islamaumaroc

فن أبي تمام -1-

  دعوة الحق

36 العدد

عندما نتناول بالدراسة جانبا من الشعر العربي، ينبغي أن ننتبه دائما إلى صفتين فيه متلازمتين وهما: أنه أولا ذو خصائص ذاتية تحتاج إلى إيضاح، لا يشاركه فيها أدب من الآداب العالمية الأخرى، وإنما يمتاز بها ويتفوق بحيازتها على سائر الآداب العالمية.
وأنه ثانيا فن إنساني عالمي، وهو من أجل ذلك لابد من أن يشبه الفنون العالمية الإنسانية الكبرى، وتشبهه من  حيت خطوط النمو والتطور الرئيسية.
أما الوصف الأول، وهو أن الشعر العربي ذو خصائص ذاتية يمتاز بها، فيأتي في طليعتها استمراره وبقاؤه الطويل الخالد، مع احتفاظه الدائم بالجدة والنشاط والمرونة الكبيرة. ولم يتح هذا الاستمرار والبقاء لأدب من الآداب الأجنبية المعروفة.
فنحن اليوم في سنة 1961 نحتفل بشاعر عاش قبل اثنى عشر قرنا، ونتفهمه بيسر وسهولة، على رغم صعوبته هو وتعقيده. وذلك أننا ما زلنا نستعمل اللغة التي غنى فيها، ونتداول الألفاظ التي برع في طرافة تركيبها وملائمة بعضها لبعض، كما نتفهم بنفس اليسر والسهولة من أتى قبله من الشعراء منذ اكتمال اللغة العربية واشتهارها القديمين، على حين أن الأمم الأخرى ذات الآداب العالمية، لم يكن لها آداب ولا لغة قبل بضعة قرون. نحن إذن أمام خاصة يمتاز بها الشعر العربي واللغة العربية، وهي الاستمرار والبقاء بل الخلود. وبرغم هذا التقادم الطويل نستمتع في لغتنا وأدبنا وأشعارنا بمرونة عجيبة وحيوية طافحة ودقة لا تتناهى، وخصب وغنى استأثرت هذه اللغة واستأثر أدبها بهما دون سائر اللغات.
    وأما الوصف الآخر، فهو أن الشعر العربي لما كان فنا من أعلى الفنون الإنسانية وأغلاها، لزم أن يكون قد مر بمراحل من التطور كبيرة ومهمة. ذلك هو منطق التاريخ المبرم. ولكن التطور الواسع، الذي أصاب الشعر العربي، كان تطورا خاصا، كان أفضل أنواع التطور. ذلك أن الشعر العربي قد تطور في غضون الأحقاب  المتطاولة الماضية ما شاء أن يتطور، ولكنه أستطاع أن يحافظ مع ذلك على ذاته وجوهره دون أن يلحق به التطور خروجا عن طبيعته الأصلية، وإنما زاده غنى ومرونة وخصبا.
وإذا بدا لنا اقتران هذين الوصفين غريبا، فنحن تجاه شاعر لابد حين ندرس خصائص شعره الفنية من أن نشير تباعا إلى ذينكم الوصفين العامين. سيبدو لنا في فن أبي تمام عناصر التطور الضخم الذي اتسع له أفق الشعر العربي من جهة أولى، وذلك أن أبا تمام أكبر مجدد في الشعر العربي، كما سوف تبدو عناصر الفكر الفنية العالمية في شعر أبي تمام نفسه من جهة ثانية، وذلك كله من خلال بيانه العربي الأصيل المتصل بمرحلته التاريخية.
هذا البيان في عصره جمع رقة بردى، وعظمة النيل، وتدفق الفرات، وغطرسة دجلة، وزركشة بلاد سيحون وجيحون، وتهاويل وادي سيحان وجيحان(1) .
وقد أضاف إلى بياض النهار ونصوعه سواد الليل وغموضه، وإلى متوع الضحى وتألقة تأمل الأصيل وسحره، وإلى روعة العشيات وشجونها انبلاج الأسحار وفتوتها.
ضم إلى كثرة صور الأرض لالاء القمر، وبهاء الشمس، وكبرياء المشتري، وبأس المريخ، وظرف عطارد، وخصائص بقية السيارات والنجوم، كما جاءت أسماء هذه الكواكب جميعها في شعره
وقد ورث كنوز اللفظ، ولؤلؤ الكلم، وإبريز الحرف، وحلي القريض، وماس القافية، وزمرد الظلال، ووهج الألوان، وركب ذلك كله وصقله وحلاه في صنعة جديدة مبتكرة.
هذا فضلا عن كثرة الحركات وبراعة الإشارات، وخفاء التلميحات، وندرة اللهجات، وتنافر المتناقضات ورجع الأصداء القديمة والحديثة.
كان الشعر العربي قد مر نحو ثلاثة قرون على اتساعه واكتماله وتنوع أغراضه وتفنن التعابير فيه. وقد نبع من الشعراء الجاهليين والمخضرمين والأمويين  وشعراء صدر الدولة العباسية من نبغ، وغنى منهم من غنى في أجواز البلاد العربية المترامية، وكأنما كان الشعر ينتظر تطور جديدا  في التعبير وطريقة  الصوغ بعد إذ عرف إرهاصات جديدة على لسان مسلم بن الوليد وبشار بن برد. ولكن رسالة الشعر الجديدة إذ ذاك، إنما قدر أن ينهض بها ويؤديها ذلك الفتى الناشئ الأسمر اللون، الطويل القامة، الأجش الصوت، ذو التمتمة اليسيرة، من قرية جاسم على طرف الطريق الذاهب من دمشق إلى طبرية. وكانت البلاد العربية إذ ذاك أغنى بلاد العالم قاطبة وأكثرها عمرانا، وأشدها تقدما وآلقها حضارة. كانت كنوز الدنيا تحمل إليها وتجبي لها. وكان عصر أبي تمام عصر خلافة الرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق، بلغ العلم والثقافة والفكر فيه أوج الاتساع والرقي والقوة. ويهمنا في الحين بعد الحين أن نربط بعض الشيء بين خصائص فن أبي تمام وبين صفات العصر العامة الذي عاش فيه، أما غنى ذلك العصر فربما يكفي إيراد مثل واحد بارز معروف لتذكير أبهة الحضارة وترف المعيشة وتفنن الحياة. ففي عصر أبي تمام، في سنة 210 هجرية، حصل عرس المأمون على بوران بنت الحسين بن سهل. ويذكر المؤرخون كيف فرش له يوم العرس حصير من ذهب، ونثر عليه ألف حبة من الجوهر، وأشعل بين يديه شمعة عنبر وزنها مائة رطل، ونشر على القواد رقاع بأسماء ضياع، فمن وقعت بيده رقعة أشهد له الحسن بالضيعة. وكان أبو تمام متصلا بأمراء عصره ورجال الدولة، وهو الفقير الذي بدأ حياته حائكا بدمشق ثم صار بمصر يسقي الماء في جامع عمرو، فاطلع على ألوان تلك الحياة المترفة و فانينها. ومن جملة من اتصل بهم ونال جوائزهم الحسن بن سهل هذا، حمو المأمون، والخليفة المأمون نفسه، وكذلك المعتصم من بعده، ثم الواثق وطائفة من قادة الثغور وأمراء البلاد. وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من أن يكون شعره محلى بأنواع الزينة تحلية تلك الحياة التي يحياها أولئك الرجال، مزخرفا بألوان البديع والصناعة زخرفة مجالي العيش الذي يعيشونه. ولا عجب إذا انتبه الشاعر إلى تلك المحسنات البديعية في صنعة متعمدة تظهر فيها أحيانا آثار الدأب والجهد.
    فهو القائل في المديح:
يمدون من أيد عواص عواصم                     تصول بأسياف قواض  قواضب
مجانسا بين عواص وعواصم                     وقواض وقواضب جناسا مذيلا.
وكذلك يقول في النسيب :
وأنجدتم من بعد إتهام داركم                       فيا دمع أنجدني على ساكني نجد
معتمدا على جناس الاشتقاق بين إنجاد الأحباء وإنجاد الدمع ومكان نجد، وعلى الطباق بين الإنجاد  والاتهام.
     وكذلك يقول في هديل الحمام:
     لا تشجين لها فإن بكاءها                     ضحك وإن بكاءك استغرام
 هن الحمام فإن كرت عيافة                     من حائهن فإنهن حمـام
معولا على الطباق بين البكاء والضحك وعلى الجناس المحرف بين الحمام والحمام.
وأما العلم والثقافة والفكر النير في ذلك العصر، فلقد كانت العبقريات تتفتح كالنجوم في كل أفق وكانت البلاد كلها تعج بالائمة في كل ميدان من ميادين المعرفة، كالفقه والحديث والتفسير واللغة والنحو والأدب والشعر والتاريخ والرياضة والفلك والموسيقى والفلسفة وأمثالها. ولا شك أن أبا تمام صادف فريقا من أولئك الأئمة في دمشق ومصر وبغداد وبقية أرجاء الدولة العربية، واستمع إليهم وأنشدهم من شعره. ويضيق المجال هنا عن الإشادة بأولئك الأئمة الأعلام.
ذلك عصر عجيب في ثقافته وحضارته وتقدم جميع أنواع المعرفة إبانه. ولذلك لا غرو إذا حمل شعر أبي تمام ثمرات تلك المعرفة الواسعة، والتفت في مونق قوافيه ظلال تلك الثقافة المتفننة، وانعكست في مشرق حروفه أشعة تلك الحضارة الوهاجة، واضطر مطالع شعره إلى ثقافة كبيرة تتصل بجوانب تلك الحضارة. فشعره يمس ذلك جميعا في الموضع بعد الموضع والحين تلو الحين.
وهو مما يسهل العثور عليه وتبينه عند المطالعة، وإن كان يبدو هذا الشعر معقدا وعرا صعبا، ولكنه لا يلبث أن ينجلي لدى الإدمان وإعمال الفكر.
ويجوز لنا أن نمضي في هذا النحو من الكلام، ونذكر الأمثلة المتعددة على ذلك الغنى الفكري، وعلى ألوان المعرفة والثقافة في شعر أبي تمام. وهدا النحو من البحث سهل ويسير. ولكننا نؤثر أن ندع ذلك ونبين بإيجاز جوانب الابتكار وعناصر الطرافة والتجديد في شعر أكبر مجدد في تاريخ الشعر العربي. فمن المعلوم أن أبا تمام كان رأس مدرسة شعرية تركت أكبر الآثار. يقول عنه الصولي الذي جمع أخباره: «رأس الشعر مبتدئ المذهب سلكه كل محسن بعده فلم يبلغه فيه، حتى قيل مذهب الطائي، وكل حاذق بعده ينسب إليه ويقص أثره»
وما ذكره الصولي أصبح منذ القديم متداولا متعارفا مجمعا عليه. ونحن نريد هنا أن نبين ملامح هذا المذهب الجديد في ضوء من المعرفة جديد.
فمن أولى خصائص هذا التجديد تحميل الألفاظ أكثر من مجرد دلالاتها، وذلك باعتماد المجاز والاستعارات وأمثالها، وإذا كان المجاز والاستعارة معروفين  متداولين عند العرب القدماء، فإن شدة اعتمادهما عند أبي تمام من شأنها أن تخرج اللفظ عن دقيق دلالته ومضبوط معناه، لتوحي من ورائه بمعنى آخر لمجرد علاقة من العلاقات.
ولإيضاح ما أقصده أضرب مثلا بفن التصوير. فبدلا من أن يعمد المصور إذا أراد أن يصور أسرة سعيدة إلى تصوير جميع أفراد الأسرة في بهو بيت بابتساماتهم وأشكالهم وسحنتهم الدقيقة، أصبح يرسم بعض الخطوط التي تدل على البيت، ويسبغ عليه جوا من إيحاء السعادة، نشعر به من خلال النور المتلألئ الخارج من النافذة في الظلام، والدخان المنطلق من الموقد. أو هو يأخذ على طريقة بيكاسو الحديثة مثلا فردا من أفراد الأسرة، ويجعله يمثل الأسرة جميعها بإدخال خطوط وألوان جديدة مغايرة للمألوف، ولكن بينها في حد ذاتها تلاؤما، كما أن بينها وبين ما تدل عليه من المعاني علاقات ينبغي أن يجدها المتأمل ويكشف عنها بالتدريج، فيجد لذة وخصبا في هذا التأمل والكشف .
وهذا هو الذي صنعه أبو تمام في ميدان الشعر بالنسبة إلى دلالات الألفاظ والكلمات. أصبحت الألفاظ والكلمات لا تؤدي دلالالتها ومعانيها بالضبط بل هي تطمح إلى شيء آخر. إنها أصبحت لا تستعمل لمعانيها الموضوعة لها بالتدقيق، بل لتناسيها ومراعاة نظائرها وأضدادها. المعنى الشعري العام لا يحصل كما في الرسم الدقيق من اتصال هذه الدلالات الجزئية بعضها ببعض بدقة ولطف واستمرار، بل من تقاطع هذه الدلالات تقاطعا عنيفا متضادا في كثير من الأحيان. هنا لا يهتم المصور بالرسم والخط، وإنما يهتم بلطخات الألوان وتعادلها، وبما تحمله من إيحاء، وبما يشتمل عليه من إيقاع وتناسب .
  
لنأخذ قصيدة مشهورة من قصائد حبيب، وهي التي قالها في موقعة عمورية. ولكنا نجتزئ منها ببعض الأبيات:
السيف أنباء من الكتب                            في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لاسود الصحائف                 متونهن جلاء الشك والريب
والعلم في شهب الرماح لامعة                  بين الخميسين لا في السبعة الشهب
    تجد منذ الاستهلال أن التعبير اختلف تماما عما ألفناه عند الشعراء الجاهليين والمخضرمين والذين عاشوا في فجر الإسلام. الألفاظ تحمل أكثر من معانيها، وكل لفظ ليس مستقلا في حد ذاته، وإنما جاء به ما بينه وبين غيره من تناسب وتجانس وتضاد. فالسيف استعمل هنا رمزا إلى القوة والحرب، والكتب وردت رمزا إلى التنجيم. والحد الثاني ومعناه الفصل بين الشيئين إنما أتت به مجانسته للحد الأول حد السيف والحد الأول إنما أتى به جناس التصحيف مع الجد، ولفظ الجد هذا استدعى اللفظ المضاد وهو اللعب.
والبيت الثاني توكيد للبيت الأول بشكل مزخرف متألق خطابي جاء بألفاظه الطباق بين البيض والسود، وتجنيس القلب في الصفائح والصحائف .
والبيت الثالث توكيد جديد للفكرة نفسها، فهو يقول فيه: صحيح العلم في الحرب لا ما استدللتم عليه بالنجوم. ولكنه يختار للدلالة على النجوم لفظ الشهب التي هي أخص منها، ويستعير اللفظ نفسه لأسنة الرماح زخرفة وتزويقا ومجانسة. وهكذا نرى أن ألفاظ هذه الأبيات مختارة اختيارا خاصا يخرجها في كثير من الأحيان عن دلالاتها الدقيقة ليقصد إلى ما بينها من تناسب وتجانس وتضاد، وما تستطيع أن تضفيه من إيحاءات قوية .
ولتحميل اللفظ أكثر من معناه، عول أبو تمام أيضا في قصائده على التلميح والإشارة إلى أيام العرب وحوادث التاريخ والقصص المأثورة وضرب الأمثال. وفي ذلك ما فيه من إيحاء وتذكرة وإرضاء للثقافة الواسعة. وأشعاره حافلة بذلك حفولا واضحا لا يحتاج إلى تفصيل ووضوحه يغنينا عن ذكر الأمثلة. 
   

 (1) حيث مدينة المصبصة التي انشد أبو تمام المعتصم مديحه فيها بعد معركة عمرية.

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here