islamaumaroc

المنظور الديني من خلال سلفية محمد الخامس

  عادل بنمنصر

العدد 364 ذو الحجة 1422/فبراير 2002

إذا كان هذا المنظور الدنيوي يقوم أساسا على الاهتمام بكل ما من شأنه أن يقدم للإنسان سعادة مثلى في حياته الدنيوية، فإن هيكل المنظور الديني يقوم أساسا على الاهتمام لكل ما من شأنه أن يقدم لهذا الإنسان نوعا من السعادة الروحية. وإذا كان هناك لقاء وتقارب كبير بين الهيكلين، فذلك راجع بالأساس إلى كون السعادة الحقيقية هي السعادة التي يمتزج فيها الإحساس بلذتين، لذة الدنيا بمتاعها وزينتها، ولذة الآخرة بالحنين إلى ما وعد الله به عباده الصالحين.
ولا شك أن هذه السعادة الأخيرة حاضرة في فكرة ومدرسة محمد الخامس.... حاضرة بقةتها وشدة إيمانها بالله عز وجل، لأنها درسة تستوحي أسسها ونهجها من كتاب الله ومن حديث رسوله الكريم، ألم يقل رحمه الله "وما كنا لنرضى تقدما ارعايانا المخلصين إلا إذا شربوا من الكأسين، كأس الرقي الدنيوي ليعيشوا أحرارا بين الأمم، وكأس الرشاد الديني لاتباع السنن الأبلج الأقوم مقتفين في ذلك نصيحة سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام حين قال: "ليس بخيركم من ترك الدنيا لأخرته ولا لآخرته لدنياه حتى يصيب منهما جميعا، فإن الدنيا بلاغ الآخرة".(1)
وتحقيق السعادة الروحية لا يمكن أن يتم في غياب التوازن بين السعادتين الدنيوية والأخروية، ولا يمكن الإحساس به إلا عن طريق تقوية الجوانب التي تمت بصلة مباشرة إلى العقيدة وإلى تراث الأمة الأصيل وإلى مقوماتها الذاتية والحضارية، لهذا نجد هذا الهيكل يقوم على سلفية إصلاحية يمكن تحديد مجالاتها في لنقط التالية:

أ‌- تصحيح مسار العقيدة:
بإعادة الصفاء والنقاء لهذه العقيدة عن طريق مقارعة الأفكار الخرافية ومهاجمة الشعوذة والمشعوذين ومحاربة البدع وأرباب الطرقية. وتحقيقا  لهذه الغاية العسيرة، أصدر جلالته أمره المطاع "بمنع الطوائف العيساوية والحمدوشية"(2) علما من جلالته بأن أعمال هذه الطوائف إنما هي أعمال مخالفة لمنبع الشريعة ومخالفة لصوت الحق لما يتيح عنها من الضلال والهلاك ولما تدعو إليه من التفرقة بالبدع، ولما تحدثه من طرق في الدين تتنافى والحجة البيضاء، لهذا قال رحمه الله في هذا الصدد "ولما ظهر من طيش من لا يزال يطمح إلى التفرقة بالبدعة، وإحداث أنكر أسباب الارتزاق بالباطل، جعلنا دون تلكالمساعي سدا بالظهير الشريف الذي أصدرناه، والقرار الذي أمرنا بكتابته، ما نعين بذلك إحداث أي طريق في الدين، لما في ذلك من محض الضلال ومهالك الاختلاف قال تعالى: "وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون" وقال عليه الصلاة والسلام: "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك".(3)
وقد تقبل الناس ذا الإصلاح، وعلى رأسهم العلماء والشعراء بالترحيب والاستبشار لما رأوا فيه من بداية خير ورقي ولما رأوا فيه من سعي حميد إلى الرجوع بالأمة إلى الإسلام الصحيح ولما رأوا فيه من تطهير المجتمع من الأضاليل.(4)
وقد صور شعر العرش في هذه اللحظة الإصلاحية وسجلها ووقف عندها كثيرا وفي مواقف متعددة، مشيدا بدور جلالته رحمه الله في إعادة  الصفاء للإسلام، وفي تطهير تلعقيدة وتنقيتها مما علق بها من شوائب وبدع، وفي إلغاء بعض العادات كعادة تقبيل الأرض بين يدي الملك.
يقول "علال الفاسي" مصورا هذا الجانب:
فتى بعث الآمال حتى تطلعت
        إليه بلاد كل آفاقها غبر
علا فوق عرش الملك مذ كان يافعا
        ففاقت بين السبعين عشروه والعشر
وساعد بالتأييد كل قضية
        رأى أنها حق وليس بها نكر
فمانع أن تغدو البرية سجدا
        لغير إلاه العرش جل له الكبر
وقاوم أرباب الأساطير فانمحت
        طوائف أعيادونها الوعظ والذكر(5)
وفي هذا الصدد أشاد "محمد زنيبر" بعودة صرح الإسلام شامخا من جديد بعد أن طهر جلالته شرعة أحمد وبعد أن أزاح عنها الوهم والتدجيل وبعد ان نزع عنها غشاوة التقليد.
يقول:
مولاي فقت ملوك عصرك همة
        وبلغت شأوا في الطلاب بعيدا
أعلنت للإسلام صرحا شامخا
        ورفعت للعلم الصحيح بنودا
طهرت شرعة أحمد مما يروم المبطـ
        ـلون سفاهة وجمودا
وأزحت عنها الوهم والتدجيل والتـ
        ـضليل والاسفاف والقليدا
وكذا الذي رام الخلاص لأمة
        يسع وسعيك لم يزل محمودا(6)
في أن شعر العرش لم يقف عند موقف الإشادة فحسب، بل كان يحط بثقله على الساحة الدينية والاجتماعية فيجدد بدوره نفس الدعوة مدعما مواقف جلالته ومناصرا لها.
يقول الشاعر "عبد الرحمان الدكالي":
يا أيها الشعب الكريم سمعتم
        خطب المليك فسارعوا وإنقادوا
يدعوكم للدين دعوة جده
        منه للهدى والوعظ والإرشاد
وبربكم للإسلام دينا طاهرا
        تسمو به الأرواح والأجساد(7)
ولا شك أنه أمام هذا الإصلاح كان من الطبيعي أن يعيد الشعر إلى الذاكرة صورة الدين كما عند السلف:
أحييت للدين الحنيف معالما
        أو ما انجلت عن عصرك الأظلام
اذكرتنا عصرا أغر لمعشر
      نشروا السعادة والزمان سلام(8)
وكان من الطبيعي أن نجد إحساس الشعراء بهذا "النصر" يتخذ أشكالا وألوانا في طليعتها التهنئة:
هنيئا يا أمير المؤمنين
        لقد جددت عهد الراشدينا
وذت عن الشريعة كل كيد
        وصنت من العوادي المسلمينا
وجئت كعصرك السامي بما لم
        ير التاريخ عند العابرينا(9)
لكن جلالته محمد الخامس وهو ينزع عن الدين الأضاليل، ويرفع ما لحقه من بدع، إنما كان يؤكد على طبيعة العلاقة بين الهيكلين الدنيوي والديني، إذ مهاجمة الأفكار الخرافية ومنع الطوائف والمواسم إنما لكونها وسائل "تخدر الوعي الشعبي وتبث مفاهيم الاستسلام النفسي للأمر الواقع بقوة الاستعمار".(10) فهي تحد من قوة الشعب، وتحد من قوة الأمل عنده، لما تشعه فيه من يأس وتخاذل، ولما تحدثه في نفسه من شلل عن التفكير والعمل، بالإضافة إلى كونها وسائل يتخذها الاستعمار مطايا لبلوغ أغراضه ولتنويم الشعب وليجعل من أرضه ملتقا سياحيا يتهافت الأجانب على أخذ مظاهر التخلف المتجدر فيه،(11) لهذا دعا جلالة الملك محمد الخامس إلى الإقبال على نشر العلم لمواجهة التخلف وما يمكن وراء التخلف من قوى استعمارية، ولهذا دعا إلى العودة إلى الدين الصحيح لقتل اليأس المتجدر في النفوس قائلا:
"لذلك يجب علينا أن نتمسك بهذا الدين القويم، ونبع صراطه المستقيم ونجتنب سبل الخرافات والأباطيل والضلالات التي يبتدعها المشعوذون والمضللون، لأنها كانت ولا تزال من أهم عوامل انحطاط المسلمين بما أشاعت فيهم ن تواكل وأحدثت في صفوفهم من شقاق وتخاذل(12).
ولهذا فمدرسة محمد الخامس الإصلاحية والوطنية لا وجود فيها لمواسم باسم الأصالة والتواصل ولا وجود فيها لدجل باسم الدين.

ب‌- مهاجمة أرباب الطرقية:
إذا كان شعر العرش قد عني بتصوير جوانب الإصلاح تصويرا دقيقا وأمينا، فليس لكونه هذا الشعر مرآة تنعكس من خلالها قضايا المجتمع فحسب، ولكن لكون هذا الإصلاح فعلا كان "وثيق الاتصال دوما بالحياة اليومية لكل مغربي، إنه حياته وليس مجرد أمور ثانوية" (13)لهذا فإن مهاجمة أرباب الزوايا والطرقية لم يكن إصلاحا هينا بل كان إصلاحا له خطورته لما ظلت تتمتع به هذه الزوايا من احترام الناس، ولما ظلت تشعه من تأثيرات في المجتمع حتى أضحى الاعتقاد بمحاربتها أمرا مستحيلا، خاصة لما كان لأصحابها من قوة نفوذ، ولما كان لها من استغلال من طرف الأجانب، ولما كان لها من تأثير على الملوك الذين كانوا بدورهم تحت غطاءات إيديولوجية يساندونها ويشجعونها حفاظا على نوع من التوازن السياسي.
من هنا إذن يبرز هذا الوجه الجديد من الإصلاح، وتبرز معه سلفية محمد الخامس الصادقة، وتبرز معه أهمية الأشعار التي تغنت بهذا الإصلاح وبهذه السلفية، وهو إصلاح ينبغي أن نأخذه في إطاره الزمني الصحيح، أي في إطار الصراع السياسي الذي كان يومذاك قائما بين قوات متعددة:
*قوة الطرقية:  التي استغنت شيئا ما عن المجال الديني وشغلت نفسها بالمجال السياسي وأصبحت تشارك في توجيه الأحداث، وإن كانت مشاركتها للأسف قد انتقلت من الإيجابي إلى السلبي.
*-قوة الاستعمار: التي كانت ترغب في ابتلاع الأمة وخلق إمبراطورية على أرض المغرب تضمن لأجيالها البقاء.
*قوة محمد الخامس: التي كانت تسعى إلى إعادة الأمور إلى نصابها خاصة بعد فضيحة تواطؤ رجال الزوايا والطرقية مع الاستعمار بشكل مريب، مما يعني أن سلفية محمد الخامس جعلته يواجه خصمين في آن واحد، خصم الاستعمار الذي قرب أرباب الطرقية واستغل نفوذهم عن طريق تزويدهم بالمال والهدايا، خصم الطرقيين الذي كانوا يستغلون سذاجة الشعب بوعي مزيف.
لهذا كانت معركة محمد الخامس في هذا المجال معركة يحسب لها ألف حساب، إنها معركة استطاع من خلالها أن يحمي الدين من أرباب الطرقية الذين استغلوه لمآرب خاصة ولمآرب تضر بالوطنية وبالقومية، لهذا قال الشاعر "عبد الرحمن الدكالي" في حق جلالته:
هو خير الملوك دينا وطهرا 
        أخذ الملك بالكتاب فإنه
قد حمى الدين من شيوخ الزوايا
        واللسان المبين شر الرطانة(14)
ولهذا أعطى "الحلوي" الدلالة الحقيقية لسلفية ممد الخامس الإصلاحية، حين رأى أن هذه السلفية جعلته في دعوته يخرج عن نطاق الدعاة المتقاعدين
إلى الدعاة المجاهدين، الذين يركبون الصعب، يقول "الحلوي":
بك استرجعت هذه البلاد شبابها
       وعزتها من بعد ضمها القبر
إذا ذكر الإيمان بين دعاته
       وطرت إلى العليا بإيمان عاهل
 يلذ له في الدين مركبه الوعر
      وحلقت يا صقر الفداء فلم يعد
 يقام لذي قدر تحديته قدر
      جهادك ينسي طارقا وابن نافع
  ويضفي عليه المجد أيامك الغر
      إذا افتخر الأبطال بالسيف والقنا
 تكفل بالنصر المبين لك الفكر
      كأنك سيف في يد الله قاطع
 إذا أبرقت ومضائه اندحر الشر(15)
ورجل شأنه هذا الشأن لابد وأن يضحي الإسلام في ظله محمي الحمى، كما يتضح من قول الشاعر "محمد بن اليمني الناصري":
وغدا به الإسلام محمي الحمى
 والشرع فينا ماضينا بمضائه(16)
إن جلالة محمد الخامس لم يحم الدين فقط من شيوخ الزوايا بل حماه أيضا من أعداء الأمة الذين استغلوا نفوذ هؤلاء وحاولوا تشتيت شمل المسلمين وزرع الشقاق والتفرقة في صفوفهم. وجلالته وهو ينتهج هذا النهج إنما كان يجعل من ذكرى عيد العرش ليس مجرد ذكرى وطنية فحسب، بل أيضا ذكرى دينية يتجدد فيها الإسلام ويتجدد فيها التواصل والتشبت به كما يتجلى من قول "عبد الله كنون" وهو يقول:
لعرشك في الإسلام عيد مخلد
       لأنك للإسلام نعم المجدد
جبرت عمود الدين فور انكساره
       وكان عدو الدين في الكسر يجهد
دعا دعوة للجاهيلة تنتمي
       عسى أن شمل المسلمين يبدد
وقال لكم شرع وللقوم غيره
       وما الشرع إلا ما أتى به أحمد
فأحبطت مسعاه وأبطلات كيده
       وكائن تحدى المشركين محمد(17)

ج- المحافظة على الشخصية الوطنية:
والمحافظة على هذه الشخصية جزء من المحافظة على العقيدة، لأن الشخصية الوطنية هي خزائن لتراث الأمة ولأصالتها، تمتزج فيها اللغة والدين والتقليد، وتنصهر انصهارا فريدا يضفي على الشخصية الوطنية طابعا خاصا وسمة متميزة، لهذا قال جلالته رحمة الله عليه: "إن من ضيع لغته ودينه وتقاليده، ضيع كل شيء".(18)
والمحافظة على الشخصية الوطنية كما يبدو من خلال شعر العرش يتم عن طريق:
• تشجيع الثقافة الدينية: ودعم استمرارها والمحافظة عليها، إذ هذه الثقافة هي عماد الطاقة الروحية في الإنسان، وقد رعى جلالته هذه الثقافة خير رعاية كما يتضح من هذه الأبيات وهي "المعمري الزواوي":
تبسم دين بالتعهد صنته
       والزهر علم بالجهود وطيد
كفاك اعتناء بالبالحنفية موقف
       لحفظ كتاب الله مما يبيد
تحث على حفظ وحسن تلاوة
      وتجويد قرآن الهدى فتجيب
تحث على صون الكتاتيب حيثما
       مررت وتعلى بندها ونشيد
تحث على تحسين كرق ثقافة الـ
      ـشباب فيزكو بالنهى ويجود
ومن هذب النشأ الكريم بمبدأ الـ
       ـكتاب اعتلى فوق السماك يسود
ومهما تكن تقوى الإله دعامة
       الخلائق تجن المجد وهو بعيد(19)
• الحفاظ على لغة الضاد: لأنها لغة الدين والبيان ولأنها لغة تجسد الشخصية المغربية في أبعاد تفكيرها، ولأنها لغة "منيت في القرون الأخيرة بنكبة خطيرة نتيجة التغلغل الاستعماري الذي جعل من أبرز أهدافه ومكوناته تجاوز اللغة القومية،(20) لهذا دافع جلالته عن سموها بكل قوة. يقول "الحلوي":
يا ابن من دوخ البلاد ومن شد
 د للدين والهدى بنيانا
أنت أعلى من ذب عن لغة الضا
 د وأغلى من قدس الأديان(21)
* الحفاظ على الوحدة العنصرية: لأن فيها حفاظ على الدين ومقوماتها الإسلام، والوحدة العنصرية هي طابع روحي فيه من ارتباط وتعلق بالعرش ما يجعل العنصرين البربري والعبي في المجتمع المغربي عنصرين متلاحمين، لأن العرش بالأساس هو حماية لأقدس ما يجمع بين العنصرين ألا وهو الإسلام يقول "علال الفاسي" في أحد أناشيد العرش:
كلنا من عربي
 خالص أو بربري
قد تعلقنا بعرش علوي
 واعتصمنا بلوائه
كلنا في سره أو عند جهره
 هاتف يحيا
منعطفه نرجو رفعة المغرب من أجل ذا ندعو أيها السلطان عش
وليحيى المغرب بكم
 وليحيى الإسلام به(22)
ولعل الاستشهاد بالنشيد إنما هو مناسبة للقول بأن هذا الأخير ساهم بدوره في بلورة مفاهيم رؤى الخطاب الشعري بطريقة جعلت هذه المفاهيم والرؤى تصل إلى كافة طبقات الأمة وعلى اختلاف مستوياتها، مما ساهم في بلورة الوعي بالقضايا التي اقتضت من الأمة تجنيدا تاما للدفاع عنها، فالنشيد في النهاية استطاع أن يصل بالخطاب إلى عمق ذاكرة الشعب، بعد أن عزز بألحان حماسية لم تكن إلا لتزيد المستمع تأهبا وحماسا ومشاركة.

د- الحفاظ على أكبر المعالم الإسلامية: وفي طليعتها الاعتناء بالمساجد بناية وتحسينا وتنظيما لما ترمز إليه من ارتباط بالدين وتمجيد للإسلام ولما ترمز إليه من معاني السمو الحضاري، بالإضافة إلى ما تقدم للمؤمن من ارتياح روحي ناتج عن الذكر والوعظ يقول "معمري":
بنيت لنا مساجد في صنيع
       تبختر في بدائعه الحسان
تدل منارة الآذان قوما
    برفعتها على خير المعاني(23)
ويقول علال الفاسي:
      وأسس في البيضاء أعظم مسجد
 سيمرح في أمحاء المؤمن البر(24)
إن هذه المظاهر الإصلاحية ذات الأبعاد الدينية من حفاظ على الشخصية الوطنية إلى الحفاظ علىالمعالم الإسلامية إلى تصحيح مسار العقيدة، هي مظاهر تشكل بالنسبة لجلالة محمد الخامس – وكما يبدو من خلال النص الشعري – "قضية الهم السلفي" وهي قضية يمكن أن نطرحها على الشكل التالي: كيف باستطاعة المرء الذي قلده الله أمور رعيته أن يعيد مجدا لأمة فقدت مجدها؟ وكيف باستطاعة هذا المرء أن يعيد مجدا لأمة تحت رحمة أنياب الاستعمار؟
هنا يكمن السؤال، وهنا يكمن الموقف السلفي الصحيح عند جلالة محمد الخامس، وهو موقف لا يمكن فقط في التوفيق بين الدين والدنيا فحسب، بل في التجديد فيهما أيضا:
لأمر الدنيا والدين جئت مجددا
       يؤيدك التوفيق والمنعم البر(25)
فمن خلال هذا الموقف السلفي المتطور أدرك جلالة محمد الخامس أن عودة هذا المجد لن يتحقق في غياب مشروع فكري يهتم بكافة مجالات الحياة سواء منها السياسية أو الاقتصادية أو الدينية أو الاجتماعية، لأن هذه المجالات جميعها تشكل البناء الحقيقي للشخصية الإنسانية والمجتمعية التي تطمح إلى إعادة هذا المجد.
وإذا كنا ونحن بصدد الحديث عن هذا المشروع قد أغفلنا الجانب الاقتصادي، فإن هذا لا يعني أن هذا الجانب ليس حاضرا في أشعار شعراتنا وفي برامج جلالته، بل بالعكس هو حاضر، لكنه حاضر في المقام الثاني، فجلالته حين أفرغ من قضية العلم واطمأن على سيرورتها ونهجها ونتائجها وجه عنايته إلى الاقتصاد قائلا: "وكما... بذلنا أقصى الجهود في سبيل تثبيت فكرة الإقبال على العلم في نفوس رعايانا، فإننا نريد من شعبنا أن يلتفت بجد إلى شؤون اقتصاده إذ لم تكن تلك الجهود إلا وسيلة للمرحلة الثانية التي هي التقدم في سبيل الاقتصاد بكل أنواعه الثلاثة من فلاحة وصناعة وتجارة، على أننا إذا جارينا الناس في تلك الميادين إنما نقتدي بسلفنا الصالح الذي لا نزال كل أقطار المعمور تشهد بتفوقهم في كل مجاري السعي البشري".(26)
لهذا فإن عناية شعراتنا بهذا الجانب جاءت في المقام الثاني، وليس لهذا فحسب، بل لأن كثيرا من شعراتنا كانوا يعتبرون قضية الاقتصاد جزءا من قضية العلم وقضية التطور بصفة عامة، لأي أنه متى
ما نشأت نهضة علمية إلا ونشأت معها نهضة اقتصادية موازية لها.
وما دمنا بصدد الحديث عن هذا الجانب فقد آثرت أن استشهد عليه بأبيات "لمعمري الزواوي" وهي أبيات تستشف منها طبيعة التفاعل القائم والموجود بين الخطاب الشعري العرشي وخطاب العرش بصفة خاصة، وهو تفاعل يبث أن شعرءنا كانوا يستلهمون بدقة كبيرة معاني وكلمات وآراء وتصورات جلالته، مما يدل دلالة قاطعة على أنه لم يكن هناك حدود فاصلة بين الخطابين، بل بالعكس كان هناك حدود فاصلة بين الخطابين، بل بالعكس كان هناك لقاء وتقارب حسيم بينهما وهو ما يمكن الوقوف عنده من خلال عقد مقارنة بين هذه الأبيات وبين قولة جلالته السابقة. يقول المعمري:
شجع العاملين قول وفعلا
       ليهبوا من السبات المعادي
سهل الاتجار إذ هو ينبو
       ع اليسار السبيل نحو المفاد
مرشدا أن ثروة القوم سير
       لسهول النهوض والتصعاد
باشر السعي في الفلاحة حتى
       ينهج الناس فيه خير اعتداد
إذ من الأرض منبت السعد والوفر الذي لا يقل بالانفاد شجع الصنع حافظا لتراث السلف الماهر الطويل النجاد.(27)
وإذا كان لكل مشروع نتائج فإن هذه النتائج قد تكون إيجابية وقد تكون سلبية، ولكن درجة الإيجابية والسلبية تبقى رهينة بقدرات صاحب المشروع.
بالنسبة لمشروع محمد الخامس وهو مشروع نهضوي تحرري فإن نتائجه الأولى إلى أن تم القضاء على الشعوذة والتدجيل، وثم القضاء على الأمية والتخلف، فانطلقت المرأة إلى معترك الحياة تنعم بحريتها واستقلالها، وانطلقت مواجهة الذات في شتى المجالات.
وأمام هذه النتائج الأولية أدرك الشعب أمرا هاما... أدرك أنه شعب سوف يحقق مطامحه وسوف يبلغ أمرا:
بك قد جدد اليقين فأضحى
       مومنا بالبلاد بالعرش برا
عرف اليوم أنه بك شعب
       سوف يسمو وسوف يبلغ أمرا(28)
,امام هذه النتائج أيضا صار الإحساس بالرقي يفرض ذاته، بعد أن توسعت مجالات هذا الرقي، وبعد أن خطت الأمة في هذا المجال خطوات كبيرة جعلت الشعب يطمح ويتطلع إلى العزة وإلى المجد الأكبر:
أمولاي هذا الشعب في عهدك ارتقى
       وصافح من آماله كل شارد
ولازال يرجو ما يمكن عزه
       وتحمي له من مجده كل بائد(29)
بل صار التطلع إلى الوثيقة الكبرى أمرا لا مفر منه بعد أن وعى هذا الشعب حقوقه وواجباته:
وثبت بنا للمجد وثبتك التي
      تهيئنا من بعد للوثبة الكبرى(30)
وبالفعل لم تكن المعركة الاقتصادية والاجتماعية والدينية إلا تمهيدا للوثبة الكبرى، تمهيدا لصوت المعركة السياسية حادا، صلبا، مقلقا، مزعجا، لأن هذا الصوت كان صوت معركة حضارية، معركة مجد وحرية واستقلال، خرج منها محمد الخامس منتصرا بعد أن لاقى المحن والنفي والتشريد.
وهي معركة لها فصول متعددة، كما أن لها بداية ونهاية، لكنها كانت "أعظم من كل معركة أخرى نازل الملك فيها الإستعمار وأعوانه وتحدى إدارة الحماية مما أحبط مشاريعها وجمد خططها التي كانت تريد تفكيك وحدة المغرب والقضاء على عروبته وعلى دينه"(31).
إنها في النهاية معركة مصير ومعركة وجود خاضها محمد الخامس وهو أعزل من كل سلاح إلا من سلاح الفكر والتقوى والصبر والإيمان بالنصر.

(1)  من خطاب العرش لسنة 1964 / انظر "خطب صاحب الجلالة الملك محمد الخامس"، ج: I، ص: 261.
(2)  انظر "شذرات تاريخية" لبعبد الله الجراري، ص: 94
(3)  من خطاب العرش لسنة 1946.
(4)  "محمد الخامس المثل الأعلى للمقاومة"، ص 11
(5)  ديوان علال الفاسي، ج 1/105-106
(6)  جريدة "الرأي العام" عدد 177/4/24 نوفمبر 1950
(7)  من قصيدة "عاش المليك المصلح المجواد" لسنة 1947
(8)  من قصيدة لمدرسة الأميرة للاعائشة بسلا نشرتها "جريدة الرأي العام" عدد 177/4/14 نوفمبر 1950
(9)  "الحسن البونعماني": "جريدة التقدم" عدد: 59/3/9 دجنبر 1940
(10) الندوة الدولية حول محمد الخامس الملك الرائد، ص: 281
(11) "محمد الخامس دراسات وشهادات"، ص: 49
(12)  من خطاب العرش لسنة 1951 انظر "خطب صاحب الجلالة الملك محمد الخامس"، ج: I/356.
(13)  انظر "تااريخ المغرب في القرن العشرين" لروم لاندو، ص: 138.
(14) من قصيدة "وحي الضمير" لسنة 1952.
(15)  ديوان "أنغام وأصداء" ص: 252 – 253.
(16)  انظر "جريدة الشعب" عدد: 112/1/18 نوفمبر 1952.
(17)  انظر ديوان "لةحات شعرية" ص: 57.
(18)  انظر "خطب صاحب الجلالة الملك محمد الخامس" ج: 1/ 184.
(19)  ديوان "حسن الوفاء" ص: 122
(20)  "دعوة الحق" عدد: 284 يوليوز 1991 – ص: 94
(21)  "ديوان أنغام وأصداء"، ص: 196.
(22)  "ديوان علال الفاسي" ج: 1/ 109، تحقيق عبد العلي الودغيري.
(23) انظر ديوان "حسن الوفاء" ص: 112.
(24)  انظر ديوان "علال الفاسي"، ج: 1/106.
(25)  محمد الشرايبي – "رسالة المغرب" عددان 37-38/8/17 نوفمبر 1949.
(26)  من خطاب العرش لسنة 1944/ انظر "خطب صاحب الجلالة الملك محمد الخامس" ج: 1/236.
(27)  انظر "ديوان العرش" ص: 10 – كذلك "السعادة" عدد: 6826/43/22 نوفمبر 1946.
(28)  "علال الفاسي" – ديوان العرش، ص: 25.
(29)  " محمد المهدي الحجوي"... "السعادة"، عدد: 4491/20 نوفمبر 1937.
(30)  "محمد الحلوي" أنغام وأصداء"، ص: 151.
(31)  "محمد الخامس دراسات وشهادات"، ص: 49.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here