islamaumaroc

منهاج محمد عبده في الإصلاح الإسلامي -1-

  دعوة الحق

36 العدد

إن الحديث عن منهاج الإمام محمد عبده في الإصلاح يتطلب مجلدات. فالرجل كان أمة وحده .وعندما يعيش الإنسان معه ومع أفكاره ونشاطه يظن أن الإمام  كان يستخرج من يومه أياما ويمطط وقته ليجعل منه أوقاتا ليستطيع أن يسع مجهوداته الجبارة.
وقد كنت أحاول أن أتناول أفكاره بكثير من التوسع، خصوصا وهي ما تزال تحتفظ بقيمتها في كثير من نواحيها في عصرنا الحاضر، وكأنه يتحدث عن مشاكلنا التي نعيشها في المغرب وفي العالم الإسلامي، على الرغم من التغيرات الكبيرة التي طرأت على حياتنا العامة والخاصة. كنت أحاول وأرجو ذلك الآن، غير أني لضيق الوقت سأؤجل تلك المحاولة وأحقق ذلك الرجاء في فرصة أوسع من هذه، ولكن هذا لا يمنعني من أن أتحدث عن منهاجه في خطوطه العامة.
إن ظروف العالم الإسلامي التي كان يعيشها أيام محمد عبده كانت ظروفا قاتمة في جميع جوانبها، فقد كان المسلمون يؤدون عن يد وهم صاغرون جزية تلك السلسلة من الأمراض الاجتماعية النفسية الكثيرة التي تحدرت إليهم من القرون السالفة. وكانت الدول الاستعمارية تتداعى فيما بينها لتقسيم تركة «الرجل المريض» كما كانوا يطلقون على الدولة العثمانية، وتتخذ مختلف الوسائل لتتميم رسالة أجدادها الصليبيين الذين تركت مغامراتهم الوحشية أقدس الآثار في نفوس أجيالهم الجدد.
وكانت مصر أحد الأقطار الإسلامية التي نالت نصيبها الوافر من تلك التركة الإسلامية المسلولة، وكانت تعيش كباقي الأقطار الأخرى كما يقول السيد رشيد رضى: في ظلمات بحر من الظلم لجى، يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض: ظلمة الجور والظلم، وظلمة الفقروالفاقة، وظلمة الشرور وفساد الأخلاق والآداب، وظلمة تحكم الأجانب وسيطرتهم على الحكومة.
وفي هذه الأثناء التي كانت عوامل الهدم تعتور الكيان الإسلامي بقسوة بالغة، والمؤامرات الاستعمارية، تمزق بأنيابها الطويلة الحادة الوطن الإسلامي الكبير الذي تساقطت أجزاؤه في قبضة الصليبيين الجدد،في هذه الأثناء، انطلقت صرخة الإنذار والبعث من جمال الدين الأفغاني، فكانت أشد ما تكون قوة وحماسة، وكأنها استجمعت بقايا قوى الإيمان المبعثرة هناك لتفجر في نفوس المسلمين طاقاتهم التحررية من ربقة العبودية البشرية. انطلقت تلك الصرخة توقظ المسلمين من غطيطهم، وتبصرهم بالأخطار التي شملت نواحي حياتهم، وتهيب بهم أن يقاوموا الاستبداد والاستعمار. وكانت لهذه الصرخة أجنحة البرق، فانتشرت في العالم الإسلامي انتشار أضواء الشمس في الظلام، وأزعجت الاستعمار الإنجليزي أيما إزعاج، وكان لها أقوى استجابة في مصر. وكان محمد عبده عنوان تلك الاستجابة، وحامل لواء الرسالة من أجل انتشال العالم الإسلامي من عهود العبودية والغرور. وقف جمال الدين الأفغاني مشرفا على العالم الإسلامي وهو يصيح في أبنائه هبوا من غفلتكم، اصحوا من سكوتكم، انفضوا غبار الغباوة والخمول ، عيشوا كباقي الأمم أحرارا سعداء، أو موتوا مأجورين شهداء، إلى غير ذلك مما من شأنه - كما قال السيد رشيد رضى – أن يحرك الماء فيجعله نارا، ويثير نسيم الصبا فيغادرها إعصارا...ولكن هذه الصيحة لا تعني إلا الدعوة للثورة على الظلم والاستبعاد، وتمزق ذلك السكون الذليل الذي خيم على أرجاء العالم الإسلامي في الجملة، وإن كانت تحمل روحا جديدا منبعثا من أعماق شخص قد استشعرت  أعماقه ءالام العالم الإسلامي على نحو فريد، وأدركت النكبة التي سيصير إليها. إلا أن العالم الإسلامي ليس في حاجة إلى من يثيره فقط، لأن أدوار البطولات الانفرادية لا تكفي في حل المشكلة  الاجتماعية التي تتفرع  عنها جميع المشاكل الأخرى، بل إنه في حاجة  إلى من يحدد له الأهداف بوضوح والوسائل الفعالة للوصول لتلك الأهداف، وتمكينه من كيفية استخدام تلك الوسائل على نحو منتج. وفي رسم معالم الطريقة للإصلاح، أدلى المصلحون المحدثون بآراء مختلفة، وأن اتفقوا على الغاية وهي تحرير العالم الإسلامي وإنقاذه من الهاوية، ووجوب عودته إلى الإسلام. ولنعترض هنا فقط لفكرة جمال الدين في عمومها باعتباره أستاذا للإمام محمد عبده.
إن جمال الدين يرى أن الوحدة الدينية هي الأساس الحق لكل نهضة سياسية، بل بمثابة الروح في الجسد. ولا خير في تقدم لا يبنى على قرآننا وديننا. وبدون دين لا نستطيع أن نتخلص من السيطرة الاستعمارية. ويرى جمال الدين أن أوربا نهضت بسبب الحركة الدينية التي قامت على يد المصلح البروتستانتي لوثر،  وإن كان أستاذنا مالك يعزو أصل الحضارة الأوربية إلى عهود المسيحية على أيام شرلمان الذي كان يناصر الدين المسيحي.
وما يصرح به جمال الدين هو الذي كان يدعو إليه غاندي بكل قوة وإلحاح أن الحضارة الغربية شر خبيث لأنها تعبد المادة والآلة. إنه يقول: ولكننا أيضا في حاجة إلى الضوء الثابت المستقر، ضوء الإيمان الديني. ويرى طاغور نفس الرأي، وإن كان قد عرف بمشايعته أو بنوع من التفاهم مع الحضارة الغربية بعكس غاندي كما يشارك جمال الدين في رأيه  الأمير شكيب أرسلان الذي يسفه آراء بعض الشباب الذين يظنون عن جهل وسطحية أن أوربا أسست  مدنيتها على الإلحاد. وقد ضعفت أوربا اليوم بسبب ضعف عقائدها الدينية. وهذا الرأي هو الذي توصل إليه أخيرا العلامة الإنجليزي المؤرخ تويمبي، فقد كان لا يعترف بقيمة الدين في تكوين الحضارات، ولهذا لم يعره الاهتمام اللائق في كتاباته السابقة، غير أنه أصبح اليوم يعتقد أن للدين القيمة الأساسية في تكوين الحضارات ، وأن الحضارة الأوربية ستنهار إن لم تعتمد على دين يمكنها من الوسائل لحل مشاكلها المتزايدة. ولكن الدين الذي يريده جمال الدين للمسلمين هو دين السلف الذي لم تلوثه وثنية المنحرفين، ولم تفسده عقائد مثبطة بثها المفسدون وضعاف العقول في ثنايا الثقافة الإسلامية. فإذن لابد من تنقية هذه الثقافة مما علق بها من ميكروبات تنحرف بها عن أهدافها وتبث في طريقها العراقل وتقلل قيمتها في العلاقات الاجتماعية وفي العلاقات بين الأرض والسماء. ويرى أن الأسباب الآتية  كفيلة بحفظ الدولة: الاتحاد وعدم الركون إلى الأجانب  وإسناد الوظائف لهم، والتعاون والقيام بالواجب المفروض على كل فرد، وعدم الاستبداد بالرأي، والإعداد المادي لمواجهة الأخطار، وإعطاء الحقوق لأهلها، ووضع أمور الدولة من وظائف مختلفة في يد كفء لها صالح للقيام بها. وما وصل المسلمون  إلى ما وصلوا إليه من انحطاطات إلا بمخالفة تلك المبادئ وتغيير تلك القيم ، استجابة لشهوات في نفوسهم، ولانحرافات في غرائزهم ، ضاربين بمصالح الأمة العليا لجج البحر، لا يهمهم إلا الحصول على لذائذهم المادية الحاضرة، وإن أودت بمستقبل الأمة وأسلمتها إلى الهلاك والفناء. ولسنا في حاجة إلى لفت النظر إلى أن تلك الأسباب كلها أو بعضها ما تزال قائمة في بعض أطراف العالم الإسلامي:«ذلك بأن الله لم يكن مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم »لكن تطبيق هذه المبادئ يحتاج إلى مجهود كبير ، وإلى تعب متواصل، لأن الوصول إلى القمم دونه العقبات والأخطار . ولكن على كل حال هناك في القمم توجد السلامة والراحة والرقي. ( ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر).
فالشجاعة شرط أساسي لتندفع الأمة غير مبالية بالأخطار نحو تحقيق أهدافها ومثلها.
يرى أستاذنا الدكتور محمود قاسم أن جمال الدين كان يضع حلولا ساذجة لمشاكل ضخمة وإن كان لم يوضح هذه الفكرة بحيث نقتنع بها. ونستطيع أن نخلص طريقة  جمال الدين في الإصلاح بأنه كان يريد تجديد الأمة بإصلاح الدولة، بإصلاح النظام السياسي، ولذلك نراه يدعو الشعوب للثورة على الملوك المستبدين ويهددهم ويصارحهم ولو كانوا غرباء، كما حدث له مع قيصر روسيا ، ويطالبهم بأن يعطوا الحقوق السياسية للشعب ليتاح له أن يشارك في حكم نفسه عن طريق الحكومة الديمقراطية.
وهو وإن كان يرى وجوب بث العقائد الصحيحة في النفوس ليتفهم الناس دينهم الصحيح، ألا أنه كان يلح على الناحية السياسية والحكومة النيابية، لأنه يرى من الخطأ القول «كيفما تكونوا يولى عليكم» بل« كيفما يولى عليكم تكونوا». وإذن لا سبيل لإصلاح العالم الإسلامي ألا عن طريق تغيير نظام الحكم.وكان يرى في الخليفة عبد الحميد العثماني مرضا خطيرا وسلا في  رئة العالم الإسلامي، لأنه يمتنع عن تغيير نظام الحكم ويعتمد في عرشه على نظام جاسوسي وعلى دعايات فارغة يشيعها أعوانه بين المسلمين، مما كان يساهم مساهمة فعالة في نومهم وقعودهم عن مواجهة الأخطار بأنفسهم وبمسؤوليتهم ، ولعل ضخامة الوسائل في تغيير الأنفس وتبديل الأفكار وإيجاد أمة جديدة مع الخطر المحدق بالعالم الإسلامي. كل ذلك كان يدفعه لاستعمال الإصلاح السريع عن طريق سياسي.
في الحقيقة إن مجرد تغيير أسماء لا يؤدي إلى تغيير أفكار وأرواح، وما نظن بنظام فقط، بل كان هدفه إيجاد نظام ديمقراطي يساعد على بث الفكرة التي يريدها والإصلاح الذي يرجو القيام به، لأن الإصلاح لن يرى النور في ظل نظام دكتاتوري متعفن يسوده حكم فرد يدعى أنه خليفة المسلمين، في حين يعمل على يد الأجانب وجمعية الاتحاد والترقي الرجعية أيضا.
فجمال الدين مع ذلك يرى وجوب نشر العقائد الصحيحة في النفوس، ولكن هذا يحتاج بالطبع إلى زمن طويل نسبيا. وجمال الدين يريد الإنقاذ بسرعة فائقة، لأن الخطر داهم وفي حالة الانقضاض، فهو كان يريد الإنقاذ والإصلاح في آن واحد. وقد يكون لطبيعته الهائجة الثورية الحادة تأثير في استعجاله الإصلاح عن طريق قلب نظام الحكم في العالم الإسلامي ، وقد تكون هي السبب في عدم تخطيط جمال الدين لنظام إصلاحي دقيق، غير أننا نظن ظنا قويا أن للظروف التي كان يعيشها العالم الإسلامي تأثيرا أكبر في موقفه ذاك، إذا كانت تلك الظروف تنكر على نفسه شعوره بالمأساة التي آل إليها هذا العالم . أنه كان يرى وجوب إجراء عملية لنظام الحكم بتغييره إلى حكم نيابي، ليصبح الشعب شاعرا بمسؤوليته، مضطلعا بأعبائه،وليطلع على ما يحاك ضده من دسائس، وليعيش المشكلة بذاته قبل أن يفوت الأوان ، وقبل أن تلقى الخلافة مصرعها على يد الاستعمار المتربص. ولقد حاول أن يدعو لفكرته في قلب العالم الإسلامي فلم يجد إلا التنكر لمبادئه من الملوك وأصحاب المطامع وبعض ذوي النيات الطيبة الذين نظروا إليه بعين ملونة بتلوين الدعايات المغرضة ومن وراء الجميع جهاز الاستعمار الموجه سرا وعلانية. وكان الطرد والتشريد والعنف جزاء وفاقا لأفكاره الخطيرة. إذن فليذهب لباريس، ليصدر مجلة«العروة الوثقى» بالتعاون مع تلميذه محمد عبده، وقد اتخذها وسيلة لتهييج العالم الإسلامي على الاستعمار الإنجليزي، كما ألف جمعية سماها باسم المجلة، ووضع لها نظاما حسب تجربته  التي خرج منها في كفاحه وفي اتصالاته مع الأفراد والهيئات والجمعيات، وبالأخص الجمعية الماصونية التي كان قد انتسب  إليها في بعض الأيام، غير أنه استقال منها بعد ذلك لاطلاعه على انحرافها ، ويأسه منها في تحقيق أمنيته التي من أجلها انتسب إليها. وقد كافحت تلك المجلة وجاهدت وحثت المسلمين- وبالأخص المصريين- على العمل من أجل إحباط المؤامرات الإنجليزية. وعندما تتصفح عناوين المقالات المحررة في المجلة، نرى أكثرها سياسيا عنيفا مثل: «حيلة إنجليزية»، « فرصة يجب أن لا تضيع»، «نكاية الإنجليز»، « كيد الإنجليز في مصر»، « إخفاق سعي الإنجليز».وبجانب هذه الموضوعات ومثلها توجد بعض المقالات الأخرى التي تناقش« الطبيعيين» وتبحث في فكرة القضاء والقدر وفي أسباب رقي الأمم وانحطاطها. وكان شعار المجلة تحذير الشرقيين عموما والمسلمين خصوصا، من تطاول الأجانب عليهم والإفساد في بلادهم. وقد خص المسلمين بالذات، لأنهم العنصر الغالب الذي غدر به الأجانب وأذلوا أهله أجمعين، واستأثروا جميع خيراتهم. وكان الغرض من تأسيس جمعية العروة الوثقى  إعادة الحكم الإسلامي وهداية الدين إلى ما كان عليه من الطهارة والعدل والكمال في العصر الأول بتأسيس  حكومة إسلامية على أساس الخلافة الراشدة في الدين وما تقتضيه حالة العصر لمجد الإسلام في أمور الدنيا.
ويبدو من كلام السيد رشيد رضى أنه كان للجمعية مبادئ سرية« وغرض بعيد». وهذه المبادئ القوية لم تكن حينذاك، وهنا يبدو تشابه بين هذه الجمعية وبين جمعية الماصونية التي تعيش في عالم الغموض والتستر والتنكر والمكر والخديعة، ولكن مع ذلك فإن جمعية جمال الدين ومجلته كانت تهدف إلى ناحية إنسانية أيضا  كما يصرح بذلك في المجلة ، أي إلى تقوية الصلات العمومية بين الأمم،وتمكين الألفة في أفرادها، وهذه كم دعوة الإسلام الذي يستهدف التعاون بين الشعوب والقبائل. غير أن المجلة –كالجمعية- لم يكتب لها البقاء لخطرها على الاستعمار الإنجليزي والعالمي. وقد عاب الدكتور محمود قاسم على جمال الدين مسالمته لفرنسة، مع أن الاستعمار واحد. ولكن الذي بدر لجمال الدين ذلك هو يد الإنجليز وتحت سيطرته، وأن الاستعمار الإنجليزي يهدد سرا وعلانية الخلافة الإسلامية وينازعها مصر التي كانت – وما تزال – مركز ثقل الدعوة التحررية الإسلامية. وزيادة على ذلك فإن الهدنة مع فرنسا لا تعني أن جمال الدين كان راضيا عن مخازيها، وإنما اتخذ بلادها مركزا لمجابهة أعدائه الآخرين الذين ضيقوا عليه الخناق وطاردوه في كل بلد، فلم يجد مفرا من الإقامة في باريس التي سمحت له بإصدار مجلته ولو إلى حين.
وليتفق (الكواكبي) مع جمال الدين في كثير من تلك الأفكار، لكنه يلح على الناحية الاقتصادية كتوزيع الثروة والإنتاج والعمل، غير أن ذلك كان في شكل غير دقيق ولا عميق. أما محمد عبده فكان ذا كمنهاج خاص يختلف عن منهاج أستاذه، وهو موضوع مقالنا في العدد المقبل إن شاء الله، فإلى اللقاء.
                                                                              

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here