islamaumaroc

عمل أهل المدينة كأصل من أصول التشريع الإسلامي عند المالكية.

  عبد السلام فيغو

العدد 348 رمضان 1420/دجنبر 1999

* مقدمة :
هو الإمام مالك ابن أنس بن أبي عامر الأصبحي،(1) من حمير بن سبأ، كانوا حلفاء لبني تميم بن مرة من قريش، ولد بالمدينة المنورة عام : 93 هـ وتوفي بها سنة 179هـ.
تلقى مالك العلم عن ابن هرمز، وأبي الزناد، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة الرأي، وابن شهاب الزهري، وعبد الله ابن دينار، ومن أجل شيوخه نافع مولى ابن عامر.
وتتلمذ عليه خلق كثير لا يحصون، من أجلهم الشافعي، وابن القاسم، وعبد الله ابن وهب، وأشهب بن عبد العزيز، ومن أشهر تلاميذه الأندلسيين الغازي بن قيس، وزياد بن عبد الرحمان اللخمي الملقب بشبطون أحد الأئمة المشاهير بالعلم والقرآن والصلاح، وهو أول من أدخل الأندلس «الموطأ» ويحيى بن يحيى الليثي، سمع «الموطأ» أولا عن شبطون ، ثم رحل إلى مالك فسمعه منه، وغيرهم يطول ذكرهم بالتفصيل.(2)
كانت منزلته في الحديث والفقه منزلة رفيعة، وفي ذلك يقول مالك : «ما أفتيت حتى شهد لي سبعون من أهل العلم أني أهل لذلك، وقال رجل : كنت أتعلم منه ومات حتى يستفتيني».(3)

*أصول الفقه المالكي :
هذا، والامام مالك لم يدون أصوله التي سار عليها في طريقة استنباطه للأحكام الشرعية كما فعل تلميذه الشافعي، فقد استنبطها علماء المالكية من فروعه وما تومئ إليه الفروع المختلفة مع موازنة ذلك بالمأثور عن عباراته، وما يشير إليه «الموطأ» من منهاج له، وأدق إحصاء لها ما ذكره القرافي، فقد ذكر القرافي، فقد ذكر أنها : «القرآن والسنة، والإجماع، وإجماع أهل المدينة، والقياس، وقول الصحابي، والمصلحة المرسلة، والعرف، والعادات، والتقاليد، وسد الذرائع، والاستصحاب، والاستحسان».(4)
وقد ذكر صاحب «الجوهر الثمينة» على أن الأدلة التي بني عليها الإمام مالك مذهبه سبعة عشر : «نص الكتاب وظاهره، وأعني العموم، ودليله أعني مفهوم المخالفة، ومفهوم أعني المفهوم بالأولى، والتنبيه على العلة،ومن السنة مثل هذه الخمسة، والحادي عشر : الإجماع، والثاني عشر القياس، والثالث عشر عمل أهل المدينة، والرابع عشر : قول الصحابي، والخامس عشر الاستحسان، والسادس عشر الحكم بسد الذرائع، وأما مراعاة الخلاف فتارة وتارة، وكذا في حاشية سيدي الطالب على ميارة»،(5)و الثامن عشر الاستحباب، و التاسع عشر المصالح المرسلة، و هي التي لم يرد عن الشارع نص يوجب اعتبارها أو عدم اعتبارها.(6)
و قال السبكي في « الطبقات »: أصول مذهب مالك تزيد عن الخمسمائة، و لعله يشير إلى القواعد التي استخرجت من فروعه المذهبية،(7) فقد أنهاها القرافي في «فروقه »(8) إلى خمسمائة و ثمانية و أربعين، و غيره أنهاها إلى الألف و المائتين كالمقري، (9) و غيره، لكنها في الحقيقة تفرعت عن هذه الأصول، و الإمام لم ينص على كل قاعدة، و إنما ذلك مأخوذ من طريقته و طريقة أصحابه في الاستنباط.(10)

*عمل أهل المدينة كأصل من أصول التشريع الإسلامي :
لكن من أصول مالك الهامة التي خالف فيها الأئمة عمل أهل المدينة الذين أقام فيهم حياته كلها، ولم يفارقهم إلا فراقه الأبدي، فهو يرى أن عملهم أقوى من الخبر الواحد الصحيح، لأن عملهم بمنزلة روايتهم الحديث، ورواية الجماعة أقوى من رواية الفرد، ولا يظن بالذين توفي الرسول (ص) بين ظهرانيهم أنهم يخالفونه أو يتركون سنته، بل عملتهم هو استمرار واستمداد سنته فيهم.
وبناء عليه نستطيع أن نقول : إن إجماع أهل المدينة عبارة عن اتفاق مجتهدي المدينة في عصر من العصور بعد وفاة الرسول (ص) على حكم واقعة من الوقائع أو مسألة من المسائل.
ولكن الظاهرة أن هذا المعنى على عمومه ليس مرادا هنا، وإنما المراد منه معنى خاص، وهو إجماع من كان فيها من المجتهدين في القرن الثلاثة التي جاءت الآثار بالثناء عليهم فيها، وهم الصحابة ، والتابعون، وتابعو التابعين، يدل على ذلك قول الرسول (ص) : « خير قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم».(11)
وقد قسم العلماء إجماع أهل المدينة إلى قسمين:
1) وهو كل ما كان طريقه النقل والحكاية عن النبي(ص)، سواء كان نقلا لقوله : كالأذان، وإقامة، أم لفعله كصفة صلاته وعدد ركعاتها وسجداتها، أم نقلا لإقراره عليه الصلاة والسلام لما شاهده منهم، ولم ينقل عنه إنكاره عليهم، أم نقلا لتركه أمورا شاهدها منهم، وأحكامها لم يلزمهم إياها مع شهرتها لديهم وظهورها فيهم، كتركه أخذ الزكاة من الخضروات مع علمه (ص) بكونها كثيرة عندهم.
2) وهو ما كان طريقه الاستدلال والاستنباط والاجتهاد، وهذا النوع هو محل النزاع والخلاف بين العلماء في كونه يصلح أن يكون حجة ملزمة يجب المصير إليها، أم أنه لا يصلح أن يكون حجة.
وقد نقل مالك إجماع أهل المدينة في موطنه عن نيف وأربعين مسألة. (12)
لكن هل عمل أهل المدينة حجة عند مالك مطلقا أم هو حجة فيما لا يدرك بالرأي، ولا طريق له إلا السماع؟
أما هذا الأخير وهو الذي لا طريق له إلا السماع فحجة عند مالك والمالكيين بالاتفاق.
وأما ما يمكن إدراكه بالرأي فظاهر عبارة مالك في كتابه إلى الليث بن سعد، الإطلاق، وأنه أعم من المعقول والسموع، وأن الذي عليه عمل أهل المدينة يجب اتباعه والأخذ به مطلقا.
فعبارته إلى الليث ورد فيها : « بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا».
لكن القرافي(13) من المالكية خص الأخذ بعمل آهل المدينة بما سبيله السماع، وجمهور المالكية وابن القيم من الحنبلية، أنه حجة مطلقة، ولهذا اختص مالك من بين الأئمة بعمل أهل المدينة، ولو أنه اقتصر على ما لا يدرك إلا بالسماع، لا لتقى في ذلك مع غيره من الأئمة الفقهاء.
وأصول مذهب مالك لم يدونها وإنما دونها من بعده فقهاء المذهب المالكي، واستخلصوها أولويتها في أخذ الدليل، وقد قال في ذلك: « يجب تقديم كتاب الله على ترتيب أدلته في الوضوح من تقديم نصوصه ثم ظواهره، ثم مفهوماته، وكذلك السنة على ترتيب متواترها ومشهورها وآحادها، ثم ترتيب نصوصها وظواهرها. 

* عمل المدينة في رسالتين متبادلتين بين الإمام مالك ابن أنس والليث بن سعد :
الأولى – رسالة مالك :
« اعلم رحمك الله أنه بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا وببلدنا الذي فيه وأنت في إمامتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك، وحاجة من قبلك إليك، واعتمادهم على ما جاءهم منك حقيق بأن تخاف على نفسك وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه، فإن الله تعالى يقول في كتابه : (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار...)الآية : وقال تعالى: ( فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه...)،الآية، فإنما الناس تبع لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة، وبها نزل القرآن وأحل الحلال وحرم الحرام، إذ رسول الله بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل، ويأمرهم فيطيعونه، ويسن لهم فيتبعونه، حتى توفاه الله واختار له عند صلوات الله وسلامه عليه ورحمته وبركاته، ثم قال من بعده اتبع الناس له من أمته ممن ولي الأمر من بعده، فما نزل لهم مما علموا انفذوه، وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في اجتهادهم وحداثة عهدهم، وإن خالفهم مخالف أو قال امرؤ غيره أقوى منه وأولى ترك قوله، وعمل بغيره ، ثم كان التابعون من بعدهم يسلكون تلك السبل ويتبعون تلك السنن، فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهرا معمولا به لم أر لأحد خلافه للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا إدعاؤها، ولو ذهب أهل الأمصار يقولون: هذا العمل ببلدنا، وهذا الذي مضى عليه من مضى منا لم يكونوا من ذلك على ثقة، ولم يكن من ذلك جاز لهم.
فانظر – رحمك الله – فيما كتبت إليك فيه لنفسك، واعلم أني أرجو أن لا يكون دعائي إلى ما كتبت به إليك إلا النصيحة لله تعالى وحده، والنظر له، والظن بك، فأنزل كتابي منك منزلته، فإنك إن فعلت تعلم أني لم آلك نصحا.
 وفقنا الله وإياك لطاعته وطاعة رسوله في كل أمر وعلى كل حال، والسلام عليك ورحمـــــة الله .(14)

الثانية – رسالة الليث إلى مالك :
 وقد كتب الليث بن سعد رسالة مطولة فيها.
قال الليث : «وأنه بلغك أني أفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندكم، وأني يحق علي الخوف على نفسي لاعتماد من قبلي على ما أفتيتهم به، وأن الناس تبع أهل المدينة التي إليها الهجرة وبها نزل القرآن، وقد أصبت بالذي كتبت به من ذلك إن شاء الله تعالى، ووقع مني بالموقع الذي تحب، وما أجد أحدا ينسب إليه العلم أكره لوشواذ الفتيا، ولا أشد تفضيلا لعلماء أهل المدينة الذين مضوا ولا آخذا لفتياهم فيما اتفقوا عليه مني
والحمد لله رب العالمين لا شريك له.
وأما ما ذكرت من مقام رسول الله (ص) ونزول القرآن بها عليه بين ظهري أصحابه وما علمهم الله منه، وأن الناس صاروا به تبعا لهم فيه فكما ذكرت .
وأما ما ذكرت من قوله تعالى : ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم). فإن كثيرا.
من أولئك السابقين الأولين خرجوا إلى الجهاد في سبيل الله، ابتغاء مرضاة الله فجندوا الأجناد، واجتمع إليهم الناس، فاظهروا بين ظهرانيهم كتاب الله وسنة نبيه ولم يكتموهم شيئا علموه، وكان في كل جند منهم طائفة يعلمون كتاب الله وسنة نبيه، ويجتهدون برأيهم فيما لم يفسره لهم القرآن والسنة، وتقدمهم عليه أبو بكر وعمر وعثمان الذين اختارهم المسلمون لأنفسهم، ولم يكن أولئك الثلاثة مضيعين لأخبار المسلمين ولا غافلين عنهم، بل كانوا يكتبون في الأمر اليسير إقامة الدين، والحذر من الاختلاط بكتاب الله وسنة نبيه، فلم يتركوا أمرا فسره القرآن، أو عمل به النبي (ص) أو ائتمروا فيه بعده إلا علموه، فإذا جاء أمر عمل فيه أصحاب رسول الله (ص) بمصر والشام والعراق على عهد أبي بكر وعمر وعثمان، ولم يزالوا عليه حتى قبضوا لم يأمرهم بغيره، فلا نراه يجوز لأجناد المسلمين أن يحدثوا اليوم أمرا لم يعمل به سلفهم من أصحاب رسول الله (ص) ، والتابعين لهم، مع أن أصحاب رسول الله (ص) قد اختلفوا بعد في الفتيا في أشياء كثيرة، ولو لا أني قد عرفت أني قد علمتها كتبت بها إليك، ثم اختلف التابعون في أشياء بعد أصحاب رسول الله (ص) سعيد، بن المسيب ونظراؤه أشد الاختلاف، ثم اختلف الذين كانوا بعدهم فحضرتهم بالمدينة وغيرها ورأسهم يومئذ ابن شهاب وربيعة بن أبي عبد الرحمان، وكان من خلاف ربيعة لبعض ما قد مضى ما قد عرفت وحضرت وسمعت قولك فيه وقول ذوي الرأي من أهل المدينة يحيى بن سعيد وعبد الله بن عمر وكثير بن فرقد، وغيره كثير ممن هو أسن منه، حتى اضطرك ما كرهت من ذلك إلى فراق مجلسه، وذاكرتك أنت وعبد العزيز بن عبد الله بعض ما نعيب على ربيعة من ذلك، فكنتما من الموافقين فيما أنكرت، فكرها منه ما أكرهه، ومع ذلك بحمد الله عند ربيعة خير كثير، وعقل أصيل  ولسان بليغ وفضل مستبين، وطريقة حسنة في الإسلام، أو مودة لإخوانه عامة ولنا خاصة، ورحمة الله وغفر له وجزاه بأحسن من عمله، وكان يكون من ابن شهاب اختلاف كثير إذا لقيناه، وإذا كاتبه بعضنا فربما كتب إليه في الشيء الواحد على فضل رأيه وعلمه بثلاث أنواع ينقض بعضها بعضا، ولا يشعر بالذي مضى من رأيه في ذلك، فهذا الذي يدعوني إلى ترك ما أنكرت تركي إياه...».(15)

*التحامل على المالكية لاعتماهم عمل أهل المدينة:
ومن المسالك بباب بيان الحجة بإجماع أهل المدينة فيما هو، وتحقيق مذهب مالك في ذلك، قال القاضي عياض رحمه الله : «اعملوا – أكرمكم الله – أن جميع أرباب المذاهب من الفقهاء والمتكلمين وأصحاب الأثر والنظر، ألف واحد علينا في هذه المسألة، مخطئون لنا فيها – بزعمهم – محتجون علينا بما سنح لهم، حتى تجاوز بعضهم حد التعصب والتشنيع إلى الطعن في المدينة وعلمائها، وهم يتكلمون في غير موضع خلاف، فمنهم من يتصور المسالة، ولا حقق مذهبنا فيها فتكلموا فيها على تخمين وحدس، ومنهم من أخذ الكلام فيها ممن لم يحققه عنا، ومنهم من أحالها وأضاف إلينا ما لا نقوله فيها كما فعله الصبر في المحاملي والغزالي، فأوردا عنا في المسألة ما لا نقوله، واحتجوا علينا بما لا يحتج به على الطاعنين في الإجماع».(16)

* تفصيل عياض لعمل أهل المدينة:
قال القاضي: وها أنا أفضل الكلام فيها تفصيلا لا يجد المنصف إلى جحده- بعد تحقيقه- سبيلا، وأبين موضع الاتفاق فيه والإختلاف إن شاء الله تعالى.
فاعلموا أن إجماع أهل المدينة على ضربين: ضرب من طريق النقل والحكاية الذي تأثره الكافة عن الكافة، وعلمت به عملا لا يخفى، ونقله الجمهور عن الجمهور زمن النبي (ص)، وهذا الضرب ينقسم إلى أربعة أنواع:
* الضرب الأول: ما نقل شرعا من جهة النبي (ص) من قول أو فعل، كالصاع، والمد، وأنه (ص) كان يأخذ منهم بذلك صدقاتهم وفطرتهم، وكالأذان والإقامة، وترك الجهر بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، والأوقاف والأحباس، فنقلهم لهذه الأمور من قوله وفعله كنقله موضع قبره ومسجده ونبره ومدينته، وغير ذلك مما علم ضرورة من أحواله وسيرته وصفة صلاته من عدد ركعاتها وسجداتها وأشباه ذلك، أو نقل إقراره عليه الصلاة والسلام – لما شاهده منهم ...إلخ.
فهذا النوع من إجماعهم- في هذه الوجوه- حجة يلزم المصير إليه، ويترك ما خالفه من خبر واحد أو قياس- فإن هذا النقل محقق معلوم موجب القطع، فلا يترك لما يوجب غلبة الظنون، وإلى هذا رجع أبو يوسف وغيره من المخالفين ممن ناظر مالكا وغيره من أهل المدينة في مسألة الأوقاف، والمد، والصاع، حيث شاهد النقل وتحققه.
ولا يجوز لمنصف أن ينكر الحجة بهذا، وهو الذي تكلم عليه مالك عند أكثر شيوخنا ولا خلاف في صحة هذا الطريق وكونه حجة عند العقلاء، وتبليغه العلم يدرك ضرورة، وإنما خالف في تلك المسائل- من غير أهل المدينة- ممن لم يبلغه النقل الذي بها.
* الضرب الثاني: إجماعهم على عمل من طريق الاجتهاد والاستدلال، فهذا النوع اختلف فيه أصحابنا، فذهب معظمهم إلى أنه ليس بحجة ولا فيه ترجيح.
وإلى هذا ذهب القاضي أبو بكر بن الكيب، وأنكر هؤلاء أن يكون مالك قال هذا، وأن يكون مذهبه، ولا أئمة أصحابه، وذهب معظمهم إلى أنه ليس بحجة، ولكن يرجح به على اجتهاد غيرهم.
قال القاضي أبو الفضل: فإن احتجوا علينا في هذا الفصل برد مالك لحديث: «البيعان بالخيار...» الذي رواه هو.(17) وأهل المدينة بأصح أسانيدهم، وقول مالك في هذا الحديث بعد ذكره له في «موطئه»: «وليس لهذا عندنا حد محدود ولا أمر معمول به»، وهذه المعارضة أعظم تهاويلهم، وأشنع تشانيعهم، قالوا: وهذا رد للخبر الصحيح إذا لم يجر عليه أهل المدينة، حتى لقد أنكر عليه أهل المدينة، وقال ابن أبي دؤيب فيه كلاما شديدا(18) معروفا.
فالجواب إنما أو تيتم سوء التأويل، فإن قول مالك هذا ليس مراده به رد البيعين بالخير، إنما أراد بقوله في بقية الحديث وهو قوله: إلا بيع الخيار، فأخبر أن بيع الخيار ليس له حد عندهم لا يتعدى إلا بقدر ما تختبر به السلعة، وذلك يختلف باختلاف المبيعات، فيرجع فيه إلى الاجتهاد والعوائد في البلاد، وأحوال المبيع وما يراد له.
وبهذا فسر قوله محققوا أئمتنا رحمهم الله تعالى، وإنما ترك مالك العمل بالحديث لغير هذا، بل تأويل التفرق،(19) فيه بالقول وعقد البيع، وأن الخيار لهما ما داما متراوضين ومتساومين، وهذا هو المعنى المفهوم من المتبايعين، وهما المتكلفان للأمر الساعيان فيه، هذا يدل على أنه قبل تمامه، ويعضده قوله : « لا يبيع أحدكم على بيع أخيه»، (20) وهذا أيضا في المتساومين قد سماه بيعا قبل تمامه وانعقاده. وقال بعض أصحابنا: الحديث منسوخ بقوله في الحديث الآخر: « إذا اختلف المتبايعان، فالقول ما قال البائع ويترادان».(21)
وقد يكون قول مالك على طريق الترجيح لأحد الخبرين بمساعدة أهل المدينة – لما خالفه – كما تقدم – وقد قال بحديث : « البيعان بالخيار...»، والعمل به كثير من أصحابنا، منهم ابن حبيب وغيره.(22)
ولكن الذي يظهر أن مالكا قصد إلى ما هو غير الإجماع، وغير التواتر، لأن المسألة لا تتعلق بقول أهل المدينة ولا بنقلهم، وإنما تتعلق بما جرى عليه عملهم.

*أماكن انتشار المذهب المالكي :
انتشر المذهب المالكي في بلاد كثيرة، قال القاضي عياض: « كان ينبوع هذا المذهب بالمدينة، فيها تفجر، ومنها انتشر، فكانت المدينة كلها على ذلك الرأي، وخرج منها إلى جهات من الحجاز واليمن فانتشر، هنالك بأبي قرة القاضي، ومحمد بن صدقة الفركي، وأمثالهم، واستقر ببلاد العراق بالبصرة فغلب عليها بابن مهدي، والقعنبي، وغيرهما، ثم بأتباعهم من ابن المقول، ويعقوب ابن شيبة آل حماد بن زيد، إلى أن وصلنا بعض الشافعية فتشارك المذهبان جميعا إلى وقتنا هذا، وكان آخر الأئمة بها من المالكية في زماننا ومرتبة شيوخنا أبا يعلى العبدي، وأبا منصور بن باخي، وأبا عبد الله بن صالح، فدخل هذا المذهب بغداد وغيرها من بلاد العراق، فانتشر بها مع غيرها من المذاهب، ولكنه غلب وفشا أيام قضاء آل حماد ابن زيد، وانقطع ببغداد فلم يبق له إمام من نحو الخمسين والأربعمائة عند وفاة أبي الفضل بن عبدوس، ثم سكنها ابن صالح بعد التسعين، وأما خرسان وما وراء العراق من بلاد المشرق فدخلها هذا المذهب أولا يحيي بن يحيى التميمي، وعبد الله بن المبارك وقتيبة بن سعيد فكان له هنالك أئمة على مر الأزمان. وفشا بقزوين وما والاها من بلاد الجبل، وكان آخر من درس منه بنسابور أبو إسحاق بن القطان، وغلب على تلك البلاد مذهب أبي حنيفة والشافعي.
ودخل أيضا من أئمة هذا المذهب إلى بلاد فارس القاضي أبو عبد الله البركاني ولي قضاء الأسوار، وانتشر عنه هذا المذهب، وغلب على بلاد فارس مذهب داود.
وأما الشام فكان بها من أصحاب مالك، الوليد بن مسلم، وأبو مسهر، ومروان بن محمد الططوي، وغيرهم، وغلب عليها أولا مذهب الأوزاعي ثم دخلتها المذاهب.
وأما أرض مصر فأول أرض انتشر بها مذهب مالك بعد المدينة، وغلب عليها وأطبق أهلها على الاقتداء به إلى أن قدم عليهم الشافعي، وكان واحدا منهم فيهم إلى أن كثر عليه فتيان ابن أبي السمح من فقهائهم، وجرت بينه وبينهم خطوب أفضت تميزه مع أصحابه، فنبع بها حينئذ مذهب الشافعي وكثر أصحابه والمتعصبون له، ومنها انتشر في الآفاق. ومذهب مالك في كل ذلك ظاهر بها، غالب عليها إلى وقتنا هذا، ودخلتها أئمة من أصحاب أبي حنيفة.
وأما إفريقيا وما وراءها من المغرب فقد الغالب عليها في القديم مذهب الكوفيين إلى أن أدخلها على يد علي بن زياد، وابن أشرس، والبهلول ابن راشد، وبعدهم أسد بن الفرات وغيرهم بمذهب مالك، فأخذ به كثير من الناس ولم يزل يفشو إلى أن جاء سحنون فغلب في أيامه، وفض حلق المخالفين، واستقر المذهب بعده في أصحابه فشاع في تلك الأقطار إلى وقتنا هذا.
وكان بالقيروان قوم قلة في القديم أخذوا بمذهب الشافعي، ودخلها شيء من مذهب داود، ولكن الغالب إذ ذال مذهب المدينة ولكوفة، وكان الظهور في دولة بني عبيد لمذهب الكوفيين لمواقفهم إياهم في مسألة التفضيل، فكان فيهم القضاء والرئاسة، وتشرف قوم منهم لمسرتهم واصطياد لدنياهم،وأخرجوا أضغانهم عن المدنيين، فجرت على المالكية في تلك المدة محن، ولكن مع ذلك كثير، والعامة تقتدي بهم، والناشئ فيهم ظاهر إلى لأن أضعفت دولة بني عبيد بها من لدن فتنة أبي يزيد الخارجي، فظهروا وأفشوا علمهم، وصنفوا المصنفات الجليلة، وقدم منهم جلة طار ذكرهم بأقطار الأرض، ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن خرجت القيروان وأهلها وجهاتها وسائر بلاد المغرب مطبقة على هذا المذهب، مجمعة عليه لا يعرف لغيره قائمة.
وأما أهل الأندلس فكان رأيها منذ فتحت على رأي الأوزاعي إلى أن رحل إلى مالك زياد بن عبد الرحمان وقرعوس بن العباس، والغازي بن قيس، ومن بعدهم فجاؤوا بعمله وأبانوا للناس فضله واقتداء الأئمة به، فعرف حقه ودرس مذهبه إلى أن أخذ أمير الأندلس إذ ذلك هشام بن عبد الرحمان بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، الناس جميعا بالتزامهم مذهب مالك، وصير القضاء والفتيا عليه، وذلك في عشرة والسبعين ومائة من الهجرة في حياة مالك رحمه الله تعالى، على ذلك مضى أمر الأندلس إلى وقتنا هذا.(24)

*انتشار المذهب المالكي في المغرب :
وقد انتشر بالمغرب المذهب المالكي بسبب رحلات المغاربة إلى الحج حيث كان الحجاز منتهى أسفارهم، (25) وكان الإمام سحنون أول رائد للفقه المالكي.
وفي عهد المرابطين كان عبد الله بن ياسين مالكي المذهب، فنشر الفقه المالكي بالمغرب وافريقيا، حيث انصرف المرابطون في معظم أيام دولتهم إلى تشجيع الفقهاء حملة لواء المذهب المالكي، وكانت طبيعتهم الصحراوية وعقيدتهم الدينية تبعدهم عن التشبت برجال الأدب والفلسفة، ولذا كان عصر المرابطين عصر الفقهاء أكثر منه عصر الأدباء والفلاسفة، (26) ومارس النفوذ في ظل دولة الفقهاء، كان فيهم ممن تطرقوا فأشاروا على الأمير علي بن يوسف بإحراق كتب الغزالي.
على أن الفقه أصبح في هذه الفترة فقه فروع لا سبيل إلى الاجتهاد فيه بسبب موقف المرابطين أنفسهم الذي يميل إلى التسليم بأقوال أئمة المذهب المالكي خصوصا فقهاء قرطبة التي أصبح عملها حجة بالمغرب على حد تعبير المفري.(27)
فالدولة المغربية منذ عهد الأدارسة تتبع المذهب المالكي، وتسعى لكي يكون المذهب الرسمي للأمة المغربية، وبصورة عامة إن الدول الإسلامية التي تعاقبت على حكم المغرب قد أسهمت بشكل فعلي وكبير في تدعيم المذهب المالكي في المغرب، ولم يتخلف عن هذه القاعدة من تدعيم السلطة للمذهب المالكي سوى الدولة الموحدية التي قامت على أنقاض الدولة المرابطية (28)

1 ) راجع ترجمته: الوفيات: 1/439، الشذرات: 1/289، وفيات الأعيان لابن خلكان : 4/135 شجرة النور : ص : 54 سير أعلام النبلاء : 8/48، الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء لابن عبد البر/ طبعة دار الكتب العلمية – بيروت.
2) أنظر السيوطي : تزيين الممالك بمناقب سيدنا الإمام مالك، دار الفكر، بيروت.
3) الشذرات : 1/289.
4) القرافي : تنقبح الفصول في اختصار المحصول ص : 445، تحقيق طه عبد الرءوف، الطبعة الأولى : 1393هـ/1973.
5) حسن بن محمد الشاط : الجواهر الثمينة في بيان أدلة عالم المدينة، ص : 115 / دراسة  وتحقيق الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان / دار الغرب الإسلامي الطبعة / الأولى : 1406 / 1986.
6) ابن الشاط / المرجع السابق / ص: 115 – الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي : ج : 2 ص : 387.
7) الدرر الكامنة : 3 / 39.
8) الديباج المذهب : 1 / 236.
9) الشذرات : 6 / 193.
10) الفكر السامي : 2 / 387.
11) صحيح البخاري : 5 / 2، سنن أبي داود : 2 / 518
12 ) الفكر السامي : المرجع السابق / ص: 388.
13) شهاب الدين أحمد بن إدريس، أحد الاعلام المشهورين في مذهب الإمام مالك ، إمام بارع في الفقه والأصول العقلية، ألف كتبا مفيدة أجمع العلماء على حسنها وكمالها « أنظر الديباج : 1 / 236، شجرة النور : ص: 188».
14 ) ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض ج : 1 ص : 64 – 65 / تحقيق : الدكتور أحمد بكير محمد / دار مكتبة الحياة / بيروت.
15 ) اعلام الموقعين: 3/83 وما بعدها/ تحقيق : طه عبد الرؤوف سعد.
16) انظر شمس الدين محمد بن محمد الراعي الأندلسي: انتصار الفقير السالك لترجيح مذهب مالك/ صك 214 وما بعدها، تحقيق محمد أبو الأجفان/ الطبعة الأولى 1981- دار الغرب الإسلامي.
17 ) رواه الإمام مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر عن النبي (ص) ولفظه في الموطأ : « المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع  الخيار» «تنوير الحوالك : 3 / 79».
18) قال كما جاء في طبقات الحنابلة : 1 / 251 : «يستتاب مالك فإن تاب وإلا ضربت عنقه».
19) قال بعض المالكية: « ومن الدليل قوله تعالى : ?وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته?« النساء / 130»فإن المراد التفرق بالكلام  لا بالجسوم: وقال رجل مالك يا أبا عبد الله هل عرفت حديث: «البيعان بالخيار»؟ قال : له نعم، وأنت تلعب مع الصبيان في البقيع، وقال له رجل : لما رويت حديث « البيعان بالخيار»في الموطأ ولم تعمل به، قال له مالك: ليعلم الجاهل مثلك أني على علم تركته، وقال له رجل آخر: لم رويته ولم تعمل به؟ قال له مالك: أتعرف قدامة وهي دار مشهورة باللعب واللهو. «شمس الدين الراعي / المصدر السابق / ص: 224 وما بعدها، المسالك: لعياض».
20) تنوير الحوالك : 2 / 86، شرح الزرقاني على الموطأ : 3 / 338.
21) تنوير الحوالك : 2 / 79.
22 ) شمس الدين الراعي : المصدر السابق / ص: 218 وما بعدها.
23) عياض : المصدر السابق / أنظر / الديباج : 1 / 61.
24) ترتيب المدارك : 1 / 53 وما بعدها، الديباج المذهب : 1 / 60 وما بعدها .
25) راجع / مقدمة ابن خلدون .
26) أنظر / إبراهيم حركات : المغرب عبر التاريخ : ج : 1 – ص : 245.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here