islamaumaroc

حظ القرويين في الدفاع عن السيادة المغربية

  دعوة الحق

36 العدد

الدفاع عن السيادة الوطنية ضد الغزو الأجنبي أول واجب وطني على كل مواطن وأشرفه وأقدمه، وقيمة العقائد والمذاهب والمبادئ والأفكار والدعوات رهينة بمقدار علمها على الدفاع عن هذه السيادة وحمايتها والمحافظة عليها، وكذلك قيمة الأشخاص – كيفما كانت حيثياتهم- والهيأت والجماعات والمؤسسات، تابعة لمقدار إخلاصها لهذه السيادة ومساهمتها في حمايتها والذب عنها والتضحية في سبيلها بالنفس فما دونها، كما أن خيانة السيادة الوطنية والتآمر عليها مع العدو أو التهاون في القيام بواجب الدفاع عنها أفظع جريمة وطنية وأحقرها وأخسها وأرذلها، وهي السواة التي لا تستر، والجريمة التي لا تغتفر، والردة التي تبيح دم مرتكبها وماله، وتبطل جميع ما يمكن أن يكون له إزاء المجتمع من حقوق وواجبات، وتهدر جميع ما عساه يتصف به من صفات توجب الاحترام أو التقدير، بهذا قضت الفطرة البشرية، وعلى أساسه قامت المجتمعات الإنسانية، وبه جاء الإسلام الحنيف، وعلى هديه سار سلف المسلمين الصالح.
كيف حافظ الإسلام على السيادة الوطنية؟
تكفل الإسلام بتنظيم المجتمع الإسلامي – الذي أقامه على أساس الرابطة الإسلامية- وجعل للمسلم رسالة في الحياة ذات مثل عليا، واتجاهات إنسانية، وقيم خلقية، فدفع بذلك العرب إلى الخروج من عزلتهم والانطلاق إلى العالم لتحريره من الاستعمار والظلم والظلال والجهل، وحفظ لهم – بعد انتشارهم في أطراف الأرض- تماسكهم، ولغتهم وأخلاقهم، فكان- كما لاحظ الأستاذ ساطع الحصري بحق- قوة دافعة بالنسبة إليهم وقوة واقية كذلك.
أن ما يقارب سدس الآيات القرآنية كله خاص بالجهاد وأحكامه وآدابه والتحريض عليه والتنويه بأهله وتقريع المتخلفين والمثبطين عنه وعرض حوادث بعض غزوات الرسول وسراياه.
فلما اتجه المسلمون إلى تدوين ثقافتهم كان لعلماء التفسير والحديث والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي بفروعه المختلفة، والفقه على اختلاف مذاهبه مجال فسيح في هذا الميدان، أغني المكتبة الإسلامية بآلاف المجلدات التي شغلت المؤلفين والناسخين، والرواة والدراسيين، والخطباء، والواعظين وانتقل صداها من حلقات الدرس ومجالس الوعظ ومنابر الخطابة إلى مختلف الأوساط الشعبية بدوا وحضرا، نساء ورجالا، عربا ومستعربين فعمت المجتمع الإسلامي روح الكفاح والتضحية في سبيل الدفاع عن المجتمع ومثله العليا.
القرويين
وجاء المسلمون إلى المغرب فحرروه من الاستعمار الأجنبي أولا، ثم اندفع أبناءه شمالا وجنوبا – وشرقا أيضا- يحملون رسالة الإسلام ويدافعون عنها ويساهمون في الحضارة والثقافة الإسلاميتين بنصبيهم الملحوظ.
وكان تأسيس الدولة الإدريسية بالمغرب، وما صاحبه من بناء مدينة فاس وجامعة القرويين حدثا
 هاما له آثاره البعيدة في تطور البلاد واتجاهها، إذ ما لبثت أن أصبحت مركزا لنشر الثقافة الإسلامية، والحضارة العربية، بمن توافد عليها من عرب المشرق والمغرب، ثم بمن استعرب على أيديهم من أبناء البلاد- بعد أن كانت من قبل مقاطعة تابعة للقيروان التي كانت هي أيضا تابعة لبغداد – وانتشرت مراكز الثقافية العربية في طول البلاد وعرضها في السهول والجبال، والشواطئ والصحاري، شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، في صورة كتاتيب، ومساجد، ومدارس ورباطات، وزوايا – وبيوت خصوصية أيضا- يتلقى فيها اللغة العربية والثقافية الإسلامية ذكور وإناث، أطفال، وشبان، وكهول وشيوخ، من جميع الأعمار، وعلى جميع المستويات الدراسية، من دروس محاربة الأمية والوعظ والإرشاد، إلى الدراسات العالية، في جميع فروع المعرفة العربية، كما تأسست إلى جانب ذلك المكتبات العلمية، ما بين خصوصية وعمومية.
وكان مركز جامعة القرويين في هذا الجهاز الثقافي الضخم، مركز الرأس المفكر، والعقل المدبر، والرئيس الموجه، فيها يتكون قادة الفكر، وبين أساطينها يتربى زعماء الرأي، وإلى مدرسيها والمتخرجين منها – ومن فروعها- تلجأ البلاد شعبا وملوكا ورؤساء، إذا حزب أمر أو دهم خطب، وإليها يرجع الفضل –أخيرا- في جلب كل نفع للبلاد، ودفع كل خطر عنها.
فكل من تلقى العلم بفاس فهو من القرويين، وكل عالم ورد على فاس من الأندلس أو الشرق أو بقية المراكز العلمية بالغرب الإسلامي على العموم أو المغرب الأقصى على الخصوص عد من أهل القرويين، وكل درس بالقرويين ثم انتقل إلى مركز أخر داخل البلاد أو خارجها، ليتولى الملك أو الوزارة أو السفارة أو الجهاد أو القضاء أو التعليم أو الإرشاد أو غير ذلك فهو معدود من أهل القرويين إذ كانت المركز الرئيسي في البلاد للثقافة الإسلامية العربية المغربية التي لم تعرف البلاد في يوم من الأيام ثقافة غيرها منذ دخلها الإسلام إلى أن نكبت بالاستعمار ففرض عليها ثقافته الأجنبية الاستعمارية الإلحادية الإباحية الهدامة.
ولسنا نحاول ادعاء أن جميع من انتسب للقرويين – منذ نشأتها إلى الآن- قد قام بواجبه في الدفاع عن السيادة الوطنية خير قيام، وفق ما تقضي به التعاليم التي احتفظت بقداستها في جميع المجتمعات الإسلامية منذ نشأة الإسلام إلى الآن، كلا! ومعاذ الله!
فجامعة القرويين جزء من مجتمع وأساتذتها وطلبتها من صميم هذا المجتمع، خضعوا في نشأتهم وتربيتهم وسلوكهم لكثير من العوامل المختلفة التي ليست الثقافة التي تلقوها في هذه الجامعة إلا جزءا منها، وقد تعاقبت على هذا المجتمع عوامل القوة والضعف والتماسك والانحلال، والاستقامة والانحراف، وقد نالت الجامعة ولا شك حظها من ذلك كله.
ولكن فضل القرويين إنها نشرت في المجتمع الإسلامي هذا الشعور العام بقدسية السيادة الوطنية قدسية دينية لا مجال للبشر في تحريفها أو تأويلها أو التسامح في شيء منها فإذا تهاون بعض الناس في القيام بواجب الدفاع المحتوم عنها، لجبن، أو طمع، أو عجز، أو نفاق، اصدر المجتمع عليه حكمه الذي لا معقب له.
مظاهر مساهمة القرويين في الدفاع عن السيادة الوطنية
تجلت مساهمة القرويين في الدفاع عن السيادة الوطنية والدفاع عنها في مظاهر مختلفة فهناك –أولا- هذه الشريعة الإسلامية التي لا تسمح للمسلم بأن يخضع لسلطة غير إسلامية ولا تقبل منه أي عذر في ذلك، وتوجب على جميع المسلمين في جميع أنحاء الدنيا أن يعملوا لإنقاذ المسلمين- حيثما كانوا- من كل سلطة غير مسلمة أخضعتهم بالقوة وعجزوا عن التخلص منها، وكل من اختار من نفسه الرضوخ لسلطة غير إسلامية أو استعان بها ضد المسلمين أو أعانها عليهم أو على انتزاع ارض من سلطتهم فهو مرتد عن الإسلام بفعله ذلك – وأن صلى وصام وزكى وحج واعتمر وزعم انه مسلم- ويجب على جميع المسلمين مقاومته مقاومة الأعداء ومن تجسس للأعداء على المسلمين وجب على المسلمين قتله ولا تقبل منه توبة.
فهذه الأحكام –وأشباهها تقرر في مختلف دروس القرويين العادية فقها مسلما تؤيده آيات القرآن وأحاديث الرسول وحوادث السيرة النبوية والتاريخ وسير السلف الصالح ونصوص الفقهاء.
وهناك –ثانيا- إلى جانب هذه الروح النظرية الوقائع الوقتية التي يطبق فيها عمليا بعض فقهاء القرويين هذه النظريات الفقهية على الحوادث الواقعية المتجددة فقد كان من فقهاء القرويين من يخوض المعارك الحربية بنفسه دفاعا عن السيادة الوطنية، ومنهم من استشهد في سبيل الله.
ومنهم من عبأ الجيوش إلى الثغور وشن الغارات على العدو وانتزع منه ما بيده من القلاع والحصون.
ومنهم من وقف نفسه على الرباط وحراسة الثغور استعدادا لرد العدوان المتوقع.
فيهم من فعل ذلك بتعاون مع السلطة القائمة أو اتفاق معها، وفيهم من فعل ذلك ضد هذه السلطة لاتهامها بالتهاون في القيام بأول واجب عليها والذي ليس لأية سلطة أي عذر أو مبرر للتهاون فيه، فإذا تهاونت أو أهملت فقدت مشروعيتها ووجب على الشعب العمل الايجابي المباشر بكل الوسائل الممكنة للدفاع عن سيادته وحمايتها.
ومنهم من تصدى للتحريض على الدفاع عن البلاد ورد العدوان عنها واسترجاع ما احتله العدو من أجزائها والاستعداد لذلك بكل قوة ممكنة.
وقد استعملت في هذا السبيل مجالس التدريس ومجالس الوعظ والتذكير، وخطب الجمعة، والقصائد الشعرية، والأزجال، والمؤلفات، والرسائل، والفتاوى والأجوبة.
ومن ابرز المواقف الوطنية لبعض فقهاء القرويين:
1- جوابهم لمحمد بن عبد الله السعدي عند استعانته بالبرتغاليين (القرن 10هـ 16م).
2- ومعارضتهم لمحمد الشيخ في تسليم العرائش للاسبانيين (ق 11 هـ 16م).
3- وتأييدهم للمجاهد العياشي (ق11هـ 17م).
4- ومطالبتهم بتحرير بقية المناطق كسبته ومليلية – بمناسبة تحرير العرائش- (ق12هـ 17).
5- ودعوتهم لتأييد الجزائر تأييدا مسلحا عند الاعتداء الفرنسي عليها (ق13هـ19م).
6- ومطالبتهم بتنظيم الجيش المغربي على النظام الحديث –بعد هزيمة أيسلي (ق13هـ 19).
7- واستنكارهم احتماء المغاربة بالدول الأجنبية (ق14هـ19).
8- ودعوتهم لتحرير وجدة والدار البيضاء، وغيرهما مما احتله الفرنسيون والأسبان (ق14هـ20م).
9- ومقاومتهم للحماية المفروضة على البلاد، مقاومة مسلحة أحيانا وسلمية أحيانا أخرى (ق14هـ 20م).
وقد جمعنا كتابا في هذا الموضوع يتضمن بعض الأسماء، والأحداث والتواريخ وبعض المختارات الشعرية والنثرية وتلخيصا لبعض الفتاوى والأجوبة والمؤلفات وخطب الجمعة ونحو ذلك من الوثائق والمستندات، معتمدين على كثير من المخطوطات التي لم يسبق نشرها، أو التي وفقت للظفر بها أثناء تنقيبي عن نوادر المخطوطات، من غير أن نقف على الحديث عنها أو الإحالة عليها في أي كتاب.
فعسى أن تتهيأ الفرصة قريبا لظهوره مطبوعا بين أيدي القراء.
وكما وقف شاعر في القرن 7هـ13م ينشد قصيدة في صحن القرويين يوم الجمعة بعد الصلاة لاستنفار المجاهدين، فبكى الناس وانتدب كثير منهم للجهاد.
ونكست –في نفس القرن- راية الأعداء في أعلى منار القرويين احتفالا بالانتصار.
وطاف في القرن 11هـ 16م احد المومنين على مجالس العلم بفاس مناديا بالجهاد والخروج لإغاثة المسلمين بالعرائش.
كذلك كانت في هذا القرن تقع التجمعات في القرويين للاحتجاج على تصرفات السلطات الأجنبية وأعمالها.
وفيها كان الخطباء من متخرجين القرويين وطلبتها يخطبون لاستنهاض همم المومنين وتحريضهم على مقاومة العدو وتحديه، فتخرج الجماهير للشوارع متظاهرة محتجة لتصطدم بقوة العدو ويموت أفراد منها برصاصه ويساق الباقون إلى مراكز الشرطة والمحاكمة والمنافي والسجون.
ومن طلبة القرويين ومتخرجيها كان الدعاة ينتشرون لبث الفكرة الوطنية والتبشير بها وتكوين الحلقات السرية في البوادي والجبال والصحاري والقرى النائية والمناطق المحرمة التي لا يستطيع غير أبنائها الدخول إليها، متعرضين للسجن والضرب والاضطهاد والقضاء على مصالحهم ومستقبلهم.
رد الفعل
ومن الطبيعي –مع هذا التاريخ الطويل، المتصل قديمه الحفيل، بحديثه المجيد –أن يعرف العدو للقرويين وما تمثله وتحرسه من ثقافة إسلامية ولغة عربية، هذا المقام المحمود، فيبادلها عداء بعداء، ومقاومة بمقاومة، ويعمل بجميع ما لديه من إمكانيات غير محدودة على تحطيم هذه القرويين وثقافتها، والقضاء عليها ماديا وأدبيا.
ومن الطبيعي –كذلك- أن يشتد الصراع بين من يدافعون عن سيادة المغرب وشخصيته وثقافته، وبين أعداء البلاد حول هذا المعقل الشامخ وما يحمله من فكرة مقدسة حفظت للمجتمع تماسكه عبر القرون، وحالت دون انهياره أمام الغزو الأجنبي الماحق.
والمجال الضيق لا يسمح لنا الآن بالإشارة إلى شيء من الكفاح العنيف المتواصل الذي قام به المستنيرون من أبناء جامعة القرويين طلبة ومتخرجين، وأساتذة وموظفين سامين، في الحفاظ على كيان هذه الجامعة وصيانتها من الاضمحلال.
ولكنا نشير – إلى ما تضمنته من ذلك خطب صاحب الجلالة محمد الخامس – قائد معركة الكفاح في سبيل المحافظة على سيادة الأمة ومقدساتها ومقومات كيانها- فإن جلالته ما زال يشيد بفضل القرويين ومهمتها الأساسية في المجتمع، والآمال العظيمة المعلقة عليها، والعراقيل التي تعترض العمل لصالحها، وقد أشار جلالته لذلك في خطبه بتاريخ جمادى الأولى 1360هـ يونيه 1941م و ج ح 1363هـ يونيه 1943م وذي القعدة 1365هـ نوفمبر 1946م ومحرم 1367هـ نوفمبر 1947م ومحرم 1369هـ نوفمبر 1949م وصفر 1371هـ نوفمبر 1951م وصفر 1372هـ نوفمبر 1952م.
ويكفي أن نورد هنا ما ورد في الأخير منها الذي هو أخر خطاب للعرش ألقاه جلالته قبيل الأزمة التي بلغت أوجها بالاعتداء الشنيع على السيادة المغربية في شخص جلالته.
«وقد علمنا ما كان للمعاهد الدينية من اثر في حفظ الشريعة ودفع الشبهات عنها، وبث الأخلاق الفاضلة ونشر العربية، فوجهنا عنايتنا لجامعة القرويين التي كان لها الحظ الأوفر في المحافظة على كيان الحضارة الإسلامية، وإمداد البلاد بعلماء أعلام، كانوا مفخرة في تاريخ الإسلام، فما تركنا وسيلة ترد لها مجدها، وتعيد إليها سمعتها إلا اتخذناها فوضعنا لذلك نظاما توخينا فيه أن يساير المعاهد الدينية الناهضة في البلاد الإسلامية، وطبقناه في جامعة أبن يوسف وفي معهدي مكناس وطنجة، وكان أملنا أن يزدهر هذا النظام ويعم تطبيقه سائر المعاهد في أمد يسير، لولا ما يعترض هذا العمل من عراقيل، نحن جادون في تذليلها».
وفق الله جلالته للمحافظة على هذه الجامعة الدينية والنهوض بها، فإنها مفخرة عظيمة للمسلمين أجمعين، وهي أمانة الأجيال السابقة للأجيال اللاحقة، وأعان جلالته على التغلب على ما لا يزال يعترضها من عراقيل.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here