islamaumaroc

محمد المنوني : مسيرة فكر مغربي أصيل

  هاشم العلوي القاسمي

370 العدد

تلازم قلم الباحث المغربي العلامة والأستاذ محمد المنوني، مع صدور أعداد مجلة دعوة الحق. فقد ساهم رحمه الله في إغنائها وإمدادها بنقاش أبحاثه وعيون دراسته التي خصها بها منذ بداية صدورها في 1957 م.
ولا يكاد يصدر عدد من هذه المجلة إلا وتصدر فيه مساهمة باحثنا وعالمنا المرحوم بكرم الله العلامة محمد المنوني معرفا بالتراث المغربي المكتوب، ومبرزا نفائسه ومحللا لمختلف قضاياه بحصافة عقل وأمانة عالم أصيل.
ولهذا خصصت هيأة مجلة "دعوة الحق" أعدادا خاصة لشيخ الباحثين المغاربة محمد المنوني رحمه الله مساهمة منها في إحياء ذكراه السنوية والتعريف بجهوده الكبرى في البحث العلمي وتقصي خزائن التراث المغربي وإبراز مزاياه وخصوصياته في ميدان التراث العربي والإسلامي، الشيء الذي جعل العلامة الأستاذ محمد بن عبد الهادي المنوني أحد كبار الخبراء في الغرب الإسلامي المطلعين على خبايا المكتبات فيه. فكان بحق مرجعا ومصدرا للإرشاد والتوجيه والخبرة والتعريف والضبط والتوثيق، لا يستغني عنه باحث جاد ولا عالم مطلع أمين. وعندما يذكر في الشقيقتين "تونس" و "الجزائر" كل من "حسن حسني عبد الوهاب" و"محمد أبو شنب" ، تبرز في المغرب الشخصية العلمية المطلعة" "محمد بن عبد الهادي المنوني". وهؤلاء الثلاثة مثلوا في القرن العشرين رموز الخبرة التراثية في بلاد المغرب العربي.
يعتبر المرحوم الأستاذ محمد المنوني أحد أكبر الرموز الفكرية والتراثية بالمغرب الأقصى، دخل الساحة العلمية من بابها الواسع حيث بدأ مسيرته من "جامعة القرويين" يوم تأسيس النظام التعليمي الإصلاحي بها في عهد جلالة الملك المغفور له محمد الخامس. فكان العلامة المنوني أحد طلاب القرويين النبغاء الذين تخصصوا في الدراسات الأدبية في مرحلة تعليمها النهائي. وقد مكنه ذلك من الاطلاع على خزانة القرويين التي كانت منبعه المعرفي الأول. ولما تخرج من "القرويين"، حاملا لشهادة العالمية، تفرغ للكتابة والتدريس ومتابعة بحوثه التراثية الحضارية إلى أن أحرز المغرب على استقلاله فالتحق "بالمكتبة الوطنية بالرباط" ثم "الخزانة الملكية" في القصر الملكي العامر. وقد مكنه كل ذلك من الاطلاع على عيون التراث المغربي المخطوط حيث أخذ ينشر أبحاثا تعرفه بنفسائه ونوادره وأمهاته. وكان منبر مجلة "دعوة الحق" أحد المنتديات التي تنشر تلك الأبحاث الأصلية التي دبجها يراع العلامة المنوني. فكانت الموضوعات التي اهتم بها في أبحاثه مركزة على المصادر التاريخية والأدبية والفقهية وباقي أنواع المعرفة التي كان علماء المغرب يخصونها بكتاباتهم وتقييداتهم وأبحاثهم. فكان النصف الثاني من القرن العشرين زمنا لتاريخ كتابة هذه الأبحاث وتلك المقالات مما وفر حصيلة غنية بالمعرفة والفوائد العلمية كونت تراكما علميا نادر الوجود في مسيرة تاريخ المغرب الفكري في القرن العشرين واستحق بذلك الأستاذ المنوني أن يعتبر خزينة علمية ومكتبة قائمة نادرة الوجود والمثال في خضم وزحمة رجال البحث العلمي التاريخي المغربي ونموذجا حيال "الوراقة" المغربي التي أحياها بمعناها القديم والحديث.
تحقيقاته العلمية إلى آخر الأعمال الجادة الأصلية التي أنتجها يراعه طيلة النصف الثاني من القرن العشرين. رحمه الله وجزاه خيرا على ما أسداه وقدمه للتراث المغربي والجامعة المغربية.
إن فقيهنا وعالمنا محمد المنوني كان مثالا للتواضع ونموذجا للتواصل الفكري لا يبخل، رحمه الله، على الباحثين وطلابه على اختلاف المستويات، بالنصح والإرشاد وتقديم جميع أنواع المساعدات التي يلتمسونها منه، سواء كانت خاصة بما يملكه من مصادر ومؤلفات، أو كانت له معرفة بها في أضبار ورفوف المكتبات الخاصة والعامة، أو كانت من النوادر التي يمكن العثور عليها أو الوصول إليها. فكان، رحمه الله، مثلا لحسن التوجيه وبيان الطريق الصحيح لخدمة التراث الإسلامي المغربي. فكان جم التواضع ، غزير المعرفة، قوي الحجة، يرشد ولا يخطئ يوجه بتؤدة العالم وحنكة الباحث المتمرس، ليس هناك ميدان معرفي تراثي إلا وله فيه باع طويل وخبرة أصيلة.
 وقد اهتمت المحافل العلمية في المغرب بالأستاذ المرحوم محمد المنوني في حياته وبعد مماته. فكان فعلا رجلا من الصاحين ومشعلا منيرا للطلاب والباحثين الطموحين، خصته جميع الدوائر في المشرق والمغرب باهتمام كبير.
وتعمل مجلة "دعوة الحق" على أن تغرف من معينه وتستقي من منبعه الثر الغني عسى أن تساهم بدورها في إحياء ذكراه اعترافا له بالجميل.
ولقد أعدت المجلة أعدادا خاصة بعالمنا المرحوم تناول فيهما الباحثون جوانب جديدة من الشخصية العلمية للأستاذ العلامة محمد المنوني. ولعل الأبحاث التي تقدمها في هذا العدد الأول، والمتعلقة بمحور الأستاذ محمد المنوني، من الجدة بمكان حيث تعالجه في افقه الإشعاعي المعرفي الذي لا يقتصر على التعريف به في المغرب وإنما يهم جوانب اعتراف المشرق الإسلامي به مثل البحث الذي يعالج حصول الأستاذ المنوني على الجائزة التقديرية للملك فيصل، ملك المملكة العربية السعودية الشقيقة، وكذلك الأبحاث التي تخص التعريف بمنهجه العلمي التاريخي وأفقه الفكري باعتباره يمثل العالم المغربي الموسوعي. وحاولت المجلة أن تنفرد بتقديم أبحاث ذات خصوصية تتميز بشواهد علمية لها قرب كبير
واتصال شديد بالمسيرة العلمية للأستاذ المنوني منذ أن بدأ جهوده العلمية في مستهل بداية حياته التي امتدت طيلة النصف الثاني من القرن العشرين.
وعملت المجلة على اختيار أبحاث نادرة غير منشورة وغير معروفة كانت ضمن أرشيف المجلة ولم يتسر نشرها في حينها نظرا لقيمتها وأهميتها العلمية.
وحفاظا على ذلك أرفقت تلك الأبحاث بصورة خطية لأصولها لما لذلك من أهمية تعريفية وتقدير لقلم صاحبها عالمنا الأستاذ محمد المنوني.
وبذلك نكون قد أسدينا بعض الجميل لرمز الجهاد العلمي، كما أبرزته الشهادات العلمية وكما حرصت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على إعطائه حقه من العناية والتقدير حرصا منها على إنصاف رجالات المعرفة والتراث بالمغرب. أولئك الذين خدموا البلاد وقدموا لوطنهم رحيق حياتهم وثمرات أفكارهم. فكان العلامة محمد المنوني، رحمه الله، نموذجا حيا لهم. كفيلا وهو رمز مغربي شامخ.
وبالمناسبة فإن مجلة "دعوة الحق" تهيب بالباحثين والعلماء الفضلاء، من المغاربة وغيرهم، أن يزودوها بأبحاثهم ودراساتهم المتخصصة والتي تعالج شخصية الأستاذ العلامة محمد المنوني إنصافا لهذه الشخصية وتقديرا لجهودها الكبرى، خصوصا وقد قضى حياته بين أحضان الجامعة المغربية والمكتبات معلما وأستاذا ومحققا ودارسا ومفهرسا. ولعل الخزانة الوطنية بالرباط والمكتبة الحسنية بالقصر الملكي العامر خير شاهد على ذلك. تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جناته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here