islamaumaroc

المخطوطات بالمغرب مخطوطات الخزانة الحسنية_ نموذجا_

  أحمد شوقي بنبين

العدد 364 ذو الحجة 1422/فبراير 2002

يجمع الباحثون على أن الحضارة الإسلامية في جوهرها ومضمونها حضارة كتابة وتأليف، ويشهد الجميع بالدور البارز الذي لعبه المخطوط العربي في نقل حضارة وثقافة الإنسان العربي في مختلف البلاد العربية والإسلامية، وكان المغرب من أبرز هذه الدول التي تجمع لديه رصيد مهم من التراث المخطوط، وذلك لأن المغاربة كانوا مولعين بالبحث والتنقيب عن الكتب يرحلون من أجل الحصول عليها، ويرسلون البعثات قصد اقتنائها واستنساخها والاستفادة منها، وكان نتيجة هذا الإقبال اللامحدود على الكتاب، وهذا الحرص على العثور على النسخ الأصلية أو الصحيحة المضمون أو المصحوبة بالإجازات والسماعات وغيرها، هي أن المغرب يحتفظ اليوم برصيد من المخطوطات يمتاز بنوادره ونفائسه يكاد يميزه نسبيا عن الأرصدة المحفوظة في مختلف خزانات الكتب في العالم. وسنحاول في هذه العجالة أن نتتبع مسيرة المخطوط العربي في المغرب من خلال حديث موجز ومركز عن " الخزانة الملكية " التي تعتبر اليوم من أغنى خزانات الغرب الإسلامي من حيث محتواها وعدد عناوينها وقيمتها التاريخية والفنية.
إن أي حديث عن مخطوط لن يتم إلا في إطار مؤسسة رعته وحفظته وصانته للعلماء والباحثين، وقد كانت أول مؤسسة في المغرب اعتنت بالكتاب المخطوط هي " الخزانة الملكية " التي أسسها لأول مرة " الشرفاء الأدارسة " منذ العصور الإسلامية الأولى، كان ظهور الأدارسة على مسرح الأحداث في المغرب سببا في جلب العديد من العلماء سواء من المشرق أو إفريقية أو الأندلس حبا في التقرب من سلالة رسول الله عليه الصلاة والسلام والانتفاع ببركتها ونفحاتها، ولم يذخر هؤلاء الشرفاء وسعا في اقتناء الكتب واستنساخها ومراسلة العلماء الأعلام، وخلق كراسي علمية في المساجد والجوامع.
فقد جاء في كتاب المسالك للبكري أن الخليفة "أحمد لبن قاسم الإدريسي" دعا الشاعر والعالم الكبير "بكر ابن حماد التاهرتي" للاستقرار بمدينة فاس وتدريس العلوم " بجامع القرويين " الحديث العهد، ومـا  أخال هذه الحركة الثقافية إلا أنها تمخضت عن رصيد من المخطوطات دخل المغرب رفقة هؤلاء العلماء الأفذاذ واستقر بمكتبات عامة وخاصة لم يفصح عنها ما بقي بين أيدينا من مصادر ووثائق، وقد تمخضت هذه الحركة أيضا عن وضع مؤلفات لم نعرف عنها اليوم إلا العناوين، وذلك بإيعاز وتشجيع من البلاط الإدريسي الذي بات ينافس كلا من البلاط العباسي وبلاط بني رستم بتاهرت. (1)
وقد بلغت هذه الحركة أوجها على عهد الخليفة " يحيى الرابع الإدريسي " الذي تم الاستقرار السياسي في أيامه، وأحاط نفسه بمزيد من العلماء، وذلك لأنه كان عالما ومحبا للعلم، يتحلق حوله العلماء للحديث والمناقشة، ويؤكد " البكري " في " المسالك " أنه كان بقصر هذا الخليفة عدد كبير من الوراقين ينسخون الكتب برسم خزانته التي يمكن اعتبارها أول خزانة خاصة لعبت دورا أساسيا في جلب واستنساخ وتجميع المخطوطات بالمغرب، كما كانت نواة الخزانات الملكية والمثال الذي احتذاه الملوك منذ العصر الإدريسي إلى اليوم، ولم تعد المصادر لتحدثها عن المكتبة الملكية إلا على عهد المرابطين الذي تم فيه تمازج كبير بين الحضارتين الأندلسية والمغربية، وانتقل العديد من علماء الأندلس إلى المغرب، كما جلب الكثير من الكتب، وذلك في سبيل إشاعة الثقافة بين الناس وتلبية رغبات العلماء الباحثين والمؤلفين، فإذا كان " يوسف بن تاشفين المرابطي " قد حمل إلى المغرب خلال رحلاته إلى الأندلس الكثير من المخطوطات العربية التي يبدو أنها جزء مما تبقى من خزانة الأمويين الشهيرة بقرطبة ومجموعات أخرى من خزانات ملوك الطوائف الذين كانوا يتنافسون في جلب العلماء وتجميع الكتب والخزانات، فإن ابنه الخليفة " علي ابن يوسف " هو الذي وضع أسس الخزانة الملكية المغربية بصفة عامة، ولا تزال مكتباتنا إلى اليوم تضم ضمن محتوياتها كتبا تنسب إليه أو كتبت برسم خزانته الخاصة " كالموطأ " التي تحتفظ به "خزانة القرويين" والذي نسخه للخليفة في مراكش "يحيى بن محمد بن عباد اللخمي" عام 503 هـ، حسب ما جاء في ظهر الجزء الحادي عشر من الكتاب المذكور.
 وقد كانت كتب علم الفروع تمثل أكبر نسبة من محتويات الخزانة المغربية آنذاك، بدليل مايقوله "المراكشي" في "المعجب": "ولم يكن يقرب من أمير المسلمين ويحظى عنده إلا من علم علم الفروع لأعنى فروع مذهب مالك، فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب وعمل بمقتضاها ونبذ ماسواها".(2)
 وإذا كان الخوض في الفلسفة وعلم الكلام يعتبر بدعة في عهد المرابطين والذي تكاد خزاناته تخلو من هذا النوع من الكتب، فإن الخزانة الملكية في العصر الموحدي قد تجاوزت سمعتها حدود المغرب، وذلك لغناها وتوفرها على آلاف الكتب في جميع مجالات المعرفة، وعلى الأخص منها كتب "العلم والفلسفة". إن هذه الخزانة حسب "المقري" قد بلغت محتوياتها أربعمائة ألف مخطوط، نسبة المخطوطات العلمية والفلسفية خمسون في المائة، وقد تحقق هذا على عهد "يوسف بن عبد المومن الموحدي" الذي كان مولعا بالعلم والفلسفة، وقد شبه القدماء هذه الخزانة بخزانة "الحكم المستنصر الأموي" في "قرطبة" في القرن الرابع الهجري، يقول "المراكشي":
"ولم يزل يجمع الكتب من أقطار الأندلس والمغرب، ويبحث عن العلماء وخاصة أهل علم النظر إلى اجتمع له منهم ما لم يجتمع لملك قبله".(3)
 وقد بلغت الخزانة الملكية أعلى مكانة في تاريخها ابتداء من القرن الثامن الهجري حتى الوقت الحاضر، وقد كان هذا التطور نتيجة عوامل كثيرة ساعدت على إيجاد حركة ثقافية كبرى مكنت الخزانات المغربية من ضم ما لم تستطع أن تضمه من كتب في العصور السابقة، وكانت لهجرات علماء "الأندلس" إلى المغرب الذين أرغموا على مغادرة "الفردوس المفقود"، الأثر الكبير في تطوير الحركة الثقافية في المغرب وإثراء خزاناته بالمخطوطات التي أصبحت تتوافر إما عن طريق التأليف أو الانتساخ أو التبادل أو الترجمة أو الاقتناء. كما جلب الاستقرار السياسي الذي يكاد ينفرد به المغرب في تلك العصور خصوصا في القرن السادس عشر العديد من علماء "المدينة"، و"مكة" و"الشام"و"تركيا" و"إفريقية" و"الصحراء"، فوضعوا الكتب ونسخوها بتشجيع من الخلفاء الذين كانوا لا يألون جهدا في البحث عن المخطوطات في جميع الأقطار. وأكتفي هنا بذكر الخليفة السعدي "أحمد المنصور الذهبي" والعالم السوداني "أحمد بابا التمبكتي"، فلكليهما الفضل الكبير في إثراء الخزانة المغربية، يقول "الإفراني" في حق "المنصور الذهبي":
 "ومما تميز به تيها وعجبا خزانته على سائر الخزائن الملوكية، تآليف الفاضل العلامة الراحل "أبي جمعة سعيد ابن مسعود الماغوسي" التي منها "شرح لامية العجم" أملى بعضه أو كله في المشرق وهذبه في المغرب وخدم به "المنصور" وله شرح على درر السمط "لابن الأبار"، إلى أن قال: "وكانت "للمنصور" عناية تامة باقتناء الكتب والتنافس في جمعها من كل جهة، فجمع من غرائب الدفاتر ما لم يكن لمن قبله و لا يتهيأ لمن بعده مثله وجل كتبه طالعه وتفهمه ووقف عليه بخطه ونبه على الغامض وشرح الغريب".(4)
 ومما يدل على اهتمام "المنصور" بالكتب وولعه بها وحرصه على الحصول عليها تلكم الرسالة التي بعث بها إلى الأديب البارع "أبي زيد عبد الرحمن الحميري":
 "... فصرفتهم في جانب الوثوق بكم في أهم أغراضنا وفي الكتب العلمية التي توثر اجتلابها واذخارها على كل أكيد، و نحل أمرها من التفاتنا واعتنائنا بأقرب من حبل الوريد. هذا وأنه ينتهي إليكم إن شاء الله على أيدي خدمتنا دفتر قيدنا فيه بعض ما تذكرناه في الوقت من الكتب، فبحسب ولو عنا بهذا المقصد الكريم نعهد إليكم لأجل ما تعلم من حرصكم على تحصيل ما يرضينا أن تصرفوا وجه اعتنائكم لجمعها لنا، فما تيسر ابتياعه عجل على أيديكم تحصيله إن شاء الله، وما لم يتفق سوى انتساخه فتوكلوا فيه على الله مع التأنق في روائع الخطوط والعمل العجيب الذي ترون مناسبته لعلائنا، ثم ما عسى أن تحدوه مما لم يدرج في الزمام، وكان لائقا لعلائنا فأنتم المشكورون في جمعه لجنابنا الحسني عملا على شديد حرصنا في انتقاء الكتب العلمية والاستكثار منها، ولسنا نعادل شيئا من الأعمال بالسعي في تحصيل غرضنا في الكتب العلمية وأنتم لا يعوزكم ما تريدون جمعه لنا إن شاء الله، ويصلكم مع هذا المدرج إعانة لبعض ضرورياتكم الوقتية مائة مثقال نضارية".(5)
إن هذه الخزانة التي بذل المنصور الذهبي جهدا كبيرا في إغنائها بنفائس المخطوطات قد آلت إلى "الإسكوريال" على عهد ولي عهده "زيدان" حينما تم اختطافها على يد القراصنة الإسبان في بداية القرن السابع عشر (1612 م).
وقد تفرق ما بقي منها على أيدي الإخوة والأعمام وأبنائهم، حتى قيل إن كل كتاب في المغارب الثلاثة بعد المائة والألف، فأصله من الخزانة السعدية الزيدانية، ويضيف "المختار السوسي" قائلا: "ولم يبق عندنا من تلك المكتبة سوى عشرين كتابا في هذا العصر الحاضر".
ويجدر بنا أن نذكر أنه ابتداء من القرن الثامن الهجري، واعتبارا للعوامل السالفة الذكر، أن الخزانة المغربية قد بلغت أوج تطورها وازدهارها في تاريخ المغرب الثقافي، فإلى جانب "الخزانة الملكية" التي نتتبع من خلال تاريخها مسيرة المخطوط في المغرب، قد ظهرت – ولأول مرة – خزانات أخرى لعبت دورا كبيرا في تطور الثقافة، وفي الحصول على الكثير من المخطوطات التي لا تزال تفتخر بها مكتباتنا المعاصرة، إنها خزانات المساجد الجامعة كالقرويين بفاس، وابن يوسف بمراكش، وخزانات المدارس العتيقة، وخزانات الزوايا التي انتشرت في مختلف جهات المغرب ولا يزال بعضها إلى اليوم يضم مجموعات نادرة كتلكم التي تحتفظ بها زاوية تامكروت بجبال الأطلس والزاوية الحمزاوية بجبل الحديد.
ولم يكن الملوك العلويون بأقل اهتماما من الشرفاء السعديين بالمخطوطات وإثراء خزاناتهم الخاصة بالكتب النادرة اقتناء وإهداء واستنساخا، ومما يبرز هذا الاهتمام، وهذا الولع هو ما ينسب للسلطان المولى الرشيد الذي يعتبر مؤسس هذه الدولة من بناء ديوان الوراقة ألحقه بالخزانة السلطانية، وذلك لاستنساخ المخطوطات قصد إغناء مجموعته الخاصة، وقد أضاف إلى خزانة التي كان مقرها بفاس عاصمة ملكه محتويات خزانات الزوايا التي رأت نهايتها في عهده وعلى الأخص منها "خزانة الزاوية الدلائية" ومجموعة أخرى من كتب "الزاوية الحمزاوية". إن هذه المحتويات هي التي كانت نواة الخزانة الملكية العلوية نماها وطورها من جاء من الملوك بعد المولى الرشيد ومما يدل على عناية هؤلاء السلاطين بالخزانة وبالمخطوطات، هو إصدار الظهائر في شأن الاهتمام بها وتعيين الوزراء والقضاة على رأسها كتعيين "الوزير أحمد ابن الحسن اليحمدي" أمينا لخزانة المولى إسماعيل الخاصة، حسب ما جاء في كتاب سنى المهتدى "للزرويلي".
وقد كان الأمراء والأميرات يتنافسون ويتباهون بتجميع المخطوطات والحصول على النفيس والنادر منها، الشيء الذي جعل المغرب اليوم من أكثر الدول العربية والإسلامية حفاظا على النوادر المخطوطات.
ويلاحظ ابتداء من القرن التاسع عشر (6) أن "الخزانة الملكية" أصبحت تميل إلى نوع من التخصص، فتكون معظم محتوياتها حسب التخصص الذي يميل إليه أو يهتم به الخليفة القائم، فتبذل الجهود للبحث عن كتب ذلك العلم أو الفن بأي ثمن. وفي أي جهة كانت. يحدثنا "الزياني" في "الروضة السليمانية"  أن السلطان المولى سليمــــان (1822 م) كان يحب التاريخ ومولعا بقراءة كتبه ومصنفاته، فكانت أغلب محتويات خزانته كتب أنساب وتاريخ وتراجم.
وتحدثنا المصادر كذلك أن خزانة السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن كانت أغلب كتبها كتب علوم لأن هذا الملك كان شغوفا بهذا النوع من الكتب، وكان ابنه السلطان الحسن الأول أكثر شغفا من أبـيه بكتب العلوم وكتب علم الكيمياء (Alchimie) على وجه الخصوص، يحدثنا الشيخ "عبد الحي الكتاني " أن هذا السلطان كان يجلب مخطوطات الكيمياء من خزائن جامع القرويين وإسبانيا واصطنبول بتركيا وأخيرا من الخزانة الخديوية بالقاهرة. (7)
يبدو من خلال ما تقدم أن تجميع التراث المخطوط قديم في المغرب، وأن المغاربة بدأوا يهتمون بهذا التراث منذ العصر الإدريسي يجمعونه بكل الوسائل المتاحة. وفي القرن التاسع عشر حينما أصبح المغـرب البلد العربي والإسلامي الوحيد تقريبا الذي لم يخضع بعد للاستعمار الغربي ظل الباحثون، غربيين ومشارقة، يعتقدون أن المغرب لما كان يعرف عنه من غنى محتويات خزاناته واهتمام علمائه وملوكه وأهله عمومــا بالمخطوطات هو البلد الذي يمكن أن يجدوا فيه ضالتهم،وأن كل مخطوط تعذر العثور عليه في الخزانات الشرقية والغربية قد يكون مصونا في المغرب.
يبدو من خلال ما تقدم أن تجميع التراث المخطوط قديم في المغرب، وأن المغاربة بدأوا يهتمون بهذا التراث منذ العصر الإدريسي يجمعونه بكل الوسائل المتاحة. وفي القرن التاسع عشر حينما أصبح المغرب البلد العربي والإسلامي الوحيد تقريبا الذي لم يخضع بعد للاستعمار الغربي ظل الباحثون، غربيين ومشارقة، يعتقدون أن المغرب لما كان يعرف عنه من غنى محتويات خزاناته واهتمام علمائه وملوكه وأهله عموما بالمخطوطات هو البلد الذي يمكن أن يجدوا فيه ضالتهم،وأن كل مخطوط تعذر العثور عليه في الخزانات الشرقية والغربية قد يكون مصونا في المغرب.
هذا "علي باي العباسي" يحكي في رحلاته إلى "أفريقيا" و "أسيا" أنه رحل إلى المغرب ليبحث في خزانة جامع القرويين عن ترجمة عشريات المؤرخ اللاتيني "تيطوس ليفيوس" (Titelive) التي يظن معظم الباحثين أنه محفوظ في المغرب، وهذا المستشرق الفرنسي "ليفي بروفنسال" الذي قضى سنين عديدة في البحث عن عشريات المؤرخ اللاتيني ولم يعثر عليها، أكد اقتناعه بنقل الكتاب جزئيا أو كليا إلى العربية، وأنه محفوظ في مكان ما في المغرب، ودليله على ذلك هو أن ابن خلدون قد استفاد منه واعتمده مصدرا أساسيا في وصفه لمعركة "كــــــــــــان" (216 م)  (Cannes) التي واجــه فيها القرطاجــيون بزعـامة "هــانبـال" (Hannibal)دولة الرومان برئاسة "فارون" (Varron) وهزموهم شر هزيمة. وأخيرا هذا المستشرق "هنري دوكــستـــري"    ( H.de Castries)   ينشر في كتابه : المصادر الدفينة لتاريخ المغرب (S.I.M.H)  وثائق تثبت أن المغرب يحتفظ بمخطوطات "لاتينية ويونانية" وأنها ستكتشف يوما في خزانة من خزاناته العديدة، والوثائق المشار إليها في كتاب هذا العالم يرجع تاريخها إلى القرن السابع عشر للميلاد.
وعلى الرغم مما ألم "بالخزانات المغربية" من الغير والآفات وما إنتابها أحيانا من النهب، أودى بالكثير من المخطوطات وشتت شمل أكثر الأسفار إنتقل عدد منها ليس باليسير إلى المكتبات الغربية أو دخل في حوزة بعض الخاصة، فإن الخزانات المغربية لا تزال تحتفظ بالعديد من النوادر والفوائد.
وتعتبر "الخزانة الملكية" في المغرب بكل فروعها من أغنى خزانات الغرب الإسلامي ليس فقط باعتبار محتوياتها التي تناهز عشرين ألف مخطوط، ولكن باعتبار الفوائد التي تحتفظ بها مثل الجزء الخامس من "المقتبس" لابن حيان الأندلسي (نسخة فريدة في العالم) ومقدمة ابن خلدون التي بعث بها المؤلف نفسه من مصر إلى ملوك المغرب.
وبفضل الجهود التي بذلها أسلافنا من العلماء والشيوخ والملوك والأمراء والوزراء في تجميع المخطوطات تتوافر المكتبات المغربية على مؤلفات الأندلسيين والأفارقة والسودان الغربي، والليبيين والمصريين والشاميين والعراقيين والهنود والإيرانيين ومسلمي الإتحاد السوفياتي واليهود وحتى بعض مخطوطات اليونانيين واللاتينيين التي تمت الإشارة إليها فيما سبق. 
وبالإضافة إلى ما وضع من فهارس لمحتويات خزانات المغرب وإلى الجهود المشكورة التي تبذلها الخزانة العامة المغربية في سبيل الفهرسة وترميم المخطوطات فإن الخزانة الملكية قد نشرت بدورها مجموعة من الفهارس كان آخرها فهرس كتب التاريخ والرحلات الذي وضع جزءا منه المرحوم "عبد الله عنان"، وقمنا نحن بتصحيحه وإعادة طبعه مع إضافة جزء ثان ضم المآت من المخطوطات مما لم يتمكن المفهرس الأول من الوقوف عليها، ومما ورد على الخزانة من الأرصدة الخطية الجديدة.
وفي ختام هذا العرض، أهيب بالمهتمين بالتراث المخطوط في العالم العربي أن يعملوا على تجاوز مراحل الجمع والتنظيم والفهرسة والنشر إلى الاهتمام بالكوديكولوجيا أو عليم المخطوطات. إنه العلم الذي أصبح اليوم ضربة لازب لدى كل مهتم بدراسة المخطوط، وهو الوحيد الذي يساعده على الإجابة عن عدد من الأسئلة أو الإشكاليات المطروحة على مستوى المخطوط العربي لم يتمكن حتى الآن من معالجتها ذوو التجربة الكبيرة في هذا الميدان. وعلى الرغم من تعدد الأكاديميات العربية والمعاهد والمراكز العلمية المتخصصة في المخطوط العربي (8) فإن الاهتمام بالكوديكولوجيا لا زال في بداية الطريق، وأن هذا العلم لا زال بكرا في عالمنا العربي رغم الجهود المتواضعة المبذولة في هذا الميدان. (9)
إن التراث العربي المخطوط الذي يعتبر بجميع المقاييس أضخم وأعظم تراث في العالم لا زال يحتاج إلى الباحثين المؤهلين ذوي الكفاءة والتجربة لخدمته، خدمة مخطوطية وفق أساليب علم المخطوطات الحديث ليشتغل به في يسر واطمئنان في مدارج الجامعات وفي المعاهد والمراكز العليا وليهتم به الباحثون والعلماء بعد ما ظل زمنا طويلا رهين المحبس نظائر الزجاج ورفوف المكتبات.


1) بنو رستم: خوارج عاصمتهم تاهرت بالجزائر.
2) "المعجب": 254.
3) "المعجب": 349.
4) نزهة الحادي: "الإفراني"، ص: 122.
5) انظر "الخزانة العلمية بالمغرب" للعابد الفاسي ص: 42-43
6) تجدر الإشارة إلى أنه في القرن التاسع عشر ظهر ما يسمى في أوربا بالمكتبات المتخصصة.
7) "الكتاني": "المكتبات الإسلامية" : مخطوط الخزانة العامة : ك/ 3021 ، استطاع المولى عبد الحفيظ أن يحصل على مكتبة العالم اليهودي "مخلوف أمسلام" التي كانت غنية بكتب علم الكيمياء.
8) من المراكز العلمية التي تهتم بالمخطوطات :
- معهد المخطوطات العربية التابع للجامعة العربية بالقاهرة.
-  مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي بالإمارات العربية.
-  معهد الفرقان بلندن.
-  بيت الباحث العربي بالرياض بالعربية السعودية.
-  مركز البحث وتاريخ النصوص التابع للمركز الوطني للبحث العلمي بباريس: وقد كان هذا المركز السباق والوحيد الذي كان ينشر مجلة خاصة بالكوديكولوجيا. ثم ظهرت مجلة: مخطوطات الشرق الأوسط:  Manuscrits of middle cast
9) على الرغم من تنظيم مجموعة من الندوات حول الكوديكولوجيا المقارنة سواء في اصطنبول (1986) أو في "دوبلن" بإيرلندة (1988) أو واشنطن (1990) أو في القدس (1991) أو في الفرقان بلندن (1993) فإن كلية الآداب بالرباط تبقى السباقة إلى تنظيم ندوة دولية عن المخطوط العربـي وعلم المخطـوطات (Manuscrit arabe et codicologie) في عام 1992 دعت للمساهمة فيها مجموعة من المختصين في إسبانيا وفرنسا وهولندة والمغرب. وطبعت في عام 1994.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here