islamaumaroc

التعليم العتيق في سوس ودوره في نشر العلم والدين والتزامه ببيعة أمراء المؤمنين

  الحسين وجاج

353 العدد

يقصد بالتعليم العتيق، التعليم المغربي المعروف في المدارس القديمة، والمنتشرة في البوادي المغربية، وخاصة في أقاليم الجنوب والصحراء الشاسعة الأطراف.
ويذكر العلامة المرحوم السيد محمد المختار السوسي أن أول مدرسة عرفت في بوادي المغرب الإسلامي هي مدرسة "أكلو" بضواحي تزنيت المؤسسة في أواخر القرن الخامس الهجري(1).
ومنذ هذا التاريخ تتكون هذه المدارس خلال القرون المتتابعة إلى أن نيف عددها على المائتين كما ذكره "ليوطي "في إحدى خطاباته (2)، وهي مدارس علمية تولاها الشعب بجهوده الخاصة، كما تولى كتاتيب القرآن التي لا تخلو منها كل قرية لحفظ كتاب الله تعالى لأبنائه وبناته من طرف المقرئين، الذين هم في نفس الوقت مكلفون بإمامة الصلوات الخمس في المساجد للمواطنين.
وإلى جانب هذه الكتاتيب القرآنية، توجد مدارس أخرى خاصة بالقراءات، ينتقل إليها التلاميذ الحافظون لكتاب الله في الكتاتيب، والراغبون في التخصص في القراءات القرآنية التي يتنافس عليها الحفاظ في مختلف القبائل قديما، وخاصة في مناطق "جبالة" و"سوس" وغيرهما من مناطق المملكة المغربية.
وتتولى القرية تسيير كتابها بما يحتاج إليه من تموين وصيانة، كما تتولى القبائل تسيير المدارس بما يحتاج إليه من تموين وصيانة، كما تتولى القبائل تسيير المدارس بما تحتاج إليه من شؤون التموين والصيانة أيضا، تنفق القرية على الكتاب من مالها حبوبا وصوفا وزبدا، ومن الأحباس الخاصة به، وتمون المقرئ بالغذاء والعشاء والهجورى(3)، كما تنفق القبائل على مدارس العلم والقراءات من أعشارها وهداياها المتواصلة على العلماء والمقرئين الذين يتمتعون بتقدير كبير من طرف السكان، فهي تشاطرهم أجرة معلومة من محصولهم حبوبا وإداما : زيتا أو سمنا أو هما معا، وتمونهم من هري المدرسة الذي يجمع فيه ثلث الأعشار، كما تمون منه الطلبة المرابطين في المدرسة، إما بواسطة خادم تطبخ للطلبة والأستاذ غداءهم وعشاءهم،  وإما مناوبة بين أهل القبيلة الذين قرروا أن تأتي التي فيها النوبة لتأخذ الحبوب من هرى المدرسة، فتهيئها خبزا أو كسكسا، ثم تأتي به إلى المدرسة.
والإشراف على الكتاتيب من اختصاص المقرئين. كما أن إدارة المدرسة والتكلم في شؤون الطلبة من اختصاص الفقهاء الذين يقومون في نفس الوقت بدور المفتين والقضاة للفصل بين المتخاصمين، ونشر الأمن الروحي بين المواطنين، والمحاطين بهالات من احترام وتقدير ملوك المغرب عبر أطوار تاريخهم المجيد.
وتعتبر هذه المدارس في القديم بمثابة الجامعات، فهي تزود الوطن بمختلف الأطر التي يحتاج إليها في مختلف الميادين، وتطبعه بطابع النبل والإيمان، وتجعله ملتزما بالسلوك الإسلامي، ومنقادا لخلق القرآن، ومطبقا لمدلولات البيعة، ومحافظا على حقوق الإنسان، وطموحا إلى التفوق في العلوم والعرفان، ومتشبثا بأدب التراحم  والإيثار والاتزان، ومخلصا لشؤون العدل والفضل ونشر ألواية الأمن والأمان.
وقد خرجت هذه المارس(4) الأفواج تلو الأفواج من العلماء والزعماء والمؤلفين في مختلف العلوم، موزعين على مختلف القبائل ابتداءا من القرن الخامس الهجري إلى حدود عام 1358 هـ، الأمر الذي أوجب "لسوس" أن تلقب بالعالمة، وأن تعمل شاكرة لله تعالى لتنوير جهات أخرى خارجها بمختلف العلوم والمعارف، وأن تلتزم بمدلولات تلك العلوم وتطبيقها التطبيق العلمي لينتشر نورها في الساحات، ويسود العدل والأمن في المجتمعات، ويعبد الله حقا في مختلف الطبقات.
وقد طبقت حياة مؤسسيها والقائمين عليها والدارسين فيها بروح الصلاح والإصلاح، والإيثار والتضحية، لإعلاء كلمة الله، والعمل على تيسير شؤون الحياة، ونشر الفضل والنبل والرحمة والإحساس بين عيال الله، انطلاقا من مؤسسة المدرسة الأولى، منها "أبي محمد وكَاكَ"وتليمذه "عبد الله بن ياسين" وأقطاب آخرين من رواد هذا العلم النافع، وبناة هذا المجد الشامخ في مدارسهم وزواياهم أمثال حسين بن علي الشوشاي، وسعيد الكرامي السملالي، وخالد بن يحيى الكرسيفي، ومحمد بن إبراهيم  التمنارتي، وأحمد بن موسى الجزولي، ومحمد بن يعقوب التاتلتي، ومحمد بن سليمان الروداني، ومحمد بن سعيد، المرغيتي، وعبد الله بن سعيد المناني، ويحيى بن عبد الله بن سعيد وغيرهم من الأفذاذ التمليين والجشتيميين والإلغيين والأقاريضيين والتيمكَديشيين، الذين أبلوا البلاء الحسن في تركيز العلوم العربية والإسلامية في أجيال الشباب عبر العصور.
وبفضل هؤلاء العلماء الصالحين وأعمالهم الخالصة لوج الله، والمستمرة لإصلاح الأحوال، وتنظيم  الحياة في إطار الإسلام الذي يرحم الكون وما فيه، ويعطي لكل ذي حق حقه، اعتبرت أقاليم سوس مشكورة خلقيا من بين الأقاليم الأخرى.
وللتأكد من هذا يكفي أن نعرف أن أحمد بن موسى الجزولي المذكور بينهم هو الذي وقع عليه اختيار العلامة السيد محمد بن يوسف الترغي لما بعثه عبد الله الغالب بالله السعدي ليبحث له في أنحاء المغرب عن شيخ صالح لتعليم وتربية أولاده، وبعد عودته من جولته أرشده إلى العلامة الصالح الشيخ أحمد بن موسى الساكن في "زاوية تازروالت"، والتي يقام فيها موسمه لحد الآن في شهر غشت (5)من كل سنة. ويرجع هذا إلى أثر الدين الإسلامي الذي خالطت بشاشته قلب الشعب المغربي الذي أقبل عفوا إقبالا كبيرا على ولد النبي(ص) مولاي إدريس الأول الذي تلقى منه راية المجد باليمين، فانتظم حوله، وجعله إماما وسلطانا محكما في أرواحه وأمواله وبلاده.
وبفضل الله كانت "لسوس" منذ العصر الإدريسي نفحة دينية، مالت إليه بخصب في العقول، وازدهار في القرائح التي صانت فيها العلوم الإسلامية بصيصها. وقد استمر أمر هذه النفحة بعده في كل من عهد المرابطين والموحدين والمرينيين، واستفحل في عهد السعديين، حيث انتشر فيه العلم انتشارا جعل إمام زمانه الحسن اليوسي يثني على السوسيين في اعتنائهم بالعلوم اعتناء زائدا. ويتجلى هذا بالخصوص في النصف الأخير من القرن الحادي عشر، حيث جاء الشيخ ابن ناصر ونور "زاوية تامكَروت" التي تخرج منها الفحول الذين نشروا العلم بكثرة في القرن الثاني عشر.
ثم جاءت الدولة العلوية فكانت سعد السعود على السوسيين، فقد تكاثرت المدارس وزخرت بالطلبة، وتنافست القبائل في بنائها حتى أن معظمها لا نراه إلا أسس في هذا العهد كما يقول المؤرخون بالطلبة، وتنافست القبائل في بنائها حتى أن معظمها لا نراه إلا أسس في هذا العهد كما يقول المؤرخون، فقد لاقى السوسيون، في كل مناسبة، من ملوك هذه الدولة الاحترام الزائد والتقدير الكبير، وتمشوا في ظلها الوريف على الحالة التي اعتادوا السير عليها من الدولتين قبلهـــــا(6).
وقد أعجب قبل سيدي محمد بن عبد الله العلوي بالجو المحيط بهذه المدارس والسائد في جنوب المغرب بفضل الأسلوب العلمي والتربوي المتبعين فيها، فأسس مدرسة لأولاده على شكلها في بلدة "احمر" كان لها التأثير المهم في إعداد الملوك والأمراء والصالحين  الملتزمين بالعلم وآدابه، والمطبوعين بطابع القرآن وأخلاقه، والساهرين على حفظ الوطن وتراثه، والدفاع عن حريته وكرامته(7).
ويذكر المؤرخون أن ازدهار العلم والدين في "سوس" في هذه القرون الثلاثة إنما رجع إلى الشيخ ابن ناصر بواسطة تلامذته وتلامذة تلامذته، والدليل على ذلك مدرسة الحضيكَي في أفيلال، ومدرسة العباسين، ومدرسة الصوابي، والمدرسة الجشتيمية، مدرسة الأسغركيسيين، والمدرسة التمكََديشية المؤسسة في القرن الثالث عشر، والتي امتد منها الخير الكثير بواسطة الوعاظ في الأسواق الذين يعلمون العامة أصول الدين والعقائد الصحيحة حتى أصبحت أسواق "جبال جزولة" و"أزغار" مدارس تنشر دين الله في الآفاق. ومنها تفرع الأدوزيون، والإلغيون، وعلماء أساكا بإفران. ومنها تخرج أيضا الحسين نيت بهي المتوكَي، وسعيد الشريف، والحسن التملي، ومحمد المزوضي الشهير مدرسته في الحوز، والذي تخرج بها كل العلماء السباعيين أصحاب المدارس هناك(8).
وقد كان للعلماء في سوس اتصال وثيق بملوك الدولة العلوية الذين يحترمونهم ويقدمونهم على رؤسائهم لأنهم يبرهنون عن إخلاصهم الصادق لهؤلاء الملوم إلى حد أنهم يصبحون أحيانا حراس الوحدة المغربية في هذا الجانب، وسياجا متينا دون الثوار الذين في كل فرصة وجدوها لنشر الفتن والقلاقل بين السكان. ويدل على هذا ما قام به العلماء في سوس ضد "بوحلاس"(9)، إذ لولا علماء "جزولة" لفاز بمرامه، ولكن العالمين علي بن إبراهيم الأدوزي ومحمد ابن أحمد التاساكاتي قاوماه مقاومة عنيفة، وعرقلاه عن قصده، وذلك في أيام مولاي سليمان العلوي رحمه الله.
ومن ذلك أيضا ما قاموا به سنة 1276 هـ في الدفاع عن ا لكيان في "قضية تطوان"، إذهب كل من الأساتذة الحسين بن أحمد التمكَيدشتي، والحاج أحمد الجشتيمي، وأحمد بن إبراهيم السملالي، والحسين الأزاريفي، والعربي الأدوزي، ومحمد بن علي اليعقوبي، ومحمد بن صالح التدرارتي البعمراني، وغيرهم من الذين ينادون في الناس ليلبوا دعوة السلطان، وينفروا خفافا للدفاع عن الوطن.
ومن ذلك أيضا ما قام به المولى الحسن الأول في رحلتيه إلى سوس سنة 1299 هـ وسنة 1303 هـ، جينما اجتمع عليه العلماء ولاقاهم بتجلة ما مثلها تجلة، فأجاز وكتب الظهائر، وقدم أرباب العلم على أرباب الرئاسة، فتأتى بذلك أن تفتحت له كل الأبواب، وغمرت محبته كل جوانح السكان.
ومما يؤكد انقياد علماء سوس للعرش والجالسين عليه أنه لما انتصب المولى الحسن الأول خليفة لوالده على الجنوب، رحل إلى سوس نحو 1280هـ، ووجد أمامه الحسين بن هاشم التزروالتي  مستأسدا، يهم بأمور كما زعموا، فأبى أن ينقاد، بل هم بمناوأته، فأمر كاتبه الفقيه الأستاذ محمد بن عبد الله الأساكني الأفراني أن يكتب جوابا عن رسالة وردت من المولى الحسن، وأن يغلظ له فيها القول. فقال له الأستاذ : لا والله ما أنا بفاعل، أتريد أن أهد ديني بيدي؟ فأي أرض تقلني؟ وأي سماء تظلني إن أسأت إلى ابن أميري وابن أمير المسلمين؟
فراجعه الحسين متشددا، فقال له: كف عني! فوالله لو خيرت بين قطع يدي وبين ارتكاب هذا لاخترت قطع يدي!
أما محمد الخامس رحمه الله، فرغم أن دهاقنة الاستعمار هم الذين اختاروه ليخلف أباه مولاي يوسف رحمه الله سنة 1927م، ظنا منهم أنه لصغره "17 سنة" سيكون طوع أيديهم، لكن محمد الخامس جاء ليقيم الدليل الواضح على أن ما تجذر عبر القرون من تقاليد الشرف والغيرة الوطنية يرضعه المغاربة أطفالا من لبن أمهاتهم.
وهكذا، فبمجرد ما صدر الظهير البربري سنة 1930م خطب في القرويين قائلا للخريجين: " لن أتخلى أبدا عن حق من حقوق وطننا" ومنذ ذلك الحين بدأ يخطط للتعليم العتيق، وجعله منظما تحت إشراف إدارة الأحباس في كل من القرويين، وابن يوسف، والمعهد العالي بتطوان، ومكناس، مشجعا أساتذته وطلبته على مواصلة الجهود حتى يدركوا الشأو الذي أدركه الأولون في ميادين العلوم والعرفان.
وقد أكبروا تشجيعه، وتأثروا بنبله واهتمامه إلى حد أنهم كانوا هم السباقين لمناصرته ووقوفه مع جلالته في غضبته التاريخية ضد الاستعمار.
ولما رجع من منفاه رحمه الله، كان همه الأول تنظيم التعليم العتيق الذي أخلص له ودافع عنه، وتشجيعه التشجيع المناسب له في عهد الحرية والاستقلال، فنشره في تارودانت والجديدة، ونماه في الشمال والجنوب لصالح الفتيان والفتيات، وأدمجه في وزارة التعليم ليواصل مسيرته في ظلال الكرامة الوطنية، ويواكب الركبان العلمية في الداخل والخارج.
ولما التحق بالرفيق الأعلى رضوان الله عليه، ترك وارث سره مولانا الحسن الثاني طيب الله ثراه ليحقق كل تخطيطاته للتعليم العتيق الذي كون المغرب به بأطره العالمة امبراطورية شامخة العرنين.
   ولقد أبى رحمه الله إلا أن يشجعه بدوره وينشره في كل من "تزنيت" و"كَلميم"و"طاطا"و "تافيلالت"، ويتوجه بكليات في كل من "فاس" و"مراكش" و"تطوان" و"أكَادير"، ويرفع ذكره في العالمين "بدار الحديث الحسنية" التي انشأها لنشر حديث جده وتنوير أبناء وطنه.
وهاهو اليوم يواصل خطواته، ويجدد مؤسساته، ويعمم بركاته في عهد أمير المؤمنين سيدي محمد السادس نصره الله، الذي بارك أعمال "اللجنة الملكية للتربية والتكوين"، هذه اللجنة التي بذلت جهودا جبارة –وما زالت- لإصلاح التعليم عامة، والعتيق خاصة، على أساس الأصالة والمعاصرة في آن واحد.
وعلى كل حال، فالمغرب ودينه ونظامه وعلمه مصون بإذن الله، فلن تخدعه شياطين الإنس والجن، وإن بلغت في الإرجاف والإغواء ما بلغت بحول الله.

(1) المختار السوسي، سوس العالمة، ص25.
(2) المصدر نفسه ، ص 25
(3) الهجورى – بقتح الهاء-: ما يؤكل بين الغذاء والعشاء.
(4) رجالات العلم العربي في سوس.
(5) محمد المختار السوسي، إبليغ قديما وحديثا ، ص 22، رقم التعليق : 100.
(6) المختار السوسي، سوس العالمة، ص22.
(7) محمد المختار السوسي، حول مائدة الغذاء، ص24.
(8) المختار السوسي، مدارس سوس العتيقة، ص24.
(9) محمد بن أحمد الأدوزي،  نزهة الجلاس في أخبار بوحلاس.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here