islamaumaroc

القرويين العالمة بين الأصالة والتجديد

  هاشم العلوي القاسمي

العدد 364 ذو الحجة 1422/فبراير 2002

عندما أصدرت مجلة «دعوة الحق» العدد الخاص بجامعة القرويين مساهمة به في إبراز هذه المعلمة الحضارية العلمية بالمغرب، تقاطرت عليها أبحاث جادة في موضوع الحياة الفكرية والأكاديمية لهذا الصرح الشامخ في التاريخ المغربي المجيد. عند ذلك وجدت مديرية مجلة «دعوة الحق» نفسه معتزة بأن تواصل إصدار أعداد خاصة لتكمل عملية اطلاع قرائها على هذه المؤسسة العلمية الشامخة في تاريخ الحياة العقلية والدينية والروحية في المجتمع المغربي خاصة والعالم الإسلامي عامة.
وهذا العدد الذي نقدمه للقراء الكرام، يهتم بوجه خاص بأحد جوانب القرويين «العالمة»، هذه المؤسسة التي برزت بشموخها الفكري في «العصر المريني»، حيث أصبحت منذ القرن السابع للهجرة رمزا للاحتضان الفكري والتوجيه الديني الإسلاميين بواسطة علمائها الذين توافدوا عليها من «الأندلس» و«بلاد المغرب الكبير» و«إفريقيا جنوب الصحراء»، و«العالم الإسلامي المشرقي». فأصبحت بذلك منارة تضيء وتنير السبل لكل روادها والجهات المتطلعة إلى إشعاعها، فأسست بذلك محطة فكرية لا يمكن تجاوزها في العالم الإسلامي، من جامع مدينة «قرطبة بالأندلس»، والمسجد الأعظم «بمدينة سبتة» في شمال المغرب وجامع «ابن يوسف بمراكش» و«المسجد الأعظم بتلمسان» ثم مدينة «بجاية» و«قسنطينة»، ثم جامع «الزيتونة» بمدينة تونس إلى جانب جامع «عقبة بن نافع بالقيروان»، وجامع «الأزهر الشريف بمدينة القاهرة» المعزية والمسجد الأقصى الشريف، والحرمين الشريفين بمكة والمدينة المنورة، ثم «مسجد الأموي بدمشق»، و«المسجد الأعظم ببغداد»، بالإضافة إلى «النجف الأشرف والكوفة والبصرة».
هذه المؤسسات الدينية لم تكن تؤدي وظيفة الصلاة فقط وإنما كانت تحتضن في مجالسها حلقات علمية يتبارى فيها رجالات العلم والفكر الإسلامي على  اختلاف مشاربهم وآرائهم الفكرية واختصاصاتهم وتوجهاتهم العلمية والروحية. فالقرويين نبتت في إطار إسلامي وعلمي يخدم حضارته ومجتمعه من أجل بناء وحدة روحية متكاملة ذات أبعاد حضارية متماسكة منسجمة متناغمة.
لهذا نجد القرويين قد توجهت في ميدانها المعرفي والعلمي نحو خدمة القرآن وعلومه والسنة النبوية ورجالها والفكر الإسلامي وتفريعات علومه. وهكذا كان هدف المعرفة فيها هو صناعة الإنسان المغربي المسلم السني، وفقا لما رسمه كبار علماء الإسلام الذين اعتمدت أبحاثهم في مجالس علماء القرويين.
وعندما نستقرئ ونتابع تاريخ العلوم التي كانت القرويين تقوم بتدريسها وتعليمها لروادها، نخرج بنتائج متعددة، إلا أن أبرزها في سياق حديثنا، هو ما يمكن أن نطلق عليه «علوم الدين الإسلامي». ورغم أن هذا الإطلاق لا يوجد ضمن مصطلحات تصنيف العلوم التي صنفها به فلاسفة الإسلام ومفكروه مثل «الفارابي» و«ابن سينا» و«ابن رشد الحفيد»، فإن التطور الذي حصل في تاريخ الفكر الإنساني يجعلنا نطلق عليها مصطلحا معاصرا هو «العلوم الإنسانية». فالقرويين الجامعة من القرن السابع للهجرة إلى يومنا هذا في القرن الخامس عشر للهجرة، اعتمدت تدريس هذه المعارف الإنسانية، وإن دخلت عليها بعض الإصلاحات والتوجيهات التي طعمتها بجوانب ومعارف من العلوم الدقيقة البحثة مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء وغيرها (حصل هذا في عهد جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، بعد حصول المغرب على استقلاله مباشرة).
هذا يفرض علينا أن نشير إلى نظام التعليم في القرويين منذ البداية إلى وقتنا الراهن. فقد اعتمد علماء القرويين العالمة في فاس وفي خارجها نظام «التعلم بالمتون وشروحها»، وقد تدرج هذا النظام في جميع مراحل تكوينها بحيث كان العالم يقوم في حلقة درسه بشرح المتن أو ما لخصه «المصنف» في منظومته أو رسالته. وكان طلابه يتابعونه باهتمام بالغ ويحاورونه أحيانا، طالبين منه التبسيط في الشرح والتوضيح، ثم تنتهي حلقة الدرس بسرد الشارح الذي اعتمد في شرح المنظومة أو القاعدة التي كان الفقيه قد شرحها ولقنها لطلابه في حلقة الدرس، وهكذا دواليك إلى أن يختم الفقيه ما كان يريد تعليمه وتوصيله لطلابه. وعلى هذا النسق كان نظام التعليم في القرويين وفي جميع مراحل التكوين بها، فكان الهدف تكوين رجال علماء بالشريعة الإسلامية وعلومها وحفاظ للقواعد وأصول الدين، وما يرتبط بكل ذلك من عقائد وفرائض، وميراث وأصول فقه ولغة وتصوف وقواعد السلوك الديني الإسلامي.
ومنذ أن نشأت القرويين العالمة وهي تعرف إصلاحات، تطورت بتطور المتغيرات التي حدثت في المجتمع المغربي. ويحمل بنا أن نشير إلى أهم الإصلاحات التي عرفتها في عهد الأسرة العلوية الشريفة وأبرزها إصلاح الملك سيدي محمد بن عبد الله (1170- 1204 هـ). فقد عمل على إعطاء القرويين العالمة بما فيها جامع  ابن يوسف، نظاما تعليميا يحدد فيه الاتجاه العقدي الأشعري للمغاربة، وضبط اعتماد المذهب الفقهي المالكي وتطبيقه في نوازلهم وأحكامهم الشرعية، وشجع على تدريس وتعليم علوم العربية التي كانت تعتمد النصوص الأصيلة القديمة والتي كانت تعمل على تربية الإنسان المسلم الأصيل. وبعد هذا الإصلاح الذي ركزه سيدي محمد بن عبد الله في ظهائره ومجالس علمائه، نجد اهتماما متزايدا بالقرويين العالمة، عند ملوك العلويين الذين جاءوا من بعده، وخاصة السلطان مولاي الحسن الأول، الذي عمل على تحديث المعرفة في المغرب عن طريق «البعثات العلمية» التي كان الهدف منها هو إحداث نوع من التلاقح بين مؤسسة القرويين العالمة وبين التأثير الجديد، الذي أخذت رياحه تهب على العالم الإسلامي عموما والمغرب خصوصا. وبعد ذلك جاء عصر السلطان محمد  الخامس طيب الله ثراه (1344 – 1378 هـ) الذي حدث فيه إصلاح كبير في القرويين العالمة، وهو ما عرف ب«النظام» الذي يحدد مراحل التعليم والعلوم المدرسة. ورغم المعارضة التي وجدها هذا الإصلاح، فقد ثبت واستمر بمراحله التعليمية الثلاثة: الابتدائي، الثانوي والنهائي. وأدخلت علوم حديثة نسبيا إلى هذه المؤسسة العتيدة، التي كونت العقلية المغربية والروح الوطنية والدينية، وفقا للاتجاه السني السلفي، غير أن أهم تعديل وإصلاح يوفق بين الأصالة التي اعتادتها القرويين في تعليمها، وبين إدراج وإدخال وتطعيم هذه المؤسسة بعلوم حديثة عصرية تدرس فيها باللغة العربية، هو ما تم بعد حصول المغرب على استقلاله سنة 1374 هـ / 1956 م، حيث دخلت العلوم البحثة وكذلك الفكر الإسلامي والفلسفة إلى نظام التعليم في القرويين، وأحدثت في هذه المؤسسة الجامعة كليات تحافظ على أداء الرسالة التاريخية المقدسة للقرويين: كليتي الشريعة بفاس وأكادير، وكلية أصول الدين بتطوان، وكلية اللغة العربية بمراكش. وقد واصلت دار الحديث الحسنية بالرباط مهمة التكوين المتخصص، في العلوم الشرعية الإسلامية على أساس المذهب المالكي ومنهج الاجتهاد فيه.
نعم، هذه صورة إجمالية لما حفل به هذا العدد من موضوعات تعالج البناء الفكري والعلمي للقرويين، ومع ذلك لم يحظ العدد الذي نضعه بين يدي القراء الكرام بكل ما يبرز أهمية الدور العلمي والفكري العام لجامعة القرويين. وقد عالجت الأبحاث الواردة في هذا العدد موضوعاتها بروح علمية وتوجه نقدي نزيه من شأن ذلك أن يبرز الإيجابيات لهذه الحياة العقلية للقرويين ويحاول أن يقوّم ما يمكن تقويمه بمنطق نزيه ونقد بناء.
ونأمل أن تكون «مجلة دعوة الحق» قد اجتهدت وأصابت ووجهتها المصلحة الوطنية العليا والحفاظ على ركائز المؤسسات الوطنية المقدسة بناء على التوجيهات المولوية السامية التي يقدمها دوما جلالة الملك مولانا أمير المؤمنين محمد السادس، حفظه الله وأيده وأعز أمره، ويعمل معالي وزير الأوقاف الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري على بلورتها في هذه المؤسسة التي رهنت نفسها لخدمة الدين والوطن وتراثنا المغربي الحضاري.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here