islamaumaroc

همة الشباب

  دعوة الحق

36 العدد

هذه دعوة تحليلية جادة، موضوعية بقدر ما أتيح لها أن تكون كذلك، توضح بين أيدي الشباب في مغربنا الحبيب ليولوها حقها من النظر والنقد.
دعوة تحاول أن تجد لها موضوعا.
دعوة ليست لجيل فتح أعينه على عصرين، وعايش فترتين من حياة هذه الأمة وإنما هي لجيل يحاول أن يتفتح على عصر زاخر، مليء بالأحداث والمغامرات والتضحيات، ويريد أن يعيش فترة واحدة حاسمة، يترك الحياة من بعدها لبني أمة واضحة المعالم، بينة المحجة (ليلها كنهارها، لا يضل عنها إلا هالك).
موضوع هذه الدعوة إذا الشباب... عنوان الخير والفعالية والنشاط والحياة في الأمة:
ذلك بأن الشباب جيل صاعد، نام، متحرك، تعده الأيام ليخلف جيلا ذاهبا، أتم نموه، وبدأت تهدأ فيه الحركة ويقل فيه النشاط، تلك خلفية طبيعية تعدنا لها الأيام، ومن واجبنا ألا يطغى علينا احترام السلف، وتقديس الأجداد إلى درجة نرفض معها تحمل تبعات هذه الخلفية الطبيعية التي سيداهمنا الواقع بها يوما ما، على رضى منا أو على كره... ولقد شهد تاريخنا الحديث أن أجدادنا كانت تستأثر بهم الأنانية إلى درجة أنهم يهملون أعداد أبنائهم لحمل تبعات المستقبل من بعدهم.. ولقد ضاع منا استقلالنا يوم استلم هؤلاء الأبناء مقدرات الأمة، فأعانهم الجهل على إضاعة البلاد وتسليمها للمستعمر.
ولئن كان الجيل الصاعد يلمس مثل هذا الإهمال من الأجداد، فليس له عذر بعد اليوم في الاستسلام إلى إرادة الآباء والأجداد في البقاء في عزلة الجهل وزاوية الإهمال.
هنا يأتي دور الشباب في ميدان النهضة الحاضرة، الشباب الذي تفتح على عالم يكاد يضيق بمن فيه من الجهلاء وإنصاف العلماء هذا العالم الذي لا يكاد يعيش فيه إلا العالمون، والذي لا يكاد يستطيع الحياة فيه إلا الذين يصنعون أو يخترعون شيئا بحفظون بصناعته أو باختراعه على أنفسهم نعمة البقاء.
أصبح إذا من واجب الشباب أن يحرك نفسه بنفسه إذ عجز الجيل الماضي عن أن يحرك الجيل الحاضر من أجل المستقبل، هذه الحركة الذاتية، تصدر عن الشباب ليندفع إلى العمل المتواصل، والنشاط الدائب، والتفكير فيما عليه من واجبات.
وأكاد أعتقد أن هذه الحركة الذاتية عفوية وليدة الواقع الذي تعيشه أمتنا في هذه الأيام، وهي لولا إحساسنا بواقعيتها ووجودها في الظروف الحاضرة –حركة فكرية خيالية، ليس لها من وجود إلا في عالم النظريات والمثل، ولكنا –ونحن نلمس واقعيتها ووجودها في الظروف الحاضرة في مغربنا الحبيب نحاول أن نصوغها صياغة أخرى أقرب إلى الواقع وأبعد ما تكون عن النظريات والمثل عندما نراها تتجسد في الشباب المغربي وفي همته على وجه الخصوص: إن الشباب في كل البلاد معان على تحمل تبعات المستقبل من قبل الأجيال السابقة، أما شبابنا المغربي، فهو مكلف بحمل تبعات المستقبل –وحده-، بل هو مضطر إلى الكفاح للتحرر من نير الماضي وبقايا عهد الاستعمار، وما يعينه على الكفاح للتحرر من قيود الماضي إلى عمل متواصل، لا يعرف الفتور ولا الملل، وما يعينه على حمل أثقال تبعات المستقبل إلا تفكير دائب تنشأ عنه حلول لمستعصيات المشاكل المغربية، وسعي حثيث يتولد منه سعي حثيث إلى إقرار ما صح عليه العزم وانتهى إلى التفكير، كذلك يمكن أن تصاغ نظرية الحركة الذاتية هذه صادرة عن وعي الشباب، واندفاع الشباب وهمة الشباب.
والشباب المغربي –وحده- يستطيع إخراج هذه النظرية من عالم المثل إلى عالم الحس والواقع بما يبذل من تضحيات، وبما يحقق في سعيه الحثيث من مبادئ وأهداف وغايات.
والتضحيات التي ينبغي أن تبذل كثيرة جسيمة، وهي –مهما كانت جسامتها- يسيرة هينة على الشباب، ولا أريد هاهنا أن أعدد هذه التضحيات فكل يضحي على قدر همته في سبيل بناء أمته، وإنما أريد أن أتحدث عن نوع واحد من التضحيات في حقل الكفاح للتحرر من قيود الماضي.. هذا النوع المشترك من التضحيات بين همم الشباب ضروري لبناء مستقبل الأمة سليما مكينا، وينبغي أن يتكاثف الشباب جميعا لتحقيقه.. إنه التضحية والكفاح في سبيل تعلم اللغة العربية وتعليمها... وفهمها وتفهيمها.. وجعلها لغة الإدارة والديوان والحديث والعلم.
وتسألني عن وجه التضحية والكفاح في سبيل تعلم اللغة العربية وتعليمها؟
فأشير إلى أن المثقف المغربي بلغة أجنبية يصعب عليه الحديث بغيرها وهو لذلك يحس في نفسه ضيقا وانقباضا عند إرادة التعبير عن معان ربما لا تسعفه لغته العربية في التعبير عنها.. ووجه التضحية هاهنا أن تجهد نفسك وتتحمل بعض الضيق –وأنت العربي أما وأبا ووطنا- فتكلف نفسك قراءة بعض ما يكتبه إخوانك الشباب العرب بلغة بينة سليمة من الأخطاء، في أيام معلومة من أيامك، وعلى دفعات متتالية منتظمة، بقراءة الصحيفة أو الصحيفتين، متحملا بذلك مشقة القراءة ولا أقول الفهم إذ أن كل ما يقرأ على أي مغربي من العربية الحديثة مفهوم لديه، فإذا مرت بك الأيام والأشهر على هذا النحو لا تلبث أن تحس بأن الضيق الذي يعتريك عند إرادة التعبير عن معانيك بدأ يزول من ساحة تعبيرك شيئا فشيئا حتى يغيب... فإذا حصل لك ذلك، كان هذا منك تضحية ببعض الوقت، ولكنه وقت أنفقته لتجني به ربحا لوطنك، ولتربح به نفسك، إذ أن بلادك عربية ومستقبلها مع اللغة العربية، ولأن المثقف ثقافة أجنبية ملك لتلك الثقافة حتى يحسن لغة أمته فيعود ملكا لأمته... إنك بهذا العمل تهدي لأمتك عنصرا من عناصر وجودها أقدر على الحياة في ظلها، وأنفع ما يكون لأمته وهو يتقن لغتها- على أن قسطا من هذا النفع في الواقع قد يكون حاصلا إذا كان لا يتقن لغتها، ولكن على أضيق مدى، وضمن بعض الشروط... فإذا عبرت بالعربية عن معانيك، وبدأت الكتابة بها تحس من نفسك ميلا إلى الإلمام ببعض قواعد التعبير الصحيح فيها... ولن أنصح لك هذه المرة إلا بالقراءة والقراءة الكثيرة، والتدرج في المطالعة من السهل إلى الصعب، ثم الإلمام ببعض قواعد العربية البسيطة كرفع الفاعل والمبتدأ ونصب المفعول به والحال.. مما تمكن الإحاطة به كله في بضعة أسابيع..
هذا وجه من وجوه التضحية، وهنالك وجه آخر من وجوه الكفاح تطلبه الأمة منك وممن علم علمك كيفما يجتهد ليعلم غيره ما علم بالوسيلة التي يراها ناجعة بعد التجريب.. وليس هذا الذي أقترحه ها هنا هو الطريقة المثلى في هذا الباب بل ربما كانت هنالك طرق أخرى أكثر نفعا وأسرع فائدة في التعلم والتعليم ننتظر من إخواننا الذين سلكوها وعزموا عليها وعرفوا نفعها وفائدتها أن يطلعوا الشباب عليها مشكورين.
وفي خلال اطلاع المثقف ثقافة أجنبية على اللغة العربية وتراثها تتكون عنده ثروة فكرية إنسانية هي حصيلة ثقافته الأجنبية ممزوجة بلقاح من الفكر العربي وعندها تحس همته الشابة أن عليه أن يتولى حمل أثقال تبعات المستقبل ... وهنا كما في ذلك المكان الآخر من هذه المقالة لن أتولى أثقال وتبعات المستقبل بالكيل أو التعداد وإنما أشير إلى واحد من هذه الأثقال (وليكن أكثرها ثقلا) وإلى إحدى تلك التبعات (ولتكن أكثرها خطورة) وربما كانت مفتاح مشاكل المستقبل في مغربنا الحبيب:
إننا نعيش في أمة لها تاريخها، ومجدها، وأهدافها، وآمالها، ومبادئها، ولكنها مرت عليها فترة نسيت تاريخها، وأضاعت مجدها، وغفلت عن أهدافها ونامت عن آمالها، وتجاوزت على مبادئها.. لا نكلف الآن  أنفسنا عناء السؤال عن الأسباب، فليس ذلك من همنا، وإنما هو من هم الجيل الماضي، أما الشباب فهمه في تذكيرنا بالتاريخ المنسي، وإعادة المجد الضائع، وإقرار الأهداف، وإدراك الآمال، وتثبيت المبادئ في النفوس، ولا يكون ذلك الشباب إلا إذا جرد نفسه، وشحد همته ليملأ على أمته هذا الفراغ الفكري الهائل الذي فعل بنا تلك الأفاعيل ونريد اليوم أن نخرج بأمتنا من هذه الهوة السحيقة التي عرفها مكانها وأحسسنا بها، وكرهنا لأمتنا أن تتردى أو تقع فيها...
وإذا كان لي أن أرجع إلى بعض الأسطر قليلا في هذه المقالة فإني ألاحظ أن هنالك اتصالا اتصالا وثيقا بين تعلم اللغة العربية وتعليمها وبين ملء هذا الفراغ الفكري الذي يحسه الشباب من أبناء أمتنا، وإحساس الشباب بهذا الفراغ أمر طبيعي دال على وعيه لنفسه وشعوره بأنه إنسان خلق لغير الثقافة الأجنبية التي غذته وأنها لم تعد كافية لملء تفكيره وإقناعه بأنه إنسان في هذا الوجود وكفى...
الشباب المغربي اليوم يشعر بأنه يريد أن يعيش في أمة، لكنه لا يستطيع أن يجد هذه الأمة ممثلة في أفكار ومبادئ وغايات وآمال... أن علاقة التبعية، تبعية الإنسان للثقافة التي تثقف بها لم يستطع الشباب المغربي أن ينكر إحساسه بها كما لم يستطع أن يستسيغها في يوم من الأيام ولكنه يشفق من مطاردتها له في أعماق تفكيره وشخصيته.
إن الأفكار والمبادئ المعروفة في العالم حتى اليوم إنما نشأت في لغة وفي وطن وفي قوم... وشباب المغرب يريد أن تكون لغته العربية لغة الأفكار والمبادئ التي يؤمن بها ويتبناها، ذلك أن اللغة مستودع للمعاني والمبادئ التي يمكن أن تؤمن بها الأمة وفيها طاقات ترفد المفكرين من أبنائها وتمدهم بالكثير من المبادئ والمثل والأخلاق فيما تمدهم به من ألفاظ وتراكيب..
لقد سئمنا الحياة المتطفلة على أفكار من ها هنا وها هنا، ونريد حياة ذاتية على أفكار منا وإلينا تنبع من أرضنا وتصدر عن ضميرنا العام، ليتبناها قومنا، ونحن –بعد ذلك- شركاء للإنسانية في ثقافتنا نأخذ منها بقدر ما نعطي، ولا تعطينا بقدر ما تأخذه منا.
هذه تبعات جسيمة تتحملها همة الشباب المغربي وهو يعد نفسه لهذا الدور مهما كان الثمن ومهما كانت التضحيات غالية، وهمة الشباب لا تعرف الحساب في باب التضحيات، وإنما هي تبذل وتبذل بقدر ما تستطيع، وهمها الوحيد أن تصل إلى أهدافها وغاياتها المامولة.

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here