islamaumaroc

التغير مسار العقل

  محمد بريش

العدد 348 رمضان 1420/دجنبر 1999

التغيير من السنن القارة في الكون والحياة، ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا. والمرء إما أن يملك زمام التغيير أو يخضع لسلطانه، وأن يملك الزمام تغيير إيجابي قوامه الفعل، وأن يخضع لسلطانه تغيير سلبي ناتج عن نكران للنعم وغياب للعمل الصالح.
وما نعنيه بالتغيير في بحثنا هو الوعي بالمتغيرات، والمتغيرات نتاج تقلبات الواقع عبر الزمن، فهي الصورة المشهودة من التموج الناتج عن المد والجزر على شاطئ ذلك الواقع، والوقع المحسوس من تلاطم الأمواج على ساحة ذلك الشاطئ وجنباته، والتي تتولد باستمرار وعلى الدوام بفعل عاملين أساسيين: تداول الليل والنهار بين الناس، خضوعا للسنة الربانية المنصوص عليها في الآية الكريمة: (وتلك الأيام نداولها بين الناس...)، وتدافع بعضهم ببعض، امتثالا لسنة ربانية أخرى خاضعة لآية كريمة نصها (ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض).
ولارتباط تلك التغيرات بالزمن من جهة، وبالتغير الحاصل من تداول الزمن وتدافع الناس من جهة أخرى، رأينا أن نعكف أولا على الكلام عن الزمن وفعله بشكل نفهم منه العلاقة بينه وبين التغير والمتغيرات. علما أن ما نتناوله بالعرض لصيق بما بيناه في الفقرات السالفة من حيث الحديث عن المستقبل.

* التغيير اختراق الحاضر للمستقبل: وأقسام الزمن نسبية، تتحدد كلها من نقطة زمنية هي بوابة الواقع، فالحاضر محطة زمنية، وليس زمنا. ونقول أقساما لأن نسبة القرب أو البعد عن الحاضر هي التي تحدد في ذهن الإنسان أقسام الزمن، مثل قولنا التاريخ القديم، والغد البعيد، والأمس القريب، والغد القادم، وغير ذلك من أطراف الزمن المتقاربة أو المتباعدة قبلا أو دبرا عن بوابة الحاضر.
فالزمن يجري جسدا واحدا تحت قنطرة الواقع لا سبيل لإيقافه، ولا حيلة لتخزينه. بل كل ما في وسع لإنسان الواعي حسن الاستفادة مما يسمح به، وكمال الاستغلال لما يهبه من الفرص والإمكانات. ومن ثم فإننا إذا استثنينا ذلك التقسيم النسبي الذي أشرنا إليه فوقه، والذي نحتاجه «لأزمنة» حركة الزمن، تقريبا للذهن البشري لا تغييرا لفعل الزمن الحركي، كان الزمن منقسما إلى قسمين أساسيين: زمن قابل، وزمن دابر، طرف مدبر وهو ما نسميه الماضي، وزمن قابل وهو الغد أو ما ندعوه في أزمتنا المعاصرة بالمستقبل.
فنحن أمام تصميم يقف فيه الإنسان على سكة الزمن الدائب الحركة في محطة الحاضر. مول وجهه قبالة القادم بحيث يكون الزمن في تحركه من جهته العليا مستقبلا له، فهو المستقبل، ومن جهته السفلى ماض عنه فهو الماضي، أما الحاضر فليس إلا نقطة الفصل بينهما. فنحن الذين فكرنا، ولما يحتاجه ذهننا من الوقت لاستيعاب حركة الزمن نمطط ذلك الحاضر 
بشكل ذهني، فيتمدد إلى أن يضم إليه الأمس القريب والغد الوافد.

* التغيير وعي ومشروع غد: والناس في وجه صيرورة الزمن والإحساس بها صنفان. إما واع كليا أو جزئيا بحركة الزمن، أو غافل عنها تماما خارج التاريخ، فليس هناك واع بالتاريخ غافل عن المستقبل، ولا واع بالمستقبل غافل عن التاريخ. بل الزمن من منظور الإنسان الواعي كله تاريخ، المدبر منه تاريخ مسجل، والمقبل منه تاريخ مؤجل. والأول مصدر العبرة ومحال الخبرة ونسيج الذاكرة، والثاني ساحة الفعل وميدان التنافس ومجال الاستدراك.
وحقيقة الوجود هي للمقبل المتجدد كل لحظة، أما المدبر فلا وجود له بعد تجاوزه عتبة الحاضر، إذ لم تبق منه إلا صور بالذهن، ترك أثره وحمل ما سجل وأنجز فيه، ثم ولى ولم يعقب.
والناس سواسية أمام الزمن وإن تفاوتت أعمارهم. فحركته عامة جميعا وإن اختلف الشعور لديهم، فهذا يراها سريعة للذة من العيش يجتازها، وذاك يراها جد مبطئة لمحنة أو فتنة تنتابه.
المقبل من الزمن مجال تغيير ومراجعة، والمدبر مجال تذكير ومحاسبة. المقبل فسحة للتغيير والمدبر مجال للتذكير، وكلاهما زاد للعمل والنظر والتفكير.
فالتغيير مشروع مستقبل، بل هو عند الوعي هو عين المستقبل، فالمستقبل فضاء للتغيير، وهو عند الفاعل الدؤوب عين التغيير. إذ لا وجود له بدونه، ولا سبيل لانبثاقه وتجسيده إلا بحرية الإنجاز التي يحملها وفرص الفوز التي يسمح بها.
والتغيير وعي وعمل، وعي بالذي ولى وما فرط من العمل فيه، والذي يأتي وما يلزم من الإنجاز فيه، وعمل على استدراك ما ضيع أو لم يقدر عليه فيما مضى، ومضاعفة الجهد في الفوز بكل فرص ما بقي.
التغيير مستقبل، لكن عن مضمونه على بوابة الحاضر، يقابل ويوازي بين المدبر والمقبل، بين المدبر البارحة والمدبر اليوم، انطلاقا من الأثر الحكيم: «من تساوى يوماه فهو مغبون».
فالتغيير بحر تتلاطم أموجه على جرف الحاضر تهزه هزا. ولو مثلناه سفينة تخترق بحر الزمن لقنا أن المتغيرات أمواج تتلاطم على جوانب السفينة باستمرار تختلف قواها بين الموجة الهادئة التي وكأنها تتلمس بنعومة ولطف أطراف السفينة، وبين موجات القعر التي تهز كيانها هزا، وتعرقل سيرها عرقلة قصوى.

* أصناف التغيير: والتغيير صنفان، تغيير نحو الأمام وتغيير إلى الخلف، أساس الأول الإبداع والابتكار والإقدام والمواصلة والتواصي بالحق والتواصي بالصبر وهو تغيير ذاتي لا يتأتى إلا بإيمان وجهد وعمل والثاني تغيير تلقائي ينطلق فور ما ينعدم التواصل بالحق والصبر وتقف المواصلة على درب الإبداع والابتكار. وحين نقول الإبداع والابتكار فبمعنى مخالف للبدعة التي تعني التبديل والإضافة في الدين، ومناف للاختلاق في شرعه. فالاجتهاد إبداعا وابتكار وفق السنن الإلهية في الكون والحياة هو أساس التغيير، وهو مولد التدافع المانع لفساد الأرض. فكل مادة حية فاقد للحركة والتغيير هي معرضة للموت، وتلك سنة قارة يسري أثرها على الكون والحياة والخلائق.

* التغيير عقبات وفرص عطاء: والمتغيرات هي جوهرها محن وعقبات، مطلوب تجاوزها واقتحامها من جهة، وفرص ومناسبات فرض على الواعي التشجيع استغلالها وتخير عطاءاتها من جهة أخرى. فالهجر من مكة إلى المدينة زمن النبي عليه الصلاة والسلام كانت متغيرا العظمى التي دفعت بدين الإسلام إلى التبلور والانتشار فالانتصار. كما أن فتنة الصحابة بقتل سيدنا عثمان وقيام الحرب بين مؤيدو لسيدنا علي كرم الله وجهه، ومناصر لمناوئيه ومخالفيه من المتغيرات القاتلة التي أصابت الأمة، وأحدثت في جسدها شروخا مازالت تعاني منها اليوم.
فالتغيير تغير حال عبر الزمن من شكل إلى شكل أو من أشكال مخالفة. وهو إما إيجابي أو سلبي. إيجابي حين يكون الشكل أو الأشكال الجديدة أوفر عطاء وأحسن مردودية وأتقن صنعا وأحسن نفعا من الشكل الأول وسلبي حين تكون تلك الأشكال أفظع وأنكي وأشد سواء من الحالة المتغيرة.

* التغيير تدافع حضاري: ويشهد العالم الإسلامي المعاصر حجما ضخما وكثيفا من التفاعلات والتقلبات بعضها نابع من الذات، وبعضها صادر عن تأثير بالمحيط الجغرافي والتدافع الحضاري وسياسات الهيمنة الأجنبية، تتلاحم حينا وتتنافر حينا، مولدة مناخا شديد التقلب، هش الاستقرار، دائم التغيير.
ولهذا بتزايد سرعة الزمن وتداول الأيام، إذ وقع في السنوات الأخيرة من الأحداث الجسام ما يعادل وقعا وسجلا ما يعادل قرونا من الحوادث في تاريخ البشرية.
ولقد ساهم التقدم العلمي، والتطور التكنولوجي، انتشار الخطاب المعرفي، والذكاء الاصطناعي، والنمو الديمغرافي، في دفع حركة السير إلى سرعة فائقة، لم يعد يسمح لغير المتأهبين بمتابعة الحدث والسبق في اتخاذ القرار في شأنه. وأضحى حجم المعارف والمعلومات يتضاعف في سنوات قليلة العدد، وأصبح العالم يشهد في ثوان قليلة منتوجا صناعيا جديدا، أو ابتكارا علميا حديثا، وألوانا من الصراع الثقافي الحضاري والعلمي، لاصقة ومتولدة عن الصراع السياسي والاقتصادي، والتنافس الصناعي التكنولوجي، والانفجار المعرفي والعلمي.
ب- حدة التغيير الناجم عن حركة التاريخ السريعة، وتفاقم درجات التعقيد للقضايا والإشكاليات المتولدة عن ركام الأحداث التي لم يسمح ضيق الوقت بفهم مضمونها ولا بدراسة أسبابها وآثارها، خاصة البلدان المتخلفة. يضاف إلى ذلك أن التطور المستمر في ميدان المواصلات والاتصالات قد ساهم في تقارب الأمكنة، وتقليص المسافات بشكل يوهم بتضايق وتقليص المكان، ودفع من جهة أخرى إلى تضخم برامج الأعمال ومصارعة الوقت بشكل يوحي بتضايق وتقلص الزمان.
ج- تضاؤل دور المادة أمام الذكاء الإنساني والآلي، وانتقال المجتمع الإنساني المعاصر من مجتمع إنتاج إلى مجتمع معرفة، للذكاء فيه الدور الأساسي في كل ابتكار، وأسبقية على المادة والرأسمال في كل إنتاج. بل نجد التسابق والتنافس على الابتكار في مجال الذكاء الصناعي السمة الأساسية للصراع التكنولوجي بين الدول الصناعية المتقدمة.
د- تعفن وتعقيد العديد من القضايا التي لم تعالج في حينها، أو أرجئ النظر فيها إلى حين توفر إمكانياتها، فتجاوز تطورها حجم ما خصص لها، مما جعل العالم الإسلامي يئن تحت ركام ضخم من المشاكل والقضايا غير المعالجة سياسيا واقتصاديا وتربويا واجتماعيا وفقهيا، مستنجدا بمؤسسات غربية ودولية لها من الشروط وطلب الضمانات ما يعجز عن الإيفاء به، ويزيد من تبعيته، وينال من سيادته، سواء على الصعيد العسكري أو المالي أو التكنولوجي.
هـ- تباين نسب النمو الديموغرافي بين الدول الفقيرة والغنية داخل المجتمع الإسلامي من جهة، وبين دول الشمال ودول الجنوب على الصعيد الدولي من جهة أخرى، مع الشباب سكان الجنوب وكهولة سكان الشمال. فخمسون بالمائة من سكان العالم الإسلامي يقل عمرهم عن 16 سنة، وأكثر من الثلثين يقل عمرهم عن 30سنة، هذا إضافة إلى الهجرة القروية واكتظاظ المناطق الحضرية وضواحيها بالسكان، نتيجة لتفاقم تطور النمو الديموغرافي، وما يتولد عنه من عجز في تلبية الحاجيات الاجتماعية والتربوية والاقتصادية.

* الثقافة أبرز عوامل التغيير: ويرى خبراء المستقبلية أن الثقافة أضحت اليوم بفعل هذه التقلبات والتفاعلات أهم عامل في مجال العلاقات بين الدول، فقد يترتب عن الاتصال الثقافي وصراع الثقافات من القضايا في المستقبل ما قد يفوق عددا وحجما ما يترتب عن التبادل الاقتصادي والاجتماعي غير المتكافئ. وإذا لم يكن العالم على بصيرة من الناحية الثقافية، وصاحب إستراتيجية ثقافية محكمة، تلاقفته أمواج القضايا المعقدة والمستعصية على الحل لتشل حركته، وتضاعف عجزه، وتزيد من تبعيته وحاجته لغيره.
فمن أهم العوامل الفاعلة والمغيرة على الساحة الثقافية اليوم ثلاث أدوات اتصال كبيرة، أولها جهاز الإعلام، بما يشتمل عليه من إذاعة وتلفزيون وصحافة، الثاني جهاز التعليم وخاصة منه مدارس الحضانة والتعليم الأساسي، الثالث المؤسسات الشعبية للتربية والتثقيف، ونقصد بها تلك التي تتصل بالشعب مباشرة وجها لوجه دون الحاجة إلى وسيط رسمي أو إشراف حكومي مثل المسجد والنوادي، والمراكز، والمقاهي، وغيرها من أدوات الفعل المستقلة.
فالجهة الأولى لها اتصال بالجمهور متعدد الأوجه والمنابر، تتسع وظائفه وتقنياته حجما وتطورا يوما عن يوم, والثانية لها اتصال بالشرائح اليانعة والشابة عن طريق نظم معينة ومناهج محددة، وبرامج منتظمة، والثالثة اتصال مباشر له الأثر القوي في النفس والسلوك والفكر والمعرفة، لكل أداة مستويات مختلفة في التأثير.ودرجات مختلفة أيضا في إمكانية الاستغلال وتبقى الأداة ذات الأهمية القصوى هي المسجد، وهو المجال الأوسع والأرحب والأكثر تأثير على المدى الشعبي، وإذا كان من الصعب على الأمور الفكرية أن تدخل إلى الناس عن طريق المسجد دون صقل وتمحيص للغث من السمين، فإن الدعوة الإسلامية ما تنفك موظفة للأمور الفكرية، ومشيعة للثقافة الإسلامية من خلال رسالة المسجد في بساطتها، وهذا هو حقيقة الدين الإسلامي، كونه يخاطب الناس ببساطة، فإذا به يخاطبهم بعمق لأنه يخاطبهم بهذه البساطة.
ويوازي هذه الأداة في الأهمية المدرسة ودور التعليم التي هي فرع من المسجد بمفهومه العام، فهي المجال الأوسع والأرحب والأكثر تأثيرا على المدى الطويل في الأجيال الصاعدة، وهي الضمان لاستمرار التواصل والتلاقح بين تلك الأجيال.

* التغيير تنمية: التنمية من نما ينمو أي كبر وأينع، والنمو يتجلى داخليا بتدافع مكونات الذات النامية، وخارجها بتغيير شكلها وحجمها ومكوناتها. ونؤكد علة التدافع والتغيير دون سواهما، لأن الإسلام منهج شامل متكامل متماسك، ينبه الإنسان إلى وجود جدلية دائمة بين الحق ويدمغ بالحق، ويشير إلى ديمومة تدافع الناس بعضهم ببعض، والتي هي قوام صلاح الحياة ودوامها على وجه الأرض، باسطا ما بين العالم الدنيوي الحاضر والعالم الأخروي المقبل من علاقة عضوية وسببية، أساسها التغيير وحوافزه، والسعي نحو الأفضل بين الحاضر الآني والمستقبل الآتي وحسبنا للشهادة على ذلك قوله تعالى:  (ولولا دفاع الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)، وقوله سبحانه: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

* التفكير قبل التغيير: ورد في مؤلف «الشرق الأوسط عام 2000» الذي أصدرته الرابطة الإسرائيلية للعمل من اجل السلام في تل أبيب عام 1971- وهي مؤسسة مرتبطة تمويلا بوزارة الإعلام الإسرائيلية- إن من المشروعات المتوقع ظهورها في بداية القرن الحادي والعشرين «سوق البحر المتوسط المشتركة» التي تحوي فيها إسرائيل نصيب الأسد من تجارة وتصنيع الحمضيات والبيتروكيماويات، ومراكز الطب المتقدمة ومعظم المعامل النووية المركزية، وأكثر الجامعات والمعاهد العلمية، وموانئ الطيران والشحن، ومناطق تجارة الترانزيت، ومواقع السياحة الدولية.
وهي دراسة تبشر بهيمنة إسرائيلية صهيونية على المنطقة بحيث تصبح إسرائيل القطب المهيمن سواء في العلم أو الجامعات، أو السياحة الدولية، أومن حيث كونها محطة الطيران المركزية، ومحطة الشحن المركزية، ومحطة توليد البيروكيماويات، ومحطة تصنيع الحمضيات. بحيث تكون معظم البضاعة العربية الموجودة في شتى المناطق تشحن ويتخذ القرار في شأنها وفي تصنيعها وفي تعليبها وفي تسويقها من المركز لهذه السوق التي هي إسرائيل.
ونحن نرى اليوم هذه السوق الشرق الأوسطية تفرض نفسها وبإلحاح، وبدعم كبير من الولايات المتحدة، حتى أضحت المساعدات المالية من المؤسسات الدولية أو القروض من البنوك العالمية مقرونة بقبول هذه البرامج الاقتصادية التي أعدت من خلال دراسات قامت بها هيئات نعتبرها في بحث نعده للنشر من صنف ما دعوناه بمقاولات تسويق الأفكار وصناعة القرار.
وتجدنا لا نهتم بهذه الدراسات، ولا نطلع عليها ولا ندرسها، وهي تستشرق المستقبل وتضع الخطوط العريضة للعمل الذي ينبغي أن تقوم به المؤسسات العالمية، ورجال القرار الدوليون في مختلف المجالات، ولهذا ليس من الغريب أن نجد بعضنا يفاجأ بمنظومة الشرق الأوسطية، وقد تجده غدا من المندهشين لما استحوذت عليه إسرائيل من مركزية القرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في منطقة كانت تدعى بالعالم العربي، كانت إلى حدود الأمس القريب تدين بدين الإسلام، فإذا بها تئن تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والفقر، والمشاكل المفتعلة، والحروب المستحدثة، والصراعات الداخلية بين مختلف فصائلها. فهذا أمر يعد له الآن، وقد صنع جزء كبير منه اليوم، لأن المستقبل إما أن تصنعه أو يصنع لك، وما دمنا غافلين عن صناعته وغير مراقبين لما يصنع منه في هيئات ومختبرات ومؤسسات أخرى، فحظنا منه إذا المفاجأة.
ولقد شارك بعض الخبراء العرب- سامحهم الله – تحث الضغوط الاقتصادية، تحث جاذبية القرارات الدولية، وخشية من المصادمة، وتحت التخويف من مستقبل رهيب في هذه الدراسات والبحوث، ورأوا على أن حضورهم ضروري، وهو أولى من غيابهم وعدم مشاركتهم ومراقبتهم، فهو يمكنهم على الأقل من الاطلاع، لكن نجد كذلك آخرين انساقوا وراء أناشيد السلام والأمن الذي سيعم المنطقة، والذي لن يعم إلا الجزء المسمى إسرائيل، مثلما كانت الحرب الباردة بالنسبة للدول العظمى، حيث كانت الحرب باردة بالنسبة لهم وساخنة في أقطار أخرى إلى درجة الاحتراق.
فذلك مثال سقناه للإشارة إلى تفكير جندت له كفاءات، وتغيير سخرت له مؤسسات، يتم على حساب اقتصاد دول أخرى وشعوب أخرى، لن تجد من مجال أمامها غدا بعد الغفلة عن صناعة الغد إلا أن تقوم بعمليات السخرة والخدمة لصالح الدولة المركزية، والدولة صاحبة القرار النافذ: إسرائيل.

* حاجتنا إلى مزيد فهم للتغيير: راجعت عديدا من الأدبيات والكتابات الإسلامية حول مفهوم التغيير وحول المتغيرات، فوجدت العديد منهم ينطلق من الآية: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ثم لما تمعنت وبحثت عن الدراسات المعمقة في هذا المجال، وجدت الإنتاج فيها ضعيفا، وقد انحصر البحث عندي حين أمعنت فيه النظر بين طرف يقول بأن هذه الآية التي يعتمد عليها المسلمون لتقديم فلسفة إسلامية للتغيير هي آية يراد بها تغيير سلبي، تغيير تزال به النعمة ويمثل هذا التيار الدكتور جعفر شيخ إدريس فيما كتبه في بحث بالإنجليزية نشره اتحاد الطلاب المسلمين بأمريكا سنة 1977، وترجم في مجلة المسلم المعاصر تحت عنوان «منهج التحول إلى الإسلام»، ثم عاد فأشار إلى نفس الأفكار في ندوة «التغيير» المنعقدة بدولة الكويت مع مشاركة وتنظيم «المعهد العالمي للفكر الإسلامي»، ثم حضرت له كذلك في رمضان 1414 محاضرة بالمعهد الإسلامي التابع لجامعة الإمام ن سعود بواشنطن انطلق فيها من هذه الآية، وشرح المراد منها وهو أن التغيير المراد من الآية تغيير سلبي.
وللأستاذ جودت سعيد بحث هام حول التغيير يحتاج إلى وقفات في غير هذا المقال، إلا أن أجود ما قرأت في الموضوع هو بحث للدكتور طه جابر العلواني بعنوان «الأزمنة الفكرية ومناهج التغيير» سنعمل على نشره في عدد قادم بهذه المجلة بإذن الله.
وأكيد أن التغيير من عوامله الفاعلة زوال نعم وحلول نقم وحصول طمع لدى الفئات البشرية، وتنازع وقتال وحروب، هذه عوامل تفجر المتغيرات، لكنها عوامل تخضع لسنن إلهية قارة إلا ما كان منها مفاجئا مثل الكوارث الطبيعية وغيره، فتلك امتحانات ربانية وانتقامات إلهية يريد الله سبحانه وتعالى بها أن يبلو البشرية «ونبلوكم بالشر والخير فتنة» فهذه العوامل الفاعلة هي مما لا شك فيه من روافد المتغيرات، وطاقات لانفجار تلك المتغيرات.
لكن الآية حين تشير إلى التغيير السلبي، الموجب لزوال النعمة، فهي ضمنيا تدعو لتغيير إيجابي من خلال المراجعة والإسراع بالتوبة والتمسك بحبل الله المتين عبر الدعاء الخالص والعمل الصالح.
والمنخرط في التغيير اليومي بوعي وإيمان هو المدرك لمفاهيم ومعاني فاتحة الكتاب المبين، ففي السبع المثاني وأم القرآن الكريم للمنهمك في التغيير الدرس البليغ والنهج الحكيم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here