islamaumaroc

كناش من تقييد الأديب ميمون بن يخلف

  محمد بن عبد العزيز الدباغ

العدد 348 رمضان 1420/دجنبر 1999

     في خروم  خزانة القرويين يوجد كناش صغير سجل فيه أحد الأدباء المغاربة بعض المختارات الأدبية والفوائد العامة، وقد دل اختياره على حسن ذوقه ورقة طبعه وتنوع قراءاته واهتماماته.(1)
     يظهر أن المؤلف الذي جمع هذه المختارات، المسمى ميمون بن يخلف ينتمي لأسرة من أهل فاس، وأن له شخصا محترما من نفس أسرته يسمى أحمد كان وراقا، وكان مهتما مثله بتسجيل الحكم والوصايا، وقد نقل المؤلف بعض حكمه داخل هذه المختارات.
    يغلب على الظن أن هذه المختارات جمعت في أواخر القرن الحادي عشر الهجري، وقد جاء فيها ذكر لبعض أعلام الأدب العربي في المشرق والمغرب.
    ومن بين الأعلام الذين وقع ذكرهم في هذه المختارات، وهم ينتمون إلى القرن الذي توقعنا أنها كتبت فيه، أحمد المقري صاحب نفح الطيب، ومحمد العربي الفاسي المتوفى بتطوان صاحب «عقد الدرر» الذي نظم به نخبة الفكر في مصطلح الحديث لابن حجر، وصاحب مرآة المحاسن، ولده عبد الوهاب المتوفى بفاس سنة 1079 الذي كان نظيرا لأوقاف القرويين نحوا من عشر سنوات.
    كان في مختاراته يتوخى الشعر الهادف إلى رفع الهمة وتقوية الشعور بالمسؤولية وتربية النفس، كما كان يتوخى جمال الأداء وحسن الصنعة وتنمية الحاسة الفنية عند القارئ لمختاراته.
    ولم يكن يبالي عند الاختيار بنسبة الأقوال إلى أصحابها، فهو يذكرهم حينا ويهملهم حينا آخر، لأنه في الغالب، كما ذكرنا سابقا كان يهدف إلى تهذيب الذوق ورفع الهمة وفتح آفاق المعرفة أمام القارئين لكتابه.
    ومن المعلوم أن كلا من الإبداع الفني، والإبداع الفكري يحتاج إلى من يبرزه أمام الناس، والإضاع وأهمل، وتلك مهمة يقوم بها بعض من وهبهم الله الرقة في الفهم، والدقة في التحليل، والجمال في التذوق، والعمق في النقذ، فيحرصون على نشر تلك الإبداعات وعلى تمهيد السبل لإبقائها بين الناس، ومن بينهم هؤلاء الذين يختارون من روائع الماضي ما يخزنونه للأجيال اللاحقة، وإن يأت اعتباطا، وإنما بني على أساس من المقومات، يمكن التوصل إليها من خلال الربط بينها وبين الأهداف المتوخاة منها.
    وأول ما يبدو لنا من أهداف هذه المختارات أن مختارها كان راغبا في إبعاد اليأس عن الناس، سواء فيما اختاره من صريح القول، أو فيما يمكن تأويله وإخراجه من ظاهر اليأس إلى واقع الأمل والرجاء، ولهذا بدأها بقول الشاعر :
    اترك الـهـم إذا مـــا طـرقك
                     وكل الأمـــر إلى من خلقك
وإذا أمل قـــــــوم أحـــدا
                      فـإلى ربك فــأمـدد عنقك
    وليس المراد من هذه النصيحة أن يكون الإنسان سلبي الإرادة أو ضعيف الشخصية، ولكن المراد منها تثبيت شخصية الفرد أمام النوائب، وتقوية جانبه الروحي الذي يعينه على مواجهة الحياة، وعلى الاستمرار في الاستفادة منها، والإنسان مكلف بالعمل منذ زمن التكليف إلى أن يغادر هذه الدنيا، وليس كل من يعمل يتحقق له النجاح في جميع مشروعاته، فهو ينجح حينا ويخيب حينا آخر، والعاقل هو الذي إذا لم يوقف، ولم يجد رغباته سهلة المنال طيعة الاستجابة، صبر صبرا جميلا، وفوض أمره لله، لأن ذلك التفويض يبعد عنه اليأس ويفسح المجال لتجديد تجاربه وأعماله، ولتحقيق طموحاته وأهدافه. فالإنسان متطلع إلى إنجاز بعض ما يطمح إليه مادام حيا، ويأتي أجله  قبل تنفيذ جميع هذه الإنجازات، ولهذا يقول أحد الشعراء :
     نــروح ونغــدو لحـــاجـــاتنا
                            وحـاجـات من عاش لا تنقـضي
    تموت مع المـــرء حــــاجــاته
                           وتبــقى له حـــاجة مــا بقي
    وفي هذا السياق اختار صاحب الكناش الذي تتحدث عنه البيتين اللذين يقول فيهما ناظمهما :
    ألــم تر أن المــرء طول حـيــاته
                         مـعنـى بأمــر لا يزال يعـالجه  
    كـدود، كــدود القـز ينسج دائـمـا
                        فيـهلك غـما وسط ما هو ناسجـه
    ومعرفة هذه الحقائق تجعلنا مستبشرين بالواقع لا متشائمين، لأنه واقع حتمي، والواقع المعروف لا يفاجئ العارفين.
    ورغبة في إبهاج النفس وإبعاد القلق عن الناس، اختار المؤلف بيتين يرسم فيهما طريق السلامة، وهما قول الشاعر :
    منشـاء عــيـشـا يستفــيــد به
                        فـي دينه ثم دنيــاه إقــبــالا
    فـلينظرن إلى من فـــوقـــه أدبا
                       ولــينظرن إلى من تحـتـه مـالا
    إن هذه النظرة تزيل كثيرا من القلق، وتبعد الناس الشقاء واليأس والاضطراب، خصوصا في عصرنا هذا الذي تنوسيت فيه بعض القيم، وأهملت فيه بعض الثوابت الخلقية.
    ولكن ليس معنى هذا أن الإنسان يصبح متواكلا غير جاد في العمل، ولا راغب في تحقيق الطموحات، بل إن العمل واجب والحرص على الكسب الحلال من آكد الضروريات التي ترفع همة الفرد، وتنجيه من ذل نفسه أمام الناس، والعاقل هو الذي إذا احتاج إلى أمر جنب نفسه الذل، والتجأ إلى الله الذي يفرج الكربات، فالالتجاء إليه أسلم للنفس من الالتجاء إلى غيره.
    ولتثبيت هذا التوجه السليم اختار صاحب  الكناش الأبيات التالية فقال : ومما ينسب للشيخ الولي الصالح أبي عبد الله محمد بن داود بن آجروم :
    إذا عـرضـت لي  في زماني حاجـة
                          وقد أشـكلت فيها علـي المقاصد
    وقـفت ببـاب الله وقفة ســائــل 
                         وقلت : إلا هـي إنني لك قـاصد
    ولسـت أراني واقـفـا عند باب من
                        يـقـول فتاه : سـيـدي اليوم راقد
    وهكذا نلاحظ في بعض هذه المختارات، قوة الهمة وكرامة النفس، وعدم الرضا باللجوء إلى السبل الدنيئة، فالمرء لا يعز إلا بعزة نفسه، ولا يقوى إلا بالصمود أمام كل ما يواجهه من الطوارئ، وتلك أشياء تحتاج إلى رياضة النفس، وتدريبها على الصبر على المكاره. فالصبر سلاح لا يفل، وحام لا يقهر، وإذا ابتلي الإنسان في عصره بقوم لا يقدرون كغايته، ولا يحمون ضعفه، فليستغن عنهم بما وجد من الإمكانات،فقد يدفعهم ذلك الاستغناء إلى مراجعة أنفسهم والتفكير في مسؤولياتهم، فيرجعون عن غيهم وضلالهم، وقد اختار المؤلف أبياتا جميلة، ذكر أنها من نظم طالب فقير، وهي في الحقيقة منسوبة لأبي الحسن علي بن محمد بن ثابت الخولاني المعروف بالحداد المهدوي،(2) ومن قرأها فسيجدها أبياتا رقيقة دالة على معاناة قائلها، وعلى كرامة نفسه  وعدم ابتذالها ابتذالا يؤدي به إلى الهوان فقد قال :
    قــالــت وأبــدت صـفـحـة
                              كـالشـمس من تحت القنـاع
    بــعــت الدفــــاتر وهـي آ
                            خــر مـا يبـاع من المتـاع
     فـأجـبـتـهـــا ويـدي على
                          كــبــدي وهمت بانصــداع
    لا تعــجـــبي مما فـــعلت
                          فنحن في زمن الضـــيــاع
    وهذا الانطباع الذي أبداه الشاعر لا يعتبر يأسا، ولكنه تصويرا لبعض الحالات التي يقل فيها الإحساس بالآخرين، وتضعف فيها العناية بالمحتاجين.
    وكلما قل الشعور بضرورة التفكير في إعانة المحتاجين، إلا ويدل ذلك على تخلف اجتماعي وانحلال خلقي قد يؤدي بالدول إلى الانهيار وبالأمن لإلى الزوال.
    ويظهر أن الغرض من الانطباعات التي جاءت على صورة التبرم واليأس، أو الاحتجاج إنما هو تصوير الواقع ومحاولة جعله سبيلا إلى تغيير سلوك بعض المقصرين الذين قد يتأثرون بما يسمعون فتهتز أريحيتهم، ويتخلون عما كانوا عليه من الإهمال والتقصير. وهذا شيء غير بعيد، لأن الأدب الصادق الملتزم الذي يصور الحياة تصويرا متلائما مع حقائقها يرفع في الغالب من قيمة الإنسان، ويجعله يسهم إسهاما مباشرا في المجالات الإصلاحية على اختلاف أنواعها.
    وقد شعر ميمون بن يخلف بهذا الشعور في مختاراته، ورأى أن أهم ما يجب أن يركز عليه في بعضها حثه على العلم والطلب، وإظهار قيمة المتعلمين بالنسبة إلى غيرهم، ورأى أن العلم غير سهل المنال، فهو يحتاج إلى معاناة ورغبة ومواصلة الجهد في البلوغ إليه، إذ يصل إليه من اتبع الهوى، وأغرقته الشهوات، واستدل على ذلك بأبيات يقول ناظمها : (3)
    إذا كـان يؤذيك حـر المصيف
                    وكـرب الخريف وبرد الشتاء
    ويلهـيك حــن زمان الربيـع
                   فـأخـذك للعلم قـل لي متى
    فـخل الأمـاني وتغريدهـــا
                   فــإن العـلوم تزين الفـتى
     وفي هذا السياق، اختار المؤلف بيتين للشافعي رحمه الله سجل فيهما الوسائل التي تعين على تحصيل العلوم، وهما قوله :
    نـعم لا ينـال العـلم إلا بسـتة
                           سـأنبيك عن أسمائها بعيـان
    ذكاء وحرص واجتــهاد وبلغة
                         وهمـة أسـتـاذ وطول زمـان
     ولا ريب أنه باختياره لهذين البيتين،كان يريد وضع السبل أمام الطالب، ليعمل جهد مستطاعه لتقمص هذه الوسائل، وتعهد ما يمكن أن يتعهده منها لينال من العلم ما يريد.
     ولابأس أن نحلل بعض هذه الوسائل تحليلا تقريبيا لتعرف مقاصد الشافعي رحمه الله
     أولا : الذكاء، وهو داخل في إطار السجايا الطبيعية، ولكن إذا أهمله المتصف به ضاعت آثاره وخمدت جذوته، فالذكاء ينمو بالتعهد ولممارس والمذاكرة والمقابلة بين الأشياء، وباستخدام القدرات العقلية التي تنمي الملكة و تعين على الموازنة والقياس والاستنتاج.
     ثانيا : الحرص على المعرفة، لأن الحرص مدعاة إلى الاجتهاد ولبحث والإلحاح على البلوغ إلى الحقائق، وهو دليل على الصدق في الطلب وعلى عدم الإهمال والتواكل.
      ثالثا : الاجتهاد، ومن المعلوم أن الحرص بدون اجتهاد لا يؤدي إلى النتيجة المتوخاة، فكم من حريص على شيء لا يجتهد من أجل الوصول إليه، فيذهب حرصه سدى، ومن المعلوم أن الاجتهاد يحتاج إلى الصبر على المعاناة وعلى إجهاد النفس بتحملها لكثير من المشاق وإعراضها عن كثير من الإغراءات العلمية التي تكون سببا في ضياع الوقت، وعدم الاستفادة منه.
     رابعا : البلغة أي الكفاية التي تدخل الاطمئنان على النفس، ولا تشغل الطالب بشؤون الطلب.
    ومسألة البلغة نسبية، فقد يراها بعض الأفراد في الضرورات التي تضمن لهم وسائل العيش العادي، وهؤلاء قد تكون المؤهلات العلمية الميسرة لهم كافة في صقل مواهبهم وإثراء معارفهم، لأنهم لا يطلبون من الحياة أكثر من الكفاية، وقد كانت بعض الأوقاف الإسلامية تحرص تيسير هذه البلغة عن طريق ما تقدمه للطلبة من السكنى، والكسوة، والطعام، فيدفعهم ذلك إلى صرف همتهم للمعرفة والاستفادة ومواصلة البحث النافع الذي يهذب العقول وينمي المدارك.
    خامسا : همة الأستاذ الذي يطمح في أن يؤدي واجبه وأن يعلم طلبته، وأن يعمل على حسن التبليغ واختيار المناهج، فكم من طالب وصل إلى القمة على طريق همة أستاذه الذي فسح له المجال أمام المعارف، وأعانه على حسن الاستماع والاستفادة، وصبر من أجله على الشرح والتحليل.
     وكم من أستاذ كان من خلال دروسه يختار بعض المواقف التاريخية التي تصور حياة بعض العلماء، وتتحدث عن سيرهم واجتهادهم ونبوغهم ليكونوا أسوة لطلبته.
    وفي هذه المختارات ذكر لبعض من ذلك، مثل الإشارة إلى العلم اللغوي يونس بن حبيب المتوفى سنة اثنتين وثمانين ومائة عن مائة سنة واثنتين، فقد قال أبو عبيدة عنه: إني اختلفت إلى يونس أربعين سنة أملأ كل يوم ألواحي من حفظه.
    وهذه العبارة المنقولة عن أبي عبيدة ذكرها المؤلف في كتابه هذا، ولم يشر إلى مصدرها، وهي معروفة في ترجمة هذا العالم الناقد الخبير، وقد أشار إليها الزبيدي في طبقات النحويين واللغويين، كما أشار إليها الحموي في كتابه طبقات الأدباء.
    ولم يقع الخلاف بين ما في المختارات وبين ما عند المؤرخين الذين تحدثوا عن يونس هذا إلا في السنوات التي عاشها، فالمؤلف نقل عن ابن خلكان أنه عاش ثماني وثمانين سنة في حين أننا ذكرنا من قبل أنه عاش مائة سنة واثنين.
    وعلى كل حال، فإن نقل أمثال هذه القوة المعرفية عند الأفراد قد يكون الغرض منه وضع الأسوة الحسنة أمام طلبة العلم.
     سادسا : طول الزمان،لأن الإنسان يحتاج إلى الزمن الكافي للبلوغ إلى المعرفة، فهو إذا لم يتأن في الطلب وفي التأمل، ولم يستغلل الإمكانيات العقلية، ولم يتداول المعرفة مع أصحابها، فإنه لا يمكنه أن يتعمق فيها وأن يسبر غورها ويستظهرها متى شاء.
     ومن المعلوم أن هذه الوسائل نسبية، وأن العلم يحتاج في كل عصر إلى استغلال المعطيات، سواء كانت ذاتية، أو كانت متصلة بأصحاب التوجيه الفكري وأرباب المسؤولية الإدارية والسياسية.
     ولم يكتف المؤلف باختيار البيتين السابقين، فقد أشار في مكان آخر من كتابه إلى بيتين يرتبطان بنفس المعنى وهما قول الشاعر :
    بعشر ينال العلم : قوت وصحة
                      وحفظ وفهم ثاقب في التـعلم
    وحرص ودرس واغتراب وهمة
                     وشرخ شـباب واجتهاد مـعلم
    وهذان البيتان لم يذكر اسم قائلهما، وقد كنت اطلعت عليهما في رحلة العبدري وقال عنهما: إنهما من شعر علاء الدين أبي الحسن علي بن محمد الحسيني الموسوي الطوسي.
    ولاشك أنهما يتضمنان ما ذكره الشافعي وزيادة، وقد حاول شاعر من الشعراء أن يلخص كل هذه المعاني في التحلي بالصبر، لأن الصبر يجعل المتعلم قادرا على التحمل، لا يبالي بما يعانيه من الجهود من أجل البلوغ إلى ما يريد، قال الشاعر :
     ومن يصطبـر لـلعلم يظفـر بنـيله
              ومن يخطب الحسناء يصـبر على البـذل
    ومن أمتع اختياراته ما قيل في وجوب عدم التعجيل، بذكر عيوب المصنفين وغيرهم، وهو قول الشاعر:
    أخـا العلم تعجل بعيـب مصنف
             ولا نتـــيـــقن زلة منه تعـــرف
    فكم أفــسـد الراوي كلاما بغفلة
           وكم حــرف المنقول قــوم وصـحـقوا
    وكم ناسخ أضـحـى بمعنى مغيرا
          وجــاء بشيء لــم يـرد المصــنـف  
    هذا وغن المهتمين بالتربية، لم يكونوا يرون قيمة العلم في ذاته، ولكنهم كانوا يرونها في العمل به، لأن العلم بلا عمل، لا يفيد شيئا، وقد اختار المؤلف في هذا المعنى، بيتين لأحمد المقري المتوفى سنة1041 يقول فيهما :
    العــلــم لا يـصـلح إلا إذا
              به عــملت فــافهم كــلام العبـيـد
    لـو كـان بـالعلم ينال الفـتى 
              لــكان إبــليس نظيـــر الجنيــد
    وهكذا، نرى أن هذه المختارات مفيدة في رسم الطريق أمام الراغبين في المعرفة، وفي وضع المنهج الصالح للاستفادة من العلم الذي لا ينفع إلا إذا عمل له الواصلون إليه.
    وتحتوي هذه المختارات أيضا على بعض المواعظ والحكم التي تجعل الإنسان واعيا بحقيقة وجوده، فلا يجعل الدنيا دار قرار، وإنما يجعلها سبيلا إلى الحياة الآخرة التي هي الحياة الخالدة الدائمة.
    وهذا يدفعنا إلى عدم الاقتصار على ما في المختارات من شعر، بل نضيف إلى ذلك بعض المختارات النثرية الواردة عن الحكماء والأدباء. من ذلك مثلا ما أشار إليه في بعض مختاراته حيث قال: وعن علي رضي الله عنه أنه دخل المقابر، فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، أموالكم قسمت، ودوركم سكنت، ونساؤكم نكحت، فهذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم؟ فهتف هاتف فقال وعليكم السلام: ما أكلنا ربحنا، وما قدمنا وجدنا، وما خلقنا خسرنا، وهو تفسير قوله تعالى: ( وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا )،(4) ثم قال: صح من الثعلبي.
    ومن المتداول في كتب الحكم والمواعظ الحديث عن الدنيا وفنائها، وما ينبغي للعاقل أن يعمل فيها من الحسنات، تجنبا للمآل المحتوم، الذي لا مفر من الرجوع إليه حيث يجد الإنسان مكافأة ما قدمت يداه من خير أو شر، ولذلك كان من اللازم عليه أن يحرص على فعل الخيرات، وتجنب السيآت، وأن يعلم أن قيمته عند الله لا تبنى على ما له من جاه في هذه الدنيا، وإنما تبنى على حسب تقواه وطاعته، فإذا جمع بين الحسنيين، كان في ذلك خير كثير، والله در الذي يقول:
       مـا أحسـن الدين والدنيا إذا اجتمعــا
                         وأقــبح الكفر والإفلاس بالــرجل
    وفي هذا المعنى اختار ميمون الخطابي في كناشه هذا بيتين من الشعر يحض فيهما ناظمهما على التقوى ويقول:
    عليك بتــقوى الله فــي كل حــالـة
                  ولا تترك التــقوى اتكـــالا على النسب
    فقـد رفع الإسلام سلـــمان فــارس
                 وقد وضع الشــرك الشريف أبــا لهـب
     فالتقوى إذن هي الشعار الذي يجعل المسلم في درجة المقربين، فهي مقدمة على السلالات والجنسيات، وهي نقطة التلافي في مجال التواصل البشري، ومن كان يرى غير ذلك، فليتأمل في هذه الحقيقة عساه أن يتوب إلى الله، ويرجع عن غيه وضلاله.
    قــــــبــــورنــا تــبــنى
                    ونــحن مـــــاتـبـــنـــا
    يـــا لــيـــتنــــا تـــبــنا
                  من قـــــــبل أن تـــبــنـى
    كما اختار لأبي العلاء المعري قوله:
    مضت لي من الأيام ستون حجة
                      ومـا أمسكت كفي بثني عناني
    ومــالي من دار ولا ربع منزل
                      ومــا راعني من ذاك روع جناني
    تذكـــرت أني هالك وابن هالك
                    فــهانت علي الأرض والثقــلان
     كما ذكر أن أبا العتاهية حين حضرته الوفاة، قال:
  أشتهي أن يغنيني مخارق عند رأسي
   إذا ما انقضت عني من الدهر مدني
                   فــإن عـزاء البــاكــيات قليل
    سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي
                   ويحـدث من بعـد الخلـيل خلـيل
    وأوصى أن يكتب على قبره:
    إن عيشــا يكـون آخــره المو
            ت لعــيـش مـعـجـل التـنغيــص
    وفي هذا السياق، ذكر أن سليمان بن عبد الملك، نظر في المرآة فأعجبته نفسه، فقال: أنا الملك، فقالت له جارية من جواري قصره:
    أنــت المتــاع لو كنت تبـقى
                 غــيــر أن لا بقــاء للإنسـان
    ليــس فيـمـا بدا لنا منك عيب
               - يعلم الله – غــيــر أنــك فـان
    فمـات رحمـه الله بعد سبعة أيام
    وهكذا نجد أن هذه المختارات قد أكثرت من ذكر الموت والفناء، وان الإنسان ينبغي له أن يعمل لما بعد الموت، وأن يتصف بمكارم الأخلاق، وأن يحسن على الناس دون فرق بين الأقارب والأباعد، لأن الإحسان يؤلف القلوب ويديم المودة، ويعين على نشر الأمن والسلام.
    وفي حث على الإحسان، وعدم الفرق بين الذين يستفيدون منه، اختار من شعر أبي الحسن بن سراج قوله:
    بث الصنائع لا تحـفل بموقعـها
                 فيمن نأى أو دنا مــا كنت مقتــدرا
    فالغيث ليس يبالي حيث انسكبت
                منه الغـمائم تربا كــان أو حـجـرا
    ولم تسلم اختياراته من ذكر بعض المنحرفين الذين زاغوا عن الطريق السليم، فأصيبوا بالجشع، وانصفوا بالطمع، وصاروا لا يفكرون إلا في أنفسهم، وقد سبق لنا أنه حينما كان يصور أمثال هؤلاء، لم يكن يهدف إلى بث اليأس في النفوس، ولكنه كان يرجو من ذلك أن يسمع هؤلاء المنحرفون بعض انطباعاته حول أخلاقهم، فيكون ذلك سببا من أسباب رجوعهم عن غيهم وضلالهم، خصوصا إذا كانوا يتظاهرون بالصلاح وهم في حقيقتهم منافقون.
    ومن الشعر الذي اختاره لتصوير هؤلاء الذين يتلبسون بزي أبناء الآخرة قصدا لجمع الدنيا والظفر بحطامها الأبيات التالية التي يقول قائلها في وصف أحد هؤلاء المتلبسين من أهل التصنع ما يأتي:
    ذئب تراه مــــــصـليــــا
                    فـــــإذا مــــررت به ركع
    يــدعـــــو رجل دعـــائه
                  مـــا لــلفــــريســة لا تقع
    عــجــل بهــا يــاربنــا
                إن الفـــــؤاد قــد انصــــدع
    وقد يصل به المر في الاختيار حدا يوهمك بأن الإنسان قد يكون متجنبا لكل المكارم، من ذلك قول القائل:
    أما الـوفاء فـشيء قد علـمت به
               ولا رأيــت له عـــينــا ولا أثـرا
فــلا أطـالب في دهري به أحـدا
                ولا ألوم على غــدر بمن غــدرا
فــمن توهم في الدنيــا أخـا ثقة
                فــإنه بشر لا يعــرف البشــرا
    وهذا ما دعاه على اختيار القائل الذي يخاطب أبا العلاء المعري بما يأتي:
أبــا العـــلاء ابن سليـمـان
               إن العـــمى أولاك إحســـانـا
لــو أبصـرت عـيناك إنسانـا
    وهكذا نرى بعض هؤلاء الذين اختار لهم، قد يئسوا من الإنسان وعابوا سلوكه، بل إن منهم من ألزم نفسه عدم النصيحة، لأنه لم يجد من يستحقها.
    وفي هذا المجال اختار لابن مرزوق رحمه الله قوله:
 نصــحت فلم أفلح وخانوا فأفلحوا
              فـــأسكتني نصـــحي بدار هوان
فإن عشت لن أنصح وإن مت فالعنوا
              ذوي النصح من بعــدي بكل بيــان
     ورغم كون المؤلف قد اختار أحيانا مثل هذه الأبيات، فهي في الحقيقة لا تمثل المبادئ التي يومن بها، لأنه لو كان يومن بذلك، ما ألف كتابا جمع فيه عددا من النصائح والحكم، وأمثال هذه الاندفاعات القلقة، إنما تمثل بعض اللحظات من حياة الإنسان أثناء غضبه، ثم يعود عند التأمل إلى وعيه، فيعلم أن التناصح من تمام الحضارة، وان النصيحة فرض يجب أن يتبع، إنما يجب أن تكون بالتي هي أحسن، وأن يراعى فيها الوقت المناسب، وأن تكون بغير تعال ولا جبروت.
    ولم تخل هذه المختارات من بعض الروائع الأدبية، الدالة على جمالية الذوق عند جامعها ميمون بن يخلف، وعلى معرفته ببعض قواعد البيان، وأنواع البديع، وترجيحه لبعض المصطلحات على غيرها، وقد تجرى ذلك في بعض تعليقاته.
    فمن ذلك مثلا تعرضه لما يعرف بالتفصيل والترديد، حيث قال: ومن التفصيل عند البيانيين قول أبي الطيب:
فيا شوق ما أبقى وبالي من الهوى
            ويا دمع ما أجرى ويـا قلب ما أصبى
    وجاء على تقطيع الوزن كل لفظة ربع بيت.
    ويظهر من تعقيبه هذا أن التفصيل هو تجزئة البيت الشعري على أقسام متساوية، وهذا يخالف ما عليه بعض المهتمين بالبديع، فقد ذكر ابن حجة الحموي في كتابه خزانة الدب، أن التفصيل عبارة عن استعمال شطر بيت في قصيدة سبق للشاعر أن استعمله في قصيدة أخرى، وذلك كقوله:
وإن ذكرت زمانا ضاع من عمري
              من غيــر تفصيل مدح قلت يا ندمي
    فقد يقدم له في قصيدة فائية أن قال فيها:
  وإن ذكرت زمانا ضاع من عمري
               ولم أهـاجـر إليه صحت يا أسـفـا
    ومع ذلك فإن قصده بهذا الاصطلاح يشبه قصد بعض البيانيين الذين راعوا هذه التجزئة في البيت، وسموها تفصيلا، كما هو الحال بالنسبة إلى عبد الرحمن الجاديري في شرحه للبردة،فقد مثل للتفصيل بقول البوصيري:
أكــرم بخـلق نـبي زانه خـلق
               بالحــسن مشتمل بالبــشر مبتسم
كالزهر في ترف والبـدر في شرف
              والبـحر في كـرم والدهر في همم
وقد قــال إنه كقــول الشاعر:
كــأن المدام وصــوب الغـمام
              وريح الخــزامى ونــشر العطر
    هذا مع أن المصطلح السائد في مثل هذا الشكل، يعرف نوع فيه بالمماثلة ونوع آخر بالشميط.(5)
    هذا وغن الرواية التي اختارها صاحب هذا الكناش، هي الرواية التي بنت كل منادي فيه على الضم باعتبار أنه مفرد غير مضاف.
    وهناك رواية أخرى وهي التي توجد بالديوان، جعلت كل منادى مضافا إلى الياء المتكلم المحذوفة التي بقي الكسر دالا عليها مع إبدال كلمة الهوى بالنوى، أي على الشكل التالي:
فـيا شوق ما أبقى ويالي من النوي
               ويا دمع ما أجرى ويا قلب ما أصبت
    ويكون المعنى كما جاء في شرح ديوان المتنبي لعبد الرحمن البرقوقي: فياشوقي ما أبقاك فلست تنفذ، ويا من لي يمنعني من ظلم الفراق، ويادمعي ما أجراك، وياقلبي ما أصباك ما أصباك وأشوقك... قال العكبري، وأما قوله يالي فقد يحتمل أن يكون أراد اللام المفتوحة، التي للاستغاثة، كأنه استغاث بنفسه من النوى ، ويحتمل أن يكون أراد اللام المكسورة التي للمستغاث من أجله كأنه قال ياقوم اعجبوا لي من النوى.
     وأما الترديد الذي ورد ذكره في هذه المنتخبات، فإنه أراد به مجرد التكرار كقول الشاعر:
جسمـي معي غير أن الروح عندكم
              فالجــسم في غربة والروح في وطن
فليــعجب الناس مني إن لي بدنا
               لا روح فــيه ولي روح بلا بدن
    مع أن الترديد عند إطلاقه عند علماء البيان يقصد به تكرار الكلمة على أن تكون في الإطلاق الثاني عامة، وفي الإطلاق الأول متصلة بالمعنى المذكور فيه، وذلك كقول البوصيري رحمه الله:
إني اتهمت نصيح الشيب في عذلـي
               والشيـب أبعد في نصح عن التهم
     فهو في المرة الأولى يتعلق بالشاعر ذاته، ولكنه في المرة الثانية يتعلق بالشيب عامة، سواء كان متصلا بالشاعر أو متصلا بغيره.
    ونحن لو تتبعنا هذه المختارات لوجدنا فيها طائفة من الشعر تهتم بأنواع البديع، وأخرى تمتاز بحسن التشبيه، إلا أنه لم يشر إلى أسمائها الاصطلاحية.
    فمن الشعر الذي اختاره لجمال التشبيه، ما نقله من قصيدة لأبي بحر صفوان بن ادريس المتوفى سنة598هـ وهي القصيدة التي مطلعها:
يا حسنه والحسن بعض صـفاتــه
              والسحر مقصور على حــركــاته
    ففيها يقول:
بتـنا نشعشع والعفاف نديــمنـا
                خمـرين من غــزلي ومن كلماته
ضـاجعته والليل يـذكي تحتـه
              نارين من نفـــسي ومن وجناتــه
أوثقــته في ســـأعدي لأنه
             ظبي خشــيت عليه من فلــتانــه
والقلب يــدعو أن يصير ساعدا
            ليــفــوز بالآمــال في ضـمـانه
حــتى إذا هام الكرى بجفونــه
            وامتد في عـضـدي طــوع ســنانه
عـزم الغــرام علي في تقبيلــه
            فرفضت أيدي الطــوع من عـزمـاته
وأبى عــفافي أن أقبل ثغره
            والقلب مطــوي على جـــمـراتـه
فـاعجب لملتهب الجوانح غلة
          يشكو الظمـــأ والماء في لهــواتــه
    ومن ذلك ما نقله من ديوان الخطيب أبي زكرياء يحيى بن هرمة الحصكيفـــــــي (6) رحمه الله من شعر يتعلق بلغز في نعش الموتى وهو قوله:
أتعرف شــيئا في السماء نظيره
             إذا سار صـاح الـناس حيث يســير
فــتلقاه مــركوبا وتلقاه راكبا
            وكــل أمــير يعتــريه أسيـــر
يحض على التـقوى ويكره قربه
           وتنفـر منه النــاس وهـو نــذيــر
ولم يستـشر عن رغبة في زيادة
          ولــكن عـلى رغم المــزور يــزور
     ومن الأشعار التي اختارها، وهي تمثل بعض أنواع الجناس من أقسام البديع ما يأتي:
    أولا: قول الزمخشري:
قــــــبـــــورنا تبنى
             ونــحــن مـــــا تــبنـــا
فـــيــا لـــيـــتنا تبنا
            من قـــــبــل أن تــبـنـــى
    وقد تقدم الاستدلال به أثناء التحدث عن الاختيارات الوعظية.
    ثانيا: قول ابن الفارض:
خــلــيلـي إن زرتما منزلي
           ولـم نــجداه فسيــحا فسيــــحا
وغن رمـتـمــا منطقا من فمي
          ولــم ترياه فصــيحـا فصيـــحا
    ثالثا: قول الشاعر الذي جانس بين بعض الكلمات التي لها ارتباط الحج وشعائره في الأبيات التالية:
رب خــو عرفت في عــرفات
             سلبـــتني لحسنـــها حسناتـــي
حـرمت حين أحـرمت نوم عيني
             فــاستــبــاحت دماي باللحــظات 
ورمت بالجـــمار جــمرة قلبي
            أي قلــــب يــبقى مع الجــمرات!
وأفاضــت مع الحجيج ففاضـت
            من جــفــوني سوابــق العبــرات
لم أنل من منــى منى النفس حتى
            خفت بالخيف أن تــــكون دغــاتي
     وعلى كل حال، فإن نظرة في هذه المنتخبات تبرز بعض الجوانب الجمالية في الأدب العربي التي تمتعنا ببعض ما جاء فيه من المعاني الجذابة، ومن الصور الرائعة، ومن الموسيقى التركيبية التي تربط بين أجزاء الكلمات ربطا إيحائيا للجرس الداخلي تأثيرا على النفس يضفي على المعاني من الجمال ما يزيدها تأثيرا وإمتاعا وسحرا وإبداعا .

1 ) سجلنا هذا الكناش ضمن السجل الرسمي للخزانة تحت رقم 2019.
2 ) انظر كتاب أخبار وتراجم أندلسية مستخرجة من معجم السفر للسلفي المتوفى سنة 576هـ . تحقيق: الدكتور إحسان عباس ص: 75 – طبعة دار الثقافة  - بيروت . وسنلاحظ أن البيت الأخير فيها ورد على الشكل التالي :
          لا تعجـــبي مما رأيت                     فنحن في زمن الضــياع
3 ) لم ينسب هذه الأبيات لقائلها، وقد أشار إلى الأولين منهما ياقوت الحموي في الجزء الرابع من كتابه معجم الأدباء. وقال إنهما لأحمد بن فارس اللغوي المتوفى سنة 395هـ.
4 ) سورة المزمل، الآية: 20.
6 ) هو أديب من الكتاب الشعراء تأديب على الخطيب التبريزي، وتفقه على مذهب الشافعي توفي عام 551هـ.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here