islamaumaroc

بداية تفسير القرآن الكريم والاستشهاد عليه بالشعر العربي القديم.

  إلهام السوسي العبدلاوي

العدد 348 رمضان 1420/دجنبر 1999

     هاجر الرسول (ص) من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة. فكان أول ما استهل به من الأعمال هو بناء مسجده في المدينة لإقامة الصلوات، ولإجماع المسلمين فيه للتداول في شؤونهم. وقد دعت الحاجة الرسول (ص) مع الأيام على تعليم أصحابه وتفقيههم في أمور دينهم، ولا سيما تفسير بعض آيات القرآن الكريم التي تحتاج إلى بيان وتوضيح. قال الله تعالى في كتابه العزيز: (هو الذي أنزل عليك الكتاب، منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه، ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، يقولون: آمنا به، كل من عند ربنا. وما يذكر إلا أولو الألباب). (1)
     وتدل هذه الآية في مجمل معناها على أن في القرآن الكريم آيات تحتاج إلى تأويل أي تفسير. وتفهم من قول الله  في هذه الآية: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم). أن أهل الفهم والعلم بالدين يعرفون تأويل القرآن. وهم الذين سماهم الله تعالى بالراسخون في العلم، كما رأينا في الآية. ويأتي الرسول (ص) على رأس هؤلاء من أولي العلم الراسخين فيه.
     وقد اتخذ الرسول (ص) منذ البداية، حين حلوله في المدينة، مسجده مكانا للتعليم، ولا يما تفسير آيات القرآن، كما قلنا آنفا، وكان هو المفسر الأول لحدود الله وأوامره، يبين للناس أحكام القرآن وتعاليم الإسلام، فكان الرسول (ص) يجلس في مسجده للتعليم، ويجتمع إليه المسلمون في حلقة حوله. جاء في صحيح الإمام البخاري: «بينما رسول الله (ص) جالس في المسجد إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله (ص)، فوقفا على رسوا الله (ص). فرأى أحدهما فرجة في الحلقة فجلس. وجلس الآخر خلفهم». (2)   
     وياتي بعد الرسول (ص) من أهل العلم الراسخين فيه أصحابه الكرام المقدمون. وقد اقتدوا به في معرفة القرآن وتفسيره وتعليمه. فكانوا يتعلمونه من الرسول (ص)، ثم يعلمونه المسلمين. جاء في مقدمة تفسير الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، عن الصحابي الجليل عبد لله بن مسعود قوله: «كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن». (3) وتدلنا هذه الرواية مع غيرها على مبلغ اهتمام أصحاب الرسول (ص) بتعلم القرآن والعناية الفائقة به.
     وقد استعان الصحابة بعد الرسول (ص) في توالي الأيام، والتابعون من بعدهم، بشعر العرب القديم الموروث من الجاهلية والاستشهاد به في تفسير آيات القرآن ومعرفة معانيها وفهم غرائبها التي تشكل على عامة الناس من المسلمين. جاء في كتاب الإتقان في علوم القرآن لجلالة الدين السيوطي: «قال أبو بكر بن الأنباري: قد جاء عن الصحابة والتابعين كثيرا الاحتجاج على غريب القرآن ومشكله بالشعر.
     وأنكر جماعة لا علم لهم على النحويين ذلك. وقالوا: إذا فعلتم ذلك جعلتم الشعر أصلا للقرآن. قالوا: وكيف يجوز أن يحتج بالشعر على القرآن، وهو مذموم في القرآن والحديث؟ قال: وليس الأمر كما زعموه من أنا جعلنا الشهر أصلا للقرآن، بل أردنا تبيين الحرف الغريب من القرآن بالشعر. لأن الله تعالى قال: (إنا جعلناه قرآنا عربيا). وقال: (لسان عربي مبين).(4)
     وقد برز بين الصحابة، الصحابي الجليل عبد الله ابن عباس في العناية بتفسير القرآن وبيان غرائبه وإنشاد الأشعار لفهم معانيها. حنى دعي بترجمان القرآن، وعرف بحبر الأمة. (5) وكان يجالس في فناء الكعبة فيكتنفه الناس ليسألوه عن تفسير القرآن. (6) وكان يقول: «إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر. فإن الشعر ديوان العرب». (7)
     ولعبد الله بن عباس موقف مشهور في تفسير القرآن والاستشهاد على كثير من غرائبه بأبيات من أشعار العرب. فقد جاءه يوما نلفع بن الأزرق وهو رأس الأزارقة من الخوارج. ونجدة بن عويمر وهو رأس فرقة أخرى من الخوارج. وقالا له: «إنا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله فتفسرها لنا، وتأتينا بمصادقة من كلام العرب، فإن الله تعالى إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين. فقال ابن عباس: سلالي عما بدا لكما».(8)
     فأخذ نافع بن الأزرق يسأله عن كلمات وجمل من غرائب القرآن. فيفسرها عبد الله بن عباس، فيقول له نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟ فيقول ابن عباس: نعم، وينشده بيتا من الشعر القديم شاهدا على التفسير الذي ذكره. حتى جاوزت المسائل التي سألها نافع بن الأزرق مائتي مسألة. وقد أورد الإمام جلال الدين السيوطي مائة وتسعين مسألة من مسائل نافع بن الأزرق وتفسير عبد الله بن عباس لها في كتاب الإتقان في علوم القرآن. (9)
      كان تفسير عبد الله بن عباس لمسائل نافع بن الأزرق واستشهاده بأشعار العرب على تفسيره الشرارة الأولى في عناية العلماء بشعر العرب القديم والعمل على فهمه وشرحه.
     ومن مسائل نافع بن الأزرق لعبد الله ابن عباس: «قال: أخبرني عن قوله: (شرعة ومنهاجا). (10)
     قال: الشرعة: الدين. والمنهاج الطريق. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت أبا سفيان ابن الحارث ابن عبد المطلب وهو يقول:
     لقد نطق المأمون بالصــدق والهــدى
                      وبيـن للإســلام دينا ومنهـاجا
     قال أخبرني عن قوله: (إذا أثمر وبنعه).(11) قال: نضجه وبلاغه. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:
     إذا مـا مشـت وسط النســاء تأودت
                    كمـا اهتز غصن نـاعم النبـت يانـع (12)
     ومن مسائله أيضا: «قال، أخبرني عن قوله تعالى: (وحنانا من لدنا). (13) قال: رحمة من عندنا. قال وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت طرفة ابن العبد يقول:
     أبا منـذر، أفنيـت، فاستبـق بعضنـا
                     حنـانيك، بعـض الشـر أهـون من بعض(14)
     ومن مسائله كذلك: «قال، أخبرني عن قوله تعالى: (الخيط الأبيض من الخيط الأسود).(15) قال: بياض النهار من سواد الليل وهو الصبح إذا انفلق، أما سمعت قول أمية:
     الخيـط الأبيـض ضـوء الصبـح منفلق
                     والخيط الأسود لون الليل مكــروم(16)
     ونرى في كل هذه الأمثلة التي أوردناها أن أسئلة نافع بن الأزرق تدور جميعا حول ألفاظ غريبة من القرآن، وهي حقا ألفاظ من غرائب القرآن التي لا يفهمها جمهور الناس من المسلمين، ولا يدركها إلا الراسخون في العلم مثل الصحابي الجليل عبد الله بن عباس الذي كان يسمى «حبر الأمة» لعلمه الواسع كما ذكرنا آنفا.
     ونرى كذلك أن التفسير الذي يورده عبد الله بن عباس لهذه الألفاظ الغرائب لا يتعدى شرح معانيها الغامضة وإيراد الشواهد من الشعر القديم الذي يوضح هذه المعاني. وقد سار عبد اله بن عباس على هذه الوثيرة في تفسير كل الغرائب التي سأله عنها نافع بن الأزرق. ولم نره يتعدى تفسير هذه الغرائب إلى تفسير معاني كامل الآيات التي وردت فيها هذه الغرائب. ونعني بذلك أن تفسيره كان تفسيرا لغويا محضا، موجزا محضورا على إيضاح ما غمض معناه من ألفاظ آي القرآن الكريم.
     على أننا نرى من جهة أخرى في مسائل نافع بن الأزرق لغرائب القرآن، وتفسير عبد الله بن عباس لها شرحا لغرائب شعر العرب القديم. ذلك أن تفسير ابن عباس لقوله تعالى: (وحنانا من لدنا) أي رحمة، هو شرح لقوله طرفة بن العبد: (حنانيك). ونعني أن كلمة "الحنان" في الآية، وفي الشعر بمعنى الرحمة. وهكذا يمكننا أن نقول بأن أقوال ابن عباس في تفسير مسائل نافع بن الأزرق في غرائب القرآن هي في الوقت نفسه شرح لغرائب شواهد الشعر التي أوردها.
وعلى هذا يمكننا أن أقوال ابن عباس في هذا السبيل البادرة الأولى، أو الشرارة الأولى، وعناية المفسرين المسلمين بشعر العرب القديم وفهمه و شرحه.
ولقد المفسرون بعد ابن عباس على طريقته في الاستعانة بالشعر القديم على تفسير غرائب ألفاظ القرآن وتركيبه. وخسر مثال نذكره في هذا المجال هو كتاب: «مجاز القرآن» لأبي عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة 210 هـ .
      وكلمة (المجاز) عند أبي عبيدة تعني المعنى العام لكلمة تفسير تمام. فهو يستعمل في تفسيره لألفاظ القرن قوله : مجازه أو معناه أو تفسيره أو تأويله، أو يستعمل كلمات أخرى مثل قوله : أي، يريد ولا علاقة لكلمة «المجاز» عنده في هذا الكتاب بالمعنى الاصطلاحي الآخر لكلمة «المجاز» عند البلاغيين العرب في علم البيان. ونعني المجاز أو التمثيل في الصورة الشعرية مثل التشبيه والاستعارة وما جرى مجراهما.
      وكان اهتمام أبي عبيدة منصبا خاصة على الناحية اللغوية في تفسير آي القرآن الكريم.فهو يقف كثيرا عند الألفاظ الغريبة، ويذكر مجازها أي تفسيرها، ويستشهد على هذا المجاز بشواهد من الشعر العربي القديم.
      ونلاحظ في هذا المجال أنه كان يكثر من الاستشهاد بالشعر ، وهو بعمله هذا كثير الشبه بتفسير عبد الله بن عباس لغرائب القرآن كما رأينا. ونذكر مثالا على ذلك قوله :(إن إبراهيم لأواه حليم).(17) مجازه مجاز فعال من التأوه، ومعناه متضرع شفقا وفرقا ولزوما لطاعة ربه، وقال المثقب العبدي: (18)
إذا مــا قــــمت أرحلهــا بلـيـل
                  تـأوه آهــة الــرجــل الحــــــزين
(تزيغ قلوب فريق منهم).(19) أي تعدل وتجوز وتحيد، فريق: بع. (رؤوف) فعول من الرأفة وهي أرق الرحمة، قال كعب بن مالك الأنصاري: (20)
نطيـــع نبينـــا ونطيـــع ربـا
                هـو الرحمـــن كـان بنــا رؤوفــا
وقال:
تــرى للمسلميـــن عليــك حقـا
               كفعــل الوالــد الرؤوف الرحيــم
      على أن أبا عبيدة يتجاوز أحيانا صنيع ابن عباس، ويزيد في التفسير، فيفسر بعض أساليب كلام العرب واستعمالاتهم الخاصة في التعبير. مثال ذلك قوله: (فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتم. تلك عشرة كاملة) العرب تؤكد وقد فرغ منه، فتعيده بلفظ غيره تفهيما وتوكيدا». (22)
      فهو هنا كما نرى يبين لنا سبب قول الله تعالى: (تلك عشرة كاملة). وهو التفهيم والتوكيد. فالعشرة هي جمع ثلاثة وسبعة. ولم يكن ذكرها اعتباطا من غير فائدة بل لا فائدة هي توكيد الكلام. وهذا تفسير أسلوب من كلام العرب.
      وتفسير مثل هذا الأسلوب وأشباهه هو الذي دعا أبا عبيدة لتأليف كتابه: «مجاز القرآن». فقد روي عنه أنه قال: «أرسل إلي الفضل بن الربيع إلى البصرة في الخروج إليه. فقدمت عليه...قال: أنشدني، فأنشدته من عيون أشعار أحفظها جاهلية... ثم دخل رجل في زي الكتاب، له هيئة. فأجلسه إلى جانبي، قال له: أتعرف هذا؟ قال لا. قال: هذا أبو عبيدة علامة أهل البصرة، أقدمناه لنستفيد من علمه. فدعا له الرجل، وقؤظه لفعله هذا. وقال لي: إن كنت إليك مشتاقا. وقد سئلت عن مسألة أفتأذن لي أن أعرفك إياها؟ قلت: هات. قال، قال الله تعالى (طلعها كأنه رؤوس الشياطين). (23) وإنما يقع الوعد والإيعاد بما قد عرف مثله. وهذا مل يعرف.فقلت: إنما كلم الله العرب على قدر كلامهم. أما سمعت قول امرئ القيس:
أيقتلنـــي والمشـرفي مضاجعـي
                ومسنـــونة زرق كــــأنياب أغـوال
      وهم لم يروا الغول قط. ولكنه لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به. فاستحسن الفضل ذلك. واستحسنه السائل. واعتقدت من ذلك اليوم أن أصنع كتابا في القرآن لمثل هذا وأشباهه ولما يحتاج إليه علمه. فلما رجعت إلى الصرة عملت كتابي الذي سميته: «المجاز». (24)
وكلام أبي عبيدة هذا يبين لنا الغاية الأساسية القصوى التي أرادها، وهي تفسير أساليب كلام العرب النادرة واستعمالاتهم الخاصة في التعبير عن المعاني، إلى جانب تفسير غرائب اللغة الواردة في آي القرآن الكريم.
      وعلى خلاف عبد الله بن عباس، قد يتعرض أبو عبيدة في كتابه لبعض المسائل النحوية التي تتسم بالغرابة أو ندرة الاستعمال في كلام العرب، ويستشهد على ذلك بشواهد من الشعر القديم، كما يفعل في تفسير الألفاظ الغريبة سواء. ومثالنا على ذلك قوله تعالى: (من النساء مثنى) أي اثنتين، ولا تنوين فيها، قال ابن عثمة الضبي:
            يبـــايعون بالبعــران مثنى ومــوحدا
وقال الشاعر:
ولكنمــــا أهلــي بواد، أنيســه
           ذئــاب تبغــى الناس مثنـى ومــوحدا
      قال النحويون: لا ينون(مثنى) لأنه مصروف حده، والحد أن يقولوا: اثنيت، وكذلك ثلاث ورباع لا تنوين فيها، لأنه ثلاث وأربع في قول النحويين.
قال صخر بن عمرو بن الشريد السلمي:
ولقد قتلتكــم ثناء ومــوحــدا
           وتــركت مـرة مثـــل أمس المدبر
فأخرج اثنين على مخرج ثلاث.(25)
على أن أبا عبيدة قلما يلجأ إلى مثل هذا الصنيع في كتابه.
      ويمكننا أن نذكر في هذا السبيل كتابا آخر كتاب: «معاني القرآن» لأبي يحيى بن زياد الفراء المتوفى سنة 207هـ المعاصرة لأبي عبيدة. فهو تفسير لمعاني القرآن الكريم، ولا سيما الإعراب فيه الذي يسهب فيه ويستدل على كثير منه بشواهد من الشعر العربي القديم. ومن الأمثلة التي نستدل بها على ذلك قوله تعالى: «(لو أن قرآنا سيرت به الجبال)، قال: لم يأت بعده بجواب (اللو)، فإن شئت جعلت جوابها متقدما: وهو يكفرون. ولو أنزلنا عليهم الذي سألوا. وإن شئت كان جوابه متروكا لأن أمره معلوم، والعرب تحذف جواب الشيء إذا كان معلوما، إدارة الإيجاز، كما قال الشاعر:
وأقســم لو شـيء أتـانـا رسولــه
          ســواك ولكـنلم نجـد لك مـدفعا (25)
      على أن الفراء لا يكثر من لا استشهاد بالشعر. ونعني أنه لا يأتي بشاهد من الشعر عند تفسيره لكل آية من آي القرآن الكريم. ويسلك في شرحه لبعض غرائب الألفاظ مسلك أبي عبيدة، كما في المثال الآتي: «(وقالت هيت لك). قرأها عبد الله ابن مسعود وأصحابه حدثنا الفراء قال: حدثني ابن أبي يحيى عن أبي حبيب عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: أقرأني رسول الله (ص) (هيت) ويقال إنها لغة لأهل حوران سقطت إلى مكة فتكلموا بها. وأهل المدينة يقرؤون «هيت لك» بكسر الهاء ولا يهمزون.
      وذكر عن علي بن أبي طالب: وابن عباس أنهما قرآ (هيت لك) يراد بها: تهيأت لك، وقد قال الشاعر:
إن العـــــــــراق وأهلـــــه
           سـلم عليــــك فهيــت هيتـــا» (26)
      فالفراء هنا يعمد إلى شرح كلمة (هيت) في الشاهد الشعري شرحا لغويا فحسب، ولا يتعداه إلى شيء آخر مما ألفنا لديه. وهذا الصنيع قليل عند الفراء، سواء فيما يخص الشرح اللغوي، أو شرح المعنى العام للشاهد الشعري.
      وعلى ضوء هذه الأمثلة التي أوردناها، نستخلص أن الفراء يهتم بالقضايا النحوية، وخاصة منها إعراب م جاء في آي القرآن الكريم، ويطيل في بيانها، ولا يستدل على ما يقدمه إلا بقليل من الشعر العربي القديم. فلهذا لم يبلغ اهتمامه بالشعر في كتابه مبلغ اهتمام أبي عبيدة بالشعر في كتابه مجاز القرآن.
      وجاء بعد أبي عبيدة الفراء، أبو محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينوري المتوفى سنة 276هـ. فوضع كتابا في تفسير المشكل من آيات القرآن. وسماه: «تأويل مشكل القرآن». وقد حذا فيه حذوهما في تفسير غرائب ألفاظ القرآن ومعانيه. ولا سيما الآيات التي تشكل على الفهم. وجرى كذلك مجراهما في الاستشهاد بشعر العرب القديم. وكان يعني بشرح المعاني خاصة في آي القرآن، وفي شواهد الشعر، مثال ذلك قوله جل ذكره : (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب)، يريد أن سافك الدم إذا أقيد منه ارتدع من قتل من كان يهم له بالقتل، فكان في القصاص حياة، وهو قتل. وأخذه الشاعر فقال:
أبلــغ أبا ملـك عنــي مـغـلـغـلـة
               وفـي العـاب حيــاة بيـن أقــوام
      يريد أنهم إذا تعاتبوا أصلح ما بينهم العتاب، فكفوا عن القتال وكان في ذلك حياة». (27)
ونذكر مثالا آخر من الكتاب لتأكيد بيان ما ذكرناه وهو عناية ابن قتيبة بشرح المعاني في الآيات وشواهد الشعر معا. وهو: «وقال تعالى: (فراغ عليهم ضربا ياليمين). لأن في اليمين القوة وشدة البطش، فأخبرنا عن شدة ضربه بها. وقال الشماخ:
إذا مــــا رايـة رفعـت لمجــد
              تلقــاهــا عــرابـة باليميــن
أي أخذها بقوة ونشاط». (28)
      ويمكن لنا أن نقول بأن معظم العلماء الذين فسروا القرآن الكريم في العصور التالية قد اتبعوا هذه الطريقة نفسها في تفاسيرهم. (29) ونعني لجوءهم إلى الاستشهاد بشواهد من الشعر القديم، على تفاوت بينهم في الإكثار أو الإقلال من الشواهد.
• القرآن الكريم.
• الاتقان في علوم القرآن: للحافظ جلال الدين السيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. المكتبة العصرية- صيدا بيروت 1408هـ/1988 م.
• البيان والتبيين: لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (تـ: 150- 255هـ) بتحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون. الطبعة الثانية مكتبة الخانجي مصر- القاهرة 1380ه أ / 1960 م.
• تاريخ بغداد أو مدينة السلام: للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (تـ: 463هـ) مطبعة السعادة 1349هـ- 1931 م.
• تأويل مشكل القرآن: لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (تـ: 213هـ- 276هـ) بشرح وتحقيق السيد أحمد صقر/ دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي وشركاه/ بدون طبعة.
• تفسير الطبري (المقدمة).
• ديوان أمية بن أبي الصلت: وتحقيق ودراسة الدكتور عبد الحافظ السلطي. الطبعة الثانية. دمشق 1977.
• ديوان الشماخ بن ضرار الذبياني: بتحقيق صلاح الدين الهادي/ دار المعارف بمصر 1968.
• ديوان طرفة بن العبد البكري بشرح الأعلم الشنتمري: وبتحقيق دربة الخطيب ولطفي الصقال- مطبعة دار الكتب 1395هت/1975 م.
• ديوان كعب بن مالك الأنصاري: دراسة وتحقيق سامي مكي العاني/ مكتبة النهضة/ بغداد- مطبعة الأولى 1386هـ/ 1966 م.
• ديوان امرئ القيس: بتحقيق أبو الفضل إبراهيم- دار المعارف- الطبعة الخامسة 1990 م.
• شرح أشعار الهذليين: لأبي سعيد السكري؛ تحقيق: عبد الستار أحمد فراج- القاهرة 1965.
• شواهد سيبويه: لأبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، تحقيق وشرح: عبد السلام هارون- دار الجيل- بيروت.
• صحيح البخاري: للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (تـ: 252هـ)، كتاب العلم: المكتبة العصرية- صيدا- بيروت 1415هـ/ 1995 م.
• العقد الفريد: لأبي عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي. (تـ: 327هـ)، شرحه وضبطه أحمد أمين، أحمد الزين، إبراهيم الأبياري/ مطبعة لجنة التأليف والترجمة القاهرة 1367هـ/ 1948 م/ الطبعة الثانية.
• عيون الأخبار: لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (تـ: 213هـ- 276هـ) نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية.
• لسان العرب: للإمام أبي الفضل جمال الدين محمد ابن مكرم ابن منظور الإفريقي المغربي النصري/ دار صادر-بيروت.
• مجاز القرآن : لأبي عبيدة المثنى التيمي(تـ: 210هـ) تحقيق الدكتور محمد فؤاد شركين/ الطبعة الأولى 1374هـ/ 1954 م، الناشر: محمد سامي أمين الخانجي الكتبي بمصر.
• المذكر والمؤنت: لأبي حاتم السجستاني (تـ: 255هـ)، تحقيق الدكتور حاتم صالح الضامن/ دار الفكر دمشق 1997.
• معاني القرآن: تأليف أبي زكريا يحيى بن زياد الفراء المتوني 207هـ، تحقيق: أحمد يوسف نجاتي وأساتذة آخرون- القاهرة 1955.
• المفضليات: للمفضل بن محمد بن يغلى الضبي، تحقيق وشرح: محمد شاكر وعبد السلام محمد هارون/ بيروت- لبنان- الطبعة السادسة 1942 م. 

1 ) سورة آل عمران 3/ 7.
2) صحيح البخاري، كتاب العلم 1/ 48- 49
3 ) مقدمة تفسير الطبري 1/ 35.
4) الإتقان في علوم القرآن 2/ 55. الآية الأولى في سورة الزخرف 43/ 3.  والآية الثانية في سورة النحل 16/ 103.
5) الإتقان 4/ 205. والحبر هو العالم.
6) المصدر نفسه 2/ 56.
7)  المصدر نفسه 2/ 55.
8) الإتقان 2/ 55.
9) المصدر نفسه 2/ 56- 88.
10) في قوله تعالى : ?لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا?. سورة المائدة : 5/48.
11) في قوله تعالى : ?انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه ?. سورة اأنعام : 6/99.
12) الإتقان 2/56-57.
13) في قوله تعالى : ?آتيناه الحكم، وحنان من لدنا وزكاة?. سورة مريم : 19/12-13.
14) الإتقان 2/57-58، والبيت في ديوان طرفة ص : 172.
15) في قوله تعالى : ?وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. ثم أتموا الصيام إلى الليل?. سورة البقرة : 2/187.
16 ) الإتقان 2/77. والبيت في ديوان أمية ص : 483.
17 ) سورة التوبة: 9/114.
18) البيت من قصيدة له في المفضليات 288- 292، وهو في اللسان (أوه).
19) في قوله تعالى ?لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد تزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم? سورة التوبة  9/117.
20) البيت في ديوانه ص: 236 أما البيت الثاني فلم نجده في الديوان.
21) مجاز القرآن 1/ 27-271.
22) مجاز القرآن 1/70. والآية من سورة البقرة 2/ 196.
23 ) تاريخ بغداد 13/ 254. والآية في سورة الصافات 37/65. والبيت في ديوان ص : 33.
24) مجاز القرآن 1/114- 115. والآية في قوله تعالى: ?وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع?- سورة النساء: 4/3. والبيت الأخير في الليان (ثنى).
25) معاني القرآن 2/63. والآية في سورة الرعد 13/ 31.
26 ) معاني القرآن 2/42. والآية في قوله تعالى: ?غلقت الأبواب وقالت هيت لك? في سورة يوسف 12/23.
27) تأويل مشكل القرآن ص: 5. والآية في سورة البقرة 2/ 179. والبيت أول أربعة أبيات لهمام الرقاشي في  البيان والتبيين 2/ 136، 3/302 ، 4/85، وهي في عيون الأخبار 1/91- 92 منسوبة لأبي القمقام الأسدي. وهي في العقد الفريد 1/69 منسوبة لهشام  الرقاشي والبيت في اللسان (غلل) بدون نسبة.
28 ) تأويل مشكل القرىن ص: 188. والآية في سورة الصافات 37/93، والبيت في ديوانه ص: 336.
29) كتفسير: أبي جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى (310هـ) والمسمى جامع البيان عن تأويل آي القرآن.
* وتفسير: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري المتوفي سنة 538 هـ.
* والجامع المحرر الصحيح الوجيز في تفسير كتاب الله العزيز لأبي محمد عند الحق بن أبي بكر غالب بن عطية الغرناطي المتوفى سنة 542هـ.
* والجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمن من السنة وآي الفرقان لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي الأندلسي المتوفى سنة 671هـ.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here