islamaumaroc

المنحى المقاصدي في فقه ابن رشد

  أحمد الريسوني

العدد 348 رمضان 1420/دجنبر 1999

    *ابن رشـد والفقـــه :
     ابن رشد الفقيه لا يقل أهمية ومنزلة عن ابن رشد الحكيم القيلسوف وابن رشد الطبيب، بل إن صفة القاضي التي هي إحدى صفاته البارزة، حتى صارت  لقبا له، تنبهنا إلى أنه كان فقهيا بالدرجة الاولى، وكان فقهيا بالأصالة والاحتراف، بينما هو في الفلسفة مترجم وشارح بالدرجة الأولى، وفي الطب كان منظرا ودارسا أكثرمنه محترفا وممارسا.
     ابن رشد القاضي الفقيه، أو ابن رشد الحفيه، اعتني به كثيرا من جهة كونه فيلسوفا، ومن جهة كونه طبيبا. ولكن العناية بفقيه بقيت ضيئلة ويشوبها –أحيانا- الاستقلال والانتفاض. وحتى مؤلفاته الفقهية، لم ينتشر منها سوى كتابه «بداية المجتهد» الدي أصابه التحريف- أو التصحيف- حتى في عنوانه. فهو في جميع الطبعات المتداولة «ولدلك رأينا المجتهد ونهاية المقتصد» بينما مؤلفه يقول : «ولدلك رأينا أن أخص الأسماء بهدا الكتاب أن نسميه ( بداية المجتهد وكفاية المقتصد) (-1)»، وشتان بين الكفاية والنهاية. فالكفاية تعني الحد الأدنى، والنهاية تعني مستوى لا مزيد عليه. ولا شك أن المعنى الأول هو مقصود ابن رشد، وهو اللائق بكتابه.
     ومما يؤكد مكانة الفقه والتأليف الفقهي عند ابن رشد، ما أعلن عنه غير ما مرة من أنه يفرغ من كتابه «بداية المجتهد»، قال رحمه الله، : «ونحن نروم إن شاء الله بعد فراغنا من هذا الكتاب أن نضع في مذهب مالك كتابا.
جامعا لأصول مذهبه ومسائله المشهورة التي تجري في مذهبه مجرى الأصول للتفريع عليها...(2)، ثم قال في موضع آخر: «وإن أنسأ الله في العمر فسنضع كتابا في الفروع على مذهب مالك بن أنس، مرتبا ترتيبا صناعيا...». (3)
     ولشدة ما كان يهمه ويغمه أمر الفقه والفقهاء، وتشوفه إلى تكوين فقهاء حقيقيين مجتهدين ومنتجين، لا مجرد مستهلكين ومروجين لما أنتجه غيرهم، فقد جعل تصب عينيه وفي مقدم مقاصده من تآليفه الفقهية، تخريج الفقيه المجتهد، من خلال التركيز على الجوانب المنهجية والصفات الجوهرية للفقيه الحق.
     يقول رحمه الله : «فإن هذا الكتاب إنما وضعناه ليبلغ به المجتهد في هذه الصناعة رتبة الإجتهاد، إذا حصل ما يجب أن يحصل قبله من القدر الكافي له في علم النحو واللغة وصناعة أصول الفقه...، وبهذه الرتبة يسمى فقهيا لا بحفظ مسائل الفقه ولو بلغت في العدد أقصى ما يمكن أن يحفظه إنسان، كما نجد متفقهية زماننا يظنون أن الأفقه هو الذي حفظ مسائل أكثر. وهؤلاء عرض لهم شبيه ما يعرض لمن أن الخفاف هو الذي عنده خفاف كثيرة، لا الذي يقدر على عملها. وهو بين أن الذي عنده خفاف كثيرة سيأتيه إنسان بقدم لا يجد في خفافه ما يصلح لقدمه، فيلجأ إلى صانع الخفاف ضرورة، وهو الذي يصنع للقدم خفا يوافقه» (4).

     * ابن رشد ومقاصد الشريعة :
     لن نكون أبدا مبالغين ولا متكلفين حين نصف ابن رشد الحفيد بأنه فقيه مقاصدي. ولكن حين نضعه ضمن كوكب العلماء الراسخين والفقهاء المقاصدين- كمالك- والجويني، والغزالي، وابن العربي، وابن عبد السلام، والقرافي، والكاساني، وابن تيمية، وابن القبم، والشاطبي، وأضرابهه- فإننا نجده واحدا منهم لا أقل ولا أكثر. له مكانته بينهم، ولكنه بكل حزم وتأكيد ليس رائدهم ولا السابق فيهم، وليس إمامهم ولا كبيرهم في هذا الباب، فضلا عن أن يكون منفردا أو وحيدا. فليس صحيحا أن الفكر الفقهي لابن رشد هو الذي مهد السبيل لتطورات لاحقة تتمثل في ميلاد علم جديد هو علم مقاصد الشريعة الذي ولد على يد الإمام الشاطبي... إلى آخر ما ذهب إليه الدكتور عبد المجيد تركي (5)، وذهب إلى شبيه به الدكتور محمد عابد الجابري (6).
     وحسبنا أن نستحضر أن ابن رشد كان مدمنا على كتب الغزال، وكان الغزالي مدمنا للنظر والتنقيب في مقاصد الشؤيعة، وقد بث من ذلك الشيء الكثير في مختلف مؤلفاته. والغزالي سبقه آخرون، ولحقه آخرون، قبل أن يأتي ابن رشد لينتظم في سلسلة العلماء والفقهاء ذوي النظر المقاصدي والفقه المقاصدي. أما أن تصل المبالغة بأحد الباحثين إلى حد اعتباره «الفقيه الوحيد الذي بنى مقاصد الشريعة على الفكرة الخلقية...» (7) فمجازفة وتعسف، وتسرع في إطلاق الأحكام، وإلقاء للكلام على عواهنه.
     نعم لابن رشد عناية بمقاصد الشرع، والتفات إليها، وإعمال لها، وهذا ما نلمسه بوضوح في كتاباته الفقهية، وفي كتاباته العقدية الفكرية. ولكنه ليس أولا ولا وحيدا، وليس مؤسسا ولا مبتكرا.
     وها قد آن الأوان لعرض مظاهر النظر المقاصدي عند ابن رشد، وبخاصة في المجال الفقهي التشريعي.

     * أحكام الشرع بين التعبد والتعليل :
     لقد دأب عامة الفقهاء على وصف أحكام الشريعة إما بالتعبدية، أو بالمعللة. فيقولون تارة: هذا حكم تعبدي، وتارة: هذا الحكم معلل المعنى، وعن غيره بكونه غير معقول المعنى. وهم يقصدون أن هناك أحكاما شرعية تكون لها علة وغرض معين، مصرح به في النص الشرعي نفسه، أو يدركه الفقيه بالتأمل ولاستنباط، وقد يكون جليا وبدهيا لا يكاد يخفى على أحد. فيكون الحكم معللا بما يجبله أو يرمي إلى جلبه من مصالح وفوائد، وبما يدفعه أو يرمي إلى دفعه من مفاسد وأضرار. فإذا لم يظهر له وجه من هذا أو ذللك،  قيل: إنه تعبدي غير معقول المعنى. أي لم تصل عقولنا إلى إدراك حكمته وفائدته والمراد به.
     وابن رشد لم يخرج عن هذا التأرجح وعن تنويع الأحكام الشرعية إلى ما هو تعبدي وما هو معلل. ولو أنه في غالب الأحيان يقوم بذلك على سبيل الحكاية والنقل لأقوال الفقهاي واختياهم الفقهية. إلا أن ما يتميز به ويحمد له هو كثر توقفه وتنبيهه على هذا التفريق وما ينبني عليه من الإجتهاد والترجيحات الفقهية، وأنه لم يقصر تعليل الاحكام وبيان معقوليتها على ما سوى العبادات من معاملات وعادات ومناكحات وجنايات، على أساس أن العبادات في عمومها غير معللة، وأن «مبنى العبادات على الإحتكامات» (8) على حد تعبير الإمام الغزالي، بل أمضى نظره التعليلي في أحكام العبادات لينبه على حكمتها ومرماها والغرض من شرعها، وليبين ما قد ترتب أو يمكن أن يترتب على القةل بهذا التعليل أو عدم القول به.
     ومن أمثلة ذلك اختلاف الفقهاء في وجوب النية لوضوء، قال: «وسبب اختلافهم: تردد الوضوء بين أن يكون عبادة محضة: أعني غير معقول المعنى، وإنما يقصد بها القربة فقط، كالصلاة وغيرها، وبين أن يكون عبادة معقولة المعنى كغسل النجاسة. فإنهم (أي الفقهاء) لا يختلفون. أن العبادة المحضة مفتقرة إلى النيةـ والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية. والوضوء فيه شبه من العبادتين. ولذلك وقع الخلاف فيه، وذلك أنه يجمع عبادة ونظافة، والفقه أن ينظر بأيهما هو أقوى شبها فيلحق به» (9).
     وهذا النص الرشدي يبين لنا أن العبادات- فضلا عن غيرها- منها ما هو معلل معقول المعنى، ومنها ما هو تعبد محض، ومنها ما هو متردد بينهما، لكونه جمع بين المصلحة اظاهرة والتعبد الخفي المصلحة، فهو جامع بين المصلحة المعللة والمصلحة التعبدية، كالضوء الذي جمع عبادة ونظافة.
     ومن هذا الباب- باب الطهارة التي هي باب من أبواب العبادات- ما جاء به الأمر النبوي، في قوله (ص): «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في الإناء، فإن أحدكم لا يدري باتت يده»(10).
     فعامة الفقهاء يجعلونه أمرا تعبديا، ومنهم من حمله على السنية، ومنهم من حمله على الندب والاستحباب. وكل هذا على أساس أنه جزء من عبادة الوضوء أو مقدمة من مقدماتها. ولكن النظر التعليلي لابن رشد إتجه إتجاها آخر في غهم هذا الامر النبوي وإدراك مقصوده: «والظاهر من هذا الحديث أنه لم يقصد به حكم البدء في الوضوء، وإنما قصد به حكم الماء الذي يتوضأ به، إذا كان الماء مشترطا فيه الطهارة» (11).
     وينبني هذا الفهم التعليلي المقاصدي، أن غسل اليدين في هذا الحديث ليس عملا من أعمال الوضوء وليس مقدمة من مقدماته. بل هو حكم ودب يتعلق بالمحافظة على طهارة الماء ونظافته، وعليه، فهو لازم لمن أراد الوضوء ولمن أراد استعمال الماء لأي غرض آخر، إذا أحاط الشك بطهارة يده ونظافتها، فضلا عما إذا كان ذلك مؤكدا، كما ينبني عليه أن من استيقن طهارة يديه ونظافتهما فلا عليه أن يأخذ بهما الماء من الإناء دون حاجة إلى غسل مسبق لها.
     وفي هذا الباب أيضا تطرق إلى مسألة إزالة النجاسة، واختلاف الفقهاء في صحة إزالتها بما سوى الماء من المواد المائعة أو الجافة. قال: «وسبب اختلافهم في إزالة النجاسة بما عدا الماء- فيما عدا المخرجين- هل المقصود بإزالة النجاسة بالماء هو إتلاف عينها فقط، فيستوي فس ذلك مع الماء كل ما يتلف عينها؟ أم إن للماء في ذلك مزية خصوص ليس لغير الماء؟» (12).
     وبما أن الحنفية هم الموسعون الذين يرون إزالة النجاسة بكل شيء طاهر يزيل عينها، خلافا للمالكية والشافعية الذين ضيقوا وقصروا ذلك على الماء، فقد كان على هؤلاء المضيقين أن يعللوا تضيقهم ويجيبوا عن السؤال الذي بورده عليهم الحنفية: لماذا تخصيص الماء وحده بإزالة النجاسة من دون سائر المواد التي تزيلها فعلا؟.
     للجواب عن هذا السؤال لجأ الشافعية إلى  المخرج المريح، وهو التعبد، قال أبو الوليد الحفيد : «ولما طالبت الحنفية الشافعية بذلك الخصوص المزيد الذي للما، لجأوا في ذلك إلى أنها عبادة، إذا لم يقدروا أن يعطوا في ذلك سببا معقولا، حتى إنهم سلموا أن الماء لا يزيل النجاسة بمعنى معقول، وإنما إزالته بمعنى شرعي حكمي. وطال الخطب والجدل بينهم: هل إزالة النجاسة بالماء عبادة أو معنى معقول- خلفا عن سلف- واضطرت الشافعية إلى أن تثبت أن في الماء قوة شرعية في رفع أحكام النجاسات ليست في غيره وإن استوى مع سائر الأشياء في إزالة العين، وأن المقصود إنما هو إزالة ذلك الحكم الذي اختص به الماء، لا إذهاب عين النجاسة، بل قد يذهب العين ويبقى الحكم». ويعلق قائلا : «فباعدوا المقصــــــــــد»(13).
     لكن إذا كان الشافعية قد باعدوا المقصد في تفسيرهم لخصوصية الماء وعدم المعقولية، فما هو تعليل ابن رشد والمالكية؟ الجواب في قوله- وهو يسترسل في تضعيف قول الشافعية- : «ولوا راموا الانفصال عنهم (أي عن اعتراض الحنفية) بأنا نرى أن للماء قوة إحالة للأنجاس والأدناس وقلعها من الثياب والأبدان ليست لغيره، ولذلك اعتمده الناس في تنظيف الأبدان والثياب، لكان قولا جيدا، وغيره بعيد، بل لعله واجب أن يعتقد أن الشرع إنما اعتمد في كل موضع غسل النجاسة بالماء لهذه الخاصية التي في الماء. ولو كانوا قالوا هذا لكانوا قد قالوا في ذلك
قولا هو أدخل في مذهب الفقه الجاري على المعاني»(14).
     فها هو ذا ابن رشد يصرح بالفقه الذي يتحراه ويسير عليه، إنه الفقه الجاري على المعاني، ويميل إلى أن يجعل القول به واجبا حتى ونحن في دائرة العبادات، وفي هذه الدائرة أيضا يورد أن جسلة الإمام بين الخطبتين في صلاة الجمعة لا تعد شرطا من شروطها إذا اعتبرنا معناها المعقول، وهو أنها استراحة للخطيب، خلافا لمن اعتبرها تعبدا، فجعلها شرطا (15).
     وفي مجال الزكاة- وهي إحدى العبادات- بكثر تعليل الأحكام، أو على الأقل تردد الفقهاء فيها بين القول بالتعبد والوقوف عنده، وبين التعليل المقاصدي والجريان معه. ومن أشهر مواطن هذا التردد والاختلاف مسألة دفع القيمة في الزكاة، هل يجوز بناء على التعليل، أم يتعين الوقف عند النصوص والإخراج من جنس المال إلتزاما للتعبد؟. فإلى الأول ذهب أبو حنيفة، وإلى الثاني ذهب مالك والشافعي. قال ابن رشد: «وسبب اختلافهم: هل الزكاة عبادة أو حق واجب للمساكين، فمن قال إنها عبادة، قال إن أخرج من غير تلك الأعيان لم يجز، لأنه إذا أتى بالعبادة على غير الجهة المأمور بها فهي فاسدة. ومن قال: هي حق للمساكين، فلا فرق بين القيمة والعين عنده،... والحنفية تقول: إنما خصت بالذكر أعيان الأموال تسهيلا على أرباب الأموال، لأن كل ذي مال إنما يسهل عليه الإخراج من نوع المال الذي بين يديه...» (16).
     فإذا كانت أحكام العبادات- على ما رأينا في الأمثلة المتقدمة- تخضع للتعليل، سواء في أصلها أو في تفاصيل أحكامها، فإن ما سواها من أحكام المعاملات يكاد يكون كله معللا. وحتى حينما نجد أحكاما قليلة- يقول فيها بعض الفقهاء إنها تعبدية غير معقولة المعنى، فإننا نجد من الفقهاء من يرفض ذلك ويبحث لها عن علل ومناسبات. ومن هؤلاء صاحبنا وفقيهنا ابن رشد.
     فمثلا في مسألة الموالي (17)، حين لا يفيء إلى زوجته ويلزمه بذلك الطلاق، هل يجب على المطلقة في هذه الحالة عدة بعد الطلاق، أم إن الشهور التي قضتها في  الإيلاء كافية لبيان حالة الرحم، فهي بمثابة العدة؟. في هذه الحالة المسألة التزم الجمهور بمقتضى النصوص التي تجعل العدة لازمة لكل مطلقة بعد الدخول، «وقال جابر بن زيد : لا تلزمها عدة إذا كانت قد حاضت في مدة الأربعة الأشهر ثلاث حيض. وقال بقوله طائفة، وهو مروي عن ابن عباس. وحجة وقال الجمهور أنها تعتد كسائر المطلقات» (18).
     ويعلق ابن رشد مبينا جوهر هذا الخلاف ومداره قائلا: «وسبب الخلاف أن العدة جمعت عبادة ومصلحة؛ فمن لحظ جانب المصلحة لم عليها عدة، ومن لحظ جانب العبادة أوجب عليها العدة».
     وبالرغم من أن ابن رشد لم يبد في هذا الموضع ميلا أو ترجيحا، فإن تناوله في مواضع أخرى لمسألة العدة بظهر فيه اعتباره لكون العدة في أساسها تشريعا مصلحيا يجب أن تراعى فيه مصالحه ومقاصده. فحين عرض للخلاف فيها إذا اكن الطلاق يترتب تلقائيا عند انقضاء أجل الإيلاء المحدد في أربعة أشهر، أم إن الزوج يدعى بعد ذلك لإيقاع الطلاق بنفسه ويلزم به، عرض وجهة نظر أبي حنيفة بقوله: «وأما أبو حنيفة فإنه اعتمد في تشبيههذه المدة (مدة أربعة أشهر) بالعدة الرجعية، إذا كانت العدة إنما شرعت لئلا يقع منه ندم، وبالجملة فشبهوا الإيلاء بالطلاق الرجعي، وشبهوا المدة بالعدة «قال القاضي»: وهو شبه قوي، وقد روى ذلك عن ابن عباس (19)
     وفي مسألة أخرى من مسائل العدة قال «وشذ فقالوا: المختلعة لا يتزوجها في العدة- وهؤلاء كأنهم رأوا منع النكاح في العدة عبادة» (20).
     وهكذا تبدو ترجيحات ابن رشد للتعليل والمعقولية واضحة جلية ولو أنها مخففة وملطفة.
     وقد تعرض مطولا لمسألة نجاسة سؤر الكلب وللحديث الشريف: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه وليغسله سبع مرات...»، وذكر أقوال العلماء في فهمه وتعليله. ويبدوا أنها جميعا لم تقنعه ولم تشف غليله. ولذاك عرج على قول أعجبه وهو لجده ابن رشد الفقيه، قال: «وقد ذهب جدي رحمه الله في المقدمات إلى أن الحديث معقول المعنى، ليس من سبب النجاسة، بل منسبب ما يتوقع أن يكون الكلب الذي ولغ في الإناء كلبا، فيخاف من ذلك السم». قال ابن رشد الحفيد: «وهذا الذي قاله رحمه الله هو وجه حسن على طريقة المالكية، فإنه إذا قلنا إن ذلك الماء غير نجس (وهو قول المالكية) فالأولى أن يعطى علة في غسله من أن يقال إنه غير معلل» (21).
     وعلى العموم، فهو يثبت ويؤيد كون التعليل والمعقولية والمصلحية أمر سائدا في كل مجالات الشريعة، من عبادات وغيرها. بل إنه يرى أن هذا هو الأصل الذي يعول عليه، إلا إذا تعذر إدراكه على الفقيه، أو عجز عن إثباته. قال رحمه الله: «وإنما يلجأ الفقيه إلى أن يقول «عبادة» إذا ضاق عليه المسلك مع الخصم، فتأمل ذلك، فإنه بن من أمرهم في أكثر المواضع» (22).

      78* تكييف الأحكام مع مقاصدها.
     يترتب على ما سبق من القول بتعليل الشريعة ومن البحث في آحاد أحكامها وتحديد عللها ومقاصدها، اعتبار تلك العلل والمقاصد عند إجراء الأحكام وتنزيلها وعند تحديد الوجوه والفروع التي تشملها أولا تشملها. وهذا هو ما أعنيه بتكييف الأحكام مع مقاصدها، وهي إحدى ثمرات المنحى المقاصدي والنظر المقاصدي في الفقه.
     وفي هذا المجال وهذا المستوى نجد لابن رشد أيضا تنبيهات وتطبيقات في مختلف الأبواب الفقهية. وفيما يلي بعض الأمثلة لذلك.
     - من مسائل الزكاة مسألة المال المشترك بين مالكين متعددين، كالتجارة المشتركة، هل يتحدد النصاب بمجموع المال المشترك، أو بحسب نصيب كل واحد من المشتركين أو الشركاء؟ قال ابن رشد: «عند مالك وأبي حنيفة أن الشريكين ليس يجب على أحدهما زكاة حتى يكون لكل واحد منهما نصاب، وعند الشافعي أن المال المشترك حكمه حكم مال رجل واحد» (23). قال «وسبب اختلافهم الإجماع الذي في قوله عليه الصلاة والسلام «ليس فيما دون خمس أوراق من الورق صدقة» فإن هذا القدر يمكن أن يفهم منه أنه إنما يخصه هذا الحكم إذا كان المالك واحد فقط، ويمكن أن يفهم منه أنه يخصه هذا الحكم، كان المالك واحد أو أكثر من مالك واحد» (24).
     فالنص إذن- من حيث ألفاظه ودلالته اللغوية- يحتمل الوجهين معا، بل هو في العموم أظهر. لكن ابن رشد يرجع إلى النظر في أصل النصاب ومقصوده. أي لماذا شرط النصاب في أموال الزكاة أصلا؟، ولذلك قال: «إلا أنه لما كان مفهوم إشتراط  النصاب إنما هو الرفق، فواجب ان يكون النصاب من الشرط أن يكون لمالك واحد، وهو الأظهر» (25).
- ومن مسائل الزكاة أيضا مسألة الذي بيده نصاب، ولكن عليه دين يستغرق ماله أو يستغرق حدا يخل بالنصاب، هل تجب عليه الزكاة باعتباره مالكا لمال فيه نصاب، أم تسقط عنه بالنظر إلى الدين الذي عليه؟ فمن التزموا الظاهر والوقوف عند التعبد أو اوجبوا عليه الزكاة، ومن نظروا إلى المعاني والعلل رأوا أن لا زكاة عليه، لأنه في الحقيقة غير مالك للنصاب. وهذا ما رجحه واختاره ابن رشد بقوله: «والأشبه بغرض الشرع إسقاط الزكاة عن الميدان، لقوله عليه الصلاة والسلام: «فيها صدفة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم»، والمدين ليس يغني» (26).
-  وفي مسألة الاعتصار- وهو الرجوع- في الصدقات والتبرعات ذكر الحالات التي أجاز بعض الفقهاء الرجوع فيها، خلافا للأصل الذي هو عدم الجواز، لكنه اختار عدم الرجوع مطلقا بالنظر إلى مقاصد الشرع، فقال: «والرجوع في الهبة ليس من محاسن الأخلاق، والشارع عليه الصلاةوالسلام إنما بعث ليتم مكارم الأخــــــــــلاق» (27).
- وفي رده على الفقهاء الذين ذهبوا إلى أن الخلع لا يجوز ولا يعطى للمرأة إلا بأسباب زائدة على مجرد رغبة المرأة وتراضيها مع الزوج، إحتج عليهم بكون مقصود الخلع هو أن يكون حقا للمرأة نظير حق الزوج في الطلاق. قال: «والفقه أن الفداء إنما جعل للمرأة في مقابلة ما بيد الرجل من الطلاق، فإنه لما جعل الطلاق بيد الرجل إذا قرك المرأة، جعل الخلع بيد المرأة إذا فركت الرجل» (28).
- وفي حالة اللعان الذي يقع بين الزوجين بسبب الاتهام بالزنى رد على بعض الفقهاء الذين يرون إمكانية  استمرار الزوجية بعد اللعان، رد عليهم اعتمادا على مقاصد النكاح، التي يتعذر تحقيقا بعد كل الذي وقع، قال: «وذلك أن الزوجية مبناها على المودة والرحمة، وهؤلاء (يعني المتلاعنين) قد عدموا ذلك كل العدم. ولا أقل من أن تكون عقوبتهما الفرقة. وبالجملة فالقبح الذي بينهما غاية القبح» (29).
- ويظهر أثر المقصد في تكييف الحكم الشرعي، في حديث النهي عن تلقي الركبان (أصحاب السلع) قبل دخولهم الأسواق. فعلى القول بأن مقصود النهي حماية أهل الأسواق حتى لا يتفرد المتلقي بالرخص دونهم، تترتب أحكام وتطبيقات معينة، وعلى القول بأن مقصوده حماية البائع الذي لا يعرف ثمن السوق من غبن المتلقي الذي يتصيد البائعين خارج السوق، تترتب أحكام وتطبيقات أخرى. قال أبو الوليد: «فرأى مالك أن المقصود بذلك أهل الأسواق لئلا يتفرد المتلقي برخص السلعة دون أهل الأسواق، ورأى أنه لا يجوز أن يشتري

. *) بحث مقدم للحلقة الدراسية المنظمة من قبل مكتب الأردن للمعهد العالي للفكر الغسلامي حول (العطاء الفكري لأبي الوليد ابن رشد) بجامعة آل البيت بعمان بتاريخ 18/19 نونبر 1998.
1) بداية المجتهد : 2/613.
2 ) نفسه : 2/212.
3) نفسه : 2/212.
4) نفسه : 2/317.
5) انظر بحثه (مكانة ابن رشد الفقيه من تاريخ المالكية بالأندلس) ضمن أعمال ندوة ابن رشد- منشورات كلية الأدب والعلوم الإنسانية بالرباط- ص: 157.
6) بنية العقل العربي، ص: 544.
7) الكلام لحمادي العبيدي في كتابه/ ابن رشد وعوم الشريعة ص: 107.
8) شفاء الغليل : 204.
9) البداية : 204.
10) بداية المجتهد : 1/64.
11) نفسه : 1/67.
12) نفسه : 1/ 172.
13 ) نفسه : 1/ 172.
14) نفسه : 1/172.
15) نفسه : 284.
16) نفسه : 1/452.
17) المولى هو الزوج الذي حلف على عدم وطء زوجته. وقد أمهله الشرع أربعة أشهر، إما يفيء داخلها إلى زوجته وإلا لزمه  الطلاق.
18) نفسه : 2/172.
19) نفسه : 2/ 169.
20) نفسه : 2/ 169.
21 ) نفسه : 1/93.
22) نفسه : 1/ 173.
23) نفسه : 1/ 436.
24 ) نفسه : 1/ 437.
25) نفسه : 1/ 437.
26) نفسه : 1/ 417.
27) نفسه : 2/ 540.
28) نفسه : 2/ 113.
29) نفسه : 2/ 204.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here