islamaumaroc

معالم ومظاهر التاريخ الفكري والثقافي للقرويين

  نعيمة مني

العدد 364 ذو الحجة 1422/فبراير 2002

محاور المقال تدور حول فاس حاضرة المغرب، وجامع القرويين بوصفه عصب هذه المدينة، وفضل القرويين في تكوين جامعة فاس. ودور القرويين الطلائعي في تاريخ المغرب السياسي والاجتماعي، وفي حياته الدينية والثقافية، وبعض النظم والتقاليد التي شكلت نظام الجامعة، وبعض شروط الالتحاق بالقرويين، من ذلك تقليد الإجازات العلمية، وطبيعة المواد الدراسية. ولم تفتني الفرصة للإشارة إلى ما نالته المرأة المغربية من التعليم بالقرويين، وألمحت بعد ذلك إلى مكانة العلماء عند الحكام والرعية وكيفية استفتائهم في أمور الدولة وشؤون الرعية، وبعثهم سفراء إلى الخارج، ورحلة البعض منهم ... وغير ذلك مما له علاقة بتوضيح الجانب الفكري والثقافي في حياة القرويين العريقة.
- ولعل المؤرخين عندما قالوا بأنه أقدم جامعة، كانوا يقصدون المنار العلمي الذي استمر في أداء رسالته السامية وهدفه النبيل، دون أن تتغير ملامحه ومعالمه كما وقع في بلاد المشرق التي غيرت من ملامحها التيارات العاتية أحيانا. فمازال بالقرويين آثار من عهد الأدارسة الفاتحين والمرابطين والموحدين وبني مرين وبني وطاس والسعديين والعلويين.
- ولعل جامع القرويين يتوفر على أقدم صومعة، إذ يزيد عمرها على أحد عشر قرنا، كما يتوفر على أقدم وأجمل وأثرى منبر تنافس في زخرفته الفنانون، وسعى العلماء إلى اعتلائه للخطبة ولو ليوم واحد.
وعلى قباب الجامعة سجلت براعة الفنانين وبرز إبداعهم المعماري المذهل، وفيها أكثر من مصدر للماء محكم التوزيع، وعلى رفوف خزائنها توجد روائع وعيون ونفائس من المخطوطات النادرة، وتدل مداخيلها العديدة على عظمتها، كما تزدان بتلك المدارس الداخلية التي شيدت بجانبها لاستقبال الطلاب، وقد زخرفت ببدائع الفسيفساء.
لقد اجتذبت جامعة القرويين أعدادا لا يستهان بها من مريدي العلم والأدب على اختلاف أجناسها، وعرفت بعادة طريفة في ربيع كل سنة، حيث يتم تنصيب «سلطان الطلبة» الذي تدوم سلطنته زهاء أسبوع يزوره خلاله السلطان الحقيقي في موكب رسمي يغري بالفرحة.
وبجامع القرويين ما يناهز مائة وأربعين كرسيا علميا يتردد عليها الناس، ولها نظام دقيق في الإشراف عليها وتدبير أمورها التنظيمية وتصريف شؤونها العلمية، فهناك الرئيس والقيم والمشرف. وقد عرفت القرويين نظاما دقيقا في أيام دراستها وعطلها، وتقاليد فريدة في حلقات درسها، فكانت منها الحلقة ذات الأستاذ الواحد وذات الأستاذين، وكانت منها تلك الحلقات التي لا يحضرها إلا المهتمون، والحلقات التي لا يؤذن فيها للأحداث بالحضور.
وهناك تقاليد الإجازات العلمية، ونظام السند والتوكؤ على تصانيف أهل المشرق في المراحل المتقدمة من نشأة القرويين، ثم الاعتماد على التآليف المغربية الصرفة بعد مرحلة التشييد.
وإلى جامعة القرويين يعود الفضل في بروز عدد كبير من العلماء الفضلاء. ولا ننسى أن نسجل ما كان لهؤلاء العلماء الأجلاء من دور في تدبير شؤون البلاد في الداخل والخارج؛ فنجدة «يوسف بن تاشفين» للأندلس لم تكن إلا بعد أن صدرت فتوى عن رجال القرويين تسمح باستجابة المرابطين لاستغاثة أهل الأندلس(1).
وفي العصر الحديث أسهم رجال القرويين في إذكاء روح الحماسة والمقاومة في نفوس المغاربة، ومن تم شعر المستعمر بخطر كيان القرويين الروحي الذي يهدد مخططاته الاستعمارية، فغدا يفكر في طريقة يتخلص بها منه، بل إن جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه عاش صراعا قويا خفيا حينا وصريحا مكشوفا أحايين أخرى ضد إدارة الاستعمار الفرنسي، ومن ذلك أنه قطع زيارة رسمية كان يقوم بها لمدينة فاس، فقد ارتحل عنها فجأة ليعود إلى عاصمة المملكة (يوم 10 ماي 1934) احتجاجا على تحايل الإدارة الاستعمارية ومنع جلالته من أداء خطبة صلاة الجمعة في جامعة القرويين بدعوى الخوف على أمن جلالته وسلامته(2).
ولكي نكون فكرة واضحة، أرى من المفيد أن نتحدث بعض الشيء عن فاس بوصفها حاضرة المغرب، كما قال الشريف الإدريسي: «ومدينة فاس قطب ومدار لمدن المغرب الأقصى، وهي حاضرتها الكبرى ومقصدها الأشهر، تشد إليها الركاب، وإليها تقصد القوافل ... ولها من كل شيء حسن أكبر نصيب وأوفر حظ».
أما عبد الواحد المراكشي (ت: 621 هـ) فقد آثرها بإعجابه، يقول: «إنها حاضرة المغرب في وقتنا هذا، وموضع العلم منه، اجتمع فيها علم القيروان وعلم قرطبة؛ إذ كانت قرطبة حاضرة الأندلس لما كانت القيروان حاضرة المغرب، فلما اضطرب أمر القيروان، كما ذكرنا بعيث العرب فيها، واضطرب أمر قرطبة باختلاف بني أمية بعد موت أبي عامر محمد بن عامر وابنه، رحل من هذه وهذه من كان فيها من العلماء والفقهاء من كل طبقة فرارا من الفتنة، فنزل أكثرهم مدينة فاس، فهي اليوم على غاية الحضارة...»(3).
ولم يختلف رأي صاحب «الاستبصار» (ت: 678 هـ) عن رأي صاحب «المعجب» ، بل نجده أكد في أكثر من مرة على أن فاس قاعدة بلاد المغرب، وكان بها في عهد الدولة اللمثونية والموحدية علماء أغنتهم شهرتهم فيها عن ذكرهم. ونفس الشهادة نجدها تتردد في كتاب «مفاخر البربر» و«الأنيس المطرب» لابن أبي زرع(4). وشبهها أعيان العلماء والمؤرخين ببعض حواضر المشرق، كما فعل العمري (ت: 749 هـ) في «المسالك» عندما شبهها بدمشق وغرناطة. وهكذا نرى لسان الدين بن الخطيب (ت: 776 هـ) وابن خلدون (ت: 808 هـ) والمقري (ت: 1041 هـ) وغيرهم من الأدباء والمؤرخين يردد نفس الانطباعات الدالة على الإعجاب بمدينة فاس، حيث يستشعر المثقف والمتأدب المتعة الفكرية في مجالس العلماء(5).
واقترن الحديث عن حاضرة فاس بالحديث عن أهم مقوماتها الحضارية، وهي معلمة القرويين التي ظلت تشكل قلب فاس النابض وعقلها المفكر، ومرجعها التاريخي والثقافي، وأساس تقدمها وازدهارها ورقيها الاجتماعي والاقتصادي.
أما عن بداية دراسة العلم بالقرويين فمسألة يصعب الإجابة عنها، والأمر الذي يمكن أن نجزم به هو أن التعليم بهذه المعلمة ليس حديث العهد، وإنما يعود إلى حقب زمنية متقدمة. وكل القرائن تدل على تلك الحلقات العلمية التي كانت تعقد فيها منذ أيامها الأولى. ويرى الدكتور عبد الهادي التازي(6) أن أبا عبد الرحمن بكر ابن حماد التاهرتي (ت: 296 هـ)(7) كان في أوائل الذين عقدوا مجالس علمية حافلة بالقرويين، وكلما سمع رواد المجالس العلمية بعالم جليل أو جديد ذهبوا إلى حضور دروسه كما هو الشأن مع دروس ابن تومرت في مسجد الطالعة.
وإذا كان جامع القرويين يعد من أقدم مراكز التعليم في العالم العربي الإسلامي، فقد سجل التاريخ دوره العلمي وإشعاعه الثقافي أيضا منذ فتراته الأولى، لأنه شيد ليكون دار فقه وعلم(8) بالدرجة الأولى. وبالفعل اطردت الدراسة فيه واستمرت دون تقطع. وكان له الفضل الأول في تأسيس جامعة فاس وتثبيت دعائمها.
وترددت في كتابات بعض المستشرقين والمؤرخين الأجانب عن القرويين لفظة «مدرسة» و«كلية» و«جامعة». يقول الأستاذ «روم لاندو» في حديثه عن جامعة القرويين: «وقد شيد في فاس منذ أيامها الأولى جامع القرويين الذي هو أهم جامعة وأقدمها، وفي القرويين هنا كان العلماء منذ حوالي ألف سنة يعكفون على المباحثة الدينية والمناظرات الفلسفية التي قد تتجاوز دقتها إدراك فكرنا الغربي، وكان المثقفون يدرسون التاريخ والعلوم والطب والرياضيات، ويشرحون أرسطو وغيره من مفكري الإغريق ...»(9).
في كتاب «جامع القرويين» القيم أثار الدكتور عبد الهادي التازي موضوع اعتراف بعض المستشرقين الذين كان لهم الأثر البليغ على الدراسات الإسلامية العربية بفضل مدرسة القرويين وأقدميتها، ومنهم «ذ. جوزي بندلي ابن صليب أوجوزي كريستوفيتش» « Jouse Ponteleimon krestovitick » يقول: «... إن أقدم مدرسة كلية في العالم أنشئت لا في أوروبا كما كان يظن، بل في إفريقية في مدينة فاس عاصمة بلاد المغرب سابقا، إذ قد تحقق بالشواهد التاريخية أن هذه المدرسة كانت تدعى كلية القيروان، وقد أسست في الجيل التاسع للميلاد، وعليه فهي ليست فقط أقدم كليات العالم، بل هي الكلية الوحيدة التي كان يتلقى فيها الطلبة العلوم السامية في تلك الأزمنة، حينما لم يكن سكان باريز و«أكسفورد» وبـــــــارو (Paroue) و«بولونيا» يعرفون من الكليات إلا الاسم، فكانت الطلبة تتوارد على كلية القيروان من أنحاء أوربا وإنكلترا، فضلا عن بلاد العرب الواسعة للانخراط في سلك طلابها، وتلقي العلوم السامية باللغة العربية مع الطلبة الطرابلسيين والتونسيين والمصريين والأندلسيين وغيرهم، ومن جملة من تلقى علومه في هذه الكلية من الأوربيين: Gerbert أو البابا سيلفيستر؛ وهو أول من أدخل إلى أوربا الأعداد العربية وطريقة الأعداد المألوفة بعد أن أتقنها جيدا في الكلية المذكـــــــــورة»(10). وإذا أمعنا النظر في هذا التصريح سنجد رواية لمثقف عالم أجنبي مسيحي، لا من صنع مثقف مغربي يهوى تراثه. ومن ثمة ينسج رواية يفصح فيها عن تعلقه بهذا التراث. ولن نناقش أمر زيارة «البابا سيلفيستر» لفاس وتتلمذه على بعض مشايخ القرويين فيها، المهم عندنا هو موقف التعظيم والإجلال الذي وقفه «جوزي» من منارة القرويين العلمية.
والنتيجة التي يمكن أن نخلص إليها هي أن «جامعة القرويين» لعبت أدوارا كبيرة وحاسمة، فقد ظلت قرونا عديدة ومتصلة المصدر الوحيد الذي يمد المغرب، بما كان المخزن في حاجة إليه من عدول ومحتسبين وقضاة وغيرهم من رجال المخزن وأطره الإدارية والقانونية. كما أنها كانت المصدر الوحيد لتكوين الأطر الصغرى والمتوسطة بالنسبة للطلبة الوافدين إليها من الجزائر، كما يذكر ذلك بول مارتــــــي (Paul Marty).(11)
ومثلما كانت القرويين مركزا مهما في تأطير موظفي المخزن، كانت مصدر تكوين لما يحتاجه المغرب من علماء وفقهاء في حياته الدينية، ولم يقتصر الأمر على التكوين والتهييء لنظام الدولة الإداري والديني، بل ظلت القرويين مصدر إشعاع حضاري وثقافي وفكري يقصدها المتعطشون للمعرفة الرفيعة والعلم الراقي للنهل من روافدها الثقافية الأصيلة، ولعل رقي أهل فاس الاجتماعي والفكري، وعدد مجالس الأدب والعلم في ديارهم، وتنوع منتدياتهم الفكرية مرتبط بما كان يصدر عن القرويين من معارف وثقافة وعلم. يقول «محمد بن الحسن الحجوي» في فهرسته: «... ومن المعلوم أن عوام فاس أحسن فكرا، وأجود تصورا، وأتم ذكاء من بعض علماء بقية المغرب لوجود نبراس عظيم يستضيئون به وهو معهد القرويين الذي طما بحر معارفه فتدفق على منتدياتها ودورها وبساتينها. فقلما تجد مجتمعا لا يوجد فيه عالم يجتمعون عليه ويقتبسون من معلوماته»(12).
وللدكتور «سعيد بنسعيد العلوي» إشارة طريفة وذات دلالة عميقة عندما ذكر بطبيعة الوظيفة التقليدية والدور الخطير الفاعل الذي كان لجامعة القرويين في المجال السياسي. ففي رحابها كانت بيعة الملوك والسلاطين تمهر بتوقيعات علماء القرويين، مما يضفي على العاهل الجديد المبايع هيبة ووقارا، ويشد أزره في مجالس الخاصة والعامة. كما كانت القرويين تجسد المكان الفعلي لرجال المشورة عند السلطان. فالعلماء هم الذين كانوا يبتون في العهود والعقود التي تمضيها الدولة مع دول أخرى في أمور التجارة الخارجية وقضايا المبادلات الاقتصادية، وهم الذين يشيرون على السلطان فيما يتعلق بالمفاوضات والصلح مع دول الجوار(13).
وأحيانا كان العلماء يواجهون الحكام ويؤلبون المشاعر. والتاريخ يحتفظ بنصوص تثبت ردود فعل عنيفة لدى العلمامء، من ذلك تلك الرسالة التي أفتى فيها علماء القرويين بردة من استنصر على المسلمين بالنصارى. الأمر الذي أفضى إلى القضاء على الخونة في معركة وادي المخازن(14). ومن حين لآخر كان الحكام يتلذذون بانتقادات العلماء ومتابعاتهم، يجدون فيها وقعات الجرس المحبب الذي يهدي إلى الطريق السوي(15). ولعل هؤلاء العلماء مارسوا السياسة، وقد تبينوا المفاهيم، وأدركوا أن كل حالة سياسية تقتضي حلا ظرفيا قد لا يصلح لحل مشكلة سياسية فيما بعد. ومما يدل على مكانة العلماء المرموقة حظوتهم الزائدة عند الحكام والقاعدة، وتكليفهم بمهمة السفارة إلى دول أخرى، ونجح العديد منهم لعلمهم وكفايتهم وموهبتهم ودهائهم وكياستهم من أمثال «أبي الحسن الزرويلي» (ت 719 هـ) سفير «سليمان» حفيد «يعقوب» إلى الأندلس، و«ابن بطوطة» (ت 779 هـ) السفير المتنقل، و«ابن مرزوق الجد» (ت 781 هـ) وابن القاضي (ت1205 هـ) وغيرهم. ولعل أبرز ملمح يمكن تسجيله في رحلات هؤلاء العلماء هو أنهم استطاعوا أن يدخلوا المذهب المالكي إلى الإسكندرية بمصر(16).
ومما يدل على أن القرويين كانت جامعة حقيقية بالمعنى الأكاديمي، أن مستوى الدراسة بها لم يكن مستوى الناشئة المبتدئين، بل كان من شروط الالتحاق بها أن يكون الطالب قد مر بمرحلة استظهار القرآن وحفظه(17)، وقوم لسانه ولغته، وحسن معارفه في الفقه والتوحيد في المسايد والمساجد. ومن ثمة يلتحق الطالب بالقرويين لتحسين معارفه وتعميق مداركه في سائر العلوم والفنون المعروفة آنذاك من الأدب والتاريخ والتفسير والقراءات والحديث والكلام والتوحيد والفقه والتصوف والنحو، والمنطق واللغة، وعلم التوقيت والحساب والطب والموسيقى والهندسة وغيرها من العلوم النقلية والعقلية. وظهرت جملة وافرة من المؤلفات في العهد المرابطي والموحدي، وبرز أعلام مغاربة في مختلف المعارف والعلوم أمثال «القاضي عياض» (ت: 544 هـ)، و«ابن القطان الفاسي» (ت: 628 هـ) و«المهدي بن تومرت»، و«الشريف الإدريسي» (ت: 560 هـ)، و«أبو حفص عمر السلمي» (ت: 604 هـ)، و«ابن حبوس الفاسي» (570 هـ) وغيرهم كثير، ويكفي أن ندرك أن شارعا طويلا كان يعانق جدار القرويين يحمل  اسم الوراقين الذي رمز به ابن خلدون لعظمة الدولة وهيبتها وتوابع الحضارة والعمران(18). وبلغت مدينة فاس في عهد المرابطين والموحدين درجة عظيمة من حيث انتشار الخزائن ووفرة المؤلفات(19).
ولم يكتمل عهد بني مرين حتى كانت جامعة القرويين زاخرة بنفائس الكتب في شتى العلوم والفنون، ومازالت مباني خزائن بني مرين والسعديين والعلويين قائمة بحرم القرويين.
وأنشأ «أبو عنان» خزانة علمية وجعل لها حريما في الركن الشرقي الجنوبي للقرويين، وأسس أبو العباس أحمد المنصور السعدي خزانة علمية في جهة القبلة عن يسار خزانة المصاحف العنانية، ولم يكن القصد إلى الاستغناء عن مبنى الخزانة الأولى، ولكن إرضاء للرغبات المتزايدة للطلاب(20).
وعرفت جامعة القرويين نظام الإجازات العلمية الموقعة من لدن بعض الشخصيات العالمة، ويعود هذا النظام إلى العهود الأولى للإسلام في المشرق، وهو بالنسبة للطالب بمثابة تزكية لعلمه وكفاءته وزيادة في توقيره واحترامه.
ولعبت القرويين دورا كبيرا في تثقيف المرأة المغربية بفاس، وكانت بيوت العلماء والفقهاء بمثابة مجالس علم وأدب للنساء. وفي فاس عرفت مدارس البنات باسم «دار الفقهية»(21) واشتهر بعض النساء بنشاطهن العلمي من أمثال: «الأميرة تميمة» أخت «علي بن يوسف» التي كانت تسكن عدوة القرويين، والشاعرة أم النساء بنت «عبد المؤمن التاجر الفاسي»، والعالمة الأديبة الشاعرة الست «سارة بنت أحمد بن عثمان» (ت: 750 هـ)، والسيدة الفقيهة «أم البنين» جدة «الشيخ زروق» التي كانت تحضر دروس «الشيخ العبدوسي» (ت: 848 هـ)(22) وغيرهن من السيدات الفاضلات اللائي شاركن الرجال في التعمق في مختلف جوانب المعرفة والعلم.
ولاشك أن جامعة القرويين عرفت –كغيرها من الجامعات- استقلال كيانها المادي والمعنوي، واكتسبت تقاليد وتنظيمات ونظما وأعرافا وآدابا في السلوك والتعامل والتسيير والتدريس والتمويل.
وصفوة القول: إن القرويين –جامعا وجامعة- تعد ذاكرة المغرب العلمية والحضارية، وستظل صرحا عتيدا في بنية الحضارة المغربية، وفي مكونات العمود الفقري للثقافة العربية الإسلامية في المغرب، وستمثل أبد الدهر منارة شامخة بإشعاعها المتوهج. ولا عجب في ذلك نظرا للأدوار الخطيرة التي اضطلعت بها عبر التاريخ من حيث البت في الخطير من القضايا وشؤون البلاد الداخلية والخارجية. ولن تزول تلك الوشائج القوية بين التاريخ الثقافي والحياة الروحية للأمة المغربية وبين القرويين العريقة التي ارتبط بها معنى الهوية الحضارية المغربية، واقترن بها توهج سراج الحضارة العربية الإسلامية في أرقى عطاءاتها وأبهى تجلياتها.
ولا أعتقد البتة أن الإشادة بدور القرويين في الماضي يشفي الغليل بالنسبة لكل مغربي يغار على تراثه ويعشق تاريخ بلاده. إن القرويين في أمس الحاجة إلى إحداث تغيير جذري ومراجعة كاملة في برامجها ونظمها ورؤيتها الحضارية، لأننا نعيش اليوم في زمن الفضاء والعولمة والقنوات الفضائية والإلكترونيات وعطاءات الثورة التكنولوجية الهامة، ونحتاج إلى مراجعة أنماط تفكيرنا وإلى التفتح على حضارات الأمم المتقدمة الراقية. ولن يتأتى ذلك إلا باكتساب اللغات الأجنبية وحذق أساليب العلم المتطورة، والإلمام بكل ما هو جديد في عالم العلم والمعرفة في الحضارات الراقية.


(1) - هذه الملحوظات خلاصة قراءة للدراسة الجادة والقيمة التي نشرها الأستاذ «عبد الهادي التازي» بعنوان: «جامع القرويين – المسجد والجامعة بمدينة فاس».
(2) - مجلة «التاريخ العربي»، العدد الخامس، شتاء 1418 هـ / 1998. مقال «للدكتور سعيد بنسعيد العلوي» بعنوان: «جامعة القرويين والمستقبل: نظرات في مستقبل الجامعة الإسلامية في عالم الغد». ص: 182
(3) - «المعجب في أخبار المغرب». نشر المغرب 1938، ص: 221، ونشر القاهرة 1949، ص: 357.
(4) - الأنيس المطرب بروض القرطاس، ص: 19-20، 28-29. دار المنصور للطباعة والوراقة، الرباط 1972.
(5) - الأدب العربي في المغرب الأقصى، لمحمد بن العباس القباج. الطبعة الأولى، 1347 هـ / 1929 م، ج: 1، ص: 10، 11. مجلة المغرب، دجنبر 1965، دعوة الحق، يونيو 1960.
(6) - جامع القرويين: المسجد والجامعة بمدينة فاس، المجلد الأول، ص: 111، دار الكتاب اللبناني، بيروت، الطبعة الأولى 1973.
(7) - «بكر بن حماد» من مشاهير أبناء الجزائر، ولد بتبهرت حوالي 200 هـ، وأخذ العلم عن مشايخ بلده، ثم رحل إلى القيروان حيث نهل من ينابيع علمها أيضا، ودخل بغداد سنة 217 هـ، فلقي «أبا تمام» وغيره من أعيان الأدباء. توفي سنة 296 هـ. عن المسالك للبكري. وتاريخ الجزائر وجغرافيتها وعناصر سكانها، ص: 210-211، «لأحمد توفيق المدني». طبع في الجزائر عام 1929 م.
(8) - الأنيس المطرب، ص: 20.
(9) - رسالة المغرب، الرباط 14 يونيو 1951.
(10) - كان هذا بعض ما جاء في كلمته القصيرة والقيمة المنشورة في مجلة الهلال المصرية، الجزء الحادي عشر من السنة الأولى، شهر يوليو من سنة 1893، ص: 356.
(11) - Paul Marty : L’Université de Quaraouiyne in le Maroc de demain : Publication du comité de l’afrique Française, 1925, Paris.
(12) - مختصر العروة الوثقى، ص: 19.
(13) - انظر: تاريخ تطوان، «لمحمد داود». في نص «الاستشفاء وأجوبة العلماء المختلفة». وانظر كيفية استشارة الصفوة من علماء ووجهاء وغيرهم في : مظاهر يقظة المغرب الحديث، «لمحمد المنوني».
(14) - الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، لأحمد بن خالد الناصري. دار الكتاب، الدار البيضاء 1954، ج: 6، ص: 73.
(15) - جامع القرويين، المجلد الثاني، ص: 444.
(16) - الخطط المقريزية (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار) للمقريزي، طبع في مصر 1327 هـ، ج: 2، ص: 334. في تاريخ المغرب الدبلوماسي، دعوة الحق، مارس 1971.
(17) - انتقد ابن العربي طريقة المغاربة تحفيظ الناشئة القرآن في بداية تعليمهم، وفضل ضرورة تعليمهم اللغة العربية، ثم الانتقال بهم إلى مرحلة حفظ القرآن. واستحسن «ابن خلدون» طريقة «ابن العربي» وفضل طريقة التدرج في تلقين العلوم للمتعلمين. المقدمة: 3/1243. تحقيق: «علي عبد الواحد» وافي. ط. 3، دار نهضة مصر، القاهرة.
(18) - المقدمة، طبعة مصر، ص: 302.
(19) - الأنيس المطرب، ص: 28.
(20) - جامع القرويين – المسجد والجامعة بفاس، المجلد الثاني، ص: 341.
(21) - مجلة المغرب، غشت 1932.
(22) - النبوغ المغربي، «عبد الله كنون». دار الكتاب العربي، بيروت، ط3، 1975، ص: 212.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here