islamaumaroc

على قبر يوسف بن تاشفين

  دعوة الحق

36 العدد

    في صباح الخامس من أيلول (سبتمبر) من عام 1957، وكان يوم خميس،غادرنا الدار البيضاء في سيارة السيد محمد قباج وسلكنا  طريقا واسعا حسن التعبيد يمتد مائتين وخمسين كيلومترا ووجهتنا مدينة مراكش، مراكش عاصمة يوسف بن تاشفين  مؤسس دولة المرابطين ، ثم عاصمة  دولة الموحدين من بعد والعاصمة الشتوية للأسر المغربية المتعاقبة منذ العصور الوسطى إلى العصر الحديث، وإلى أن اختار الفرنسيون مركزا أدنى إلى البحر وأقرب إلى مرامي مدافعهم  وأيسر وصولا على جنودهم فاتخذوا الرباط وجعلوا منها العاصمة الوحيدة . ومع أن الرباط أقرب بمركزها الجغرافي إلى أن تكون عاصمة حديثة، فإن الفرنسيين لم يقصدوا من اختيارها ما قصد رجال الحكم الوطني من الاستمرار فيها عاصمة وحيدة للمغرب.
كان أبرز ما لفت نظري في أثناء الطريق إحدى القواعد الأمريكية، وكانت أرضا واسعة محصونة بأسلاك شائكة كما كانت تمتد على جانب الطريق العام ، إلى يميننا ن كيلومترات عديدة ثم تذهب عرضا حتى تكاد تتصل بالأفق الغربي. وكان الجانب المحاذي للطريق، من تلك القاعدة ، مخصوصا ببيوت سكنى عادية ، يتوزع فيها وفي جنائنها أشخاص في اللباس المدني ولا يبعد أن ترى هنا وهنالك  أطفالا يلعبون وراء الأسلاك الشائكة أو يتأرجحون على حبال منصوبة بالعراء أو تحت السقوف القائمة على الأعمدة. إن الغاية من الأسلاك الشائكة أن تمنع الذين تحيط بهم تلك الأسلاك من الخروج إلى العالم الطليق، أما هذه الأسلاك حول القواعد الأمريكية فالغاية منها أن تحول بين أهل الطليق وبين الساكنين فيها.
ليس بإمكاني ، ولا أحسب بإمكان أحد مثلي أن ينفذ ببصره أو بعمله إلى ما في داخل تلك القاعدة العسكرية . ولكن الذي نعلمه ونبصره أن الأمريكيين متمسكون بتلك القواعد أكثر من الفرنسيين. ولولا ذلك لما استأجرها أولئك من هؤلاء، ولما أجرها هؤلاء إلى أولئك. ولقد حرص المغرب ، منذ انتزاع استقلاله من الفرنسيين،  في الثاني من آذار من عام 1956، على استرداد تلك القواعد فكان الأمريكيون يحتجون بأنهم استأجروها من الفرنسيين. أما الفرنسيون فكانوا يحتجون بأنهم استبقوا السلطة الاسمية على هذه القواعد ثمنا لقبولهم بالجلاء عن المغرب. ولكن لما قام الرئيس الأمريكي أيزنهاور بزيارة للمغرب، فيما زار من بلاد آسية وأوربة وإفريقية ، في أعقاب عام 1959، وافق على جلاء القوات الأمريكية عن تلك القواعد، إلا أنه أجل موعد ذلك الجلاء إلى عام 1963. ويبدو أن مفاوضات لاحقة عادت فقدمت هذا الموعد إلى عام 1961.
ثم لاحت لنا قاعدة أمريكية ثانية بعد المغيب، نحن موغلون جنوبا في الشرق متجهين نحو مدينة مراكش، فرأينا القاعدة في الليل شعلة من الأضواء الكشافة في كل اتجاه. وفي المغرب قاعدتين أخريان لم تكونا في طريقنا الذي كنا نتبعه.
مدينة مراكش واحة في الصحراء. إنها حارة جافة. ولقد اتفق أن شهدت ،في الأيام الثلاثة التي قضيتها فيها، حرا شديدا ومطرا غزيرا وعاصفة حمراء صبغت الجو كله بلون الدم وكانت تذري الرمال في الوجوه  ثم تسد الأفق وتظل الأرض حتى لا يكاد الرجل يرى صاحبه على بضع خطوات منه.
ومع أن مدينة مراكش تبعد عن أقرب نقطة تواجهها من جبال الأطلس أربعين كيلو مترا في خط مستقيم، أو أكثر قليلا، فإنها توصف بأنها قائمة في سفح جبال الأطلس. ونحن الذين تعودنا، في لبنان،رؤية الجمال نماذج مصغرة: نرى البحر المنبسط والبر الأفيح والرمل المترامي الأطراف والجبل الشاهق والغابة الكثيفة والأرض القفر والحديقة الغناء، جنبا إلى جنب، في رقعة لا تزيد مساحتها على عشرة كيلومترات في مثلها، نستغرب أن يقال في مدينة أنها في سفح تبعد عنه أربعين كيلومترا أو تزيد، أي ثلثي المسافة، في خط مستقيم أيضا، بين عاصمة الجمهورية اللبنانية وعاصمة الجمهورية السورية بالأمس. على أن دهشتك واستغرابك سيتلاشيان إذا صعدت مئذنة جامع الكتبية.
يرجع بناء هذا الجامع، كما يرجع بناء مدينة مراكش، إلى أيام أمير المسلمين يوسف بن تاشفين سلطان المرابطين. ولكن الهياكل العظيمة لا يستقل ببنائها الفرد ولا الأسرة، بل هي من عمل الأسر المتعاقبة في الملك الواحد. ولقد تم تزيين مدينة مراكش، كما تم بناء جامعها ومئذنته في أيام الموحدين الذين خلفوا المرابطين، في أيام أبي يوسف يعقوب المنصور أعظم ملوك الموحدين وأحد عظماء ملوك المسلمين.
ليس لمئذنة الكتبية – والمئذنة تسمى في المغرب منارة وصومعة أيضا – درج يرقى بها، ولكن لها سطوحا مائلة على شكل شبه حلزوني لأن المئذنة مربعة وليست مستديرة.
ويبدو أن السير على سطح مائل ميلا معتدلا أهون من التصعيد في سلم طويل. وضلع منارة الكتبية اثنتا عشر مترا  ونصف، وأما ارتفاعها فسبعة وستون مترا ونصف، فإذا وصلت إلى سطحها الأعلى انبسطت مدينة مراكش تحتك على مثل الكف، ولا غرو فهذه المدينة قائمة في صحراء. وبعد أن تجتاز ببصرك البيوت والجنائن والنخيل ومن كل جانب تبصر الرمال تحيط بتلك الجنة الفيحاء. ثم تدور ببصرك إلى الجهة الجنوبية الشرقية فترى الطرف الغربي من الأطلس الكبير يقوم سدا مرصوصا في الأفق القصي.
وبعد أن تستجلي هذا المنظر الواسع الرائع لمدينة مراكش، كما يراها الطائر من حالق يحسن أن تتقرى عددا من معالم هنالك دارسي سعيد (السيد سعيد) وقصر الباهية وإنقاض قصر البديع وقبور الأشراف  السعديين. ولكن قد يتفق للزائر أحيانا ما يتفق للساكن.  قد يقضي الساكن عمره كله ثم لا يرى كثيرا من معالم البلد الذي يسكنه وهو يمر بها صباح مساءا، أو تكون منه على مسافة سيرة: في غير الحي الذي يسكنه أو في غير الشارع الذي يرتاده فإذا كانت هذه حال الساكن في البلد أحيانا ثم عذرناه إذا حالت العوائق المختلفة بينه وبين مشاهدة الآثار في مسقط رأسه، فالزائر الطارئ أحق بالعذر إذا لم يستطع أن يرى كل ما في ذلك البلد في يومين أو ثلاثة أيام.
مررنا بقصر الباهية وبإنهاض قصر مرور الكرام، وقصدنا إلى قبور الأشراف السعديين فوجدناها في ذلك الحين مغلقة في وجه الزائرين. ولكن إذا كان قد ضاع على شيء من زيارة عدد من المشاهد الجليلة في مدينة مراكش، فلا يجوز  أن تضيع علي زيارة قبر يوسف بن تاشفين بحال: قبر ذلك الرجل الذي بنى مدينة مراكش وأقام الأسس الأولى لعظمة المغرب. أن الوقوف على الخطوط المتناسقة والنقوش المفوفة يأخذ بالبصر ويملأ النفس روعة وجمالا، ولكنه كثيرا ما يوحي بإجلال أكبر من ذلك الذي يستحقه أولئك الذين خلفوا لنا هذه الخطوط والنقوش. لما كنت في باريس، قبل خمسة وعشرين عاما، زرت قصر الإنفاليد لاقف بضع دقائق على قبر نابليون بونابرت. ألم يحاول بونابرت هذأن يغزو وطني ثم يرتد خائبا؟ ألم يحاول، فيما بعد وبعد أن تتوج امبراطورا باسم نابليون الأول، أن يبدل خارطة أوروبة ألم يكن نابليون  مصلحا على الرغم من كل مساوئه الشخصية واعتداءاته على الشعوب؟ فيحسن أن أقف إذن لحظات على قبره التفاتا إلى تلك الذكرى التاريخية وحدها بخيرها وشرها. لقد راعني مدخل الإنفاليد، وراعني السلم الذي يصل بالخطى إلى قبر ذلك الإمبراطور الذي ملأ الدنيا على معاصريه ظلما وحربا ثم زينها بشيء من العظمة الزائلة وبشيء من القوانين الباقية. ولقد راعتني أيضا القبة التي تعلو القبر والرخام الذي صنع به القبر. ولا ريب في أن الذي بنى ذلك القبر قد خطر له كل ذلك، كما خطر له أيضا ما يمكن أن يشعر به.

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here