islamaumaroc

أخطاء في الفن الشعبي العربي المعاصر

  دعوة الحق

36 العدد

في البلاد العربية الآن تيار ثقافي جديد يطور اليقظة الثقافية العربية التي ظهرت في مطلع القرن العشرين وقبله بقليل وكانت امتداد للأدب الكلاسيكي العربي القديم مع بعض الاندفاعات الرومانتيكية. هذا التيار الجديد يطرح شعارا حيويا وهو أن تكون الثقافة في سبيل الحياة. وبطبيعة الحال فإن الفنون العربية كفرع من الثقافة، تتحمل نصيبها من مسؤولية التعبير عن الحياة والتقاليد الشعبية والتزام التيار الجديد. تقوم الآن محاولات عديدة في البلدان العربية من طرف الفنانين الملتزمين والإنسانيين لإعطاء إنتاجهم الملامح الشعبية سواء من حيث المضمون أو الشكل. إن هذه المحاولات وليدة شعور الفنان العربي بأهمية الدور التي تلعبه الجماهير الشعبية البسيطة في الحياة الاجتماعية والسياسية وتطوير العالم. ولاضطراره أن يجعل لفئة صفة الاحترام مادامت الشعارات الثقافية التي طرحتها التطورات الفكرية الايجابية للقرن العشرين قد أكدت أن الفن الذي يريد أن يحترم نفسه ويكون تعبيرا ايجابيا عن عصره، عليه أن يحتضن ويعانق واقع الشعب في كل بيئة وجد فيها.
أما الفنون التي تخنق نفسها في تمجيد واقع فئات اجتماعية لها، وليس لها دور تشييدي في بناء الحضارة الإنسانية الحديثة ولا تعكس تقاليدها الطبقية السطحية روح التراب الوطني، هذه الفنون عابرة ولن يكون لها أي امتداد تاريخي يذكر. فالفنان العربي إذن أما عن إخلاص لروح الشعب أو لاضطراره كفنان مسؤول للبحث عن آفاق محترمة لإنتاجه، قد بدأ يقوم بمحاولات أولية لخلق فن مرتبط بالواقع الشعبي.
هذه المحاولات هي الآن في مرحلتها الجنينية، الأمر الذي يجعلها ترتكب أخطاء كثيرة ناتجة عن عدم فهم الفنان للمقومات الأصلية للحياة الشعبية، وهذا يجعلنا نلقي سؤالا ذا أهمية:
_ماهي العناصر التي يتوجب على الفنان الغربي الاهتمام بها في حياة الشعب لتسجيلها في فنه؟؟.
أن الحياة الشعبية في أي بلد عربي بتنوعها، تنوعات تفرضها الظروف الاجتماعية والسياسية والتاريخية التي تحيط بها، فهناك ظروف الجهل.. ومخلفات الانحطاط الحضاري السابق ومؤثرات الاستعمار والتخلف والاستغلال، هذه الظروف نراها تنعكس في تقاليد اجتماعية سخيفة وخرقات وتعصب وعادات سيئة وطقوس رجعية، تشكل صورة مؤلمة لجانب من حياة الشعب، صورة لا يرضاها أي إنسان شريف، صورة يجب أن تزول.
وهناك ظروف المعاناة للتخلص من هذه المظاهر، تتجسم في الكفاح البطولي الذي تمارسه الجماهير والعمل الشاق النبيل للقضاء على جهلها وتخلفها، كفاح نجده في الريف والمدن والمصانع والحياة المنزلية، ولهذه الظروف جوانب من المرح الإنساني نجدها في الأعياد والأهازيج الشعبية التي هي فواصل راحة بين أسطر الكفاح المستمر.
في فن التصوير، رسامون عرب عديدون يتزايدون يوما بعد يوم.. يصورون لوحات عن المظاهر الحياة الشعبية، فما هي المواضيع التي يختارونها غالبا؟؟
أن حياة السوق مثلا كثيرا ما تثير الانتباه نظرا لكثرة الألوان وازدحام المشاهد وغناها وتنوع الحركات والحماس الحياتي الغالب عليها، لقد صور السوق الشعبي كثيرا في فن الرسم الغربي المعاصر، لكن أغلب المقاطع التي أخدت له كانت مقاطع عامة تجمع المشهد بشموله مهملة تحليل الجزئيات الضرورية والتعبيرات الوجدانية للأفراد وطابعهم الاجتماعي والطبقي، بحيث يضيع معني الحياة الشعبية للسوق كبحث عن الزق ولقمة العيش، لتصبح كمشاهد سياحية لازدحام سرابي غني الألوان، وما يقال عن السوق يقال عن الأحياء الشعبية أيضا.
أن الرسامين العرب الذين يرتكبون خطأ كهذا يتأثرون إلى حد ما بعقلية الرسامين الأوربيين الذين يلذ لهم تصوير الحياة الشعبية في الشرق، لا من حيث مضمونها الوطني كحياة جماعات تكافح في سبيل لقمة العيش وتحسين أوضاعها المتردية، ولكن من حيث خيالتهم الملونة عن الشرق كأرض ألف ليلة وليلة وهارون الرشيد والإشعاعات اللذيذة والصحراء الجميلة وقافلة الجمال ذات الهوادج.
الرسام الأربي يرى السوق الشعبي كمشهد مجرد خيالي، أما الجماعات كبشر يبيعون ويشترون ولهم واقع قومي وطبقي، فأمر لا يلتفت إلى محتواه.
على هذا القياس، فد يصور الرسام العربي من الحياة الشعبية، المهابيل الفقراء وحمقى الشوارع والأضرحة وكأنهم صورة عن الشعب، وينسى العمال الكادحين والفلاحين المرهقين، أو يصور الجانب الخرافي من الحياة الشعبية كالمشعوذين ومروضي الثعابين ودراويش الزوايا الدينية والناس البسطاء يتبركون بقبور الأولياء.
وقد يلجأ بعضهم إلى تصوير ملاك فلاحي كبير ضانا بأنه يصور الحياة الفلاحية (التي يفترسها الإقطاع والاستغلال.) أو أعمال مرحين خارجين من المصنع بملابس نظيفة يضحكون ضحكات مفتعلة يتوهمها بينما حقيقة حياتهم في المصنع والمجتمع صورة للظلم  وقسوة الحياة، أو متسولا بملابس جميلة الألوان. لقد رأين لوحة لرسام صور فيها الجنايني في الصورة يوحي بأناقة ونظافة ولمعان ملابسه بأنه من هؤلاء السعداء الذين يخدمون في قصور الأغنياء والسفارات الأجنبية. أنها أخطاء كثيرة في التصوير الشعبي العربي الحديث ولعلها تكون وضوحا وتجسيما في فنون السينما والأغاني والموسيقى التي هي الأخرى تقوم بذلت المحاولات الشعبية.
إن بعض الأغاني العربية تسمى شعبية، لماذا ؟؟ لأنها تحاكي الاصطلاحات العامية الدارجة في المدن، ولا يلتقط منها إلا نوع مفكك من الغزل المراهق الأمي الذي لا يرتبط بأية تقاليد قومية وإنسانية للحب الرقيق الشريف الهادف لتكوين أسرة وإنجاب أطفال وإغناء المجتمع.
إن بعض أغاني (المطرب) فلان تسمى شعبية، لكن مضمونها يحكي قصة رجل موله وعاشق لامرأة يتذلل لها وبدرس من أجلها على كرامته ورجولته وبتوسل إليها ألا تقسو عليه وأن تكف عن خيانته.
فهل الحياة الشعبية السليمة تحتوي على رجل من هذا النوع وكأنها المومس في تنقلها ودلالها بين الرجال ؟؟
إن الحياة الشعبية تحتوي طبعا على مظاهر لتحلل والفساد وفقدان القيم. لكن .. هل هده هي المظاهر التي يجب أن يتغنى بها الفن الشعبي وكأنها نماذج للظرف والجمال والحقيقة ؟؟.
ولا شك أن كثيرا من الأغاني المغربية العصرية(الشعبية) تتخبط في ذات الانحرافات، ولا سيما حين نسمع أغنية كلامها شعبي ولحنها أوربي راقص أن أغلب منجزات الغناء العربي الحديث الذي يقال عنه أنه شعبي، غناء لا يرى من الحياة الشعبية سوى وجهها المزيف السلبي الذي يجب التخلص منه لأنه من نتائج جهل وفقر وشقاء الشعب.
لعل النموذج السليم للغناء الشعبي الحقيقي هو ما تغنيه فيروز أحيانا.. والفولكلور اللبناني والأغاني الشعبية الأصيلة في البلدان العربية، والفولكلور المغربي، تلك الأنواع التي تشعرنا بالتقاليد والروح الشعبية الصافية، سواء في حب الإنسان للمرأة أو للأرض أو للحياة.
والسينما العربية التي تتركز حاليا في نشاط السينما المصرية لها نصيب وافر ومؤلم في هذه الأخطاء. ففي المدة الأخيرة شاعت (موضة) الأفلام الشعبية، لكننا في أغلب أنواع هذه الأفلام الشعبية، لكننا في أغلب هذا النوع من الأفلام، نشاهد الأفاقين والمجرمين والسكارى والنشالين والمقاهي التي هي أوكار للفساد الخلقي وتعاطي المخدرات، لا ينكر الإنسان كون الشعب البسيط في المدن يمارس في قطاعات من حباته هذا الواقع المظلم. لكن عل عي حياة الشغب الحقيقية ؟ هل الأفاقون والسكارى نماذج حية للشعب  ؟ وأين الجماهير الفقيرة الباحثة عن لقمة عيشها بشرف وبساطة ؟ ؟ والتي بدل اللجوء إلى النشل والسرقة كحل للفقر تفكر في النضال الجماعي ضد الظلم والفقر.
إن الحديث السابق كان في جملته عن أخطاء المحاولات الشعبية في الفن، من حيث اختيار الموضوع فكثيرا من الرسامين العرب يصورون مشاهد من الحياة الشعبية العربية بألوان وتكنيك أوربي متأثرين بالاتجاهات التي تظهر في باريز وروما ونيويورك، فيكون أسلوب التنفيذ غريبا عن روح الموضوع الشعبي وفي الموسيقى والأغاني نسمع كلاما شعبيا مع نغمات موسيقية فوضوية غريبة راقصة . وفي السينما، أغلب الأفلام العربية التي يزعم أنها شعبية، متأثرة في إخراجها وأسلوب تنفيذها بأسلوب الأفلام البوليسية الأمريكية. فبالإضافة إلى سطحية الموضوع الشعبي نرى التناقض الصارخ بين طبيعة المضمون وطبيعة الأسلوب. والتناقض بين الشكل والمضمون يقع فيه أحيانا حتى الذين ينجحون في اختيار موضوع شعبي سليم لإنتاجهم الفني.
إن إزالة هذا التناقض من السهولة بمكان، لأن الفنون الشعبية التقليدية العربية العريقة بأصالتها وتعبيرها المباشر عن طبيعة البيئة، توفر للفنانين جميعا التقنية الوطنية لمواضيعهم عن حياة شعوبهم، والأخذ بها يحررهم من التبعية للذوق والتقنية الأجنبية.
تلك نماذج مختصرة وسريعة، عن أخطاء وانحرافات المحاولات الشعبية في الفن العربي المعاصر، حيث لا يؤخذ من الحياة الشعبية سوى القطاعات السياحية أو الخرافية أو السطحية التافهة الزائلة.
وإذا كانت هذه الأخطاء تتفاقم الآن إلى حد مؤلم بحكم المرحلة الجنينية التي يجتازها الفن الشعبي العربي الحديث، فإن هناك النقيض التصحيحي لهذا الاتجاه الخاطئ كما ذكرت آنفا، هناك الاتجاه الشعبي السليم الذي ينمو بعمق وقوة ويصارع الأول، يقوده فنانون وأعوان لخصائص الواقع الشعبي كواقع العمل وكفاح ومعاناة ونضال دائب، واقع أفراد بسطاء شرفاء يبحثون عن الرزق والسلام والتحرر، واقع تقاليد قومية حضارية وعواطف إنسانية وفو فولكلور يفيض بنبل والصفاء الوطني وجمال مرتبط بروح الأرض.
إن الأغاني (الشعبية) المزيفة المنحلة التي لا تربطها بالتقاليد الشعبية أية صلة، تنمو إلى جانبها أغان يستروح منها الإنسان عبير الأرض والوطن، ومحاولات في الموسيقية الكلاسيكية السيمفونية تستمد عناصرها من ألحان وأهازيج الفلاحين. والرسوم الحديثة التي لا ترى من الشعب إلا مشعوذيه وخرافاته تنمو إلى جانبها محاولات في الرسوم تعكس الواقع الحقيقي للشعب، بل إن هذه المحاولات لا تتورع حتى عن التعرض السلبي للشعب ولكن بروح نقدية تحليلية واعية تؤكد أن الخرافات والجهل ليست خصائص فطرية للجماهير ولا من صنعها وإنما انعكاسات للظلم والاستغلال الجائم على حياتها، فبإمكان الفن الشعبي المخلص التوجه إلى القيم النظيفة والرديئة في الحياة الشعبية شرط معالجة كل منها بما يلائمها من تبجيل وتقديس أو نقد علمي.
ولقد رأينا في السينما العربية محاولات شعبية جدية، لكنها قليلة جدا بالقياس إلى ماهو سائد.
أن الغلبة بطبيعة الحال في هذا الصراع الإيديولوجي، هي للفن الشعبي السليم، لان الصدق والوعي والذكاء والنضوج هي العناصر المنتصرة في نزاع البقاء مادام البقاء للأصلح.
بقيت ملاحظة .. وهي أن ضمان النجاح السريع الواسع المدى الجذري النتائج للفن الشعبي السليم يستلزم خلق مجموعات واسعة من الفنانين ينبعون من صميم الشعب ويتحسسون خصائصه ومزاياه وآلامه الجمالية، أي من العمال والفلاحين وكل الطبقات المناضلة في إحياء المدن الفقيرة.
لأن أكثر أخطاء وانحرافات الفن الشعبي العربي الحديث (بغض النضر عن المرحلة الجنينية)  ناتجة عن كون غالبية الفنانين الممارسين لهذه المواضيع من أصل بعيد عن واقع الشعب. دفعتهم إنسانيتهم ونقاء ضميرهم ووطنيتهم (والبعض انتهازيتهم) للحماس للمواضيع الشعبية، فكان للفنان الأنفال والنية الطيبة لكن كان ينقصه النضوج والشعور الشعبي الفطري الذي يقود الفنان إلى المزايا الحقيقية للشعب.
إن خلق مجموعات كبيرة من الفنانين تفتح عنهم القاعدة الشعبية يوجب بطبيعة الحال أتاحه المجال للشعب كي يعلم أبناءه ويجد لهم مكانا في المدارس ويتمتع بمجانية التعليم في جميع المراحل الدراسية، يوجب تحسين ظروف حياته وزيادة أجور المستخدمين وإنعاش الفلاحين وتخفيض الضرائب والأسعار، أي تعميم الأوضاع الديمقراطية التي تمكن الشعب من القضاء على مخلفات الماضي ورفع مستوى حياته المعيشية، والحقيقة أن الشعب الفني السليم لا يمكنه أن يتنفس بسهولة ينمو ويتكامل بسرعة إلا في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية تكون لصالح الشعب.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here