islamaumaroc

الإشعاع التربوي للقرويين

  عبد الحي عمور

العدد 364 ذو الحجة 1422/فبراير 2002

امتازت الدراسة وتلقي العلوم الشرعية والمعارف الكونية والإنسانية في « جامعة القرويين» -مثل غيرها من الجامعات الإسلامية كالأزهر الشريف بمصر و«جامعة الزيتونة بتونس» - بجملة من الخصائص والمميزات التي طبعت مناهجها التربوية وانفردت بها مسيرتها التعليمية عبر مختلف المراحل والأطوار الدراسية. وقد اعتبرت يومها تلك الخصائص والمميزات من مقومات الدراسة وطلب العلوم من الجامعة، انطلاقا من المنظور الإسلامي لعملية التعليم والتعلم، والدراسة والبحث- الذي هيمن على أجوائها ووجه مسارها نحو الاقتداء.    
  وها نحن في هذا الموضوع نحاول إبراز بعض تلك الخصائص والمميزات التي غابت اليوم عن تعليمنا في مختلف مؤسساته ومعاهده ومراحله وأسلاكه، بعد أن هيمنت عليها النظريات التربوية والتعليمية الغربية، وعرفت ألوانا من صنوف الاغتراب والعلمنة بدعوى التمدين والعصرنة والانخراط في عصر الحداثة لمسايرة مختلف التطورات والمستجدات، وأصبحت ناشئتنا وطلابنا، بسبب ذلك، تعيش حالة من الانفصام والتمزق، والانسلاخ عن هويتها وذاتيتها وحضارتها الاسلامية.      

1. اقتران التعليم بالتربية:
  يختلف مفهوم «التعليم» عن «التربية» اختلافا واضحا على الرغم من صعوبة إيجاد فروق وفواصل قاطعة بينها، فالتربية أهم من التعليم وأشمل، وهو أخص منها وقد لا يشملها، والتعليم أساس التربية وشرط ضروري فيها، ولكنها إذ تقتضيه تتجاوزه إلى العناية بشخصية المتعلم وترسيخ اعتقاداته الصحيحة وتكوينه بما يجعل معارفه ومعلوماته سبيلا إلى نضجه ونموه الفكري، وبالتالي إنقاذ جوهره، أي ذاته، إذ بالتربية يصبح الانسان إنسانا حقا كما قال الغزالي.
ومن هنا فإن التعليم الاسلامي للعلوم الشرعية وتعلم العلوم الكونية والانسانية «بجامعة القرويين»، ارتبط ارتباطب وثيقا بالتربية بمفهومها الشامل الذي يعني تكامل المعرفة وتناسقها في تكوين الطالب المتعلم تكوينا منسقا يزاوج بين تلقي العلوم واستيعابها عن طريق العقل والمدارك العامة، وبين تربيته وتهذيب سلوكه وغرس منظومة القيم في نفسه بما ينقذه من الانحرافات ويبعده عن الضلالات، بل بما يزكي نفسه ويطهرها من الشوائب والادران استشرافا   لمضمون قوله تعالى : (هو الذي بعث في الأميين رسولا يتلو عليهم آباته ويزكيهم)(1) إذ التزكية تعديل للسلوك، وانتزاع ما ترسب في الانسان من العادات الضارة، والقرآن كما هو ظاهر في سياق الآية، يقرن التزكية / التربية، بالتعليم : ( يتلو عليهم) تحقيقا للأهداف المتوخاة من التعليم ولتربية، وهذا مع الاشارة إلى أن مفهوم التزكية القرآني أعم وأقوى من التربية في مفهومها البيداغوجي، التي أصبحت تقتصر اليوم على إنضاج جوانب مادية في حياة الا?نسان، بينما التزكية تهدف بالأساس إلى تطهير النفوس وتوجيه السلوك، إنه المنهج التربوي التعليمي القرآني الذي لا يفصل بين التعليم والترربية، ويحرص على المزج بينهما والابقاء على تلاحمهما باعتبارهما مفهومين متداخلين.                      
ولقد كان علماؤنا وأساتذتنا ( رحمهم الله) يهتمون اهتماما كبيرا بالتربية في تلقينهم للدروس وتقديمهم للمعارف واقتناص مختلف المناسبات والفرص في مجلسهم العلمية، التي كان يسودها الوقار والاحترام، لبذر القيم وغرس مكارم الأخلاق والحفاظ على الاعتقاد والتدين الصحيح، بحيث يكون الخطاب التربوي حاضرا باستمرار في مختلف حلقات الدروس عن طريق الوعظ حينا، وضرب الحكم والأمثال أحيانا، ولم يكن ذلك مقصورا على العلوم الشرعية في تدريس التفسير والحديث والفقه، بل كان ذلك حاضرا حتى في العلوم الأخرى كالنحو والبلاغة والعروض وعلم الفلك، لا يصد الأساتذة عنه ما يكتنف هذه العلوم من نضوب وجفاف، وقد ساعد على تأصيل هذا المنهج التربوي ما كانت تشتمل عليه المنظومات والنتون المقررة في هذه المواد وهي تنظر لقواعدها وضوابطها، من حكم وأمثال واستشهادات وأقوال.

2. إشعاع تربوي عالمي:
امتد الإشعاع التربوي والعلمي والثقافي لجامعة القرويين إلى كثير من الأمصار والأصقاع، وذاع صيتها وانتشر علمها في كثير من البلدان، مما جعلها منارة علمية شامخة، ومعهدا ثقافيا يشع نوره بين الداني والقاصي، فأخذ الطلاب ورواد العلم، يفدون على الجامعة من كل حدب وصوب وخاصة من «افريقيا» و«العلم العربي الإسلامي».
  وهذا الاقبال المتزايد عليها دوليا وشعبيا – والذي حولها إلى مركز إشعاع ثقافي عالمي – جعل أساتذتها وعلماءها والقائمين على شؤونها، يرتفعون بمستواها العلمي والتربوي والثقافي ليخرج من إطاره المذهبي والوطني إلى مستوى العالمي الانساني، انطلاقا من الروابط العقدية والدينية والأخوية (إنما المؤمنون إخوة) التي تربط بين الطلاب والرواد الين يفدون عليها، بعضهم بالبعض الآخر- دونما اعتبار لوشائج الدم والجنس – والتي ترتفع بالانسان من حدوده الجغرافية ودائرته المكانية إلى مستوى «الانسانية» (و جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (2)
لقد كانت مسؤولية تربوية عالمية جديدة، انضافت إلى سابقتها، وفرضت على القيادة العلمية من الفقهاء والعلماء، العمل على تحقيقها وإشاعتها بين الطلاب، فقاموا بها أحسن قيام، وخلقوا أجواء الصفاء والود والاخاء بين رواد العلوم على اختلاف مشاربهم وأجناسهم وأوطانهم، وفتحوا لهم مجالسهم الخاصة، وأولوهم عناية فائقة واهتماما متزايدا، بل أثرروا الرواد الوافدين بالعديد من الافادات العلمية والتربوية والتكوينية التي تهيئهم للقيام بمسؤولية نشر العلم والدعوة إلى الله تعالى، وإشاعة روح التآخي عند عودتهم إلى أوطانهم مسلحين بالزاد المعرفي ومتوجين بالاجازات العلمية، ومحصنين بما نهلوه من حياض العلوم الجامعة، وما تخلقوا به من كريم الأخلاق وتجملوا به من جليل الصفات.  
إنها الرسالة التعليمية والتربوية العالمية التي أشعت بنورها في رحاب الجامعة وأضاءت دروب الحياة في ظلال
الشريعة ونور العقيدة لاخوان لنا في إفريقيا والشرق العربي، وهي صفة امتازت بها فلسفة التربية الاسلامية، وحرص علماؤنا الأجلاء على بثها وإشعاعها بين الطلاب، والتي ترتفع عن الاطار الاقليمي والقومي والجنسي الذي يخلق الصراع بين الجماعات البشرية، لتسمو إلى آفاق الرحبة الواسعة التي تربي الانسان الذي كرمه الله تعالى، وتشيع في بنيه الأخوة والتوحد والسلام، عكس ما هي عليه اليوم فلسفة التربية الغربية بمختلف مدارسها ومذاهبها التي تربي إنسانا يحب وطنه وبني جنسه فقط دون غيره من الأوطان وبني الانسان، ويستثمر معارفه ومعلوماته لفائد بني جلدته ويتحيز لقومه وجنسه، ويسعى جاهدا ليحقق لهم المكاسب المادية والتفوق البشري على حساب الآخرين مما خلق هذا الصراع والتنافس الطبقي والعرقي بين الناس الذين خلقهم الله سواسية كأسنان المشط، ولكنها عالمية التربية الاسلامية وفردانية التربية الغربية.                   
  3 - استنهاض العقل والقلب:                             
   أدرك علماؤنا وفقهاؤنا بثاقب بصرهم وتوقد ذكائهم وحسهم التربوي، أن العلوم ومختلف المعارف التي يدرسونها للطلاب، تقتضي استعمال العقل في مجالاته حيث البرهنة والاستدلال وإقامة الحجة. والقلب والفؤاد في مجالات التفكر والتبصر والمراقبة، مما لا يدركها العقل أحيانا أو لا ينفذ إلى أعماقها لسير غورها، وذلك بسبب اشتمال المقررات الدراسية في مختلف المواد التعليمية على موضوعات تتعلق بشؤون العقيدة والعلم الغيبي، مما مستقره القلب، والشأن فيه التصديق والادعان، خاصة في بعض العلوم الكلامية الشرعية، حيث يحتار فيها العقل أحيانا باعتبارها من عالم الشهود- لا عالم المشاهدة والمدركات العقلية التي يقوم إدراكها على المنطق والاستدلال.
هذا البعد التربوي الوجداني في التعامل مع بعض الموضوعات التي يجب أن يرتفع فيها فكر الانسان إلى مرتبة التبصر والتفكر والمراقبة، أدركها العلماء العارفون وأخذوا يلفتون انتباه طلابهم ورواد المعرفة عندهم، إلى أسرارها وتجلياتها والسبل الكفيلة بإدراكها والاطمئنان إليها، مما جعلهم يستنهضون لدراسة الأحكام الشرعية ذات الصبغة التقريرية والعلوم الكونية، الغقل والمنطق، وكانوا يستدلون على هذا التوجيه التربوي لتقريره إلى الأفهام بمرتبة الاحسان في الاسلام«أن تعبد الله كأنك تراه»، وقول ابن عباس رضي الله عنه «تفكر ساعة خير من قيام ليلة».                                                                
  ومازلت أذكر في هذا السياق الجدل الذي كان يثيره بعض الطلاب مع أساتذتهم، وهم يدرسون الصفات الالاهية الثبوتية / المعاني في علاقتها مع الذات الالاهية من منظور مختلف الفرق الدينية الكلامية، مما هو فوق إدراك العقل المحدود، وكذا ما يثيره تفسير قوله تعالى (ما كذب الفؤاد ما رأى) (3) حيث إن العقل الذي يرتاد عالم المحسوسات / المشاهدة، لا يستطيع إدراك المرئيات الغيبية التي تحدث عنها الرسول من رؤية ربه تعالى وجبريل عليه السلام.. لكن الفؤاد ترتقي مداركه إلى العالم الغيبي ويصدق ذلك ويطمئن إليه.                                       
  إنها مزية تربوية وخصوصية نفسية تفطن إليها العلماء وتعاملوا معها بما يتفق وطبيعتها، غابت عن تعليمنا، الذي انساقت طرقه الانسان ومشاعره أسيرة نشاطه الخارجي، وألغى من حساباته تلك القوى النفسية الداخلية من قلب وفؤاد.

(1)  سورة الجمعة – الآية : 2 .
(2)  سورة الحجرات – الآية: 1.
(3)  سورة النجم- اللآية:11

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here