islamaumaroc

المنهج الأصولي بين القول بالتجريد والتأثير العقدي

  المصطفى الوظيفي

العدد 348 رمضان 1420/دجنبر 1999

    *مدخل :
     ينطلق كل باحث في كل بحث « علمي»من تحديد منطلقاته في البحث من جهة، ورسم غاياته وأهدافه من جهة أخرى.
    ولا شك أن موضوع المناهج في الأصول شأنه شأن الأبحاث العلمية الهادفة ينطلق باحثه من تحديد أولياته وبيان أهدافه.
    موضوع المنهج الأصولي بين القول بالتجريد والتأثير العقدي لا يأمل الدخول في النقاش حول مصطلح المنهج وحدوده ومشتقاته واشتراكه بين المنهج، كطريقة للبحث، أو برنامج عرض موضوع أو منهج قائم بذاته يأخذ طرائق معينة في الدراسات العلمية والأدبية. ولكنه يريد الوقوف عند المناهج التي بواسطتها حول النص إلى موضوع أصول الفقه، هذا من جهة.
    ومن جهة أخرى، يريد بيان كل ذلك من خلال الوقوف عند مقولتي « التجريد والتأثير العقدي».(1)
    إن الواقف على الدراسات الإسلامية الحديثة منها والمعاصرة يلحظ أن كثيرا منها تصف علم أصول الفقه بأوصاف تبعده عن أهدافه وغاياته التي من أجلها ظهر، ككونه علما كليا، وعلما نظريا، وعلما تجريديا، وهذه العبارة الأخيرة هي مكمن البحث، وهي التي وصف بها الأصول من طرف كثير من الباحثين.
    فالأستاذ عادل فاخوري في الرسالة الرمزية في أصول الفقه يقول: « فهو من حيث كنهه علم كلي مجرد لا يمت إلى الدين أو المجتمع بصلة ذاتية، بل إنه ليصلح أن يكون قالبا لكل شرع وخلق».(2)
    وهو ما سار عليه ذ. حميد الله عند تقديمه لكتاب « المعتمد» للحسن البصــــري،(3) ومارسه غير واحد من الدارسين، (4) اعتقادا منهم أنه تصدق عليه الصورية والتجريد مثلما على علوم أخرى كالمنطق وغيره .
    إن القول بالتجريدية من شأنه أن بسقط على الأصول كثيرا من المفاهيم المثقلة بالمقولات، سواء اليونانية القديمة، أو المقومات الغربية الحديثة والمعاصرة. وقد وصف الأصول بكثير منها، ككونه نسقا مغلقا، وكونه نسقا مفتوحا(5) وغيرها.
    إن لمثل هذه القضايا وغيرها والتي جاءت نتيجة نعت الأصول بالتجريد، ومن ثم تطبيق النماذج المنطقية والرياضية الحديثة والمعاصرة عليها، سرعان ما أغرقت نفسها في سلبيات بدت واضحة على مستوى الموضوع كما سلف، وعلى مستوى المنهج كما يتضح في النقاط التالية :

    • النقطة الأولى :
    إن هذه الدراسات أعطت لنفسها إمكان فصل المناهج عن مواضيعها، وإمكان كهذا غير صحيح من الوجهة النظرية « في الواقع لا منهج مجردا من مقولاته ونماذجه، لأنه تشكل في أحشاء النماذج التي عالجها واكتسى باللحم من خلال الموضوعات التي ولدها».(6)

    • النقطة الثانية :
    أعطت هذه الدراسات لنفسها إمكان فصل المنهج عن اللغة التي نشأ وتأثر بها، فمن المستحيل تجريد المنهج الأصولي عن اللغة العربية التي تشكل داخلها وأثر فيها وتأثر بها، يقول الشافعي: «ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطا طاليس».(7)
     وهذه النقطة تشد إلى السابقة وإلى التي قبلها، وتعكس أن هذه الدراسات السابقة أجرت علم أصول الفقه على اصطلاحات منطقية يونانية، وأخرى رياضية حديثة ومعاصرة، الأمر الذي أوقع كثيرا منها في «قولية» الأصول حتى نصدق عليه تلك المصطلحات أو تخريج مصطلحات ملفقة، يقول الشافعي : « لسان العرب الجاري على نصوص القرآن والسنة، وتخريج ما ورد فيها على لسان اليونان ومنطق أرسطا طاليس الذي هو في حيز، ولسان العرب في حيز، ولم ينزل القرآن ولا أتت السنة إلا على مصطلح العرب ومذاهبهم في المحاورة والتخاطب والاحتجاج والاستدلال لا على مصطلح اليونان، ولكل قوم لغة واصطلاح».(8)

    • النقطة الرابعة :
    أخطأت هذه الدراسات حين مكنت نفسها من فصل المناهج الأصولية عن المادة العقدية التي تولدت فيها، فعلماء الأصول مارفضوا المنطق اليوناني إلا لقيامه على ميتافيزيقا، أقل ما يقال عنها أنها يونانية مخالفة ومباينة للعقيدة الإسلامية : «إن المتكلمين لم يقبلوا ميتافيزيقا أرسطو – وهي في جوهرها مخالفة لميتافيزيقيا القرآن – فكان من المحتم ألا يقبلوا منهاج البحث الذي استندت عليه هذه الميتافيزيقا، وبخاصة أن حقائق منطق أرسطو متصلة بحقائق ميتافيزيقــــاه...».(9)
    فلا شك أن هذه النقاط التي سبق أن أشرنا إليها تحتاج إلى وقفة قصيرة عند بعض النماذج، لنبين إلى أي حد أدرك المفكر المسلم والمتكلم الأصولي على وجه الخصوص العلاقة التي تربط المناهج بالقضايا الثقافية والدينية بصفة عامة، والعلاقة التي تربط أصول الفقه بمحتوياته العقدية والدينية من جهة أخرى، وهذه العلاقة لا تقتصر على الأصول الكلامية بل تشمل الأصول الفقهية.
    «قال الإمام علاء الدين الحنفي في ميزان الأصول : إعلم أن أصول الفقه فرع لعلم أصول الدين، فكان من الضرورة أن يقع التصنيف فيه على اعتقاد مصنف الكتاب، وأكثر التصانيف في أصول الفقه لأهل الاعتزال المخالفين لنا في الأصول».(10)
    وهكذا أدرك الأصوليون الفقهاء والمتكلمون هذه العلاقة، الأمر الذي حذا بهم إلى الوقوف عند كثير من القضايا موقف النقد / ثم الرفض، وبعدها الادعاء والطرح الإسلامي.
    ولتوضيح هذا نتتبع القضيتين الآتيتين :
    - قضية الحد.
    -قضية البديهيات.

    1- قضية الحد :
    إن الحدود في الدراسات المنطقية اليونانية تعتمد في حد الحد على وصف الشيء وصفا ذاتيا وجوهريا، وهذا ما أكده أرسطو عند حديثه عن الحد.
    وهو مالم يقبل داخل الدراسات الإسلامية لارتباطه بالعلل أو بعنصري الجنس والفصل، وكذلك لصعوبة الوصول إلى جوهريات أو ذاتيات الأشياء ليس فقط على مستوى البحث، لكن كذلك على مستوى الحدود المعرفية الإسلامية التي تقلص من البحث في القضايا الميتافيزيقية كالبحث في «ذات الله وصفاته» وغيرها. ولا تقتصر الصعوبة على العنصرين لسابقين، بل كذلك تكمن في كون الحد بالشكل المنطقي لا يحقق تمييزا بين صورة وأخرى، وإنما يهدف إلى تحصيل صورة في الذهن غير حاصلة، غير أن الأساس الذي من أجله رفض الحد أنه قائم على ميتافيزيقا يونانية محضة: «إن الحد عند أرسطو – كما نعلم – هو قمة العلم، والتوصل إلى الماهية بالحد هو غاية الفكر الأرساطا طاليس كله، فإذا كان الأصوليون قد خرجوا عنه ووضعوا تصورا جديدا للحد، فإنهم قد خرجوا نهائيا عن روح العلم اليوناني ومنهجه».(11)
    ولهذا فالتعريف أو الحد عند الأصوليين لا يعدو أن يكون عبارة عن رسم أو تعريف لفظي أو إسمي (12) مميز للحد عن المحدود، ولا يكون غير ذلك، لأن الحاد تحكمه التصورات العقدية من جهة، واللغة العربية من جهة أخرى، فالحد عند المناطقة العرب « القول الشارح»، وعند المتكلمين الأصوليين – كالأشعري والباقلاني والاسفراييني وابن فورك وابن الفراء وابن عقيل وإمام الحرمين والنسفي وأبي علي والجبائي والطوفي...(13) هو «التمييز بين الحدود وغيره».(14)
    وهكذا يمكن التمييز بين التعريفات عند الأصوليين والمناطقة وأتباعهم، فحد «العقل» مثلا حسب المنطق الأرسطي جوهر بسيط غارق في ميتافيزيقا يونانية وانطلوجية متعالية، بينما حده في المنهج الأصولي لا يعدو أن يعرف بالمنع(15) كما في المعجم العربــــــي، و«محله القلب»، (16) كما في قوله تعالى :(فتكون لهم قلوب يعقلون بها)،[ الحج 46].
    ويمكن أن نجد تعاريف كثيرة للعقل، (17) إلا أنها لاتخرج عن كونها مرادفات أو شروحا بسيطة تدور حول النص أو اللغة المعجمية والاصطلاحية كما أكد ذلك النص الغزالي: «إذا قيل ما حد العقل،  فلا تطمع في أن تجده بحد واحد، فإنه هوس، لأن اسم العقل مشترك يطلق على عدة معان»،(18) غير أن الذي يليق به في الأصول أن يحد باعتباره مناطا للتكليف.(19)

    2- قضية البديهيات :
    وهي من الأمور الأساسية في المنهج الأرسطي ككل، غير أنها لم تقبل من طرف المسلمين لتعارضها مع محتويات المنطق الإسلامي، ونقف عند بديهيتين، وقف المفكر المسلم منهما موقفا معاديا، وأعني بهما :
    أ- مبدأ عدم التناقض: ويعبر عنه بقانون عدم الجمع بين النقيضين، أي القضية في المفهوم المنطقي لا تكون صادقة وكاذبة معا، بمعنى( ب ب)، أي لا يمكن أن تكون (ب هي ولا هي) في نفس الوقت.(20)
    إن هذا الطرح الأرسطي لا يتكيف مع كثير من القضايا العقدية التي ولدها علماء الأصول والكلام كمبدأ القدرة(21) التي يجمع فيها الله بين الاستحالة والإمكان، فالقدرة الإلهية لها أن تجمع بين الوجود والعدم، وبين القدرة والعجز، كما تجمع بين العلم والجهل. وبصفة عامة، فعلماء الكلام والأصول رأوا أنه من الواجب تحطيم قانون عدم الجمع بين النقيضين كي يتمكنوا من بناء تصورات عقدية وشرعية منسجمة مع المنطق الإسلامي.
    ب- مبدأ الثالث المرفوع: ويعبر عنه بقانون ارتفاع الواسطة أو الثالث الذي يمكن أن يقع بين شيء وشيء آخر،  ويعبر عنه بأنه كل قضية هي إما صادقة وإما كاذبة كما تدل عليه العبارة الصورة والرمزية التالية (ب ب).(22)
    وهذه البديهية بدورها رفضت، لعدم استجابتها للعقيدة والشريعة الإسلامية، فهي لا تستجيب (للواسطة)، ومعلوم أن العقيدة، وخاصة الاعتزالية بنت كثيرا من الأفكار على مبدأ الواسطة كأصل: مرتكبي الكبيرة، فالوصف الفقهي الذي يصدق عليه يتمثل في الفسق، أي الوسط بين الإيمان والكفر، وقد ادعى كذلك المتكلمون بناء على الواسطة أن الصفات الإلهية ليست عين الذات، ولا غير الذات،(23) وعلى نفس المبدإ طرحت المعتزلة فكرة الحال، القائمة بين الموجود والمعدوم،(24) ولا شك أن فكرة الأحوال دخلت كثيرا من القضايا الأصولية، ولا شك – كذلك – أنها أثيرت في الكتب الأصولية، إما بالقبول أو الرفض حسب الموضوع المثار أصوليا، فأصل الإجماع أثيرت حوله هذه المسألة، واختلفوا حولها خاصة، إذا اختلف الأوائل على قولين «امتنع إحداث ثالث »،(25) ويمكن كذلك إيجاد فكرة الأحوال في مواضيع أصولية وكلامية متعددة.

    * استنتاج وخاتمة :
    ما يمكن أن نستنتج أن علماء الأصول من المتكلمين والفقهاء كان لهم موقف من بعض القضايا المنطقية، وهي مواقف تكونت عن قناعات عقدية وشرعية ولغوية، الأمر الذي مكنهم من كتابة منطق إسلامي خاص يستجيب للثقافة الدينية الإسلامية، فالأصول لم تتطور(قبل القرن الخامس الهجري) في المناحي المنطقية اليونانية، وإنما تطورت داخل الدراسات الكلامية فاصطبغت بصبغته الاعتزالية والأشعرية والماتريدية والسنية، التي مكنته من مواكبة التطور العلمي، وبالخصوص مكنته من الخروج من المناهج الوصفية والاستقرائية إلى الاستنباطية، ولما لا «الاكسيومية»، وبناء النظريات اعتمادا على أوليات بدت واضحة مع الأصول الكلامية الاعتزالية.
    على كل فإن المناهج الأصولية نشأت وتطورت منهجا داخل الدراسات الكلامية، الأمر الذي دفع بكثير من الدراسات الأصولية أن جعلت علم الكلام(إلى جانب اللغة العربية والفقه) من الموارد المهمة لعلم أصول الفقه مادة ومنهاجا : «  فأصول الفقه مستمدة من الكلام، والعربية، والفقه».


1 ) الإسلام في معركة الحضارة / منير شفيق . دار الكلمة – لبنان – الطبعة الثانية 1983.
2) البلبل في أصول الفقه / الطوفي الصرصري الحنبلي . مكتبة الإمام الشافعي – الرياض – الطبعة الثانية 1410هـ.
3) البرهان في أصول الفقه / الإمام الجويني تحقيق عبد العظيم الديب . دار الوفاء – المنصورة – الطبعة الثالثة 1412 – 1992
4 ) التقريب والإرشاد (الصغير) القاضي الباقلاني – تحقيق عبد الحميد أبو زنيد مؤسسة الرسالة – الطبعة الأولى 1413 – 1993.
5) الرسالة الرمزية في أصول الفقه / د عادل فاخوري. دار الطليعة – بيروت – الطبعة الأولى مارس 1978.
6) صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام / جلال الدين السيوطي / علق عليه ذ . النشار دار الكتب العلمية – بيروت د . ت .ط .
7) غاية الوصول شرح لب الأصول / أبو يحيى زكريا الأنصاري الشافعي . شركة مكتبة أحمد بن سعد بن نبهان – سروبابا – أندونيسيا – الطبعة الأخيرة د. ت . ط .
8) في أصول الحوار وتجديد علم الكلام / د . طه عبد الرحمن. المؤسسة الحديثة – الطبعة الأولى يناير 1987.
9 ) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون / حاجي خليفة. دار الفكر 1402 – 1982.
10) كتاب المعتمد في أصول الفقه / أبو الحسين البصري، تحقيق محمد حميد الله . المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية دمشق 1965..
11 ) مختصر السيوطي لكتاب نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان، لاين تيمية. دار الكتب العلمية بيروت د. ت. ط.
12) كتاب الحدود في الأصول – أبو الوليد الباجي / تحقيق نزيه حماد. مؤسسة الزعبي – بيروت ط الأولى 1392 – 1973.
13) لسان العرب / ابن منظور. دار صادر – بيروت د. ت. ط.
14) مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية فاس العدد 9 / 1987.
15) المنهجية الأصولية والمنطق اليوناني من خلال أبي حامد الغزالي وتقي الدين بن تميمة / ذ. حمو النقاري. الشركة المغربية ولادة – البيضاء – الطبعة الأولى 1411 – 1991.
16) المراحل الارتقائية لمنهجية الفكر العربي الإسلامي / د. حسن عبد الرحمن حوليات كلية الآداب الكويت – الحولية الثامنة – الرسالة الرابعة والأربعون 1407 / 1987.
17) مناهج البحث عند مفكري الإسلام / د. سامي النشار. دار المعارف – الطبعة الرابعة 1978.
18) منطق العرب من وجهة نظر المنطق الحديث / د. عادل فاخوري. دار الطليعة – بيروت الطبعة الأولى يناير 1980.
19) مجلة كلية الآداب. الرباط العدد الثامن 1982.

20 ) المستصفى من علم الأصول / أبو حامد الغزالي. دار الفكر – بيروت د. ت. ط.
21) نقض المنطق / شيخ الإسلام ابن تيمية. مكتبة السنة المحمدية – القاهرة د. ت. ط.
22) ARABICA: CRITIQUE de (ch) pèllat Tome5 : 1958.
23) L epistèmologie: rabert blanché coll-que sais-je 3eme édition mars 1983 P.U.F Paris
Encyclopedia universalis : 16eme Ed. Septembre 1978 France(24
 Vocabulaire technique et critique de la philosophie: André lalande presses universitaires de France(25 17eme édition 1991 mai

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here