islamaumaroc

آخر لمحات سقراط

  دعوة الحق

36 العدد

لعل أهول ما يواجهه المرء في هذه الدنيا من المكاره هو الموت، فيبعث منظره رعشة في الجسم، ويقلق تصوره راحة النفس، ويكدر لذات العيش، وقد قابل الموت وجها لوجه كثير من أفراد الإنسانية ممن قضى عليهم بالإعدام بحق أو بظلم، فاستقبلوه بحالات نفسية مختلفة، منهم من سبق إلى المشنقة وهو ذاهب اللب خوفا من شبح الموت الذي يحدق إليه من أمام، ومنهم من رقى إلى المفصلة واجما كثيب القلب أما حزنا على النعيم الماضي وأما حسرة على الأمل الضائع، ولكن العظماء من أفراد البشر، كما كانوا عظماء في ميادين الحياة المختلفة، كانوا كذلك عظماء في ساحة الموت، وقد خلد التاريخ منهم رجالا صافحوا الموت بالقلب الجريء، والنفس الرضية، والثغر المبتسم، وأن الدراسة لهذا السلوك الإنساني عند لقاء الأجل، قد ضمنت من الروعة والعبرة ما حصل بعض الباحثين على أن يقيدوا من أحداثه ما عظم في عينهم وجل، فباللغة العربية من ذلك كتابان لفقيد الأدب الأستاذ كامل كيلاني يمثلان للقارئ مصارع المشهورين من الرجال، وكتب المؤلف في مقدمة احدهما يبين الغرض منه: «لأنه ليس أروع للنفس من تمثل مصارع الناس والاستماع إليهم في ساعاتهم الأخيرة، وتعرف ما قالوه وقت حلول الأجل، وآخر ما تفوهوا به من الكلم قبل أن يفارقوا هذا العالم – خيره وشره- فراقا أيديا لا عودة لهم بعده» وباللغة الأردية ألف المغفور له الشيخ أبو الكلام الدهلوي- الذي مات قبل بضع سنوات وهو وزير المعارف في الهند- كتابا سماه: (الإنسانية على عتبة الموت). وكان مراده بالإنسانية عظماء الرجال ممن كان لهم عند مقابلة الموت مواقف مشهودة.
على أن المرء إذا استعرض أحوال الشهداء والأولياء من أهل الإيمان بالله والكتب والرسل واطلع على مواقفهم الجريئة في وجه الموت، فإنه وإن أخذته الدهشة عليها يعللها بقوة إيمان أولئك بالله وبالحياة الأخرى بعد هذه الدنيا، وذلك أن المرء إذا وضع أمامه أسوة الأنبياء والمصلحين ممن ابتلوا في حياتهم الدنيا بصنوف العذاب حتى نشر بعضهم بالمناشير، وكان مؤمنا بالله خالق هذا الكون، وموقنا بأن هذه الحياة الدنيا عارضة أن لم تنقض اليوم فقد تنقضي إذا، وستتبعها حياة أخرى، حياة الخلد والدوام، ثم كان أودع في صدره قلبا رابطا، ونفسا أبية، فإنه خليق أودع في صدره قلبا رابطا، ونفسا أبية، فإنه خليق بأن يلقي الموت كلقاء الند للند، ويجتاز القنطرة إلى الحياة الأبدية بنفس هادئة، ووجه بشاش، وكلن العجب حين يفعل مثل فعله، ويقف هذا الموقف العظيم رجل ليس من أتباع الرسل، ولا من متبعي الدين، ولا من حملة الكتب السماوية، وإنما هو رجل فكر وفلسفة، نشأ بين قوم يومنون بآلهة متعددة، وليس إيمانهم بالآخرة كإيمان أهل العقيدة والدين من أمم الأنبياء.
من منا لا يعرف سقراط، أبا الفلسفة اليونانية، ولد في اليونان بسبعين وأربعمائة سنة قبل المسيح، وقضى حياته في أزهر أدوار التاريخ الأثيني الذي قد امتاز بنبوغ عبقريات متعددة في الأدب والفن والسياسة والحكم والخطابة، اتهم في آخر أيامه بجريمتين، وحوكم في محكمة الشعب، فقضت عليه الأكثرية الضئيلة من أعضاء المحكمة بالموت، فعوقب به بكأس من السم سقيها في السجن، وفي اليوم الذي أنفذت عليه هذه العقوبة اجتمع به في السجن نفر من أتباعه وأصدقائه من الشباب الأثيني يعرف فيهم كريتو وأفلاطون، فجرى بينهم وبين سقراط حوار طويل في خلود النفس قدر فيه سقراط أن العوامل الطبيعية والجسدية عملها ضئيل جدا في الوظيفة الحقيقة للحياة الإنسانية، وأن الحواس عرضة للانخداع، والحقائق الثابتة لا يدركها إلا الذهن وحده، وجعل الحياة الإنسانية سفرا من عالم الفناء إلى عالم الحي القدوس، وقرر أن الحياة الروحية في اليوم الآخر –يوم الجزاء والعقاب- هي الحجة الخلقية لوجوب حياة التقوى والصلاح على وجه الأرض، هذا الحوار الفلسفي الممتع دونه أفلاطون مفصلا في كتابه المحاورات) تحت عنوان: فيلد، واختتمه بذكر ما شهده هو ومن معه من أمر سقراط في ساعاته الأخيرة التي تناول فيها كاس السم، فشر بها كالماء الزلال، وورد حياض المنية بكل طمأنينة ورضي، هذا البيان الساذج المعجب لسلوك سقراط في آخر لمحاته في هذه الدنيا هو الذي نريد عرضه على القارئ في هذه الكلمة.
ولكن قبل أن ننقل عن أفلاطون هذا الفصل الرائع الذي هو يعد بحق قطعة من الأدب العالمي الخالد، لعله يحسن بنا أن نقف برهة عند حقيقة الجريمتين اللتين اتهم بهما هذا الفلسفي العظيم، وعند دفاعه عن نفسه فيهما، ونستدرج من ذلك إلى المشهد الأخير من حياة هذا العبقري.
كانت الجريمتان (1) اللتان أتهم بهما سقراط ثم حوكم فيهما في المحكمة الشعبية الأثينية أنه –أولا- لا يومن بآلهة اليونان، ولا يدين بالضابطة الخلقية التي أساسها الفزع والخوف من تلك الآلهة المتعددة، وأنه – ثانيا- قد أفسد وأضل الشباب الأثيني بإنكاره وآرائه المبتدعة، واتصلت هاتان الجريمتان أوثق الصلة بمسألتين هامتين كانتا تواجهان الأمة الأثينية آنذاك:
أولا هما أن كان الفلاسفة السفسطائيون – قبل سقراط- زلزلوا إيمان الشبيبة الأثينية بآلهة اليونان لما بذروا في قلوبهم بذور الشك والارتياب من كل ما هو فوق الطبيعة ومن وراء حدود التجربة والحس، ولما علموهم التساؤل عن حقيقة كل شيء قبل أن يومنوا به أو يصدقوه، ولما تزلزل في قلوب الشباب الأثيني ذاك الإيمان بالآلهة، كانوا حريا بأن يفعلوا ما تشاء أهواؤهم وأنفسهم وأن لا يخافوا أو يتلجلجوا عند الإقدام على عمل أو التفوه بقول، وكل ذلك معناه أن تنشأ فيهم الفردية المشتتة التي تضعف  كيان الأمة وتجعل المدينة Polis لقمة سائغة لأعدائها من أهل سبرطة المتخشنين، فنسأل السؤال حينئذ: ما هو البر؟ وما الصلاح الحقيقي؟ وأي ضابطة حلقية يجب أن تنفق عليها الأمة الأثينية حتى يلتئم كيانها ويتماسك بنيانها؟.
والمسألة الأخرى كان مبعثها النظام الديمقراطي القائم في أثينا عندئذ، وكان هذا النظام قد أصبح عند أهل البصيرة والفكر أضحوكة لسوء تأليفه وتركيبه، وأي شيء أعبث في الدنيا من الديمقراطية التي تسيطر عليها الدهماء من الناس، ويكون السلطان فيها للعواطف لا للعقول، وتكون الحكومة لعبة بيد جماعة من المتناظرين المتباحثين، يغلب على أعمالها وأحكامها طابع العجلة فيها حتى بمهام الأمور كانتخاب القواد وتعطيلهم وضرب رقابهم، وتكون المحكمة العليا متآلفة من الزراع والتجار والسذج ممن ينتخبون لعضوية المحكمة بالنوبة حسب الترتيب الهجائي لأسمائهم. فعن السؤال: كيف تصان الدول من الانحلال؟ وأي نظام للحكومة هو خير النظم وأصلحها لأمة أثينا؟.
وكان جواب سقراط لهاتين المسألتين هو الذي جر عليه الموت وألبسه حلة الخلود.
فلو أنه جدد في الناس الإيمان بآلهة اليونان المتعددة ورجع بالنفوس المتحررة المجتمعة حوله إلى تلك المعابد والأضرحة القديمة، ليقدموا بين يدي آلهة آبائهم القرابين، لاحترمه شيوخ أثينا وعظمه المجتمع، ولكنه لم يشأ سقراط أن يقود الناس إلى ما يعتقد أنه خطة رجعية وعدول عن القصد.
كان لسقراط عقائده الخاصة، فكان يؤمن بآله واحد، وكان يومن – على أسلوبه الخاص- بأن الموت لن يغنيه، بل سيكون لروحه خلود في الحياة الأخرى، ولكنه كان يرى مع ذلك أن هذه العقائد غير اليقينية لا تصلح لان تكون قوام ضابطة خلقية مستقلة تبقى على الدهر ولا تتغير. فكان من رأيه أنه
لو أمكن أن توضح ضابطة خلقية بانفصال تام عن العقائد الدينية، حرية بأن يلتزمها المومن والملحد على السواء، لكان خيرا للأمة، لان العقائد عرضة أبدا للتغير والتطور، ولكن الضابطة الخلقية يجب أن تكون ثابتة لا تتغير، حتى لا يضطرب كيان الأمة في حال من الأحوال.
أما نظام الدولة فكان من رأي سقراط أنه إذا كانت الدولة بنفسها عنوان الفوضى والعبث، تأمر الناس ولا تأخذ بأيديهم، وتسوقهم ولا تهديهم، فلا يمكنها أن تحث آحادها على أن يتبعوا قوانينها، وأن يخضعوا طموحهم الذاتي للخير العام، كان يقول سقراط: أنه حيثما انعدم الفكر والتأمل كانت الفوضى وعدم النظام، وأن المجموع من الناس يستعجل أبدا في الحكم، وأكثر ما يحكم بالجهل، ويعود بعد ذلك نادما على ما فرط منه، وكان يسأل: أليس من ألوهم المحض أن يرجى أن اجتماع عدد من الناس تنبعث منه الحكمة والتعقل؟ أليس من الحق أن الناس مجتمعين يكونون أدنى إلى الحمق وأشد وأظلم في حكمهم منهم منفردين.
ولك أن تتصور ما كان لتعاليم سقراط هذه من رد فعل عند الحزب العمومي القائم بالحكم والأمر، في وقت كانت أقلية من أهل الثروة والثقافة في أثينا تدبر فيه ثورة على النظام القائم، ثم أنه وقعت الثورة بالفعل، وقاتل فيها الناس، هذا بحقها وهذا بخلافها، ولكنه كانت الغلبة فيها للديمقراطيين مرة أخرى، ولما كان سقراط في رأيهم هو المرشد الروحي لتلك الأقلية الارستقراطية الثائرة، على كونه بقي منعزلا عن الحرب، رفعت عليه القضية في المحكمة يومئذ أفلاطون أيضا، فاستمع لدفاع سقراط ودونه فيما بعد في كتابه (المحاورات) تحت عنوان (الاعتداء) وهو فصل يشتمل على ثلاثة خطب للفيلسوف في الدفاع عن نفسه. ومن المعلوم أن اتهام سقراط بما ذكر آنفا من الجريمتين إنما كان خداعا اتخذوه لإخفاء عداوتهم له وحنقهم عليه، وفي هذا الدفاع لم يعن سقراط بأن يرد عن نفسه التهم مثل ما عني بأن يفضح أرباب الأمر عليه، وكيف أنه أصبح قذى في أعينهم بما أنه حصن العامة على إصلاح النفس، وبما أنه شهر بجهل المتعالمين من القوم في أثناء بحثه عن الحكمة.
وفي هذه المحاكمة ثبتت إدانة سقراط، وقيل له على عادة اللاتينيين أن يقترح بنفسه العقوبة التي يرى أنه يستحقها. فأجاب ساخرا مستهزئا: أني أرى أن تثيبني الدولة بجائزة لأني ظللت ناصحا لها ووفيا بها طول حياتي. ولا شك في أنه لو أحسن الدفاع عن نفسه لبرئ، ولو لم يسخر من القضاة ولم يتهكم بهم في وجوههم على مرأى من الناس لما حكم عليه إلا بغرامة يسيرة كان في وسعه أن يؤديها ويتخلص، ولكن موقفه ذلك زاد في سخط أهل المحكمة وحنقهم. وبهذا أجبر هذا الفيلسوف قضاته في المحكمة على أن يرعبوه ويلزموه بالصمت.
فقضي الأمر بأن يسقى سقراط كأس السم، وجاءه بعض أصدقائه في السجن وعرضوا عليه الفرار، لأنهم قد رشوا كل من كان حائلا بينه وبين تحرره، ولكنه أبى، وكان قد بلغ من عمره السبعين، فلعله رأى أنه قد حان الوقت الذي ينبغي له أن يموت فيه، وأن موته لن يكون أنفع وأجدى من موته في ذلك الوقت، ففي آخر يومه في السجن قال سقراط لأتباعه وأصدقائه عند خاتمة حواره معهم: هونوا عليهم يا أخواني! وإذا دفنتموني بعد أن مت فأيقنوا أنكم إنما تدفنون جسدي وحده، لا روحي، لان الروح لن يلحقها الفناء.
قال أفلاطون في حواره (فيدو) وهذا هو الفصل الذي عنيناه في صدر المقال:
« لما أن قال سقراط هذه الكلمات، نهض إلى الحمام ليغتسل، وتبعه كريتو، وأوعز إلينا أن ننتظر، فتخلفنا من ورائهما وأخذنا نتكلم ونفكر في موضوع الحوار الرائع وفي عظم المصاب الذي قد أوشك أن يحل بنا، فكان سقراط عندنا بمنزلة الوالد الذي كنا سنفقده بعد حين، ونقضي حياتنا الباقية يتامى، عشيرته، فتحدث معهم مليا وأوصاهم أمورا بمشهد من كريتو، ثم أرسلهم عنه ورجع إلينا.
وقد دنا المغيب الآن، لأنه غاب عنا وقتا غير قليل، فلما خرج إلينا جلس معنا مرة أخرى، ولكنه لم يجر بيننا وبينه كلام، وعندئذ دخل السجان ووقف بجانب سقراط وخاطبه: أنك يا سقراط خير من دخل هذا السجن وأشرفهم طينة والينهم جانبا، فلن أتوقع أن أجد فيك السخط والغضب الذي عهدته فيمن سواك ممن كانوا يثورون علي غاضبين ويدعون علي بالويل والثبور كلما تقدمت إليهم – بحكم وظيفتي- بكأس السم، وأني واثق أنك لن تغضب علي، لان اللوم في هذا الأمر على غيري لا علي، فودع نفسك وداعا يا سقراط وأجمل الصبر على الأمر الذي لا مهرب منه، ولعلك قد فهمت ما جئت الآن لآمرك به، ثم أجهش باكيا وانصرف.
وأرسل النظر من ورائه سقراط وقال: أني أبادلك اللطف والمودة يا أخي! وسأمتثل أمرك، ثم التفت إلينا قائلا: ما أطيب هذا الرجل قلبا وما أدمثه خلقا، أنه لم يزل يختلف إلى في السجن مذ دخلته، وكان يتكلمن في الأحايين ويعاملني بأحسن ما في وسعه من المعاملة، وانظر إليه الآن كيف يحزن لأجلي، أنه يحسن بنا – أي كريتو- أن نفعل كما يأمر، فليؤت إلى بالكأس أن كان السم قد أعد، وأن يكن، فقل لخادم السجن أن يعد لي شيئا منه.
قال كريتو: مهلا يا سقراط! فان الشمس لا تزال فوق ذري الآكام بعد، وأني لأعلم أن كثيرا من المعاقبين في هذا السجن قد أجلوا تناول المشروب إلى ما بعد مغيب الشمس، وأنهم بعد أن أمروا بالشراب قد أكلوا وشربوا ومتعوا أنفسهم بصحبة العشيرة والأصدقاء ما شاءوا، وقد بقي دون المغيب وقت غير قليل.
قال سقراط: نعم يا كريتو! أن الذين تذكرهم أحقاء بأن يفعلوا مثل ذلك لأنهم يظنون أنهم إنما ينتفعون بالتأخير، ولكني حقيق بأن لا أتبعهم ولا أحذو حذوهم، لأني اعتقد أني أن أجلت تناول السم فلن يغني عني ذلك شيئا. وسأكون أضحوكة عند نفسي إذا حاولت أن أطيل أو أوفر حياة قد صودرت فعلا، فتفضل يا أخي بامتثال ما أقول ولا تردني.
فأشار كريتو إلى الخادم الذي كان واقفا من قريب. فخرج وبعد غياب قصير عاد مع السجان حاملا بيده كأس السم. قال سقراط: أرجوك يا صديقي الابر أن ترشدني كيف أتقدم في الأمر، لأنك مجرب في هذه الأمور، فقال الرجل: ليس عليك، يا سيدي، إذا شربت من هذه الكأس إلا أن تمشي على قدميك حتى تثاقلا، فإذا أحسست بالثقل في قدميك فاضطجع على السرير ليعمل السم عمله. قال هذا وناول الكأس سقراط، وتناولها سقراط بكل سهولة وارتياح، بدون أن يعتريه الخوف أو يمتقع لونه أو تتغير ملامحه، ونظر إلى الرجل بملء عينيه كعادته ثم قال: ماذا ترى في أن أقدم إلى ألهي من هذا الشراب، هل أنا في حل من ذلك؟ فقال الرجل: أنا نعد من هذا الشراب – يا سقراط- المقدار الذي نحسبه كافيا لشربة واحدة فقط، قال سقراط: قد فهمت. ولكن يجور لي، بل يجب علي أن أسأل الآلهة أن يباركوا في سفري من هذه الدنيا إلى الأخرى، آمين.
ثم رفع سقراط كأسه إلى شفتيه وشرب السم بكل رضا وبدون تلعثم، إلى هذا الوقت كان كلنا قد استطاع أن يملك حزنه، ولكن الآن وقد رأيناه يشرب من الكأس، حتى رشف آخر قطرة منها، لم نتمالك أنفسنا، ففاضت دموعنا على الرغم منا، فغطيت على وجهي بيدي وبكيت، لا لمصاب سقراط، بل لمصابي أنا في هذا الصديق العظيم، ولم أكن أول من خانه الصبر، فان كريتو لما رأى أنه لا يستطيع أن يمنع سوابق عبراته قام من هناك، وقمت أنا من ورائه وإذا صديقنا أبو لودورس الذي كانت عيناه تدمعان في أثناء ذلك كله رفع صوته بالبكاء، ولم يبق إلا سقراط على هدوء النفس وسكونها، فقال لنا زاجرا: ما هذا الصباح العجيب؟ إنما أرسلت النسوى عني لكيلا يفعلن مثل هذا الفعل الذي لا يليق، لأنهم قد قالوا: أن المرء ينبغي أن يموت في هدوء وسكون. دعوا أنفسكم من هذا يا أحبتي وألزموا الصمت والصبر، ولما سمعنا عنه هذا خجلنا في أنفسنا ومنعنا دموعنا، ومشى سقراط في السجن، حتى أخذت قدماه – كما قال- تثاقلان، فاضطجع على السرير مستلقيا كما قيل له، والرجل الذي ناوله السم أخذ ينظر إلى رجليه وساقيه، وبعد هنيهة ضغط على رجله وسأل: هل تحس؟ قال: لا. ثم فعل مثل ذلك بما فوق الرجل من الساق إلى الفخذ، وأشار إلينا أن أسلفه قد برد وتصلب، وأحس ذلك سقراط نفسه وقال: إذا بلغ السم القلب فذلك هو النهاية.
وكان جسمه قد أخذ يبرد عند السرة إذا هو حسر عن وجهه – وكان قد غطاه بنفسه من قبل- وقال: أي كريتو! أني مدين لا سليبس في ديك أخذته منه، فهل لك أن تؤدي هذا الدين عني ولا تنسى. لك حاجة أخرى؟ ولكنه لم يأت منه الجواب على هذا السؤال الأخير. وبعد دقيقتين أو ثلاث كانت حركة تحت الثوب، فأماط الخادم عنه اللثام، فإذا عينا سقراط قد جمدت، فقام كريتو وأغمض جفنيه وأطبق فاه.
وتلك – يا أيشيقراط- كانت نهاية صديقنا الذي أقول فيه بصدق: أنه كان خير من عرفت من أهل زمانه وأكيسهم وأعدلهم.»

(1)  اقتبسنا أعظم ما يتلو من البيان من كتاب «قمة الفلسفة» للكاتب الكبير «ول دوران». 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here