islamaumaroc

المعاني النفسية لشهر رمضان.

  العربي الغساسي

العدد 348 رمضان 1420/دجنبر 1999

     لقد أجهد العلماء والفلاسفة والأطباء عقولهم ومداركهم، بغية حصر ما ينطوي عليه الصوم من حكم ودلالات فما وقفوا إلا على اليسير الذي أثبته تجارب العلم والطب، وألمحت إليه بعض نصوص الوحي المعصوم، ورتاحت إليه الأرواح والنفوس الطبية المطمئنة. وهكذا في التشريعات الإلاهية لا يمكن للمدارك والعقول أن تحيط بحل أسرارها وأبعادها والحكمة من تشريعها وفرضيتها. بيد أن إقرار هذه الحقيقة لا يعني من جهة أخرى انتفاء أهمية وقيمة ما يمكن أن يتوصل إليه العقل والتجربة مما له صلة بتشريع من التشريعات الإلاهية.
     ونحن في شهر رمضان المبارك يتحم علينا أن نمعن النظر فيه، وأن نتفهمه فهما جيدا، بعد أن صاح المفرضون بعدم جدواء في عصر الذرة، والأقمار الاصطناعية، والاختراعات المدهشة. ولم فكروا قليلا لرأوا فيه باعثا حيا على الإنتاج والعمل وحافزا على عظائم الأمور لقد كثر الحديث حول فوائد شهر رمضان، الطبية منها والخلفية، ولم تستطع النظريات الحديثة إلا أن تنحني إجلالا للمغزى الطبي العميق الذي يتضمنه الصوم، ولأثره الفعال على صحة الإنسان وعلى المعدة، وهي بيت الداء كما يقولون. ولم يكن المعنى الأخلاقي أقل شأنا من المعنى الطبي، يكفي ما في الصيام من مشاركة حقيقة لألم الفقير، وللمحرمان الذي يصيب الضعفاء الذين لا يجدون لقمة العيش.
     كل هذه المعاني طرفها الكتاب قديما وحديثا، وأسهب في التأليف فيها كثير من العلماء والباحثين والاجتماعين، مبرزين صورة الشريعة الإسلامية بما فصلته من أحكام وأسرار وفضائل لهذا الشهر الكريم. إلا أنه على الرغم من أهمية تحرير القول في القضايا العامة للصيام، فإن الاسترادة في ذلك تتم على حساب المساحات التي يجب أن تتدخ فيها الكتابات، لتغطية النواحي النفسية للصيام، والمعاني النفسية لشهر رمضان، والتربية النفسية التي تتحقق بفضل الصوم وإعداد النفس، وتهيئتها لتقوى الله، وتربية الإدارة على ترك الشهوات ليقوى صاحبها على ترك المضار. ولو أن الباحثين زادوا من تكثيف دراساتهم للصوم من مضمونه النفسي، وحللوا عناصره تحليلا نفسيا، مثلما فعلوا في الجوانب الفقهية، ووجها جديدا، يتبدى لشهر رمضان المبارك.
     ويحاول هذا المقال إثارة البعض من تلك الجزانب النفسية من خلال موضوع «المعاني النفسية لشهر رمضان» بالاعتماد على مرجعيتنا الإسلامية، خاصة من أصلها الكبيرين: الكتاب والسنة، ويتم ذلك بالتطرق للعناصر الآتية مسبوقة بمقدمة عن النفس البشرية وطبيعتها وبخاتمة.
1- الصوم محك للإرادة النفسية.
2- قوة الصوم في مواجهة الغضب النفسي.
3-  الصوم طريق الصبر.
4-  قوة الروح كنز معنوي في الصيام. 

      • النفس وطبيعتها البشرية:
      إذا حل شهر رمضان، فإن الحق تبارك وتعالى يفسح الفرصة أمام الإنسان ليلجم شهوات نفسه الجامحة، ويفطم دوافعها الأولية المهمة،قوة الشهوة بشقيها: شهوة الطعام، وشهوة الجنس، وثمرة ذلك لجى الصائم الخانع لله، سكينة تنزل عليه وحلاوة يجدها في قلبه.
     فما هي النفس وما هي طبيعتها البشرية وما هي دوافعها؟ هل هي مجرد الإطار الخارجي الذي تنعكس فيه كيمائيات الجسم وكهرباؤه، وأنها ليست جوهرا مستقلا كما كان يتصور القدماء، فضلا عن أن تكون هي الجوهر  الأسمى؟ وهل كل هذه المشاعر النبيلة التي يشيد بها الأخلاقيون والفلاسفة، وتدعو إليها الأديان وتجلها قصص البطولة هل هي كلها مجرد إفرازات كيمائية، عضوية، تفزها أجهزة الجسم المتعددة أو مجرد إفرازات كيمائية، عضوية وغير عضوية، تفرزها أجهزة الجسم المتعددة أو مجرد نشاط كهربائي في نسيج الجسم؟ (1)
     ويتسائل ابن قيم الجوزية ترى ما حقيقة النفس؟
     هل هي جزء من أجزاء البدن أو عرض من أعراض، أو جسم سابق له مودع فيه أم جوهر مجرد؟ وهل هي الروح أو غيرها؟ وهل اللوامة والأمارة والمطمئنة نفس واحدة لهذه الصفات أو هي ثلاث أنفس؟. (2)
     والحق أن طبيعة النفس البشرية ومصيرها قد انشغل بها المفكرون والفلاسفة وعلماء الدين من القدامى والمحدثين، فلا يخلو مفكر أو فيلسوف من الكلام على ماهية النفس، لأنها أقرب الأشياء إلينا، وهي إلى ذلك القرب لا تزال شديدة الغموض، عصية على الأفهام، وكلما خيل إلى المفكرين قد ازدادوا بها معرفة وعلما، وبلغوا حقيقة أمرها، وكشفوا سرها، وعرفوا جوهرها، إذا هم يجدون أن تلك المعرفة سراب، وذلك الجو مظهر خلاب.
 على أن أحد اليماري فبأنه عادة ما يستشعر خواطر وخوالج تعتمل في داخله، ويحمله على اتجاه موقف سلوكية دون غيرها. وهذه هي الدوافع النفسية التي يعدها علماء النفس القوة الداخلية الموجهة للسلوك، التي تنزع بالإنسان نحو سلوك معين، ظاهرا كان أم باطنا، توسلا لتحقيق أغراض بذاتها أو أهداف بعينها.(3)
       وهكذا فثمة دوافع نفسية أساسية تؤثر في حياة كل منا، وهي قوة شهوات الطعام والشراب والجنس. فقوة شهوتي الطعام والشراب لازمة لاستمرار حياة الإنسان ووجوده، وقوة شهوة الجنس لازمة للحفاظ على نوعه. وهذه النفسية الأولية تتصارع داخل النفس البشرية، صراع الأضداد المتنافرة. فالنفس البشرية- على نحو ما خلقه الله ذات طبيعة مزدوجة في استعدادها للشيء ونقيضه: للحق والباطل، وللخير والشر، ، والفجور والتقوى. وفي ذلك يقول الله تعالى: {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها}. (4) ويقول عز وجل مصورا هذا الصراع الذي يثور في أعماقنا ابلغ تصوير... {والله يريد أن يتوب عليكم، ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما}.(5)

     1-الصوم محك للإرادة النفسية:
     إن الحضارة غدت كثيرة التعقيد، متباينة الأوجه، عديدة المطالب والعروض، وكل هذا من شأنه أن يجعلنا نختار ونضطرب. ولا نقدم سريعا على حاجة معينة غلا بجهد وتردد شديدين، وهذه المشتتات الذهنية المختلفة، من شأنها كذلك أن تضعف الإرادة، وتشل الشخصية، وتحط من قدرة المواهب النفسية الأخرى، إذ أن الإنسان المعاصر أصبح في حاجة أكيدة وماسة إلى تربية جديدة تمس أول ما تمس الإرادة الخائرة، لأننا نعلم جيدا أن العباقرة الذين تركوا أثرا عميقا في حوادث التاريخ وسير العلم، كانوا ذوي إرادة حديدية وعزم قوي يدفعهم إلى العمل دفعا، وليس الصيام إلا تدريبا عمليا وواقعيا على اكتساب تلك المهارة العميقة.
     ومن المعلوم في علم النفس أن العمل الإرادي لا يكون عملا إراديا تاما حتى يخرج إلى حيز الوجود والتطبيق، وأن النية أوالعزم لا يكفيان، بل لابد من الشروع في التنفيذ. وهذا ما عرفه الإسلام قبل العلماء النفسيين في القرن العشرين، حيث إن الصيام يماشي هذه الفكرة، إذ لا يكفي أن المومن بالصيام يكتفي بمجرد الإيمان والاعتقاد بل لابد من الصوم والانقطاع عن ملذات الجسد، انقطاعا حقيقيا، وأن الصوم ليس إلا عاملا أو حافزا على إثارة الطاقات النفسية الأخرى. والعمل الإرادي يجب أن يكون عملا واعيا حتى يكون إراديا إنسانيا، لأن الحيوان يعرف الإرادة والتصميم، إلا أنها إرادة عمياء تقوم على الغريزة والاندفاع الحيوي لا على التبصر والفهم. ونحن نعرف أن الصوم لا يكون صوما حقيقيا حتى يكون صاحبه معتقدا مومنا، شاعرا بالمعنى المقصود والفائدة المرجوة، وإن الحسنات تضاف إلى فعل الصائم كلما كان صومه حافزا على الخير والإحسان، والعطف على الضعفاء والفقراء.
     فالصوم شرارة أو دفعة لتحريك الإنسان، وتنبيه التي خلقت من أجلها. وكلما زادت قدرته على ضبط انفعالاته ونزواته وشهواته، وهو أمر لا يوهب لغير الصائمين ممن آثمر لصيام ثمرته الطيبة في نفوسهم.
     والبعد النفسي للإرادة في الصوم يتمثل في أن الصائم المسلم عندما يمتنع عن تناول طعامه وشرابه أو مباشرة زوجته، أمتثا للأمر االإلاهي، مع توفر هذه الحاجات بين يديه وداخل بيته الذي هو ملكه الخاص،
إن تعوده على هذا المتناع يقوي في إرادة التحكم في رغباته، كما هو متاح له. فعندما تقوى هذه الإرادة يصبح من السهل أن تطبيق على ماهو محرم عليه. كتناول مال الآخرين ظلما، أو اشتهاء نساء الآخرين حراما وتكون النتيجة أن المسلم يتعود من خلال الصوم أن يمتنع عن الحلال حتى لا تطمع نفسه في الحرام، وبهذا المستوى يجعل الصوم من المسلم إنسانا يرتفع عن سائر يرتفع عن سائر الحيوانات التي لا تستطيع أن تمسك نفسها عما ترغب فيه، أو تحتاج إليه، فالمحك للإرادة النفسية في الصوم هو أنه يطلعنا على ما أصاب الشخصية من ثلوم، ويجعلنا نلمس نقط الضعف فيها. فكأن الصوم جرس الإنذار لإصلاح ما أصاب الإنسان، فإذا كان ذا إرادة قوية وتغلب الجوع والعطش، ومغريات الجنس والنزعات الشريرة، فكأنه اجتاز امتحانا صعبا، وصعد إلى مصاف الكبار من الناس وإن ضعف وهان، فشهر رمضان فرصة لعادة التثقيف وإصلاح ما فات، ثم الاستعداد إلى حياة جديدة فاضلة، لأن الرجل العظيم لا يكتفي بالتغلب على سواه من الاعداء فقط. ولكن يجب أن يتغلب على نفسه أولا، وأن يسيطر على الميول التي قد تدفعه إلى الهلاك. وبذلك يصبح أكثر استعدادا لمفابلة البيئة الفاسدة وإصلاحها والتأثير فيها.
     والرجل الناضج وجدنيا، القوي الإرادة، قادرا على الثغلب على كل الشهوات، أما الرجل الذي لا يستطيع الإفلات من ذلك، ضعيف يحتاج إلى الصوم كثيرا وطويلا. وتلك حقيقية علمية يعرفها رجال التربية وعلم النفس، حتى وجدنا الباحث الألماني الأشهر «جيهاروت» يضع كتابا في تقوية الإرادة. فيتخذ من الصوم أساسا لهذه التقوية. ففي تجربة الصوم تقوية لإرادة الإنسان الخيرة، فتصبح هي المحركة والموجهة والمهيمنة.
     ومعرف انه متى قويت الإرادة في جانب الامتناع عن  الامتناع عن الشهوات ومتطلبات الغريزة، فإنها تقوى تلقائيا في سائر أوجه حياة الإنسان، فالإرادة هي بحق مفتاح التشغيل لكل الوظائف النفسية الأخرى. والارادة القوية هي التي توظف كل الوظائف النفسية لخدمة صاحبها، وهي التي تحميه من كل ما يعترض سبل حياته من مشاكسات ومضايقات.

     2- قوة الصوم في مواجهة الغضب النفسي:
     الغضب هو كيفية للنفس، تحدث من حصول ما لا بلائمها، فتتربت عليه كراهية الفعل المغضوب منه وكراهية فاعلة، ويلازمه الإعراض من المغضوب عليه، ومعاملته بالعنف وبقطع الإحسان وبالأذى، وقد يفضي ذلك إلى طلب الانتقام منه، فيختلف الحد الذي يثور عند الغضب في النفس باختلاف مراتب احتمال النفوس للمنافرات واختلاف العادات في اعتبار أسبابه.
     وللغضب علامات وآثار تبدو في هيئة الغاضب ومنظره، وتؤثر بشدة في أعضائه الداخلية ومخبره، فتجعله أشبه ما يكون بوحش ضار، وحيوان مفترس، فاقدا لكل معنى إنساني جميل، مما تفرد به الإنسان دون سائر المخلوقات. بقول الإمام الغزالي في كتابه: «إحياء علوم الدين»: ومن آثار هذا الغضب في الظاهر تغير اللون وشدة الرعش في الأطراف، وخروج الأفعال من التريث والنظام، واضطراب الحركة والكلام، ولو رأى الغضبان في حالة غضبه قبح صورته لسكن غضبه حياء من قبح صورته واستحالة خلقه، وقبح باطنه أعظم من قبح صورته واستحالة خلقه، وقبح باطنه أعظم من قبح ظاهره، فإن الظاهر عنوان الباطن أولا ثم قبحها إلى الظاهر ثانيا، فتغير الظاهر ثمرة تغير الباطن. فهذا أثره في الجسد.
     في مؤتمر دولي للطب النفساني قال الخبراء: إن الغضب جزء من الجنون القصير المدى، وإن الأعمال تجري في أثنائه بعد أن يتوقف العقل فيما يعمل، وهذا حق، فإن من الغاضبين من يأتي من الأعمال- حال غضبه- بما لا يظن أحد أنهم أثوه، لفرط حمقه وفجاجته، وتسألهم عنها فيما بعد، فيجيب المسؤول منهم، والله ما أدري ما دهاني في تلك الساعة، إن الذي دهان هو المجنون، فما إن ينتاب الإنسان الغضب- بسبب إحدى الصور الذهنية المثيرة- حتى تتلبسه الشيطان،ويتقمص شخصيته، فيكون هو الشيطان نفسه في تصرفه وانفعالاته.
ومن الوجهة العلمية، فإن الغضب يفقد الإنسان صواب التفكير وصواب القول، لكن شرا من ذلك أن الغضب يمكن أن يذهب بحياة الغاضب، فإن سلم الغاضب الثائر من ميتة مفاجئة فلن يسلم من أذى كثير.
      وذلك أن انفعال الغضب يشحذ الجسم بأجهزته المختلفة، ويستنفر سائر طاقاته. فيرتفع ضغط الدم، ويسرع التنفس وضربات القلب، وتتشنج العضلات، وتتوثر سائر الأجهزة في الجسم. ونتيجة لذلك، تتعطل جميع أنشطة الجسم الداخلية مثل عمليات الهضم، وتمثل الغذاء، كما تعطل عمليات البناء، وتجديد أنسجة الجسم، وبذلك تزداد عملية الهدم، فتهدر طاقة هائلة، ويموت عدد غفير من الخلايا. وفي بعض الأحيان يرتفع ضغط الدم أثناء نوبات الغضب الحادة إلى معدل مخيف، ونتيجة الارتفاع الهائل في ضغط الدم تنفجر الأوعية الدموية الدقيقة في المخ، فيقع الإنسان صريعا في التو واللحظة، وقد يخفف القلب في عمله (هبوط حاد) فتكاد تكون النتيجة ذاتها الحتف.
      وقوة الغضب تكمن على سلوكه، بحيث لا يكون متوازنا مع حجم المؤثر أو حجم الموقف الحقيقي. وإن في عدم تبصره بالمقومات الأساسية للموقف ذاته، لا يأخذ في حسبانه أيضا، ما يمكن أن يترتب عن تصرفاته في المستقبل القريب أو البعيد من نتائج. فهو بالإضافة إلى عماه عن رؤية الحاضر يعمى عن تبصر ما يحدث في المستقبل. ولا ريب أن هذا كله سوف ينعكس بالشر على الغاضب نفسه، وعلى المجتمع من حوله، فمن آثاره إضمار السوء وتوليد الحقد في القلوب وإيذاء الناس، وما يترتب عن ذلك من فساد للحياة وانهيار للمجتمعات، وتقطيع لأواصر المحبة بين الناس، فالغضب كقوة هو مفتاح كثير من آثام الدنيا وشرورها بل هو جماع الشر كله.
فالغضب انفعال بشري نابع من فطرة الله، للحق تبارك وتعالى حكمته في خلقها. بحيث لا يستغنى عنها بغيرها في وظيفتها، فهي حمية تثور في الإنسان ينصر بها المظلوم، ويدفع بها العدوان، ويحمي بها نفسه وماله وعرضه، كما يغضب لمحارم الله إذا انتهكت، ومقدسات دينه إذا اغتصبت.
      ولقد امتدح الله عباده بكونهم أشداء على الكفار رحماء بينهم، قال تعالى: (محمد رسول الله، والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم، تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا، سيماهم في وجوههم من أثر السجود).(6) ولقد روى انس بن مالك رضي الله عنه قال: «... ما رأيت رسول الله انتقم من شيء إلا انتهكت لله حرمة، فإذا انتهكت لله حرمة كان أشد الناس غضبا». هذا هو الغضب المشروع ومقتضياته، وغير ذلك الغضب المنهي الذي يشيع بين الناس، وهو الغضب الذي يصدر عن نفوس تمتلكها آفات العجب والحقد وطلب الأمور التي فيها لذة دنيوية يتنافس فيها الناس، ويتحاسدون عليها، وهو الغضب المذموم الذي هو الغضب للنفس، لأنه يصدر عنه الظلم والعدوان.
      والغضب بنوعية طبيعة الإنسان وجبليته ولا فكاك عنها، وإذا انه غريزة إنسانية شأنها شأن الغرائز الأخرى، فغن الله تعالى أودعها في نفس الإنسان لتؤدي دورا معينا في الحياة، وفقا لشروط معينة، وتلك حقيقة واقعة يتفق عليها التصور الإسلامي ونظرة علم النفس الحديث.
والغضب بوصفه غريزة ليس هو المشكلة، إنما المشكلة تكمن في قابلية الإنسان للانفعال الشديد وسرعة الهيجان دون مسوغ مقبول عقليا وأخلاقيا ومجتمعيا. وترتبط هذه المشكلة بقدرة كل فرد على تنمية مواقعه وإدراكه و انفعالاته، كما ترتبط بإمكانية كل فرد على إدارة الصراع الداخلي في نفسه. وترتبط هذه المشكلة- عد ذلك- في أسلوب التعبير عن الغضب. فالمهم هو التحكم والسيطرة على الانفعال وعدم الاستسلام لثورة الغضب، فما هو العلاج وكيف يتم مواجهة قوة الغضب؟(7)
      هذا هو ما حرص عليه المنهج الإسلامي في التربية بتقديم التوجهات المثلى التي تجعل هذه الغريزة تحت إشارة العقل والدين، فتنبعث حيث تجد الحمية، وتنطفئ حيث يحسن الحلم وتضمن- إلى جانب ذلك- السير بها نحو حد الإعتدال المطلوب الذي يسمو بحياة المسلمين ويخدم رسالته في إعمار الكون، والمدهش أن نتائج الدراسات النفسية الحديثة تأتي مؤكدة  دور الإرشادات الدينية في تنمية الشخصية السوية للإنسان،بما يجعلها عصية على القلق، والتوتر والغضب المذموم. وما ذاك إلا لان المسلم القوي يلتزم في سلوكه قول الحق تعالى: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين) سورة آل عمران، الآية: 194. وقله تعالى: (خذ العفو، وأمر بالعرف، واعرض عن الجاهلين)،(8) كما يلتزم بما جاء في أحاديث رسول الله الداعية إلى ضرورة التحكم في النفس، وعدم الانقياد لرغباتها في الهيجان والانتقام، لما في ذلك من ضعف وانقياد لقوى الشر. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: «ليس الشديد بالصرعة، وغنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»(9) وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله: «وما من جرعة أعظم أجرا عند الله من جرعة غيظ كظمها عند ابتغاء وجه الله».(10)
      على أن الإسلام لا يكتفي بالتوجيه الإٍرشادي وحده منهجا للسمو بالنفس البشرية، والاستعلاء بها على القوة الغضبية القاهرة، بل إنه يجعل في صيام شهر رمضان منهجا علميا تدريجيا، يكفل ترويض هذه الغريزة، والوصول بها إلى الاعتدال، فعندما يكون الإنسان هادئا مطمئن البال، متمتعا بالسلام النفسي، فإن جسمه يكون في حالة اتزان هرموني، وكلما زادت كميته في الدم زاد التهيؤ النفسي والانفعال الغضبي.
      وقد أثبت الباحثون ما للصيام من قدرة لا تنكر على تنظيم إفراز الهرمونات المختلفة بالجسم، ومن بينها هرمون الغضب، فالصوم من هذه الوجهة يهديء من المشاعر الثائرة. ومن هنا يتجلى المعنى النفسي لشهر رمضان وأثره في مواجهة قوة الغضب، إذ أن الصوم يخفف من الضغط العصبي الذي يعايشه الناس في تعكير صفو بعضهم. فعندما يكون الإنسان مطمئن البال، متشرح الصدر، منعما بالهدوء النفسي الذي يتيحه شهر رمضان للصائمين، فإن جهازه العصبي بجميع تفريعاته الممتدة في أنحاء الجسم يكون بدوره في وضع استرخاء وسلام، وعكس ذلك صحيح.
      إن العقل البشري والجهاز العصبي يصابان بالإرهاق من كثرة الأشغال بأمور الحياة اليومية، والصراعات البشرية، والمرء يحتاج إلى الهدنة يرتاح فيها، ويتخلص من ضغوطه، ومن ثم يتخلص كرم شهر الصيام العظيم وسخاؤه، إذ أن هذا الشهر الكريم هو خير هدنة للجسم، بعيدا عن ماديات الحياة وصراعاتها، فتهدأ النفس ويستعيد الجهاز العصبي قدراته وكفاءاته عن العمل من جديد. وقد أثبتت دراسات الباحثين على مجموعة من الصائمين أن ممارسة الصوم مريحة للجهاز العصبي، إلى درجة ساعدت على تبديد القلق والتوتر. كما أسهمت في استرخاء عضلات الجسم المتشنجة. كما أشارت دراسات أخرى إلى أن قدرة الصيام على تهيئة الأعصاب المتوفرة، تكمن في علاجه لحالة الأرق، أي عن التأثير الفعال للصيام في تهدئة الأعصاب يكمن في كونه مهدئا طبيعيا للجهاز العصبي يريحه من القلق والتوتر والغضب الذي يعود في معظم أسبابه إلى الأرق، فتستريح الأعصاب الداخلية للإنسان، مما يؤدي إلى النوم المريح، وثمرة ذلك كله انتفاء سبب أساسي مكن أسباب الانفعال الغضبي غير السائغ وغير الطبيعي.(11) 
      عن هذا كله يجعل الصائم يسمو عن الاستجابة لدوافع الغضب، ويعتاد فطامها. فإنه إذا اعتاد ذلك شهرا فيما أباحه الله من درء السيئة بمثلها، فلأن يعف عن الاستجابة لدوافع الغضب فيما حرم الله من التطاول على عباد الله طوال العام أولى وأشد.
      وإذا كان الحديث الشريف الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي (ص) أنه قال: «إذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فغن سابه أحد أو قاتله، فليقل إني صائم».(12) إذا كان هذا الحديث الشريف يحض على العفة، ويحث على حسن الخلق، سيما حين يكون الإنسان صائما، فإنه في ذات الوقت يحث على ضبط الانفعالات وعدم الوقوع في خمأة الغضب. والصائم الذي قهر جوعه وعطشه، فإنه بالصيام يقهر انفعالاته فيضبطها ويكظمها، فكم من ميزة يجنيها الصائم من الصيام نعمة كلها رحمة من الله، وكلها إحسان إلى بني الإنسان.

      3- الصوم طريق الصبر:
ما أكثر ما يصادف البشر من إحباطات وسط التطلعات الحضارية، وما يترتب على ذلك من آلام وضغوط نفسية، تنعكس على حياة الإنسان وأهله ومجتمعه، من خلال ما يمارس من سلوك في حياته الاجتماعية. ودائما يحاول الشيطان بوسوسته أن يخرج الإنسان من صبره ليضعه في دائرة اليأس من رحمة الله، ويحجب عنه إيمانه الذي ائتمنه الله عليه. فيكون الصبر دائما هو العلاج رغم مرارته، إذ يقوم بدور إيجابي في ضبط وتوطيد السلوك الإنساني للأفراد داخل الجماعة.
ويعتبر الصبر إحدى قيمنا الاجتماعية المهمة التي ترتبط ارتباطا جزئيا وكليا بسلوك الإنسان ومعتقداته. ويكاد يتميز ديننا الإسلامي بهذه القيمة التي تظهر كأحد العوامل المؤثرة والفعالة في البناء الاجتماعي وفي العلاقات مع الأفراد. فهو ضرورة دينية كما هو ضرورة دنيوية، فلا نجاح في الدنيا، ولا فلاح في الآخرة إلا بالصبر، ومن عدمه لم يظفر بشيء، فالإنسان لا يستغني عن الصبر في أي حال، ذلك انه بين أمر يجب عليه امتثاله وتنفيذه، ونهي يجب عليه اجتنابه وتركه، وقدر يجري عليه اتفاقا، ونعمة يجب عليه شكر المنعم عليها. فإذا كانت هذه الأحوال لا تفارقه فالصبر لازم له حتى الموت.
      ويكون الصبر محمودا إذا وافق الشرع، ولكن المحمود التام هو الضرب الآخر هو الصبر النفسي عن مشتهيات الطبع ومقتضيات الهون وعن شهوتي البطن والفرج، إذ يتخذ الصبر بذلك المدد النفسي القادر على تحمل الألم والجوع عن سائر المحرمات والمنتهيات بما فيها الإمساك عن الطعام والشراب، والمباشرة الزوجية في شهر رمضان.
      فالصبر يقبل الإنسان كل ما يحدث له ويمنع لسانه عن الشكوى من البلاء، ويحبس نفسه عن الجزع والجوع، إذ هو حقيقته حبس النفس عم ما تكره، ويكون ذلك بفعل الطاعات وتأدية الفرائض، والوقوف عند الحدود التي حددها المولى سبحانه وتعالى واجتناب النواهي.
      وغن في امتناع المسلم عن الطعام والشراب وممارسة العلاقة الزوجية خلال فترة الصيام المحددة، امتثالا لأمر الله وانصياعا لإرادته وتمسكا بالأحكام الدينية والشريعة الإسلامية، لأن الصوم عمل إيجابي كامل، لا يقل عن الصلاة والزكاة والحج، فهو جهد مقصود نحو الالتزام بضوابط محددة، وإذا كان في مقدمتها الطعام والشراب والعلاقة الزوجية، فإن توابعها كثيرة، أهمها: السيطرة على الرغبة في إيذاء الآخر، والتحكم في ضبط النفس، والالتزام بقول كلمة الطيبة، وإسكات الكلمة الخبيثة التي تتبع الكراهية بين الناس. ومن هنا يتبين أن الجهد الذي يقوم به الصائم جهد إيجابي خالص، بل غنه يتميز بجمعه بين التزام لأعضاء وضبط المشاعر، وتلك إحدى علامات الإخلاص ودلالات الصبر ولا احتساب إلى الله. فالصوم إذن- وكما نعرف- هو طريق الصبر، بل هو نصف الصبر، ففي الحديث النبوي الشريف: «لكل شيء زكاة، وزكاة الجسد الصوم، والصوم نفس الصبر»؛(13) فالصيام إذ يدرب المسلم على الصبر عن شهوتي البطن والفرج إنما يعده بذلك للصبر في كل المواطن، فإنه إذا صبر عن شهوات الحلال، فإنه يكون أشد صبرا عن الشهوات المحرمة، وأشد صبرا على تطلعات النفس. وهذا ما يرشد إليه الرسول (ص)، عند مخاطبته للشباب بقوله: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للصبر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء».(14)
      فقد زخر الحديث بمبادئ تربوية تكفل للشباب الوقاية من سوء هذا السن التي تتصارع فيها القوى الشهوانية والعدوانية بداخله، فيبين النبي (ص) أن النجاة من هزائم هذه القوة لا يكون إلا بالزواج الذي تجنح إليه النفوس الصحيحة، لأنه يعتمد على غض البصر، كما أن الزواج يحتاج على تكلفة لا يملكها كل الشباب. فالدليل هو الصوم بما فيه من جوع ومشقة، لما فيه من سنن وآداب تعين الشباب على الاستقامة. وإذا استطاع الشباب أن ينتصر على شهوات النفس بالصبر عليها، والصوم على أدائها، نجا من شر مسيطر كان ينتظره. فالصبر على الصوم الذي يحققه الشاب في نفسه فرع من الصبر على الجوع. فالذين تعودوا الصبر، والذين يأخذون من دنياهم، اصبر الناس على الجوع والعطش. بل أصبر الناس على كل محبوب، وأصبرهم عن كل مكروه، لأنه شيء أشد وأضرى من شهوة البطن، فإذا قمعها فقد قمع كل شهوة بعدها، إذ كل شهوة لاحقة وتابعة لها.
      وهذا هو البعد النفسي للصوم، وهو معنى من معانيه النفسية، إذ أن الصبر قوة أساسية عظيمة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها، وهو من معالم العظمة ومن دلائل هيمنة النفس على ما حولها، ومن عناصر الرجولة الناضجة والبطولة القارعة.
وارتباط المعنى النفسي لشهر رمضان بالصبر يكتسب به الإنسان القدرة على التحكم في غرائزه وشهواته، وتهذيبها إلى الحد الذي يجعله هو الحكم عليها، بدلا من أن تكون هي المهيمنة عليه، وفي هذا المعنى النفسي تصحيح للأوضاع تستقيم به الحياة. ومن أقوال المربين الشهيرة: «إذا فرغت من هم بطنك وفرجك وصلت إلى ربك»، فهل هناك طريق أقصر من الصيام للفراغ من هم البطن والفرج؟
      وبما أن الصبر يحتاج إلى عزيمة قوية، وإيمان راسخ بالله لا يزعزع، فقد غرس الإسلام قيمة الصبر في النفوس، واعتبره من الصفات التي إذا تحلى بها المسلم، اجتاز كثيرا من الصعاب والمشقات التي تواجهه في هذه الحياة. عدا أجره العظيم الذي يناله في الآخرة على ما تحمله من صبر وجلد.
      وقد تناول القرآن الكريم قيمة الصبر، ورصد أنواعا منه، تبعا لسياق الموقف والمناسبة في مواضع شتى جاوزت السبعين، من ذلك أنه قرن الصبر والغفران، ووصفهما من عزم الأمور، وذلك في قوله تعالى : (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور).(15) وصبر المتقين على كيد أعدائهم في قوله تعالى :(وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا)،(16) وحث على الصبر وأوضح عظيم أجر المصابين، ومن ذلك قوله تعالى:(وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة، وأولئك هم المهتدون)،(17) وقوله:(إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)(18) إلى غير ذلك من الآيات التي فصلت مفهوم الصبر، وعددت دلالاته بصورة فريدة، لم تكد تدع جزئية صغيرة ولا كبيرة إلا ومستها من قريب أو بعيد.
      فبالتحلي بقدر وافر من الصبر الجميل يتم ترويض النفس على مجابهة قوة الشهوة بشقيها، وسائر المحرمات. وعندما تقوى لدى الصائم طاقة الصبر، يصبح في قوة احتماله بدرجة عشرة من غير الصابرين، يقول سبحانه تعلى:(إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون).(19)
      وهذه ظاهرة عجيبة، فقد ركب الحق تعالى طاقات أجهزة الجسم البشري وأعضائه، على أن يقوم جزء يسير منها بالعمل خلال حياته العادية الرتيبة، وادخر باقي طاقاته إلى حين يحتاج إليها الإنسان الصابر في الوقت المناسب، فالمسلم الصابر لديه دوما ذخيرة مخزونة من قوة الأعصاب والجلد، هي التي يستمد منها القدرة على التغلب على الألم والحرمان، تلك عجيبة من عجائب الخلق، تعدل في روعتها ما عرف مؤخرا عن آلية الصبر لدى الصائمين، فقد عرف الباحثون ما للصوم من قدرة في إثارة الجهاز العصبي المركزي، ومن ثم دفعه لمادة كيماوية تساعد الخلايا العصبية على التحمل بدرجة أكبر،(20) وقد عثر المحللون على كميات زائدة من هذه المادة في دماء الأشخاص الذين يتحملون بالصبر الجميل، أو لديهم قدرة على تحمل المصاعب والآلام. وهذا ما يفسر جزئيا الغبطة والفرح الذي يحتاج الصابرين وقلة إحساسهم بآلام الجوع طوال ساعات النهار، وتحليهم بالصبر الجميل وتغلبهم على مشاق الحياة، ومكارهها ومتاعبها، فالصبر وحده العاصم أمام التيارات المتلاحقة، إذ أنه دواء كل فتنة.
      وهكذا يمكن القول بان للصبر مادة كيماوية تزيد كميتها في الأجسام كلما زاد رصيد أصحابها من الصبر، وهو ما يزيد لدى الصائمين، وإنها لمعجزة أخرى تطالعها في آيات كريمة وعد الله فيها عباده الصابرين بمضاعفة أرصدة طاقاتهم وقدراتهم الكامنة (ربما هي طريق زيادة إمدادهم بهذه المادة العجيبة بقدر صبرهم)، ولننظر إلى جمال دعاء الصابرين الذين يقولون: (ربنا افرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين)(21) فكأنما الآية تشير من طرف خفي إلى حقيقة الإنسانية العصيبة، وتفرغ عليه عونا وتثبيتا ونصرا من عند الله القوي الأمين.
      فواجب على كل فرد أن يعي وعيا تاما المعنى النفسي للصابرين الصائمين، فقد اعتبر الله الصوم امتحانا لعباده، وجعل تصبير النفس على المحرمات عبادة وتقربا إلى الحق سبحانه وتعالى، ولأن تصبير النفس على ما تكره، تعبد وتقرب، فهو قائم على الرضى بقضائه. وهو طرد لمشاعر العجز والانهزامية. وإن إضافة البعد النفسي للصبر يمنح تأثيرا نفسيا إيجابيا للصابرين المحسنين بالحصول على حب المولى ومحو الذنوب وحط الخطايا.

      4- قوة الروح كنز معنوي في الصيام:
      وإن أروع ما في الصوم أنه عبادة روحية شديدة الخصوصية بين المسلم وربه، فهو لا يظهر على الأعضاء، ولا يتبدى في الأفعال والحركات، كما لا يستطيع الناس مهما كانت فراستهم أن يميزوا بين شخص صائم وآخر غير صائم، فليس لهذه العبادة مظهر خارجي يمكن الاستهداء به لأدائها، كما هو شان العبادات والشعائر الأخرى، لأن قوامها كف النفس عن مشتهيات الحلال، فكانت عبادة سرية بين العبد وربه، تمثل سريتها عنصرا لمراقبة المستكن في ضمير المومن بالله تعالى.
      وفي عصرنا الحاضر، وقد غلب على العالم كله نزعة مادية جازفة، وأصبح الجميع يلهث وراء ما يشبع رغباته، ويرضى تطلعاته التي زينها له عصر الاستهلاك، يجيء رمضان، فيفتح للمسلم صفحة جديدة يملأ نهارها بالعبادة الزاهدة في زخرف الدنيا، ويحيى لياليها بالصلاة والذكر، كما يرطب قلبه بالتدبر في معاني القرآن والإصغاء إلى آياته والعيش في أجوائه.
      فالصوم نعمة روحية بالغة العمق، ومتعددة المستويات، تتجاوز الإمساك عن المفطرات إلى الامتناع عن إيذاء الناس، إلى جانب مشاركتهم في السراء والضراء، وبذل المعروف لمن يطلبه، والصدقات لمن يحتاج إليها. وهو وغن كان ظاهرة حرمان الجسد من شهوتي البطن والفرج ساعات محمودة في كل يوم من أيام رمضان، فإن هذا الحرمان ليس غاية في ذاته، وإنما هو وسيلة إلى غاية أو غايات تتصل بالجانب الروحي والنفسي أكثر من اتصالها بالجسد. إذ أن الصيام في حقيقته ليس حربا تدور رحاها بين الصائم وشهواته الجسدية، وإنما هو في ضميره حرب على شهوات كثيرة مندسة في كيانه، كشهوة التعالي على الناس، وشهوة الغضب، وغير ذلك من الشهوات، وغننا لنقرأ في آية الصوم: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات)،(22) وهو ما يدل على أن مهمة هذه الفريضة تتمثل فيما يرجى من ورائها من آثار روحانية ومنافع تربوية، تغير من سلوك الصائم ألوانا من الانحراف، وتتجه نحو تقوى الله.
      والمعنى النفسي لشهر رمضان يبرز في هذا السياق، إذ أن الصيام في هذا الشهر، بالإضافة إلى انه مجاهدة نفسية واقعية تؤول إلى تجرد روحي وإشراق نفسي، فإن للظروف الروحية الخالصة فيه تأثيرا بالغا على الملكات والقوى المعنوية في النفس الإنسانية، فالمشاعر ترهف وتتقد، والنفس تصفو وتشرق، والعمل يشحذ ويتفتح، فينبري للتفكير والإمعان والتأمل، ويغدو بصفاء النفس والروح. وما كان يسهل عليه النفاذ غليها لولا هذا الظرف المتجرد بما تنطلق فيه الروح من أغلال المادة وأوضاعها، ليلحق في أفق رحب من المعاني والحقائق والقيم، فيتقوى ويرقى على استشراقها، ليقتدر على أن يوجه السعي لرغائب هذا الروح، ويتخذ من الجسد مطية ذلولا لتحقيقها بحكم سلطانه عليها.
      ولا ريب أن قوة الروح، هي الكنز المعنوي للإنسان، بها تتحقق إنسانيته أنى كان، والصوم من أقوى روافده، بما يمده من القوة التي يعلو بها عن المشتبهات المادية، ومنازع الهوى، وشره الأنانية الرابضة في أعماق النفس البشرية.
      وكون «قوم الروح كنزا معنويا للإنسان» هو الواقع الحيوي للصوم، يدل عليه الجو الذي كان يحياه الرسول(ص) نفسه في شهر الصيام خاصة، وفي كل عام، ليضرب للبشرية في أحقابها المتطاولة مثلا واقعيا حيا فيما يكون للصوم من اثر على كيان الإنسان، جسدا، وروحا، وعقلا، ونفسا، وإرادة، حيث كان (ص) في شهر رمضان يهجر النوم إلا قليلا، ويجتزئ بما يقيم الأود من الطعام، ويرتقي الجبل غار حراء» ليستعين بالصوم والتجرد على التفكير استجلاء للحقيقة الإلاهية العليا، في هذا الجو الروحي النقي الخالص. وكان لا يني- في هذا الشهر العظيم- يرسل الفكر عميقا أيضا في ملكوت السماوات والأرض بما يثير فيه وعيا كونيا، فضلا عن وعيه الذاتي الاعتقادي تجاه مقام الألوهية، حتى إذا أخذ منه التأمل والفكر كل مأخذ انعطف ذلك على عبادتهم خشوعا إعدادا للنفس وتهيئة لها لتبليغ الرسالة.
      وفي حياة الرسول وقعت حادثتان من أكبر حوادث الإسلام، غزوة بدر، وفتح مكة. ولكل منهما قوة روح ومغزى ودلالة، فالأولى كانت رمز الانتصار الحق، والثانية مكافأ لأتباعه، الأولى بها بدأ تاريخ المسلين على طريق إثبات الذات بهدف إعلاء كلمة الله، والثانية توجت كفاحهم الذي استقرت بفضله لهم شبه الجزيرة العربية، ومنها انتشر الإسلام إلى سائر بقاع الأرض.
      ولقد أشار القرآن الكريم إلى أنه أنزل في شهر الصيام (هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان)،(23) فكونه هدى للبشر يشعر بأنه من اليسر والوضوح بحيث يسعهم أن يعقلوه، ويدركوا معانيه ومراميه، وليس رفع قيمة الإنسان بالآيات إلا لكونها معراجا للارتقاء به إلى المستوى الإنساني الفاضل، وما نظن أن غير الإسلام قد خبر أبعاد الطبيعة البشرية كلها وقدرها، وأقامها في مثل هذا المقام الرفيع نأيا بالإنسان عن مصادر الذلة وأسباب الهوان، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بالإخلاد إلى الأرض وإتباع على ما يوحي به البيان الإلاهي إلا بالتجرد الروحي الذي يستلزم التفتح العقلي تهيئة للنفس وإعدادا لها لتقبل هذا الهدي السماوي وبيناته، ثم إثيانه وإنفاذه عن قناعة واختيار ذاتي. وهو ما نهضت به عبادة الصوم تفسيرا ومعقولا ومقنعا للوجود الإنساني كله على وجه الأرض، مما يذهب بالحيرة التي تنتاب الفلاسفة – منذ القدم – في تفسير هذا الوجود منشأ ومصيرا.
      وإن مما يزيد في حيرتهم أنهم في هذا الشهر يدركون أن المسلم يعيش خلاله وقتا من أغلى أوقات السنة، وفترة روحية من أعز فترات العمر، فترة زمنية تسمو فيها المشاعر ويرقى الوجدان، ويسعى المسلم إلى الإقبال بكل جوارحه نحو الجناب الإلاهي داعيا وراجيا تائبا ومتجردا، ولا يعيش تلك الروحانية وحده، وإنما يشاركه فيها كل المسلمين على وجه الأرض، بنفس الفرحة التي تغمر الجميع، فعند سماع أذان المغرب في شهر رمضان، يزداد ترابط الأسرة، ويكثر التواصل بين الجيران، ويشعر المسلمون أنهم في موكب روحاني بهيج يخلو من كيد الشيطان ووسوسته، كما ورد في الحديث النبوي الشريف:«إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين».

      *الخاتمة :
      وهكذا نرى أن الصوم ينطوي على كثير من الحكم والأسرار التي لا يمكن حصرها، فهو محك للإرادة  النفسية ، وقمع للشهوات الجسيمة، ورمز اللذات والطيبات، وتدريب بالصبر، وقمع الغضب على همل المكروه، ودرس مفيد في تربية المرء لنفسه، وسياسته لها، وتحكمه قي أهوائها.
      ومن الممكن أن نستخرج من شهر رمضان معاني نفسية كثيرة لا يضبطها مقال واحد، ولا يحصرها كتاب أو عدة كتب، لأن الصوم يشتمل على طاقات النفس البشرية، وعبقرية الإسلام أنه استطاع أن يربط كل العبادات بالجوهر وبالعقيدة الأساسية، ثم بالحياة الخارجية العامة، فالصوم فرصة أو فثرة تدعونا للعودة إلى التفكير في أنفسنا، وفي غيرنا وفي الله، وإذا فهم الناس هذا المغزى العظيم من شهر رمضان كانت لهم حياة أسعد، وتحقيق لهم مصيرا أفضل.


1 ) كتاب «في النفس والمجتمع» لمحمود قطب.
2) كتاب الروح لابن قيم الجوزية.
3) راجع مقال الصوم ف مواجهة الغصب للدكتور فوزي الفيشاوي، مجلة الفيصل عدد: 255.
4 )ةسورة الشس، الآيات : 7- 10
5) سورة  النساء، الآية: 27.
6 ) سورة الفتح، الآية: 26.
7 ) الصوم في مواجهة الغضب، مصدر سابق.
8) سورة الأعراف، الآية : 199.
9) متفق عليه.
10) رواه ابن ماجة
11 ) الصوم في مواجهة الغضب، مصدر سابق.
12) متفق عليه.
13 ) رواه الطبراني في الكبير.
14) صحيح البخاري في باب من خاف على نفسه العزوبة.
15 ) سورة الشورى، الآية : 43.
16) سورة آل عمران، الآية : 120.
17) سورة البقرة، الآية : 155-157.
18) سورة الزمر، الآية : 10.
19) سورة الأنفال، الآية : 65.
20) الصوم في مواجهة الغضب، مصدر سابق.
21 ) سورة البقرة، الآية: 250.
22 ) سورة البقرة، الآية : 183.
23 ) سورة البقرة، الآية : 185.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here