islamaumaroc

التعليم الأصيل بطنجة ونواحيها

  محمد الكنوني الحسيني

العدد 365 محرم 1423/ مارس 2002

لا شك أن التعليم الأصيل المنبعث من المدارس العلمية العتيقة قد لعب دورا مركزيا في الحفاظ على ذات الأمة الإسلامية، وذلك بسبب حض رجاله وعلمائه على دين الإسلام بالنواجذ والتزامهم بتعاليمه، وحفاظهم على معالمه، واجتهادهم في نشر مراميه وأهدافه، وشرح علومه ولغته.
ولقد عرفت طنجة ونواحيها إقبالا هائلا على هذا النوع من التعليم وانتشارا واسعا لحلقاته ومراكزه، فما من قرية من قراها صغرت أو كبرت إلا وكان مسجدها يعج بقراء القرآن والأسر على كثرة الحفاظ وحذاق الحفظ والإملاء للقرآن الكريم، حتى إن القرية أو الأسرة لا تنال المقام المحترم إلا بقدر ما لديها من الحفاظ، وكان القدر يزداد ارتفاعا إذا ما حاز الحفاظ لشيء من العلم والفقه، ومن أجل ذلك كان يجلس علماء كبار من أبناء هذه المنطقة أو ممن حل بها من باقي المراكز العلمية بالمغرب فيعقدون حلقات لدراسة التفسير والحديث والفقه واللغة والبيان، فيتخرج منها أفواج من الطلبة يتولون أمر الإمامة والخطابة وتدريس القرآن الكريم بمدنهم وقراهم، وأما من أراد مواصلة ومزيد المعرفة فيشد الرحال نحو جامعة القرويين لتكون رحلته هذه بمثابة شهادة عليا على عالميته، يعود منها معززا مكرما، ويستقبل استقبال الحاج في قريته أو مدينته. ولا شك أن هذا التقليد العريق في هذه الناحية له ما يشابهه في نواح أخرى من المغرب، ولكن تميزه هنا عن باقي النواحي بالشيوع والانتشار إنما يعود في اعتقادي وحسب بعض المعطيات التاريخية إلى أسباب منها:
1- حيوية الموقع وميراثه الثقافي، فموقع هذه الناحية الاستراتيجي جعلها ذات صلة وثيقة بالشرق الإسلامي من جهة، والأندلس من جهة ثانية، وبقية نواحي المغرب من جهة ثالثة، ولا ننسى أنها كانت منذ الفتح الإسلامي معبرا من المغرب وإليه ومن ثم احتكت بالعابرين على مختلف جنسياتهم وثقافاتهم وكانت أكثر احتكاكا بالفاتحين المسلمين من غيرها من البلدان المغربية الأخرى لأنهم كانوا يتخذونها مستقرا ومعبرا لهم من الشرق إلى الأندلس، فورث أهلها عنهم هذا الولع بحفظ كتاب الله واستهلاك قسط من العمر في تعلم حذق إملائه وقواعد قراءته والتبحر في لغته وعلومه.
2- ظاهرة التحدي الصليبي في المنطقة، فقد ظلت هذه الناحية على احتكاك مباشر مع الغرب الصليبي منذ قرون ترتد إلى أيام «المرينيين» وتتجسد أيام «الوطاسيين»، وعلى تراب هذه المنطقة جرت «معركة وادي المخازن» ومعارك متعددة انتهت باحتلال الإسبان، لذلك كان التمسك بالدين الإسلامي وبدستوره القرآن يشكل مقاومة للعدو والمستعمر، وروحا جهادية عالية في نفوس السكان على قلة الإمكانيات المادية والتقنية، كما زادت ضراوة الصليبيين سكان الناحية استمساكا بالقرآن الكريم وإقبالا على تعليمه والتفنن في علومه حتى أصبح تعليمه يحتل الرتبة الأولى بين سائر الفنون الأخرى، ورفضوا التعليم بمدارس الأجنبي وقاطعوها واعتبروا التعليم فيها كفرا وظل هذا الاعتقاد سائدا في الناحية إلى عقد ونيف بعد الاستقلال.
3- العقيدة الإسلامية المترسخة في العقول والقلوب، والارتباط الشديد وعلومه، والميل لحفظ كتابه وفهم مقاصده.
فلهذه الأسباب وغيرها انتشر التعليم الأصيل بهذه المنطقة، ووجدت مدارس عتيقة ساهمت في نشر علوم الدين والحفاظ على كيان الأمة المغربية، ووحدتها الدينية والمذهبية، ومقوماتها وهويتها العربية الإسلامية.
وتعود جذور التعليم الأصيل بهذه المدينة إلى أيام الفتح الإسلامي، إذ جلس للتعليم ووقف للخطابة علماء أجلاء حفل بهم هذا الثغر منذ انتشار الإسلام به وتثبيت أركان اللغة العربية وإقامة دعائمها، فقد ورد في كتب التاريخ والأدب أن «المعتمد بن عباد» حينما مر «بطنجة» في طريقه إلى «أغمات»  اجتمع به علماء طنجة وأدباؤها وطارحوه أحاديث الأدب(1)، وكان من علماء هذه المدينة آنذاك «عبد المنعم عبد الله بن علوش المخزومي الطنجي»، الفقيه القاضي، و«مروان بن عبد الملك بن سمجون اللواتي الطنجي» الذي يقول عنه ابن عبد الملك: «تصدر قديما لإقراء القرآن، وكان مقرئا مجودا لغويا له حظ من الشعر»(2)، ويعرفه الأستاذ عبد الله كنون بقوله: «... وولي الصلاة والخطبة والفتيا بسبتة، ثم انتقل إلى طنجة صدر الدولة المرابطية، فولي صلاتها وخطبتها وفتياها، ثم تقلد أحطاها وانصرفت إليه جميع أمور الأندلس والمغرب، وفوض إليه «أمير المسلمين يوسف» في كبار مهامه... وهو من بيت بني سمجون اللواتيين الطنجيين» الذين ظهر منهم في هذا العصر والعصر الذي يليه كثير من أهل العلم والفضل»(3). ومن علماء هذا الثغر في هذا العهد أيضا علي بن عبد الغني الفهري الحصري القيرواني» أستاذ التفسير والقراءات القرآنية المتوفى سنة 488هـ وهو ناظم القصيدة الرائية في قراءة «نافع» وتقع في 212 بيتا، أخذ عنه ثلة من العلماء، نذكر منهم «سليمان بن يحيى بن سعيد المعافري القرطبي»، و«مرجى بن يونس بن سليمان الغافقى» الذي أضحى فيما بعد من علماء هذا الثغر ورجاله الذين التف حولهم طلبة العلم، يقول عنه «ابن الأبار»: «وكان من أهل المعرفة بالقراءات والعربية... وله شرح على قصيدة «الحصري» في القراءات، أخذ عنه وسمع منه، وقد أقرأ بسبتة وطنجة وبها كان ساكنا»(4).
وإذا انتقلنا إلى «العصر الموحدي» نقف أيضا على علماء أجلاء من أمثال عالم القراءات والتفسير «عبد الجليل بن موسى الأنصاري الأوسي» المتوفى سنة 608هـ الذي ألف في تفسير القرآن الكريم كتابا من ستين مجلدا، وإمام النحو واللغة والقراءات: «ابن صاف الإشبيلي محمد اللخمي الطنجي» المتوفى سنة 586 الذي نجد من بين مؤلفاته كتابا سماه: «أجوبة لأهل طنجة عن سؤالات المقرئين والنحويين من أهل إشبيلية»(5).
أما في عهد «المريني» فنجد العالم «ابن عمران يوسف بن محمد الطنجي» المتوفى سنة 775هـ، و«محمد بن محمد أحمد الطنجي» عالم اللغة والقراءات المتوفى عام 779هـ ولم يخرج العهد «السعدي» على سابقيه فقد عرفت طنجة في هذا العهد بالعالم المحدث «أبي الفرج الطنجي الذي عاصر الشيخ زروق وابن غازي وتتلمذ على يديه الشيخ المحدث «محمد سقين السفياني العاصمي»، ثم نجد الشيخ العالم المصلح «أبي محمد عبد الله بن محمد الهبطي» المتوفى عام 930 هجرية.
ونحن حين نستحضر هذه الأسماء البارزة التي تخفي وراءها كوكبة من العلماء والأدباء نستحضر دائما صورة العالم العربي المسلم الذي يقف للخطابة، ويجلس للدرس والتعليم، ويتجند للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر امتثالا لأمر دينه وتأدية لأمانة العلم التي في عنقه، فيقصده الطلبة ويروم مجلسه كل متعطش لمعرفة أمر من أمور دينه أو دنياه، فبوجود العلم والعالم وجدت مجالس العلم والتعليم، هذه المجالات تعد النواة الأولى للتعليم في جميع أنحاء المعمور، ونحن نتقصى هنا تاريخ طنجة القديم من أجل الوقوف على هذه المجالس وأحوالها أو للحديث عن قلتها أو كثرتها بل سنكتفي بهذه الإشارات لنخلص للحديث عن التعليم الأصيل في طنجة خلال مرحلتين:
*مرحلة ما قبل التنظيم أي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وهي المرحلة التي وصلتنا جل أخبارها.
*مرحلة ما بعد التنظيم وهي المرحلة التي تبتدئ بسنة 1945م وهي السنة التي أسس فيها التعليم الأصيل المعهد الديني بطنجة.

أ- مرحلة ما قبل التنظيم:
دأب الملوك العلويون منذ تحرير طنجة على يد المولى إسماعيل على العناية بالناحية الدينية لهذه المدينة وعلى العمل على نشر العلوم والمعرفة بين أبنائها، فقد كانوا يخصصون هبات ومنح سنوية للعلماء الذين يجلسون على الكراسي العلمية بالمسجد الأعظم بالمدينة ويشرفون على بعض المجالس أو يشرفون بعضها بحضورهم وسط مجموعة من الأعيان، فقد حدثتنا كتب التاريخ أن السلطان مولاي عبد العزيز كان يحضر دروس الشيخ «عبد الله بن إدريس السنوسي» في صحيح البخاري «بالمسجد الأعظم» أو «مسجد مرشان»، ودروس الفقه وشرح البخاري للشيخ «محمد الخصاصي» بضريح «سيدي المصمودس» بالجبل، كما عمل الملوك العلويون على إقامة مكتبة بالمسجد الأعظم تعين العلماء والطلاب على تحقيق مبتغاهم ومطلبهم، فقد احتفظت لنا كتب التاريخ بحوالات هؤلاء الملوك يمدون بها خزانة المسجد أو كتب يحبسونها عليها وخاصة الملك المصلح سيدي محمد بن عبد الله والمولى سليمان والمولى عبد الرحمن وسيدي محمد بن عبد الرحمن والسلطان مولاي الحسن، وهكذا تكونت بالمسجد الأعظم بطنجة خزانة مهمة حوت كتبا شتى في التفسير والحديث والمنطق والنحو والفلك والبلاغة والتاريخ، كان يسهر عليها قيم يعين بأمر سلطاني من بين العدول المشهورين بالعلم والورع، وذلك تحت إشراف ناظر أوقاف المدينة، وتفيد الوثائق المتوفرة أن عدد الكتب التي كانت تزخر بها هذه الخزانة تعد بالمئات، ويكفي أن نطلع على آخر إحصاء لكتب هذه المكتبة والذي أنجز سنة 1288هـ من طرف العدلان «محمد بن أحمد الرقيوق» و«محمد بن محمد المدور» وبحضور ناظر الأوقاف السيد «محمد بن أحمد المفرج» والمكلف بالخزانة «عبد السلام الفلوس»؛ لنقف على أزيد من ستمائة عنوان في مجالات معرفية مختلفة(6).
والمسجد الأعظم هذا هو مسجد عتيق يوجد بالقرب من «باب المرسى القديم»، يطل على البحر، كان قائما أيام استعمار دولتي البرتغال والإنجليز لطنجة (حسبما في صور لذلك متداولة بتواريخهم، غير أنه في أسامهم كان من كنائسهم العظمى... ثم لما استلم المسلمون المدينة ردوه مسجدا كما كان سابقا)(7)، وقد أصبح هذا المسجد أيام المولى عبد الله بن المولى إسماعيل، كما أدخل عليه بعض الزيادات والتحسينات المولى سليمان سنة 1233هـ، كما أمر بإصلاحه وتجديده مؤخرا جلالة الملك محمد السادس نصره الله، وقد كانت لهذا المسجد ثلاثة كراسي، اثنان للتدريس والوعظ، والثالث للمستنصت يوم الجمعة، ولكل واحد من هذه الكراسي أحباس تخصه.
وكانت تقام دروس في علوم شتى أهمها التفسير والحديث والفقه والقراءات، يسهر عليها علماء أجلاء كالشيخ «عبد السلام غازي» إمام النحو والبلاغة والبيان المتوفى سنة 1352هـ (8)، و«الشيخ محمد بن الحاج الصديق التجكاني الغماري» (9) شيخ التربية وعالم الصوفية الذي كان يدرس ألفية «ابن مالك» بشرح «المكودي» و«مختصر خليل» بشرح «الخرشي» وصحيح البخاري، وكان بما أتاه الله من فصاحة وبيان يمتع النفوس بما يمليه وينعش القلوب بما يأتي به من حكم ومواعظ، والشيخ «محمد سكيرج» المتوفى سنة 1385هـ (10) الذي كان يدرس العروض بكتاب الكافي في العروض والقوافي، والشيخ «الفرطاخ التطواني» الأصل، والشيخ «أحمد عبد السلام بوحساين» المتوفى سنة 1386هـ (11) العالم المشارك في فنون البلاغة العربية والمنطق وغيرها من العلوم العقلية والأدبية، درس الألفية لكتاب ابن هشام الموضح، والبلاغة بكتاب الجوهر المكنون، ثم العالم المتبحر في علمي الفروع والأصول، والمحدث صاحب القدم الراسخة في علم العربية والبلاغة «الشيخ عبد الصمد كنون»(12) الذي قدم إلى طنجة من مدينة فاس وجلس للتعليم بهذا المسجد وغيره إلى أن وفاه الأجل المحتوم سنة 1352هـ وكان يدرس صحيح البخاري ومسلم والموطأ وغيرها من كتب الفقه والمنطق واللغة. والشيخ محمد بن التهامي بن المدني كنون شقيق الشيخ «عبد الصمد» رحمهما الله جميعا المتوفى سنة 1333هـ (13) شيخ العلم والطريقة وأستاذ التفسير والفقه واللغة والنحو والبيان، ثم «الشيخ أحمد بن محمد بن الصديق» المتوفى سنة 1385هـ إمام الخمس بالمسجد المذكور وأستاذ الفقيه الكبير والعلامة الشهير الذي خصه السلطان مولاي عبد الحفيظ بعناية خاصة لعلمه الغزير وذكائه العجيب، و«الشيخ عبد الله بن ادريس السنوسي» المتوفى سنة 1350(16) الذي كان يلقي دروسا في صحيح البخاري يحضرها جماعة من الأعيان في طليعتهم السلطان مولاي عبد العزيز ثم «الشيخ محمد العياشي اسكيرج» المتوفى سنة 1385هـ الذي كان يلقي دروسا في البلاغة والحديث الشريف، وغيرهم من العلماء الأجلاء الذين درسوا بهذا المسجد من أهل طنجة أو من الوافدين عليها كالعلامة «عبد السلام بن عمر العلوي» و«الطيب بن كيران» و«الشيخ أبي شعيب الدكالي»، والعلامة «المختار السوسي» و«المدني بن الحسني» وغيرهم.
ولم يكن التعليم في هذه الفترة ينحصر في المسجد الأعظم فحسب بل كانت هناك مساجد أخرى تعتبر من المراكز العلمية تنظم فيها دروس اختيارية يحضرها طلبة وجمهور من أهل الحي، من ذلك مسجد القصبة الذي يوجد بأعلى المدينة وقد بناه الباشا «أبو العباس أحمد بن علي الريفي» حوالي سنة 1153هـ وبهذا المسجد كانت تقام الصلاة الرسمية (وببرج القصبة القريب من دار المخزن الكبرى كانت تقام الأبهة العادية لصلاة الجمعة، ويأتي العسكر للتسليم على حاكم المدينة بعد الخروج من الصلاة)(17)، وقد درس بهذا المسجد الحديث الشريف والفقه «الشيخ عبد الصمد كنون» يطلب من أعيان المدينة «كالسيد ابن عبد الصادق» و«ابن عبو»، كما درس به علم النحو العلامة «محمد القاضي بن محمد الصديق» المتوفى سنة 1320هـ، ودرس به أيضا الفقه والنحو السيد «عبد السلام بن الأشهب الودراسي» وغيرهم.
ومن المراكز العلمية بهذه المدينة أيضا «مسجد مرشان» الذي كان في الأصل مكانا صغيرا يصلي فيه أهل الحي ويحفظون فيه أبناءهم القرآن، وقد استحدث بناؤه سنة 1330هـ من طرف بعض أعيان المدشر، وقد درس به صحيح البخاري والشمائل المحمدية الشيخ «عبد الله بن ادريس السنوسي» المتوفى سنة 1350هـ، ودرس به أيضا العلامة «محمد بن التهامي كنون» بطلب من أعيان الحي علوما مختلفة، وبجواره دفن حين وفاه الأجل، ودرس بهذا المسجد أيضا الفقه وصحيح البخاري العلامة «محمد الخصاصي» المتوفى سنة 1354هـ، و«الشيخ أحمد بولعياش» المعرف بمصباح المتوفى سنة 1349 البلاغة والمنطق وغيرهم.
كما نظمت دروس أخرى بمسجد «سيدي بوعبايد»(18)، ومسجد «الجامع الجديد»(19) الذي درس به الفقيه «محمد المزوضي» المتوفى سنة 1366هـ الفقه والحديث والشيخ «عبد الصمد كنون»، والفقيه «الفرطاخ» والشيخ «أحمد بوحساين» وغيرهم.
كما لعبت الزوايا دورا مهما في نشر العلم والسهر على تعليم الطلاب أمور الدين واللغة خصوصا «الزاوية الدرقاوية» التي جدد بناءها العلامة الجليل شيخ الطريقة «سيدي محمد بن الصديق» سنة 1327هـ بإعانة السادة الفقراء من أصحابه، وأقيمت بها حلقات علم لا تقل أهمية عن الحلقات التي كانت تعقد بالمسجد الأعظم، فقد درس بها الشيخ «العربي بوعياد مقدم الزاوية» المتوفى سنة 1371هـ الألفية بشرح «ابن المكودي» والرسالة بشرح «أبي الحسن والبيقورية» في مصطلح الحديث، ودرس الشيخ «محمد بن الصديق» النحو والفقه والحديث، ودرس الشيخ «أحمد بن الصديق» المتوفى سنة 1380هـ علم الحديث والتفسير والشيخ «عبد الله بن الصديق» المتوفى سنة 1407هـ الذي درس الاستعارة بمنظومة «الطيب بن كيران» وشرح «البوري» و«ابن عاشر» بشرح «ميارة»، والسيد «أحمد التزيري» الذي درس «الجرومية» بشرح «الأزهري».
وبالإضافة إلى هذه الزاوية كانت هناك أيضا دروس علم تنظم بالزاوية «التيجانية» التي كانت مشتهرة فيما قبل بزاوية «سيدي أحمد بن الشيخ الصحراوي»، وكان بها عدة مقابر متلاشية البناء، وكان الفقراء التيجانيون يجتمعون لذكر أورادهم ببيت صغير مجاور لهذه الزاوية، ولما ضاق بهم المكان اجتمعوا وتفاوضوا في طلب زاوية الشيخ الصحراوي فطلب مقدمهم من الشيخ «محمد اسكيرج» تحرير طلب إلى المولى عبد العزيز يلتمس فيه السماح لهم باستغلال الزاوية المذكورة، فأصدر الجناب المولوي بعد توصله بالكتاب المذكور ظهيرا شريفا يسمح لهم بذلك جاء فيه:(يعلم من كتابنا هذا أعلى الله مقداره، وجعل طاعة الله ورسوله طيه وانتشاره، أننا بتوفيه الله وحوله نفذنا لماسكيه جماعة الفقراء التيجانيين بمحروسة طنجة وفر الله جمعهم وشكر صنعهم جميع الزاوية المنسوبة قديما للشيخ أبو بكر الصحراوي لكونها مهملة معطلة من العمارة ليس للذكر والصلاة فيها إمارة، بقصد لأن يعمروها بما هم بصدده من ذكر الله تعالى، وإقامة الصلوات، وسائر أنواع الطاعات لما بلغ شريف علمنا من وفور عددهم وملازمة اجتماعهم واستعدادهم رجاء في حصول ثواب إحيائها وتجديد عمارتها بعد بلائها، كما نفذنا لهم كذلك ما هو منسوب لها من أحباسها)(20)، وبعد تجديد بنائها وعمارتها أضخت مركزا من مراكز العلم بالمدينة خصوصا بعد مقدم «الشيخ عبد الصمد كنون» الذي أقام بها حلقات علم ختم فيها الرسالة «لأبي زيد القيرواني» و«ابن عاشر» وختصر «خليل» مرارا، كما درس بها الشيخ «مصباح» البلاغة والنحو والمنطق، والعالم المجاهد «محمد السعيدي الأنجري» المتوفى سنة 1361هـ فقه اللأحكام الذي كان به مزيد إلمام واهتمام.
وكانت هذه المجالس العلمية اختيارية يحضرها من يشاء من الطلبة، إذ يختار كل واحد منهم شيخا يلازمه ويأخذ عنه علما أو علوما متعددة أو ينتقل بين شيوخ متعددين، ومن كتاب: «مواكب النصر وكواكب العصر» للمرحوم «محمد بن عبد الصمد كنون» أنقل نصا يوضح أسلوب التدريس وطرقه في هذه الفترة، يقول متحدثا عن الفقيه «أحمد بوحساين»: «ولما خاطبته في شأن الدراسة عليه لم يبخل علي بما لديه، وافتتحنا القراءة بكتاب «ابن هشام» الموضح لألفية «ابن مالك»، إذ كان إلى قواعد النحو أقرب المسالك، وقد ثلثنا في الدرس صديقه وصديقي السيد «عبد القادر بناني» فانتظم به عقدنا وبلغنا به غاية الأماني، وقد كان مما أخذه علي لزاما واعتبره لمجلسنا نظاما أن أسرد أولا عشرة أبيات من الألفية حفظا وأتلوها حرفا حرفا ولفظا لفظا، وأن أتم شطر البيت الذي يستشهد به الموضح على القاعدة النحوية اهتماما بشواهد اللغة العربية، وكم من مدة ألزمني قصد الاطلاع والفائدة والانتفاع بإنشاد القصيدة التي منها شاهد الشعر، وأذكر عروضه من أي بحر، وأسمي الشاعر الذي به نطق، وآتي بما يناسب الموضوع ويتقرر وبه يتحقق»(21) هكذا كان يتم التدريس، وهكذا كان يشترط في الطالب أن يكون أولا حافظا لكتاب الله ولمتون كثيرة كابن عاشر والألفية والجرومية وغيرها. أما الطلبة فكانوا يحضرون من البادية والحاضرة لأخذ العلم وملازمة العلماء وكان التدريس يقوم على استيفاء منظومة بعينها أو كتاب بذاته إذ لا يقتصر على جزء من تفسير البخاري مثلا أو من تفسير كتاب الله أو أبيات من ألفية ابن مالك، بل يعملون على استيفاء الكتاب أو المنظومة من أولها إلى آخرها ويقيمون أحيانا حفلات مصغرة بمناسبة الختم، يقول العلامة عبد الله كنون في مذكراته: «ولما ختمنا الجرومية في بضعة أشهر أراد بعض الطلبة أن يطلب من الأستاذ قراءة ختمة أخرى، وبعضهم أن يطلب منه قراءة الألفية، وكنت أنا من هؤلاء وقلت: يجب علينا أن نكرم الأستاذ بمناسبة ختم الأجرومية، فجمعنا بعض الدراهم وأقمنا مأدبة غذاء في بيت لبعض الفلاحين من أصحاب الوالد...»(22).

ب- مرحلة التنظيم:
ابتداء من سنة 1943م أقدم العلامة المرحوم «عبد الله كنون» على تنظيم الدروس وإنشاء التعليم الأصيل بطنجة، إذ أضحت الدروس منظمة والمواضيع محددة، والتحاق الطلبة بهذه الدروس مشروطا بحفظ القرآن الكريم وبعض المتون، ولكن هذا لا يعني انتهاء الدروس الاختيارية التي كنت تلقى بالمسجد الأعظم وبغيره بل ظلت قائمة مستمرة إلى جانب الدروس المنظمة إذ أضحت حلقات العلم في هذه الفترة على نوعين:
• حلقات حرة تنظم بالمسجد الأعظم وبغيره من المساجد والزوايا في التفسير والحديث والفقه والعبادات، يحضرها من يشاء من الطلبة المنتظمين وغيرهم من عامة الناس ممن لهم رغبة في العلم والتعلم.
• دروس منتظمة يحضرها الطلبة الملتحقون رسميا بالتعليم الأصيل بعد اجتيازهم امتحان الدخول، وكان هؤلاء الطلبة يقيمون بمدرسة أمام المسجد الأعظم ويتلقون منحة تقدر بأربعين أو خمسين درهما، يتلقون دروسا في علوم شتى كالحديث والتفسير والفقه والتاريخ والحساب وفق برنامج معين يسهر على إعداده مدير المعهد آنذاك المرحوم «عبد الله كنون» بأمر من جلالة المغفور له محمد الخامس قدس الله روحه الذي كان يشرف شخصيا على التعليم الأصيل بالمغرب، ويعطي أوامره فيما يخص البرنامج والامتحانات والعطل ليقطع بذلك الطريق على الإدارة الاستعمارية خوف تدخلها في شؤون هذا القطاع الديني الذي يتصل بمقدسات الأمة المغربية. أما الأساتذة الذين يلقون الدروس والتي كانت تنظم على شكل حلقات فهم علماء أجلاء كالشيخ المرحوم «عبد الله كنون»، وأخوه المرحوم «عبد الحفيظ كنون»، والعلامة «محمد الحسن اللمتوني»، والعلامة «محمد اسكيرج»، والسيد «أحمد السميحي»، والسيد «محمد الساحلي الواسني»، والسيد «أحمد بوحساين» وغيرهم من العلماء الذين كانوا يتسمون بالسمت والوقار، أما الطلبة فقد كانوا على مستوى عال من المعرفة والاستعداد لتلقي العلم ودراسته، وكانت هذه الدروس تنتهي بامتحانات دورية وسنوية.
وبعد أن أرسى الشيخ «سيدي عبد الله كنون» أمر التعليم الأصيل بهذه المدينة واطمأن على سير الدروس بالمسجد الأعظم، وبعد أن أقدمت الحماية الفرنسية بالمغرب على خلع ملك البلاد قدم استقالته وسلم إدارة المعهد إلى الشيخ العالم «أحمد بوحساين» الذي صار على منوال سابقه وحافظ على نفس الطريقة في الإلقاء والتلقي إلى أن سلم إدارة التعليم الأصيل إلى الشيخ المرحوم «عبد الحي بن الصديق» حوالي سنة 1954م الذي حاول أن يركز على المواد الدينية مع مزجها ببعض العلوم الأخرى دون أن يخرج عن الخط الذي رسمه سابقوه، فقد حدثني رحمه الله أن المواد التي كانت تدرس في عهده اقتصرت على النحو بالجرومية والألفية، والتفسير والحديث بالأربعين النووية، والفقه بابن عاشرا والأحكام من خلال الرسالة لأبي زيد القيرواني والتاريخ والجغرافية والمواريث.
أما الالتحاق بالمعهد فقد كان مشروطا بحفظ القرآن بغض النظر عن سن الطالب. ثم تولى إدارة المعهد في منتصف الخمسينات الأستاذ «عابد الخرشفي» إذ تغيرت على عهده أمور في سير الدراسة حيث أدخلت بعض وسائل الإيضاح كاستعمال السبورة الذي أحدث ضجة داخل المسجد إما لامتناع بعض الشيوخ عن استعمالها أو لاستنكار بعض المصلين وجودها(23).
وإلى جانب هذه المراكز العلمية وجدت في أحواز طنجة مدارس علمية عتيقة اجتهد رجالها في تعليم الأجيال ونشر العلوم الدينية والتربية على الأخلاق الإسلامية الفاضلة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

1- مدرسة القراءات القرآنية بدار ازهيرو:
وهي المدرسة التي أطلق عليها جلالة الملك الحسن الثاني تغمده الله برحمته:
«مدرسة ولي العهد الأمير سيدي محمد للقراءات السبع».
توجد بقرية دار ازهيرو بفحص طنجة التي تعتبر كغيرها من المدن والقبائل المحيطة بطنجة مركزا من المراكز التي ساهمت مساهمة فعالة في التعليم الإسلامي بالمغرب وبالخصوص حفظ القرآن الكريم برواية ورش. فقد عرفت بمجموعة من القراء واشتهرت بعدد من شيوخ القراءات مما جعل بعض العلماء والأعيان يسعون إلى تأسيس مدرسة للقراءات السبع بها، وقد تم ذلك على يد جلالة المغفور له الحسن الثاني الذي أمر بتأسيس هذه المدرسة وأوفد وزيرها في الأوقاف «الحاج أحمد بركاش» للإشراف على تدشينها سنة 1964 وحضر إلى جانبه عامل مدينة طنجة آنذاك «الشريف سيدي عبد السلام الوزاني» والعلامة المرحوم «سيدي عبد الله كنون» الذي ارتجل كلمة عن تاريخ علم القراءات في المغرب وأشهر رجالاته.
زمنذ ذلك التاريخ أضحت هذه المدرسة مركزا من مراكز القراءات السبع بالمغرب، عين مدبرا لها الشاب المقرئ الأستاذ «أحمد بن محمد بولعيش» ودرس بها عددا من العلماء من أمثال: الفقيه «محمد بن تاويت الودراسي»، والمقرئ «محمد زيدان الانجري»، والسيد «عبد السلام الرواع»، والفقيه المقرئ «محمد الغناي اليدري»، الفقيه «محمد الهاشمي البقاش» وغيرهم، «وتخرج منها على مدى سنوات حفاظ يتقنون تلاوة كتاب الله حسب القراءات السبع أو العشر المشهورة وفي كل سنة كان مدشر «دار زهيرو» يشهد موسما علميا واقتصاديا يحضره عامل المدينة وتوزع فيه الجوائز النقدية على طلبة المدرسة وأساتذتها، وتذبح فيه الذبائح وتمد فيه موائد الطعام إكراما لحفظة القرآن، ويكون ذلك اليوم الموسمي حافلا بسماع التلاوة حسب ما هو مشهور من القراءات وفق التجويد الصحيح»(24). ويشرف على امتحان التخرج كل سنة مجموعة من العلماء الذين لهم خبرة بالقراءات وعلوم القرآن إلى جانب باقي العلوم كالنحو واللغة والصرف والبلاغة والتفسير والحديث والفقه، من أمثال العلامة المرحوم «عبد الحفيظ كنون» والفقيه «محمد الصائل» والعلامة «محمد الشنتوف» وغيرهم من العلماء بالإضافة إلى الفقهاء القراء المدرسين بالمدرسة، وكان الامتحان في حفظ القرآن حفظا متقنا وفي أوجه القراءات ورموزها بالإضافة إلى أسئلة متنوعة في العلوم الشرعية واللغوية. ولا زالت المدرسة قائمة إلى اليوم يعلم فيها القراءات القراء الذين تخرجوا على يد الشيوخ السابقين الذين التحقوا بالتدريس بعد أن أجازهم الشيخ «محمد بن الهاشمي البقاش الإدريسي» الذي كلفته نظارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بطنجة بذلك، وهؤلاء المدرسون الحاليون:«هم من الرعيل الأول الذي التحق بالمدرسة عند تدشينها أصبحوا الآن يمارسون عملهم وفق الطريقة التي رسمها لهم شيوخهم»(25).

2- مدرسة سيدي محمد بن عجيبة بالقصر الصغير قيادة ملوسة فحص طنجة:
هي مدرسة العلامة سيدي «محمد بن عبد السلام بن العلامة المفسر سيدي أحمد بن عجيبة»، ازداد بقرية الزميج بقبيلة «أنجرة» نواحي طنجة سنة 1321هـ - 1903م. تعلم على شيوخ قريته ثم انتقل إلى فاس حيث أخذ على ثلة من علمائها ثم عاد إلى مسقط رأسه حيث تولى الخطابة والإمامة ليعين بعد ذلك عضوا في المجلس الأعلى الخليفي بتطوان وأستاذا بالمعهد العالي، ثم قاضيا بمحكمة طنجة فعضوا بالمجلس العلمي بها. وحين أحيل على المعاش سنة 1971م انتقل إلى مسقط رأسه واتخذ من مسجد القرية مدرسة لتعليم الطلبة من مختلف جهات المغرب يطمعهم من بيته وما يساعده به أهل القرية والمحبين للعلم من سكان قبيلة «أنجرة» وغيرها، وكان يدرس طلبته بالإضافة إلى القرآن الكريم وعلومه، الحديث الشريف ومصطلحه، «ابن عاشر» ومختصر «الشيخ الجليل» في الفقه، والعبادات، الفرائض، النحو بالجرومية والألفية، «التحفة لابن عاصم»، البلاغة والمنطق. وقد تخرج على يديه ثلة من العلماء تعج لهم مساجد القرى المجاورة.

* اعتمدت في إعداد هذا البحث على ذاكرة بعض الشيوخ الذين عاشوا مرحلة ما قبل «التنظيم» كالعلامة «عبد الحفيظ كنون»، والشيخ «المرحوم عبد الحي بن الصديق»، وعلى معلومات زودني بها الأساتذة: «عبد الصمد العشاب»، «أبو بكر اللمتوني»، «عبد السلام البقاش» إضافة إلى أبحاث ضمتها بعض الكتب والدوريات.1) «عبد الله كنون»: النبوغ المغربي في الأدب العربي، دار الكتاب اللبناني، ط2 / 1962، الجزء 1 ص63.
2) الذيل والتكملة، مطبعة المعارف الجديدة الرباط، صفحة 158.
3) السابق: 1 / 92.
4) الصلة، «نشر العطار»، صفحة 461.
5) انظر التكملة لابن الأبار: طبعة مجربط، صفحة 821.
6) انظر في هذا الباب كتاب: رياض البهجة في أخبار طنجة للعلامة «محمد اسكيرج»، مخطوط بخزانة «عبد الله كنون» بطنجة، الجزء الثاني، من صفحة 13 إلى صفحة 18 حيث يقف على لائحة الكتب المتوفرة، وعلى الوثائق العدلية التي تثبت عددها وتاريخ تحبيسها.
7) السابق: ج2 ص7.
8) انظر ترجمته بكتاب: مواكب النصر وكوكب العصر للعلامة «محمد بن عبد الصمد كنون»: مطبعة سوريا، طنجة 1400، ص28.
9) السابق: ص37.
10) السابق: ص58.
11) السابق: ص61.
12) السابق: ص4.
13) السابق: ص12.
14) السابق: ص33.
15) السابق: ص70.
16) السابق: ص20.
17) السابق: ج2 ص2.
18) مسجد بناه أهل سوس سنة 1916م ببقعة خارج أسوار المدينة القديمة اعتقادا منهم بأن هذا السيد ينتسب إلى «الزاوية السملالية» دفين هذا المكان.
19) المعروف قديما بزاوية «سيدي حلحول» والموجود قرب السوق الداخل، وكانت هذه الزاوية قد تلاشت أجزاؤها وذهبت معالمها فتم تجديد بنائها وتحويلها إلى مسجد خطبة في العقد السادس من المائة الثانية بعد الألف للميلاد، وكان قد طلب تجديد بنائه المولى عبد الرحمن بناء على طلب عامله القائد السيد «بوسلهام بن علي الحسني العرائشي المعروف بأزضوض».
20) انظر رساض البهجة طنجة: ج2 ص129.
21) مواكب النصر وكواكب العصر: ص62.
22) مذكرات غير شخصية: منشورات جمعية «مكتبة عبد الله كنون»، مطبعة ألكوبريس، طنجة 2000 صفحة: 43.
23) كان المصلون يحتجون على وجود بعض الصور التي توضع قصد التوضيح أثناء دروس العلوم الطبيعية.
24) من مدارس التعليم الأصل بطنجة وناحيتها: «الأستاذ عبد الصمد العشاب»، جريدة ميثاق الرابطة، العدد954.25) قرية «دار ازهيرو» بفحص طنجة ودورها في التعليم الأصيل والمحافظة على القرآن الكريم: بحث الأستاذ «عبد السلام بن محمد البقاش» استفدت منه في إعداد هذا العمل.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here