة من القواعد الكفيلة بتحقيق الانسجام بين المجهود الفردي والمجهود الجماعي ومن هذه القواعد:

أ- احترام السنن التي تخضع لها الجماعة نفسها ليتأتى لها اكتساب سلطة يقبلها الأفراد عن طواعية لتيقنهم من أنها ضرورية لخير تلك الجماعة وصلاحها.

ب- استخدام الحماس الشعبي استخداما حرا ونزيها رائده المصلحة العامة.

ج- السهر على أن يتحلى قادة هذه الثقافة الشعبية بروح التسامح ورحابة الصدر ليكون الانقياد لما يدعون إليه من تعاليم انقيادا حر قائما على الاقتناع لا على الإكراه وذلك ليبقى لكل فرد الشعور بكرامته وحريته الفكرية وبأن له ضمن الجماعة مكانته كصاحب عقل مفكر لا كوحدة عددية فحسب.

فإذا ما توفرت هذه الخصائص وتشبعت بها الجماهير أمكن القول بوجود ثقافة شعبية صحيحة يرجى من ورائها خير عميم.

والآن وقد بينا الخصائص الأساسية التي تقوم عليها الثقافة الشعبية وجب البحث عن الخصائص الأساسية للسياسة الدينية التي دعى إليها الإسلام والوسائل التي استخدمها قادة الفكر المسلمين لنشر هذه الثقافة عن طريق التربية الدينية.

ظهر الإسلام كثورة على أوضاع الحياة التي كان يقوم عليها المجتمع الجاهلي، ثورة على الفساد والاستبداد والجمود وثورة على العادات والتقاليد التي كانت تحجب العقل بحجاب كثيف من الخرافات والأوهام وتجعل الناس طبقات متفاوتة تفصل بين الواحدة والأخرى هوة سحيقة من العصبية والحقد فألف الإسلام بين القلوب وأخرج جيلا جديدا يجمع بين أنبل الخصال التي تحلى بها المكيون والبدو. فمن المكيين ذلك الإدراك الواعي لواقع الحياة والنشاط المبدع وتلك الحنة التي امتاز بها في قيادة الجماهير مما جعلهم يوصفون بسادة العرب. ومن البدو عزة النفس والشهامة التي ستنسجم فيما بعد عند المسلمين في معنى المروءة ومن البدو أيضا الكرم الذي يتجلى خصوصا في إيثار الضيف، ونجدة الضعيف والمستغيث والخائف وحماية المستجير.

فالإسلام إذن في أول مظاهره إنما هو إصلاح منسجم مع حاجات العرب والأماني العميقة التي كانت تشق إليها نفوسهم دون أن تجد لإرضائها سبيلا.

ولكن هذا الإصلاح لم يقف عند حدود جزيرة العرب لان الإسلام لم يلبث أن اثبت قابليته للقضاء على جميع النزعات والتوفيق بين المتناقضات التي تزخر بها الطبيعة البشرية فأدرك الناس وهم يعتنقون العقيدة الجديدة أن مقاييس الوجود قد تبدلت في نفوسهم وأصبح من عمر قلبه بالإيمان ينظر نظرة جديدة إلى نفسه والى غاية وجوده في هذه الدنيا ومصيره في الآخرة وهي أمور لم تكن لتخطر له ببال في جاهليته المادية ولم تكن هذه النظرة الجديدة إلى الحياة وغايتها مجرد رأي اقتنعوا به لتتسلى به عقولهم بل جعلوه ناموسا لحياتهم الظاهرة والباطنة وسعوا لنشره بشتى الوسائل هادين معلمين فامتزج الواقع التاريخي الذي سجلته إعمالهم بالقيم الروحية التي نشرتها تعاليمهم وتولد من هذا الامتزاج البديع الواقع الإسلامي الذي ستنشأ عنه تلك الحضارة السامية التي تعرف بالحضارة الإسلامية.

وحين نصف هذه الحضارة السالمية نقيم الدليل على أن الإسلام ليس مجرد عقيدة دينية فحسب بل نظاما شاملا للحياة البشرية وتصورا واحدا لا تجزئة فيه ولا انفصال بين الميدان الروحي والميدان الدنيوي. فهو يحكم شؤون حياة المسلم من المهد إلى اللحد فينظم العلاقة بين الإنسان وربه

وهي العبادة وكذلك أيضا العلاقة بين الإنسان والإنسان وهي المعاملة. والقرآن الكريم يقرر مجموعة من القواعد العامة يطبقها المسلمون في حياتهم دون تمييز بين صبغتها الدينية وصبغتها المدنية.

لكن الأساس كان هو الدين. ولذلك كانت حكومة الرسول (صلعم) حكومة دينية أي أن دستورها مستمد من العقيدة الدينية وخاضع لأوامرها ونواهيها ومما لا شك فيه أن هذا الأساس الديني هو الذي ألف بين القلوب وكلل الدعوة بالنجاح.

وبما أن العقيدة توحد بين المؤمنين وتجعل منهم إخوانا فمن الطبيعي أن تقوم هذه الحكومة على أساس إحلال الوحدة الدينية والقومية الإسلامية محل العصبية والشعور القبلي وان تؤدي العقيدة بالمسلم إلى الشعور بأنه عضو عامل داخل هذه الجامعة الإسلامية. وعلى هذا النحو فهم المسلمون الأولون معنى الإسلام وتشبعوا به وانقادوا له بألسنتهم وجوارحهم.

وهذا هو المعنى الحقيقي للإسلام انه الانقياد لله ولرسوله (صلعم) بالنطق باللسان والعمل بالجوارح فمن نطق بالشهادتين كان مسلما له ما للمسلمين وعليه ما عليهم.

فالشهادة إذن أول ركن من أركان الإسلام

وثانيهما الصلاة وصلاة الظهر في كل جمعة هي الصلاة العمومية الوحيدة وقد كانت اكبر عامل في توحيد صفوف المسلمين من أبناء البادية ذوي النفوس الآبية المشبعة بروح الفردية. فغرست فيهم روح المساواة الاجتماعية والشعور الموحد إذ يقفون للصلاة صفا واحدا لا فرق بين كبيرهم وصغيرهم ويشتركون بالدعاء بلفظ واحد ونفس واحدة.

كما غرس فيهم الصيام نفس الروح والشعور وساوى بينهم في قهر الجد والصبر على الجوع وترويض النفس على الانقياد لله في صراط الخير والإحسان.

ولا شك أن الاجتماع في موسم الحج كان له الفضل الأكبر في تحقيق القضاء على فوارق الجنس واللون والقومية المحلية وتقوية الشعور بوحدة الإسلام وهيمنته على النفوس وإيثاقه إياها بوثاق واحد من الإيمان الذي يتخطى كل فارق مهما كان نوعه.

وهناك ركنا آخر تعتبره الخوارج ركنا سادسا وهو الجهاد الذي ينقسم حسب نظرهم أقساما ثلاثة: احدهما الدعة إلى الله عز وجل باللسان والثاني الجهاد بالرأي والتدبير والثالث الجهاد باليد في الضرب عند الحرب.

وإذا ما دققنا النظر في هذه الأركان وجدنا أنها ترمي كلها إلى هدف واحد إلا وهو تمتين أواصر الوحدة الإسلامية في شعور موحد يجمع صفوف المسلمين في رابطة وثيقة تشد بعضهم إلى بعض وتشدهم جميعا إلى سلطان الله عز وجل بميثاق يستسيغه العقل ولذا كانت التكاليف الإعتقادية والعملية مما يسع المؤمن تعقلها وبذلك يسعه الدخول تحت حكمها.

فالشريعة الإسلامية إذن شريعة أمية لان أهلها كذلك ومن مراعاة الأمية في الشريعة تعريف أوقات الصلوات بالأمور المشاهدة كتعريفهم بالظلام وطلوع الشمس وغروبها وكذلك في الصيام.

فلهذا المعنى وضعت التكاليف على وجه لا تخرج المكلف إلى تعطيل عادته التي يقوم بها صلاح دنياه.

ومن حكمة الشريعة الإسلامية وملاءمتها للطبيعة البشرية وتوفيقها بين ما فيه صلاح الدنيا والآخر أن تصرفات المكلف شرعا كلها عبادات سواء كانت من قبيل التعبد أو قبيل العادات لان المكلف إذا فهم مراد الشارع من أحوال الدنيا واخذ في العمل على مقتضى ما فهم فهو أبدا في إعانة الخلق على ما هم عليه في إقامة المصالح باليد واللسان والقلب فبالوعظ والتذكير بالله وحض المؤمنين على أن يكونوا فيما هم عليه مطيعين لا عاصين، وتعليم ما يحتاجون إليه في ذلك إصلاح المقاصد والأعمال، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبالدعاء بالإحسان لمحسنهم والتجاوز عن مسيئهم، وأما بالقلب فلا يضمر لهم شرا بل يتمنى لهم الخير ويعرفهم بأحسن الأوصاف.

والمتأمل في كتاب الله وسنة رسوله (صلعم) يجد ما تطمئن إليه النفس من الأدلة على إرادة الشارع في أن يكون التعاون بين المؤمنين من ميزات الإسلام وفضائله الأساسية، ومن هنا يجهل الحديث الشريف القائل "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا". واصل هذا الحديث من الكتاب فيما وصف الله به المؤمنين من أن بعضهم أولياء بعض وما أمروا به من اجتماع الكلمة والخوة وترك التفرقة والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.

ومن مظاهر هذا التعاون أيضا إيثار المؤمن أخاه المؤمن على نفسه وهو اعرق في إسقاط الحظوظ وذلك أن يترك حظه لغيره تحملا للمشقة في عون الأخ وقد كان المسلمون الأولون على هذا النهج فيما بينهم والتاريخ يحفظ كثيرا من الأمثلة على إيثار كل منهم أخاه على نفسه حتى في اشد الساعات وأحرجها لا سيما في ميدان الجهاد الحربي.

ومن قبيل هذا التعاون فريضة الزكاة التي تقضي على المسلم أن يخرج قدرا من ماله ليستخدم في المصلحة العامة.

اما الإيمان فهو خاص بالقلب ولا يعلم خفاياه إلا الله. ومن اجل الحصول على الإيمان وجه القرآن الكريم نظر الإنسان إلى الكون واستعرض ما فيه من كائنات ما فيه من معجزات تقيم الدليل على قدرة الله وتدعو الإنسان للإيمان به عن طريق الإقناع العقلي لا عن طريق التبعية والتقليد.

لكن القرآن لا يجرد الإنسان من واقع الحياة فيعطي للروح حقه وللجسد حقه. ويرسم للإنسان نهجا للحياة تتجلى فيه العقيدة الدينية بما تفرضه عليه من عمل للصالح العام. فالشعور الديني ليس إذن مجرد ترديد لفظي لكلمات تضمنت معنى العقيدة أو القيام بسلسلة من الشعائر إنما هو بالإضافة إلى هذا وذاك خدمة مخلصة واشتغال بالنافع طول الحياة. والدين الصحيح هو إذن الإيمان الحق بالله والإخلاص لله والحقيقة والانشغال بصالح الإعمال.

ولن يتسنى للمسلم تحقيق هذه الأهداف إذا كان جاهلا. ولذلك لا بد له من المعرفة وقد أوصى الرسول (صلعم) بطلبها من المهد إلى اللحد. ولكن ليست ذاتية العلم هي المتوخاة من طلبه بل ما تجنبه الأمية بواسطة من منافع تتجلى في الطمأنينة وخير المجموع.

فمن هذا العرض الوجيز الذي بينا فيه خصائص السياسة الدينية الإسلامية؟

إن الثقافة الحقة هي التي تنبعث من الحياة الشعبية وتستمد أصولها منها ثم تخرج إثرها في هذه الحياة بالعمل النافع. وهي نتاج مشترك بحياة ويعبر عنه الشعب باجمعه. ويمتزج فيها العلم والعمل لتكوين رجال مفكرين عاملين منتجين.

أفلستم ترون معي أن الإسلام يحقق للمؤمن العناصر الأربعة التي يجب أن تتوفر في هذه الثقافة؟ ألا ترون أن الإسلام يدعوا المؤمن إلى إدراك واقع الحياة واكتساب المعرفة وشحذ الفكر لابتكار ما فيه الصالح العام والتشبع بالحياة الجماعية؟

لكن الإسلام علاوة على ما تضمنه في جوهر العقيدة من عناصر الثقافة الشعبية الصحيحة جنح إلى مختلف الوسائل لنشرها والتشجيع على المزيد منها. وفي مقدمة هذه الوسائل.

أولا – خطب الجمعة – فهي تحتل مكانا بارزا في حياة المسلمين لأنها تقدم القول تغرس فيهم روح المساواة الاجتماعية والشعور الموحد وفي البادية حيث السواد الأعظم من الناس أميون تكاد خطب الجمعة تكون الوسيلة الوحيدة لتثقيف العام والتربية الدينية والاجتماعية.

ثانيا – الدعوة إلى الدين – فقد دفع الوازع الديني بالصحابة إلى التفرق في جميع الأنحاء لنشر العقيدة الإسلامية والسيرة النبوية وتوضيح إسرارهما وأهدافهما وهم في ذلك يفتحون للمهتدين أبواب الثقافة المغلقة وينيرون العقول المظلمة بنور الإسلام وهديه ويعززون دعوتهم بالحجج والأمثلة التي تكشف الحجاب عن مغلق العلوم وغامضها.

ولقد كانت المساجد مصدر الحركة الثقافية منذ انبثاقها ففيها عقدت أول حلقات الدرس الذي كان المقصود الأساسي منه توسيع الأفق الفكري وتعزيز الروح الدينية لما بينهما من صلة وثيقة لان الإسلام قام – كما سبق القول – على التعقل والإدراك لا على التقليد والتبعية ولذا كانت هذه الحلقات التي تغص بها المساجد مشعلا ينير الأفكار ويفتح العقول ويدخل الإيمان إلى القلوب مشفوعا باقتناع العقل واطمئنان النفس إلى الحقيقة التي يعمر بها قلب المؤمن وكلما ازداد معرفة ازداد إيمانه ثباتا.

ثالثا – حكاية قصص الأولين وقد استحدث هذا النوع في صدر الإسلام فكان من انجح الوسائل التي اعتمد عليها الإسلام في نشر تعاليم الدين والثقافة بين الأوساط الشعبية لما كانت تشفع به تلك القصص من حكم ومواعيظ في أسلوب شيق يملأ لب السامع ويحمله على الرغبة في المزيد منه وعلى الاستفادة في حياته العملية من حكمة تلك القصص.

وقد نما القصص بسرعة لأنه يتفق وميول العوام فكان كما سبق القول من أحسن الوسائل لنشر الثقافة الدينية بين الأوساط الشعبية والتعاليم الإسلامية بين جميع الطبقات.

رابعا – الخط – ولقد استمد هذا الفن مكانته من نزوع أربابه إلى تخليد كلام الله فأصبح فنا معززا مرغوبا فيه وساعد على نموه ما امتازت به الحروف العربية من قابلية للزخرفة ووجد المسلم فيه واسطة للتعبير عن عاطفته الدينية وإجلاله لكتاب الله وعما انطبعت عليه نفسه من تذوق الجمال فكان الخط إذن وسيلة مزدوجة لنشر الثقافة كأداة لتبليغ المعرفة من جهة وكباعث على تذوق الجمال الفني من جهة أخرى.

خامسا – صناعة تجليد الكتب وهي مكملة للخط ومؤدية إلى نفس الغاية التي تؤدي إليها ومؤثرة على نشر الثقافة ومتأثرة بها في آن واحد فالعناية بكتاب الله تتجلى من الناحية المادية في الإكثار من نسخه المخرجة بخط فني وتجليد هذه النسخ تجليدا فنيا رائعا يحبب إلى الناس اقتنائها والمحافظة عليها فتقترن روعة الباطن بجمال الظاهر وتجد النفس نشوة في ترديد الآيات الكريمة والعين متعة في تصفح النسخ الفنية التي حوتها ويمتد فن الخط وصناعة التجليد

من كتاب الله إلى الكتب الأخرى وتمتد معهما الرغبة في النفوس إلى جمعها والإكثار منها ويتفاخر الأغنياء وذوو السلطات باقتنائها فتنشأ خزائن الكتب وتمتد وتصبح مضرب الأمثلة ومحط رجل طلبة العلم ورواد المعرفة.

فإذا لم يعرف المسلمون المحافل السياسية ودور التمثيل التي امتازت بها بلاد اليونان ورومة وذلك لأسباب لا مجال للتعرض لها الآن فقد أغنتهم الكتب عنها في تحصيل المعرفة ونشرها وبلغوا في العناية بها ما لم يبلغه أي شعب آخر وتشبعت نفوسهم بسمو محتواها وأذواقهم بجمال ظاهرها وتأثرت حياتهم بما استساغته نفوسهم وأذواقهم وأقاموا البرهان على نضوجهم الفكري والفني بالتراث – الضخم الذي خلقوه والذي يشهد على أن الثقافة لم تكن بينهم وقفا على طبقة فحسب بل على إنها كانت متغلغلة في أعماق الطبقات الشعبية التي كانت تقدر إنتاج العقل وتتذوق روائع الفن.

فلا عجب والحالة هذه في أن تكون صناعة الورق وهي حجر الزاوية في انتشار الكتب قد استأثرت باهتمامهم فخطت في الأندلس خطوات واسعة – لتمتد منها إلى الأقطار الأخرى كما امتدت منها عصارة الثقافة الإسلامية.

ولا عجب أيضا في أن يبرز شعراء عاميون يرتجلون الزجال والموشحات ويعبرون بواسطتها عن اسمي العواطف وارقها ويخلقون إنتاجا شعبيا يحتل مقامه في تاريخ الحضارة الإسلامية إلى جانب إنتاج كبار الأدباء والمفكرين.

فانتم ترون –سيداتي سادتي- من خلال هذا العرض ما بلغت إليه حضارتنا في عصور الازدهار من رفعة وسؤدد وما أدته التربية الدينية الواعية من خير في سبيل نشر الثقافة وجعلها شعبية بالمعنى الصحيح.

لكن يا للأسف أتت على المسلمين حقبة من الزمن تداعت فيها الهمم وضعف النشاط وانكمش الفكر على ذاته فانقطعت الصلة بين قادة الفكر والشعب وبانقطاع هذه الصلة غرق الشعب في الجهالة وانزوى المفكرون في إطار جامد بعيد عن مؤثرات الحياة بينما كانت شعوب أخرى تسير في سبيل التطور وتشق طريقها نحو الرقي وما أن فاق المسلمون من غفلتهم حتى وجدوا الركب قد فاتهم.

فماذا نشاهد الآن في عالمنا الحاضر؟

نشاهد في العالم كله هذا السيل الجارف في شتى الوسائل المستحدثة لتقريب مناهل المعرفة إلى رمادها بيد أن الطرق المتبعة ربما لا تخلو من خطر لان الشعور بما للعقل من قدرة قد أدى في بعض الأحيان إلى الثورة على كل ما لا يدركه العقل والى وضع سلطات العقل وحده فوق كل سلطان آخر فكم من عقيدة ضعفت أو تلاشت وكم من نفس عششت فيها الجرائم الشك ووقع صاحبها في حيرة يعجز العقل وحده عن إخراجه منها.

اما في الأقطار الإسلامية بصفة عامة فان الثقافة لم تمت بالرغم من تقهقر المسلمين وتقدم غيرهم لقد أخمد عصر الانحطاط شعلتها لكنه لم يطفئ جمرتها التي ظلت كامنة تحت الرماد تنتظر الفرصة السانحة لتشتعل ونحمد الله على ما بقي عالقا بها من الأسس الثابتة والوسائل المرنة ما يمكنها من اللحوق بالقافلة، على شرط أن ندرك واقع الحياة التي تجابهنا اليوم كما أدركها أجدادنا في القرون الأولى حين اتصلوا بالثقافة الأجنبية عنهم فلم يتضجروا بها بل اقبلوا عليها بتبصر وعرضوها على مقاييس دينهم العتيد فما وافقه منها أخذوه وما خالفه نبذوه.

فلا بد إذا من أن توجه ثقافتنا هذه توجها صحيحا لئلا تسير في منعرج الطريق بدلا من أن تسلك الصراط المستقيم ولا يمكن أن يأتيها هذا التوجيه إلا من التربية الدينية التي تعطي للعقل حقه كنعمة من نعم الله لا كأداة للثورة عليه سبحانه عز وجل.

ولقد قيض الله للثقافة الإسلامية في هذا المغرب العربي الإسلامي ملكا متشبعا بروح الإيمان وروعة الإسلام فوجه عنايته السامية ورعايته الشاملة نحو شؤون شعبه وإحياء تراث ثقافته وبعث سابق عزها وتالد مجدها وهو لا يألو داعيا إلى هذا البعث والأحياء في مشارعه التي لا تحتاج إلى بيان وخطبه العامرة بآيات الحكمة والبلاغة ودعوته المستمرة لشعبه الوفي. ولقد أقام لنا الدليل بالتربية المثلى التي لقنها لأبنائه الأمراء البررة على سمة التربية الإسلامية وقابليتها للتطور وملاءمتها لكل عصر وزمن.

فما علينا معشر المغاربة إلا أن تكون لجلالة ملكنا تابعين وبأعماله مقتدين ولوصاياه منفذين ولنا من إيماننا الثابت وعقيدتنا السامية وتراثنا الفكري المجيد خبر وازع للسير في السبيل الذي خطه لنا الأولون وربط حاضرنا بماضينا المجيد وبعث تراثنا الفكري لتكون لنا اليوم ثقافة شعبية صحيحة تحقق الأهداف المرسومة والغايات المنشودة وتعيد لنا في سلم الرقي درجتنا وفي ركب الحضارة مكانتنا.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here