islamaumaroc

الأمن الثقافي للطفل المغربي

  أحمد عبد السلام البقالي

العدد 348 رمضان 1420/دجنبر 1999

     لا حاجة بي إلى القول بأن القراءة هي الفعل التأسيسي لكل حضارة. فقد أصبح ذلك من المسلمات، والأمة التي لا تقرأ لا تتقدم. والأمة العربية لم تخرج من سباتها القطعي وغيبوبتها الجاهلية إلا حين نزلت على رسولها الأعظم الآية الكريمة : (اقرأ باسم ربك الذي خلق)، فانفجرت على العالم قوية بكلمة الله، وأضاءت في مسارها المجيد العصر الوسيط، عصر الظلمات المسيحي، والتنوير الإسلامي.
     ولم يبدأ انحدارها إلا حين فرض الأتراك لغتهم عليها، وأحرق التتار والإسبان مكتباتها وكنزها الفكرية.
     وهاهي الآن تنهض من رمادها متطلعة إلى أن تولد من جديد. ولن تنهض الآن إلا بما نهضت به يومئذ؛ بالقراءة والمزيد من القراءة !
    وأعظم هدية يمكن أن يقدمها جيلنا هذا للجيل الصاعد، هي أن يجعل منه جيلا قارئا، وأن يغرس في قلبه حب الكلمة وعشق الكتاب!فلا شيء في عصرنا الحديث يغني عن القراءة، لا راديو ولا تلفزيون ولا كومبيوتر... فكل هذه المبتكرات قائمة على مبدإ القراءة والفهم والتبليغ. والكلمة هي الجزء المعنوي الذي تتكون منه الخلية الحضارية، والتي هي الفكرة، وهي وعاء الخيال الذي بدونه لا يمكن تصور البديل الأفضل لأي حاضر، لم يعد يقبل.
    وإذا كان الكتاب المدرسي يخاطب عقل الطفل، ويلقنه المبادئ الأساسية للعلوم والآداب، فإنه لكتاب الموازي، أي كتاب أدب الطفل، يخاطب قلبه ووجدانه، ويحرر خياله، ويختصر له التجربة الإنسانية في عدة أيام حتى يستوعبها، ويستفيد من أخطاء أهلها، ويبدأ من حيث انتهوا. كل ذلك بأسلوب جذاب يحبب إليه القراءة، ويغني تجاربه ورصيده المعرفي واللغوي، ويسهل له فن الكتابة وترجمة أفكاره وتصوراته للآخرين.
    لذلك تحرص الأمم الراقية على أن تجعل من كتاب الطفل تحفة جذابة تغرس في الطفل الذوق السليم، وترهف إنسانيته، وتشحذ حاسته الفنية والجمالية، وتكره إليه القبح في كل شيء، وتجعل منه فردا اجتماعيا مسؤولا نظيف العقل والضمير، حريصا على نظافة بيئته ومحيطه الاجتماعي.
    ومن سوء حظ أطفالنا هذا الفقر المذقع في كتاب الطفل المكتوب بالعربية، وافتقار مدارسنا إلى المكتبات المدرسية، وإغراء الكتاب الأجنبي المتطور جدا، والغالي جدا بالنسبة لشرائح الشعب المتوسطة والفقيرة... إلى جانب بعد أهدافه وأساليبه عن أهدافنا وقيمنا الروحية والدينية وتقاليدنا الاجتماعية، الأمر الذي يجعل من قرائه أطفالا غرباء عن مجتمعهم، ينتمون إلى ثقافة أخرى ولغة أخرى، ويعانون مدى حياتهم من ازدواج الشخصية وتشوش الفكر وانشطار الرلاء!

     * ميثاق وطني لثقافة الطفل :
     وإذا كنا ستبني جيلا قارئا مفكرا فاعلا، فعلينا أن نضع الأسس من الآن لثقافة موجهة للطفل ذات معالم واضحة، وأهداف محددة معروفة ومنشودة. فتدعو الجهات المسؤولة إلى عقد مناظرة لاختصاصيين لوضع ميثاق وطني لثقافة الطفل، يكون من أهدافه درس راهن هذه الثقافة، ووضع سياسة واضحة وخطط مفصلة، ترفع إلى الجهات العليا جاهزة للتنفيذ والإخراج إلى النور.

    * مجلس ثقافة الطفل :
     واقترح من هذا المنبر تكوين مجلس لثقافة الطفل للإشراف على هذه المناظرة الوطنية، وعلى تنفيذ ما ستسفر عنه من توصيات. فثقافة الطفل عالم واسع يشمل إلى جانب الكتاب الموازي، البرامج التلفزيونية ومسرح الطفل ومسرح العرائس والأناشيد والأغاني والمعارض الفنية والنشاط اليدوي، إلى غير ذلك.
     وإذا كنت بدأت بالبرامج التلفزيونية فلما يحتله هذا الجهاز في حياة الطفل المغربي اليوم. وهو موضوع جدير بأن تعقد له مناظرة وحده. وذلك للتنبيه إلى ما له من هيمنة على العقليات اللينة والأحاسيس المرهفة القابلة لكل تأثير. فهذه المربية المجانية التي هي التلفزيون والتي لا تتعيب ولا تنام ولا تطلب أجرا، ولكنها في نفس الوقت تستولي على عقل الطفل ووجدانه وتشكله كما يريد الآخرون، تلقنه فيما غير قيمنا ونماذج للسلوك والحياة غير نماذجنا، نماذج يسود فيها العنف والفردية والمادية والأنانية والتهور والاستهتار والجريمة والرذيلة!

     * لابد من رقابة ما يوجه للطفل :
     ونفس ما يحدث للأب الذي لا يقرأ ما يقدمه لأطفاله من كتب، يقينا منه أنها إذا لم تنفع فلن تضر، يحدث للمشرفين على اقتناء الأفلام وبرامج الأطفال المطروحة في الأسواق العالمية. فقلما يأخذون الوقت لمشاهدة هذه الأفلام والمسلسلات، أو عرضها قبل شرائها على لجان تربوية مختصة، فتدخل بيوتنا رأسا من الكراجات والمستودعات السرية المشبوهة في هونغ كونغ، وتايوان واليابان والهند بلا رقابة ولا تمحيص.
     وللأسف، فهذه الأفلام الرديئة المحتوى الوضيعة المستوى، تكون دائما أرخص من المسلسلات العالمية الراقية، مثل مسلسل «المنزل الصغير في البراري»، والطفل الباحث عن أمه والأب ميرفي وبيل كوسبي، وما الجديد يادكتور، وعدد من الأفلام الصادرة عن مؤسسة «والت ديزني» المصورة باسم المتحركة والتمثيل الحي. وهي أفلام عائلية ذات رسالة تربوية وأهداف أخلاقية عالية إلى جانب التسلية والمتعة التي يجنيها منها الصغار والكبار.
     وللذين لم ينتبهوا إلى خطر ترك الصغار «للدادة الحديثة» أي شاشة التلفزيون أقول: «إن الأبحاث والإحصائيات أثبتت وراء الشك وجود علاقة قوية بين جرائم الأفلام وجرائم الشارع، خصوصا بين الأجيال الصاعدة التي تربت على جرعات كبيرة من أفلام العنف التلفزيوني اليومي.

     * أمثلة من الواقـع :
     وقد نشرت لا صحافة المغربية مؤخرا حبرا مثيرا، ولكنه لم يثر انتباها كبيرا في أوساطنا الإعلامية  ومؤسساتنا التربوية. عنوان الخبر هو «أطفال واشنطن (العاصمة) يخططون لجنائزهم بعد استفحال جرائم القتل». فلكثرة ما رأوا حولهم من جرائم القتل بين زملائهم وأقرانهم في المدارس والشوارع، اقتنعوا بأنهم لم يبلغوا سن الرشد، ولم يغادروا مدارسهم إلا في نعوش.
     وهناك حادثة تركت أثرا عنيفا على رجال التربية في الولايات المتحدة والغرب عموما، وهي وفاة ثلاثة فتيان في مقتبل العمر، استلقوا على الخط الفاصل بين مجرى السيارات الهادر على الطريق السيار، مقلدين بذلك بطل أحد الأفلام، فقتلوا جميعا. ولم يكونوا معا، بل كان كل واحد من ولاية. وللأسف فالفيلم الذي ورد فيه مشهد البطل وهو يعبر عن شجاعته بالاستلقاء وسط الطريق السيار هو فيلم «لوالت ديزني»، وقد اضطرت المؤسسة إلى حذف المشهد بعد أن علمت بما حدث! ولكن بعد وفاة الأوان!
     وإذا كنا نتحدث عن الأمن الثقافي للطفل، فإن بعض وسائل التثقيف أو التسلية المنحرفة تفرض علينا التأمين على حياة الطفل قبل تعريضه لتأثيرها واستهلاكها، كما هو الأمر مع هذا الفيلم القاتل!

     * وشهد شاهد من أهلها :
     وقد ضج المجتمع الأمريكي أخيرا وثار ضد التنافس الخطير بين المحطات التلفزيونية الكبرى، فيمن سيتفوق على الآخر في المشاهد الدموية. وفي عددها الصادر يوم 12 يونيو 1993 أوردت مجلة «نيوزويك» الأمريكية تقريرا في الموضوع بعنوان: «شبكات التلفزيون الأمريكية تحت نار المدافع». وتحته عنوان آخر يقول: «أصحاب المحطات وعدوا بتنظيف البرامج من العنف، والنقاد يقولون: «لا تصدقوهم!»
     ويتعرض المقال إلى اجتماع رؤساء الشبكات التلفزيونية الأربع الكبرى، وهو أمر نادر الحصول، ليعترفوا بوجوه حزينة، بعد أربيعين سنة من الإنكار، وثلاثين ألف دراسة ميدانية تدين برامجهم. بأن عنف التلفزيون يمكن أن ينتقل إلى الشارع، ولكن العلاج الذي اقترحوه على الكونغرس لم يقنع أحدا، كما تقول المجلة.
     وإذا أوردت هذه الأمثلة من الولايات المتحدة، فلأنها السابقة ونحن اللاحقون، وهي الباهرة وأطفالها المنبهرون، وهي السالبة ونحن المستلبون. ولأنني أعتقد أن تدارك الأخطاء مازال ممكنا، إذا توافرت الإرادة، وأعطينا أجيالنا القادمة ما تستحق من العناية والاهتمام.

   * كتاب برامج التلفزيون :
     وإذا سلمنا بأن التلفزيون هو مصدر ثقافة طفل الغد، فماذا أعددنا له من مادة خام؟ فوراء كل برنامج، مهما يبد لنا قصيرا، فريق يتكون من كتاب وكتاب سيناريو وحوار، ومخرج وممثلين ومصورين ومساعدين. وإذا كان الكاتب هو نقطة الانطلاق في العملية، أي أنه منجم المادة الخام، فكم عندنا من كاتب لأدب الطفل؟ إنهم لا يتعدون أصابع اليد الواحدة بمن فيهم الشعراء! ولن أتحدث عن بقايا الفريق.
     وفي تقديري ان كل ما كتبه الكتاب المغاربة للطفل، لن يملأ سنة واحدة من عمر التلفزيون إذا قررنا إنتاج ساعة واحدة في اليوم.

     * تشجيع الدولة :
     وهنا أرى أن تدخل الدولة ضروري لتشيع الموهوبين من الكتاب في هذا المجال على التفرغ له، وذلك بضمان العيش الكريم لهم، وتحريرهم من الوظائف إذا كانوا موظفين، ونشر إنتاجهم، وحث المؤسسات الثقافية والتربوية والرياضية على اقتناء كتبهم، وتكوين المكتبات في المدارس ودور الشباب واللأحياء الشعبية التي تفتقر إلى أماكن مخصصة للقراءة.
     ولابد من غزارة الإنتاج ووفرته حتى يكون مجال الاختيار واسعا أمام المخرجين، وحتى يتوفر الجيد من الأعمال، فكلما زاد الإنتاج زاد الجيد منه، والعكس بالعكس.

     * اقتراح عربي :
     وقد سبق لي أن اقترحت في إحدى اللقاءات الخاصة بأدب الطفل على السادة وزراء الثقافة والإعلام والتربية والشبيبة والرياضة في البلاد العربية، تحت إشراف الأسيسكو، أن تتكفل كل دولة عربية بإنتاج ساعة في كل شهر من البرامج أو المسلسلات التلفزيونية الموجهة للطفل العربي، على أساس التبادل بها مع بقية الدول الشقيقة. وهكذا ستتوفر لكل تلفزيون عربي عشرون ساعة أو أكثر من البرامج الموجهة للأطفال كل شهر. على أن تكون بعربية فصحى سليمة، وتتناول مواضيع تهم الطفل العربي بطرق يتفادى فيها التكرار والإحراج.
     وستكون هذه البرامج، إذا ترجمت إلى اللغات الحية، رسلنا في الدول الأخرى، تعرف بشعوبنا وحضارتنا، وتمحو صورة العربي البشعة التي رسمتها له الآلة الإعلامية الصلبية والصهيونية، وتعطي عن امتنا صورة إيجابية ناصعة، وستكون هذه البرامج، في نفس الوقت، سلعة للتبادل والمقايضة ببرامج أخرى توفر علينا العملة الصعبة، وتخلق مناصب شغل لعدد من الفنانين الموهوبين العاطلين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here