islamaumaroc

دواء الشاكين وقامع المشككين -11-

  دعوة الحق

36 العدد

اعترض على أحد الإخوان فقال انك لا تحافظ على الاصطلاحات العلمية، فقلت له اذكر لي مثالا من ذلك فقال أنه لا يحضره ولا مثال واحد. فقلت له ينبغي أن تعلم أني لم اقصد بهذه المقالات بيان المسائل العلمية، لذاتها فحسب وإنما أردت استخلاص العبرة والاستدلال على تدبير الخالق الحكيم ثم أني مترجم فمن أراد أن يعترض علي يجب عليه قبل ذلك أن يستحضر الأصل ويقابله بالترجمة ثم يعترض على ما يراه خطأ، على أني لا أحرص كثيرا على التدقيق في الترجمة بقدر ما أحرص على سهولة العبارة وتيسير فهمها للقراء، ثم إن الاصطلاحات العلمية الحديثة كلها ألفاظ أجنبية لا يمكننا أن نخطئ فيها ولكن يمكن أن نفسرها ونشرحها.
ثم قال المؤلف: يظهر أن الحيوان له قدرة على تبادل الشعور تقوم مقام اللغات عند الإنسان، فمن ذا الذي لم يلاحظ أن جمعا من السمك المعروف بمنو يتحرك كله دفعة واحدة في وقت واحد؟ ومن ذا الذي لم يراقب بإعجاب الطائر المعروف بالطيطوي يطير ويحوم في الجو حتى تجتمع عليه سائر الطير ذوات الصدور البيض في أشعة الشمس فتجتمع كلها في وقت واحد، فمتى أعطيت الأوامر وتلقيت لا يسمع صوت نقدر أن ندركه، ومع ذلك يطيع الرب كله الأوامر كأنه فرقة من جنود أمرها ضابطها بأمر فامتثلته، بعضنا لا يصدق بوجود تبادل الشعور بين أفراد الحيوان، وبعضنا بصدق به، ولكن لا أحد منا يستطيع أن يفسر الأسلوب الذي يتفاهم به السرب.
متى حملت الريح فراشة أنثى وأدخلتها إلى غرفتك من خلال النافذة، ترسل في الحين بإشارة خفية إلى الفراشة الذكر وبينهما مسافة بعيدة جدا فتتلقى الفراشة الذكر تلك الرسالة وترد جوابها، وأن أحدثت رائحة شديدة في معملك لتمتع تخاطبهما لم يجدك ذلك نفعا، فهل يوجد لذينك المخلوقين الضعيفين جهاز ارسال أي محطة إذاعة يتحادثان بها، أو تراها تهز الاثير فيلتقي هو الاهتزاز ويتفاهمان بذلك؟ وماذا نقول في أنثى الجاذب حين تحك ساقيها أو جناحيها في ليلة هادئة فيسمع ذلك رفيقها على مسافة نصف ميل، إنها تهز ستمائة طن من الهواء لتنادي رفيقها، والفراشة التي تعمل في عالم من عوالم الطبيعة تنادي رفيقها في سكوت تام، وقبل أن يكتشف الراديو كان العلماء يظنون أن رائحة تنبعث من الفراشة الانثى فيشمها الذكر ويفهم منها مراد الانثى ولو كان هذا صحيحا أيضا لكان من خوارق العادة لان الرائحة إذا انبعثت في الهواء تنبعث في جميع الجهات بهبوب الريح أو بدونه فيكون على الفراشة الذكر حين تصلها هباءة من الرائحة أن تميز من أي جهة جاءت فبقيت المشكلة بلا حل.
ونحن الآن نبذل جهدنا في توسيع علم الميكانيك لتتطور المواصلات وتتسع دائرتها، وسيأتي اليوم الذي يستطيع الشاب فيه أن ينادي محبوبته من مسافة بعيدة بدون استعمال وسائل ميكانيكية فترد له الجواب دون أن يحول بين تخاطبهما جدار ولا باب مغلق، أن التليفون والراديو من الآلات العجيبة نستطيع بهما أن نتحادث من مسافات بعيدة، ولكننا مقيدون بالسلك والمكان، وعلى هذا نرى أن الفراشة لا تزال متفوقة علينا، ولا يسعنا إلا أن نغبطها على ذلك حتى نستطيع ادمغتنا أن نخترع الراديو الفردي وحينئذ نتمكن من تبادل الافكار على الوجه الاكمل، والنبات يحثال في استخدام أشياء لاستمرار وجوده دون
رغبة من تلك الأشياء، فمن ذلك الحشرات التي تحمل اللقاح من زهرة إلى أخرى، والرياح، وكل شيء يطير أو يمشي ليوزع اللقاح، بل استطاع النبات أن يستخدم الإنسان وهو سيد هذه المخلوقات فصار الإنسان يحرث ويزرع، ويشذب كل ذلك يفعله خدمة للنبات لينمو وتتحسن حاله وعلى الإنسان أن يخزن الحب والثمار ويحفظها وإذا لم يفعل عوقت بالمجاعة، وانحطت المدنية، وعادت الأرض خرابا.
والطيور التي تؤخذ صغيرة من أعشاشها حين تكبر تصنع أعشاشها كأعشاش آبائها، وأمهاتها، وللعادات المتوارثة أصول بعيدة في ظلمات القدم، فهل هذه الأعمال نتيجة المصادفة أم نتيجة أعداد حكيم، أن في هذا لكفاية لإظهار العادات الوراثية التي نسميها بالغرائز، ولا نجد من بين أنواع الحيوان التي جابت الأرض طولا وعرضا مثل الإنسان في قوة التعليل، فهو وحده الذي نمى معرفته بالأرقام، فلو أن إحدى الحشرات عرفت عدد أرجلها لما أمكنها أن تعرف عدد أرجل اثنتين من نوعها لأن ذلك يتطلب التفكير وقوة التعليل.
وكثير من الحيوانات هي مثل سرطان البحر، الذي أذا فقد مخلبا، عرف أن جزءا من جسمه قد ضاع، بادر إلى تعويضه بإعادة تنشيط الخلايا وعوامل الوراثة، ومتى تم ذلك كفت الخلايا عن العمل لانها تعرف بطريقة ما أن وقع الراحة قد جاء.
والحيوان المائي المعروف بكثير الارجل إذا قطع نصفين يقدر أن يصلح نفسه بواسطة أحد النصفين، وإذا قطعت نصفين يقدر أن يصلح نفسه بواسطة أحد النصفين، وإذا قطعت رأس دودة الطعم فإنها تسارع إلى صنع رأس بدله، ونحن نقدر أن نهيئ التئام الجروح ولكن متى يتمكن الجراحون إذا كانوا سيتمكنون أن يعرفوا كيف يحركون الخلايا لتصنع ذراعا جديدة أو لحما أو عظاما أو أظفارا أو أعصابا، وهناك حقيقة مدهشة تلقى بعض الضوء على سر هذا الخلق من جديد: فإن الخلايا في المراحل الاولى من تطورها أن تفرقت تستطيع كل واحدة منها أن توجد حيوانا كاملا، لذلك إذا انقسمت الخلية الأصلية من تطورها أن تفرقت تستطيع كل واحدة منها أن توجد حيوانا كاملا، استطاع كل نصف أن يتطور إلى حيوان كاملا وربما يفسر ذلك التشابه الذي يكون بين التوأمين، ولكن يدل على أكثر من ذلك فإن كل خلية في البداية يمكن أن تكون حيوانا كاملا، وهذا ما يدلنا بلا شك على أن أحدنا موجود بأكمله في كل خلية ونسيج من جسمه، وهذه الطريقة العجيبة التي يمكن الإشارة إليها في سهولة وصدق في المزمور رقم 139ـ 14/16 من مزامير داود.
يقول المزمور:(أمجدك لأني خلقن بشكل رائع عجيب، أن أعمالك عجيبة، وأن نفسي لتعلم ذلك حق العلم، أن أصلي لا يخفى عليك حين خلقتني في الخفاء من أدنى أجزاء الأرض خلقتني في أحسن صورة، وكانت عيناك تريان أصلي قبل أن يتم خلقي، وفي كتابك كل أعضائي كانت مكتوبة واستمر تصويرها أن تتطور بها كل خلية إلى كائن حي مستقل قد وقعت بعد أن لم يكن واحد منها).
ويمكننا أن نكتب صفحات في عجائب الشعور الذي لا يزال في الوقت الحاضر وراء أدركنا، ولكن هذه الأمثلة كافية تماما لتدلنا على أنه لا يزال أمامنا كثير مما يجب أن نتعلمه.
ومادام الإنسان لا تتكون له حواس جديدة أو اختراع آلات ميكانيكية تساوي ما عند الحيوانات من القابلية فإن أمامه طريقا طويلا للتطور، أن كل قابلية توجد عند الحيوان ولا توجد عندنا هي تحد لذكائنا ونحن لا نزال ناقصي العلم إلى أن نجد جوابا لهذا التحدي أننا إلى الآن لا نستطيع أن نضع أسسا على معرفة ناقصة وإلى أن نملك كل حاسة ربحتها الكائنات الحية الأخرى، فإننا سنبقى عاجزين عن إدراك الإرتباط الحقيقي الذي بين قوانين الطبيعة، وسنبقى باحثين فيما لا نهاية له بفهم جزئي، أن التطور الروحي للإنسان هو للآن في البداية، والقيس الإلهي قد بدأ يسيطر في بطء على عقله المادي، وأخطاء الإنسان التي توصله إلى هلاك نفسه بيده، إنما هي مآسي طفولته، وزماننا إذا قيس بالأزل الماضي والأبد المستقبل، لا يزيد على دقة الساعة، لكن الروح التي فينا تتعلق بالأزل والأبد جميعا.
ونحن إذا فكرنا في الفضاء الذي لا يفتأ يمتد أمامنا، وفي الزمن الذي لا بداية له ولا نهاية، وفي القوة المقيدة والمحبوسة في الذرة، وفي الكون الذي لا حد له بعوالمه التي لا تحصى ونجومه التي لا تعد وفي الاهتزازات التي نسميها بالضوء والحرارة والكهرباء والمغناطيسية، وفي النشاط المستمر للنجوم، وفي الجاذبية وسيطرة القوانين الطبيعية على العالم، إذا فكرنا في ذلك كله أدركنا في الحقيقة أننا لا نعلم إلا قليلا، فكم يجب لأن يتقدم الإنسان قبل أن يعلم حق العلم وبتيقن وجود الخالق الأعلى، ويحاول أن يرتفع إلى أعلى ما يستطيع بلوغه من الفهم، دون أن يحاول تفسير حكمة الله ومقاصده أو يحيط بكنه صفاته تعالى.

تعليقات
1. أن تحرك سرب من السمك دفعة واحدة في لحظة واحدة لأمر عجيب فلو قدرنا أن جماعة من البشر أرادوا أن يفعلوا مثل ذلك لاحتاجوا إلى مفاوضات طويلة وإشارة واحدة يسمعها كل واحد منهم أو يبصرها كاطلاك عيار ناري مثلا أو إرسال ضوء قوي في الفضاء هذا إذا كانوا مستيقظين أو كانت عندهم ساعات دقيقية لا تخطئ كساعة بكين التي تذيع ضرباتها إذاعة لندن فربما يتوقفون مع هذه الوسائل إلى التحرك دفعة واحدة في وقت واحد ومن المعلوم أن الحيتان ليست لها لغة كلغات البشر ولا آلات لضبط الوقت ولا إشارات، فماذا يقول المتفلسف الذي ينكر ما لا علم له به وما لا يفكر فيه ولا درسه إخلادا إلى الراحة وإرضاء لسادته ذئاب الاستعمار. يجب عليه أن يفسر لنا هذه الأسرار ويعللها وليستعن بمن شاء من سادته أن كان صادقا، وهيهات هيهات لن يستطيع ذلك حتى يلتقي السهيل والثريا، وحتى يصير الباطل حقا والكذب صدقا.
2. الآية العظيمة في إعطاء قائد الطيطوي الأمر لسائر أفراد السرب دون أن يتكلم بلغة نفهمها، فماذا يقول الجاحدون في خطاب نملة سليمان لسائر النمل، هل يستطيعون بعد الإطلاع على هذه الحقائق أن يجحدوا تبادل الشعور بين أفراد الحيوان؟ لقد قال بعض الأوربيين المنصفين الأحرار أن أول كتاب ذكر فيه ما يدل أن أفراد الحيوان لها وسيلة تتفاهم بها هو القرآن إذ جاء في سورة النمل(قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) فإلى القرآن يرجع الفضل في إقبال العلماء على البحث في تفاهم أفراد الحيوان ومعيشتهم الاجتماعية وأنظمهم الدقيقة.
3. أما قصة الفراشتين والجنادب: فقد علق عليهما المؤلف بما لا مزيد عليه، أن في ذلك لآيات للمؤمنين وقوارع مخجلة للجاحدين.

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here