islamaumaroc

المعمر المغربي أبو الدنيا الأشبح وحقيقة ادعاء بعض الرواة للتعمير الكثير.

  إبراهيم ابن الصديق

العدد 348 رمضان 1420/دجنبر 1999

     أثناء قراءتي في بعض كتب الفهارس والتراجم، كان يستوقفني الحديث عن رواة عمروا لحد الغير المعتاد في التعمير كمائتي سنة فما فوق إلى خمسمائة فأكثر مع أن المعروف بين الناس أن من بلغ المائة أو تجاوزها بقليل يصبح محل اهتمام وعناية من أهل بلدته وجهته، أما إن بلغ العشرين بعد المائة، فإن أخباره تنتشر على نطاق واسع، وتتناقلها وكالات الأنباء وتنشر صوره في الصحف و المجلات والإذاعات المرئية على أنه ظاهرة غريبة، ومخالفة للمألوف.
     لذلك كان التعمير الذي ادعاه بعض الرواة أوداعي لهم أكثر غرابة في مخالفة المألوف، بل اعتبر داخلا في نطاق المحال العادي، بحيث لا يمكن التصديق به إلا على أنه خرق للعادة كما قيل في تعمير سلمان الفاسي رضي الله عنه، فقد قبله من قبله على هذا الأساس لا على أساس الإمكان العادي. وإلا فقد أنكر المحققون من نقاد الحفاظ تعميره كما سيأتي.
     وهذا بالنسبة إلى أمتنا المحمدية التي قال فيها رسول الله (ص): أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك». أخرجه بلفظه الترميذي وابن ماجة والحاكم، وغيرهم، وبمعناه، البخاري في الصحيح وأحمد في المسند وغيرهما.
     أما الأمم السايقة فالمعتاد عندها شيء آخر كما هو معلوم، وليس الكلام عنها من موضوعنا.
     وكان يثير استغرابي السن المدعى لهؤلاء الرواة المعمرين ذلك التعمير الخارق للعادة بالنسبة إلى أمتنا، ويثير في نفسي تساؤلات عدة مثل : هل صح هذا التعمير عمن يوقف به؟ وما هي أقوال النقاد من العلماء في حقيقته؟ وما هي أسباب ادعائه وما حال الأسانيد التي تشتمل على مثل هؤلاء المعمرين؟ وهل توجد في أصول السنة المعتمدة؟ وهل جمعهم أحد في كتاب خاص؟
     إلى غير ذلك من التساؤلات التي ثارت في نفسي حول هذا الموضوع والتي وجدت الإجابات عن بعضها مفرقة في المصادر، ولم يسعفني الحظ بالعثور على سائرها، إذ لم أعثر على كتاب خاص بهذا الموضوع، ولا أعلم أن أحدا تناول هذه الفئة ببحث مستقل إلا بعض الأبيات التي ذكرت أسماء بعضهم، سيأتي الحديث عنها إن شاء الله.
     وقد أشار الحافظ السخاوي في (الإعلان بالتوبيخ) إلى أن لكل من الحافظين الذهبي وابن حجر كراسة في المعمرين في الإسلام، ولكن يظهر أنهما جردا أسماء الذين عمروا التعمير العادي، ولعل كراسة الحافظ بن حجر هي المذكروة في ترجمته باسم «تعريف الفئة بمن عاش من هذه الأمة مائة» وعلى ذلك فهي ليست من موضوعنا، كما أفادني أخي العلامة السيد عبد الله بن الصديق- رحمه الله- بأن للشيخ زاهد الكوثر- رحمه الله- بحثا في موضوع المعمرين من الرواة. ربما يكون ضاع ضمن ما ضاع من أوراقه.
     وطبع بمصر سنة 1323 هـ رسالة أبي حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني البصري المتوفى سنة 235 باسم : (كتاب المعمرين من العرب (يعني في الجاهلية) وطرف من أخبارهم وما قالوه في منتهى أعمارهم) عبارة عن حكايات وأخبار أشعار وطرف عن فرسان ورجال عاشوا مائتي سنة وثلاثمائة وأكثر، ولكن دون إسناد ولا نسبة إلى قائل معين، بل تبدأ فقراتها بمثل : قالوا : عاش فلان كذا وقال فلان الذي عاش كذا سنة هذا الشعر الخ وذلك ليس من موضوعنا أيضا.
     وسأحاول في هذا المقال أن ألم ببعض جوانب ظاهرة التعمير الخارق للعادة في الرواة. دون استقصاء أو استيعاب، بل حسبما تيسر لي الوقوف عليه أثناء القراءة وحسبي أن أوجه إليها أنظار الباحثين لعل غيري ينشط لتناولها بكيفية أوسع أو يحضر فيها بحثا جامعيا باعتبارها خصب مادتها.
     وقد جعلت المعمر أبا الدنيا الأشج عنوانا للبحث وخصصت حيزا لا بأس به لترجمته، نظرا لشهرته الواسعة في هذا الميدان، وانتسابه إلى المغرب وطنجة في أحد الأقوال.
     ولا بأس من التعرف على أسباب ادعاء التعمير باختصار وتركيز قبل الدخول في الموضوع، أما إمكانه وقول العلماء فيه فيأتي بعد تقسيم امعمرين.

     أولا : أسباب ادعاء التعمير الكثير
     مما لا نزاع فيه أن الإسناد من خصائص هذه الأمة المحمدية، وأهميته في حفظ الدين والشريعة من البديهيات التي لا تحتاج إلى شراح أو بيان، ثم هي مبسوطة في مظامنها بحيث لا يتسع هذا المقال لذكرها، غير أنه من الوسائل الكثيرة التي اعتمدها المحدثون في إطار تطلب السند لتوثيق النبوية حرصهم على تقليل الوسائط بين الراوي وبين النبي (ص)، وهو المعبر عنه بالسند العالي، لأنه كلما قلت الوسائط في النقل قل الخلل في المنقول وأبعد عنه الخطأ، وكلما كثرت الوسائط- وهو المعبر عنه بنزول الإسناذ- احتمل أن يقع الخطأ من أحد رجال السند، وهذا أمر معقول لا غبار عليه من ناحية الواقع البشري بصفة عامة، ولذلك كان حرص المحدثين على إسناد العالي شديدا جدا، وكانت همتهم منصرفة إليه، وهو أحد أسباب رحلاتهم وأسفارهم وتطوافهم بالبلدان إذ كان منتهى آمال الواحد منهم أن يظفر بالسند العالي النظيف، ويقلل من عدد الوسائط بينه وبين النبي (ص). وقد قيل ليحيى بن معين في مرض موته: ما تشتهي؟ فقال: بيت خال وإسناد عال. هذا زيادة على ما في العلو من التبرك بالقرب من رسول الله (ص) بأقل الوسائط، وقد سلموا قول محمد بن أسلم الطوسي: قرب إسناد قربة إلى الله تعالى لأنه قرب من رسول الله (ص).
     ثم إن طلب العلو لم يبق مقتصرا على الاتصال برسول الله (ص) وهو ما يعبر عنه بالعو المطلق، بل إنه بعد جمع السنة النبوية وتدوينها في الكتب المعروفة أصبح العلو مطلوبا أيضا في الاتصال بكتب المعروفة أصبح العلو أيضا مطلوبا أيضا في الاتصال بكتب الأصول كموطأ مالك والكتب الستة، ومصنفات الأئمة المشهورين ومسانيدهم، وذلك ما يعبر عنه بالعلو النسبي، وتحت العلو النسبي أنواع كالبدل والمساواة والمصافحة الخ ما هو مبسوط في كتب المصطلح، أما في عصرنا وقبله ببضعة قرون فالعلو النسبي مطلوب في الوصول إلى مثل الحافظ ابن حجر وطبقته وطبقة شيوخه، وخاصة الحافظ بن حجر نفسه باعتبار أنه الوتقة لاتي انصهرت فيها الأسانيد العالية والنظيفة ما بين عصره الأئمة أصحاب الأصول المسندة.
     وليس معنى هذا الشغف عند المحدثين بعلو الإسناد أنهم يفضلونه دائما ولا يعدلون عنه، ويأخذون بالإسناد العالي أين وجد وكيف وجد، بل طلب العلو مقرون عندهم بتحقق شروط الصحة ولابد لتكون له ميزة الإسناد العالي، والحقيقة أن البحث عن تحقق شروط الصحة في الخبر ودرء الخلل عنه هو الذي حفزهم على طلبه علو السند- كما تقدم- قال الإمام ابن دقيق العيد في «الاقتراح» ص: 46.(قال كان النزول فيه إتقان والعلو بضده، فلا تردد أن النزول أولى).
     ولذلك قال عدد من الأئمة ممن لم يهتم بعلو المسافة وإنما إلى علو الصفة: (1) الحديث العالي هو الحديث الصحيح، وذلك منعا لتسرب أي ميوعة إلى رواية الحديث النبوي من هذه الناحية، إذا وجدت جماعة من العوام المنتسبين إلى أهل الحديث، وطائفة من عشاق السند غير المتخصصين اندفعوا اندفاعا كبيرا وراء طلب السند العالي كيفما اتفق ودون التقيد بأبسط القواعد الحديثية كالبحث عن حال الشيخ المروي عنه، والتثبيت منه واختياره قبل تصديقه والإقدام على الرواية عنه الخ ما هو معروف عندهم في هذا الباب. وهكذا أنساهم ولعلهم بعلوا الإسناد كل ما أسسه أئمة الحديث في ذلك، فقبلوا العلو من كل من ادعاه حتى وإن ادعى ما هو محال عادة، فحالما يجدون شيخا يروي لهم بوسائط أقل إلا وتهافتوا عليه وأحاطوا به وبالغوا في إكرامه دون اعتبار لما هو مطلوب في جواز الرواية عن شخص، فكان ذلك إغراء منهم لمن يرغب في الفوائد المجتناة من ادعاء العلو كالشهرة، والتفاف والناس حوله، والتفرد عن بقية الرواة، والظهور بمظهر الحرص على الرواية وعلو الهمة، إلى غير ذلك، مما جدا عددا من الأعمار أن سلكوا هذا الاتجاه، فقد كان أحدهم- وهو إبراهيم بن هدبة أبو هدبة الفاسي- سائلا يسأل الناس على قارعة الطريق ويدعى إلى الأعراس ببغداد للرقص وتسلية الناس، فلما كبر وشاخ حدثهم عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو في مائة الثالثة- فتهافتوا عليه ( لسان الميزان 1/119) وهكذا وجد من ادعى الصحبة وهو في المائة الخامسة، ومن ادعى أنه تابعي رأى عددا من الصحابة، وقال إنه عمر مائتي سنة وثلاثمائة سنة الخ كما سيأتي، وقد قال الحافظ الذهبي في «الميزان» 4/ 522: وما يعنى برواية هذا الضرب ويفرح بعلوها إلى الجهلة. وقال في موضع آخر: «متى رأيت المحدث يفرح بعوالي أبي هدبة إبراهيم بن هدبة وخراش ودينار إلخ فاعلم أنه عامي»، ويمكن القول بكل صراحة ووضوح إنه وقع في القرون المتأخرة شبه انفصال بين دراسة علوم الحديث رواية ودراية الدراسة الحقة المعروفة لدى الجميع، وبين التعاطي المجرد للبحث عن الأسانيد العالية، فالمحدثون الذين يعتبر البحث في الإسناد من أولى مهماتهم، قصدهم من ذلك أن يتعرفوا على رجال السند ويقوموهم تعديلا وجرحا لتوثيق السنة النبوية وإزالة الشوائب عن روايتها، ولذلك تطلبوا الإسناد العالي، فالسند عندهم وسيلة لا غاية.
     أما هؤلاء فالسند عندهم غاية في حد ذاته، ولذلك ففنهم لا علاقة له بالحديث وعلومه إلا من جهة استعارة بعض الألفاظ الإصطلاحية لفنهم كالعلو والنزول والمصافحة والمساواة الخ ولذلك كان فنهم ينحصر في إسناد الكتب والدفاتر والقصائد والاوراد والأدعية والأذكار إلى أصحابها بأقصر طريق، وهو عمل جيد في مجال توثيق تلك الكتب والدفاتر والحفاظ على السند الذي خص الله به هذه الأمة، ولكن للاستفادة من ذلك المروى وهو عمل العلماء الجادين، أما الباحث في مجرد الإسناد، من ذلك المروى وهو عمل العلماء الجادين، أما الباحث في مجرد الإسناد، فقد أصبح ذلك عنده هواية أكثر منه علما، ولذلك تعاطى- في الغالب- هذه الهواية وجهاء المنتسبين إلى العلم وأغنيائهم، لأنها تتطلب رحلات وأسفارا وكتابات وبحثا مضنيا عن أصحاب الإسناد العالي مما لا يتهيأ- غالبا- لمطلق العلماء، وكل هذا أدى –كما تقدم- إلى تشجيع من يريد الحظوة عند هؤلاء أن يدعى علو الإسناد وبلوغ السن المعينة لذلك، ول أدى الأمر إلى تجاوز السن المعتادة، ومن لم تساعده هيأته على ادعاء كبر السن ادعى انفراده عن مسنين كما سيظهر مما يلي :

     ثانيا : تقسيم المدعين للتعمير
     يمكن تقسيم المدعين للتعمير إلى قسمين: قسم ادعى التعمير بنفسه أي أنه موجود بالفعل شاهده الناس واجتمعوا به ورووا عنه فهو ثابت تاريخيا، وقسم لا وجود له حقيقة ولا رآه أحد غير المدعى لوجوده، ولا أمكن إثباته تاريخيا، فهو مختلق أضفى عليه مختلفه من العلم والجلالة وعلو السند ما يحقق هدفه من الانفراد بالعلو من جهته والأعراب على أهل عصره إلى غير ذلك من أهداف الكثيرة المتوخاة من هذا الإدعاء.
• فمن القسم الأول :
     1) خواجة رتن بن ساهوك بن جكندريق الهندي البرتندي، ظهر بعد الستمائة وادعى الصحبة ومات سنة
632 وقد أطال الحافظ بن حجر في ترجمته من (الإصابة 1/ 532) و (لسان الميزان : 2/540) روى عن هذا الرجل عدد من الأحاديث، وانتخب بعضهم من أحاديثه أربعينا، وكذب عليه الكذابون وأضافوا إلى أتى به أمثال أمثاله، وألف فيه الحافظ الذهبي جزءا سماه: «كسر وثن رتن» لخصه ابن حجر في اللسان، ومما قاله الذهبي في ترجمته من «الميزان : 2/ 45: رتن الهندي، وما أدراك ما رتن، شيخ دجال بلا ريب، ظهر بعد الستمائة فادعى الصهبة، لا يكذبون، وهذا جريء على الله ورسوله، وقد ألفت في أمره جزءا.. ومع كونه كذابا فقد كذبوا عليه جملة من أسمج الكذب والمحال).
     وألف في بيان كذبه أيضل : أبو المحاسن محمد بن علي ابن حمزة الحسيني الدمشقي تأليفا سماه «الجوانب عن الشيخ النجدي (2) رتن الهندي».
     2)- الربيع بن محمد المارديني ادعى الصحبة والتعمير في سنة 599 ومات سنة 652، وترجمته في (الميزان: 2/42 ولسانه 2/ 446) وصفه الذهبي بالدجال المفتري.
     3)- دخل إلى الأندلس سنة 329 رجل أسود من ناحية السودان قال إنه منصور بن خزامة مولى رسول الله (ص) وأنه أدرك عثمان بن عفان إذ كان مراهقا في أيامه، وكان مع عائشة يوم الجمل وشهد صفين وخرج عن الأندلس إلى المغرب في سنة 330.
     نقل هذا عن ابن بشكوال المقري في (نفح الطيب 4/10) وقال «قلت: هذا كله لا أصل- أي ادعاء التعمير- ويرحم الله حافظ الإسلام ابن حجر، حيث كتب على هذا الكلام ما صورته هذا هذيان لا أصل له، وكذلك ترجمته أشج الغرب، اتفق الحافظ على كذبه»، وقد ذكر منصور هضا ضمن التابعين الذين دخلوا الأندلس كما في نفح الطيب وغيره.
     4)- عبد الله بن محمود بن محمد، ظهر بعد الستمائة وقال : إنه لقي بعض التابعين ولعله الذي ذكره ابن الأبار في «التكملة» (2/ 307 ط المغرب) باسم عبد الله المعمر وقال : «إنه أطرأ على الأندلس في آخر الزمان وكان يزعم أنه لقي التابعين» وروى عنه محمد بن محمد بن أسد الجهني). وانظر(لسان الميزان 3/ 356).
     5) – دينار أبو مكيس الحبشي حدث سنة 240 عن أنس ن مالك بأحاديث موضوعة بلغت نحو 250حديثا، وقال إنه خادمه. (الميزان 2/30 واللسان 2/ 395).
     6)- يغنم بن سالم بن قنبر حدث في زمان الإمام مالك عن أنس أيضا، وقال إنه مولى علي بن أبي طالب كما في (لسان الميزان 6/ 169-315).
     ولهؤلاء أشباه ونظائر كثر يمكن العثور عليهم بسهولة في كتب التراجم التواريخ، وقد استوعب الكثير منهم الحافظان الذهبي وابن حجر في «الميزان» ولسانه.
     وقد نظم بعضهم الحافظ السلفي في بيتين فقال :
     حـديث ابن نبسطـــور ويسر ويغنـم
                   وإفـــك أشج (3) الغــرب ثم خراش
     ونسخــة دينــار ونسخـة تربـــة
                   أبـي هـدبة القيسـي شبــه فـــراش
     وذيلهمـا محمد بن جـار الوادياشي بقوله:
     رتــن ثامن والمـاردينـي تاســــع
                   ربيـعبن محمــود وذلـــك فــاش
     وقال الحافظ ابن ناصر الدين في نفس الموضوع
     إذا جــاء مرفوعــا حديث لستــة
                  ولا تقبـــــل فــذاك تخـــــرص
     رتـن وبن نسطــور، ويسر ومعمــر
                 وســـربـاتك ثم الربيــع المقلـــص
     ولا تقبلـــوا عن صــاحب قول نجدة
                 أبي خــالد دار ابن هـدبة يـرقـــص
     والملاحظ أن اهتمام المتقدمين- بصفة عامة- بهذا الصنف لم يكن كبيرا وخاصة العلماء منهم، على عكس المتأخرين، فإن غالب أصحاب الإثبات والفهارس والمشتغلين بالإسناد المجرد ركنوا إلى هذا الصنف من الرواة، وافتخروا بالعلو الحاصل من جهتهم وأثبتوا ذلك في معاجمهم وبرامج مروياتهم وفهارسهم وكأنهم لبعد
زمانهم من عصر الرواية ولا جمع أرادوا أن يختصروا الطريق بكل الوسائل.
     وكمثال على ذلك نذكر هذين النموذجين وهما من القسم الأول.
     7)- بابا يوسف الهروي بسه صد سالة، أي المعمر برهان الدين إبراهيم الكردي الشهرزوي المتوفى سنة 1102 في ثبته : رواياته لصحيح المعمر الصوفي عبد الله بن ملا سعد الله اللاهوري نزيل المدينة المنورة... عن الشيخ قطب الدين محمد بن أحمد النهروالي عن الحافظ نور الدين أبي الفتوح أحمد بن عبد الله بن أبي الفتوح الطاوسي عن الشيخ المعمر بابا يوسف الهروي عن الشيخ المعمر محمد بن شاد بخت الفرغاني عن تامعمر أبي لقمان يحيى بن عمار من مقبل بن هاشان الختلاني بسماعه عن الفريري عن البخاري، فبيننا وبين البخاري ثمانية، وأعلى أسانيد ابن حجر أن يكون بينه وبين البخاري سبعة، فباعتبار العدد كأني سمعته من الحافظ ابن حجر وصافحته، وكأن شيخنا اللاهوري سمعه من التنوخس وصافحه وبين وفاتيهما مائتا سنة وبضعة وثمنون، وهذا عال جدا، وأعلى أسانيد السيوطي أن يكون بينه وبين البخاري ثمانية، فساويت فيه السيوطي والحمد لله).
     وقد فرح بهذا العلو الكبير عدد ممن أتى بعد الكوراني كالشيخ عبد الله بن سالم البصري المتوفى سنة 1134، كما في ثبته المسمى بـ: «الإمداد بمعرفة علو الإسناد ص: 49». والشيخ صالح الفلاني المتوفى سنة 1218 في ثبته «قطف الثمر ص: 13 «بل إن العلامة الشوكاني المتوفى سنة 1250- وهو الناقد البصير- افتخر بهذا العلو ونقل كلام الكوراني مسلما له كما في ثبته? إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر ص: 61).
     وقد بين الشيخ عبد الحي الكتاني- رحمه الله- أهمية هذا السند عند المتأخرين فقال في «فهرس الفهارس 2/ 949 ط: ثانية» (وقد اعتمد الناس هذا السند وتلقوه بالقبول، من زمن الكوراني إلى الآن بالحجاز والشام واليمن والهند والمغرب وغيرها من بلاد الإسلام حتى قال عنه مسند الحجار الشيخ صالح الفلاني حسنما نقله عنه مسند مكة عمر بن عبد الرسول في ثبته: هذا أقصى ما وجدته من أقصى المغرب إلى الحرمين، وقال تلميذه محدث الشام الوجيه الكزبري في ثبته: قد تلقى الأئمة الكبار الفحول هذا السند بالقبول). ثم أبدى الشيخ الكتاني إشكالات عدة تعمير بابا يوسف وعلى اتصال هذا السند.
     والطريف في هذا الباب أن مسند العصر الشيخ ياسين الفاداني المكي- رحمه الله- نقل في تعليقه على( ثبت الأمير الكبير ص: 30 (وهذه الطريقة لم تبلغ الحافظ ابن حجر ولا السيوطي...).
     ولعله أراد أن يظهر بذلك امتياز من أحرز على هذا السند العالي على ابن حجر والسيوطي، مع أن ذلك دال على جديتهما ومصداقيتهما في هذا الباب، وتحرج الحافظ ابن حجر من أسانيد المعمرين، وعيبه على من فرح بها من العلماء نعروف، وسيأتي ذكر بعضه.
     8)- الشريف عبد العزيز الحبشي، عاش أكثر من خمسمائة عام، يقول الشيخ عبد الحي الكتاني في (فهرس الفهارس 1/ 243 ط: أولى) أخبرنا العالم الفاضل سليل المجد والرفعة السيد أحمد الشريف بن محمد الشريف بن الأستاذ محمد بن علي السنوسي الخطابي الطرابلسي في كتابه إلي من بلاد الأناظول، أن جده المذكور- محمد بن علي السنوسي- أخذ عن شريف معمر اسمه عبد العزيز نزيل أرض الحبشة عاش أزيد من خمسمائة سنة، كتب للشيخ السنوسي إجازة عامة كما هي له ابن حجر الحافظ، وأن الرجل المذكور مات في 21 صفر سنة 1276 بعد موت جده المذكور بثلاثة عشر يوما) ويضيف صاحب (فهرس الفهارس) قوله : «ثم وجدت السيد أحمد السنوسي المذكور نقل في ثبه عن جده الأستاذ السنوسي في حق عبد العزيز المذكور أنه ولد بوادي فاطمة في القرن الثامن سنة 56 وعاش من العمر خمسمائة وعشرين سنة» وأضاف: «ونقل لي السيد أحمد الشريف صورة إجازة المعمر المذكور لجده وهي عامة فعلى هذا، نروي عن المعمر الناسك عبد الهادي بن العربي داود عن الأستاذ السنوسي عن الحبشي المذكور عن الحافظ ابن حجر».
     ثم رجح الأستاذ الكتاني، أن هذا الحبشي هو الذي ذكر محمد الأمين الصحراوي الشقنيطي أالحاج عمر بن سودة حدثه عنه بدكالة عام 1284 حيث قال : «إنه رأى أيام موسم الحج بمكة رجلا جاء من الحبشة له من العمر نحو ستمائة سنة وأنه تسقط أسنانه بمدة وتنبت في موضعها أسنان أخرى».!؟

     * ومن القسم الثاني المختلق :
     1)- جعفر بن نسطور الرومي أو نسطور الرومي، اختلقه منصور بن الحكم قال الذهبي في (الميزان 4/183) : منصور بن الحكم عن جعفر بن نسطور طير غريب منهم بالكذب، روى اسماعيل النجمي بن الحكم الفرغاني سمعت جعفر بن نسطور الرومي قال كنت مع رسول الله (ص) في تبوك، فسقط سوطه فنازلته، فقال : مد الله في عمرك، قال: فعاش ثلاثمائة وأربعين سنة، هذا باطل، والظاهر أن جعفر بن نسطور لا وجود له... وروى علي بن الحسين الكاشغري عن سليمان بن نوح المرغيناني عن منصور بن الحكم عن جعفر بن نسطور بنسخو مكذوبة سمعها السلفي ببغداد عن شيخ عن آخر عن علي هذا رفيقان مجهولان».
     وقال في حرف النون : (نسطور الرومي وقيل جعفر بن نسطور كما تقدم. هالك أولا وجود له أبدا...) وانظر لسان الميزان 2/ 130- 6/ 150.
     2) خراش بن عبد الله الذي ورد ذكره في بيتي أي طاهر السلفي السابق وقد اختلقه أبو سعيد العدوي قال الذهبي في الميزان (1/ 631): (خراش بن عبد الله عن انس بن مالك، ساقط عدم ما أتى به غير سعيد العدوي الكذاب، ذكر أنه لقيه سنة بضع وعشرين ومائتين) وانظر ترجمة العدوي في 1/ 306)
     وقال ابن عدي في «(الكامل 2/ 750)» في ترجمة أبي سعيد العدوي (يضع الحديث ويسرق الحديث ويلصقه على قوم آخرين، ويحدث عن قوم لا يعرفون، وهو متهم فيهم أن الله لم يخلقهم) وقد أطال ابن عدي في ترجمته والكلام على أحاديثه.
     3)- عمار المعمر، قال الغبريني في عنوان الدراية في ترجمة على ابن أبي نصر فتح بن عبد الله من أهل بجاية المتوفى سنة 652 ص: 140) ( وذكر الشيخ الصالح أبو عبد الله ابن القائد القصار- رحمه الله- قال: حضرت مع السيدين الصالحين العالمين أبي زكرياء الزاوي وأبي الحسن بن أبي نصر فتح بن عبد لاله، نفح الله بهما ورضي عنهما في عام خمسة وستمائة مجلسا سأل فيه الشيخ أبو زكريا الشيخ أبا الحسن عن رحلته إلى المشرق، وما رأى من الغرائب وما شاهد من العجائب فقال له: حضرت بعض دروس العلم في عام اثنين وستمائة، مع حفيد من 
حفدة سلالة الشيخ الطاهر المبارك عمار المعمار بما سبق له من بركة دعاء النبي (ص) ورغبت منه يؤينيه لا تبرك به ففعل ودخلت معه إليه- رضي الله عنه- فوجدته في مهد ملفوفا بقطن وعيناه تتقدان كأنهما اليواقيت، ولحيته كحلاء وقد تجددت بعد سقوطها فسلمت عليه فرد علي فقال له حفيده: يا جداه: هذا طالب من المغرب يقرأ معي. وقلت له يا سيدي: أنت رأيت سيد الأولين والآخرين محمد (ص) فعساك تحدثني حديثا أرويه عنك وأرويه، فقال: نعم كان سيدنا رسول الله (ص) يوصينا أن مكثر من القرآن بسور القلائل، ويقول: هي أمان من القفر «قال الغبريني : «قلت هذه رتبة عظيمة حصلت لهذا العلم فإنه يعد بها من التابعين وهذه القضية معلومة النقل عن الشيخ رحمه الله». فهذا المعمر قيل إنه لا وجود له وإنما اختلقه بعض من في السند والله أعلم
     4/5)-معمر بن بريك ومعمر آخر يكنى أبا عبد الله وهما دائران بين الموجود والمختلق فقد أسند الذهبي من طريق السنجاريين عن عبد الله بن موسى السنجاري، سمعت على بن إسماعيل السنجاوي يقول- بسنجار- في سنة تسع وعشرين وستمائة قال : سمهت معمر بن بريك سمع النبي (ص) يقول: يشيب المرء ويشب منه خصلتان الحرص والأمل، ثم ذكر أحاديث أخرى وقال : (فهذا نمط رتن الهندي فقبح الله من يكذب). (الميزان 4/ 156). وعقب عليه الحافظ في : (اللسان 6/ 86) بقوله: « وقد وقع هذا في المغرب محدث شيخ يقال له أبو عبد الله محمد الصقلي قال صفاحني شيخي أبو عبد الله معمر، وذكر أنه صافح النبي (ص) وأنه دعا له فقال له عمرك الله، فعاش أربعمائة سنة... فهذا كله مما لا يفرح به من له عقل».
     ثم ذكر الحافظ معمرا آخر وأسند عنه أحاديث ثم قال: «وكل ذلك مما لا أعمد عليه ولا أفرح به ولا أذكره إلا استطرادا إذا احتجت إليه للتعريف بحال بعض الرواة».
     ثالثا : مدى إمكان التعمير وتصديق المعمرين، وأقوال العلماء في ذلك.
     التعمير الكثير الذي ذكرنا نماذج منه، ممكن من الناحية العقلية كما نقل صاحب «فهرس الفهارس 1/ 243ط أولى» بحثا مطولا للسيد مرتضى الحسيني صاحب الأمالي المتوفى سنة 436 في التعمير وإمكانه مرجحا له من الناحية العقلية».
     والواقع أنه لا نزاع في إمكانه عقلا، لأن الإمكان العقلي يتسع لأكثر من ذلك والقاعدة عند العلماء أن الأمر إذا كان ممكنا عقلا وثبت عن ثقة فلا مانع من تصديقه، ما لا يرد عن الشرع ما ينفيه».
     وأدلة الشرع تنفي إمكان هذا التعمير المدعى بالنسبة لمن ادعى الصحبة فقد قال (ص) للصحابة كما في الحدث الصحيح «إن على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها أحد» وآخر من مات من الصحابة أبو الطفيل سنة 110 كما ابن حجر في تقريب التهذيب، وأما بالنسبة إلى غيرهم فقد تقدم قوله (ص) : ( أعمار أمتي بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك) ولذلك نجد المعمرين الذين بلغوا المائة أو جاوزوها بعشر سنين وعشرون سنة قليلين جدا في العلماء والرواة بل في مطلق الناس، قال علي القري في «مرقاة المفاتيح 5/ 75» شارحا قوله (ص) : «وأقلهم من يجوز ذلك» «أي السبعين، فيصل إلى المائة فمن فوقها، وأكثر ما أطلعنا على طول العمر في هذه الأمة من المعمرين في الصحابة والائمة، سن انس بن مالك، فإنه مات وله من العمر مائة وثلاث سنين، وأسماء بينت أبي بكر ماتت ولها مائة سنة، ولم يقع لها سن ولم ينكر في عقلها شيء، وأزيد منه عمر حسان بن ثابت مات وله مائة وعشرون سنة عاش منها ستين في الجاهلية وستين في الإسلام، ثم ذكر سليمان الفارسي والاختلاف في سنة وقال: «وقد أدركنا سيدنا السيد زكرياء وسمعنا منه أن عمره مائة وعشرون سنة».
     وعى القاري من العلماء المتأخرين إذ مات سنة 1014 هجرية فأحاط بأخبار القرون العشرة قبله وقال: «وأكثر ما أطلعنا على طول العمر في هذه الأمة من المعمرين في الصحابة والأئمة الخ ما تقدم ولم يلتفت إلى من ادعى أنه عمر مائتي سنة وثلاثمائة وخمسمائة الخ لأن ذاك لم يثبت عن ثقة، وهو مع ذلك ينافي ما قرره الحديث الشريف.
     أما سليمان الفارسي رضي الله عنه فقد أكد نقاد الحفاظ أن عمره لم يزد على الثمانين قال الحافظ ابن حجر في «الإصابة»2/ 62 » نقلا عن الحافظ الذهبي في حق سلمان الفارسي: «وجد الأقوال كلها دالة على أنه جاوز المائتين وخمسين سنة، والاختلاف إنما هو في الزائد، ثم رجعت عن ذلك وظهر لي أنه ما زاد على الثمانين» «وقد سلمه الحافظ ابن حجر بالسكوت عنه، وقال الذهبي أيضا في«سير الأعلام النلاء: 1/ 555» بعد ذكره للترجمة مطولة لسلمان الفارسي- رضي الله عنه-: «ومجموع أمره وأحواله وغزوه وهمته وتصرفه وسفه للجريد وأشياء مما تقدم ينبيء بأنه ليس بمعمر ولا هرم، فقد فارق وطنه وهو حدث، لعله قدم الحجاز وله أربعون سنة أو أقل فلم يشب أن سمع لابني (ص) ثم هاجر، فلعله عاش بضعا وسبعين سنة، وما أراه بلغ المائة، فمن كان عنده علم فليفدنا، وقد نقل طول عمره أبو الفرج بن الجوزي وغيره، وما علمت في ذلك شيئا يركن إليه».
     هذا هو التحقيق العلمي المبني على الأسس والقواعد المنهجية التي امتاز بها أئمتنا وعلماؤنا من السلف الصالح وخاصة نقاد الحديث الذين ذبوا عن سنة رسول الله (ص) الكذب والتحريف والتزيد والاختلاف، فهم بعدا كل البعد عن الذي يصدق حكافات العجائز والقصاص عن الذي تسقط لحيته وتنبت أخرى وتسقط أسنانه تنبي أخرى مكانها، وهو ملفوف في قطن ومعبق في قفة الخ هذه السخافات، فتصديق هؤلاء والتماس المخارج لها بالافتراضات العقلية يخرج بالعالم عن دائرة البحث العلمي الجاد فيختلص الجد بالهل وتتمع أصول العلم وقواعده وينهدم بناه أئمتنا- رضي الله عنهم- مما يفخر به المسلمون من نقد متين مبني على التثبت والتحري والتنقيب المضني والاستقرار الناتج عن التعب بسهر الليالي وشد الرحال وقطع المسافات الطويلة للتحقق من خبر أو معرفة حال راو واحد كما هو معروف، نترك كل ذلك وننتظر أن يأتينا دجال مخرف فيزعم أنه عمره خمسمائة سنة فصندقه ونفرح بالعلو الآتي من جهته وندافع عن دعاه بأن العقل لا يمنع ذلك، فرحم الله ابن معين وابن المديني وابن حنبل والبخاري وأبا زرعة والدارقطني وابن القطان والذهبي وابن حجر وأمثالهم من نقاد الحفاظ ما أجلهم وأعظم خدمتهم لدين الله وسنة نبيه عليه السلام بما أسسوا وأصلوا وبينوا وفلاعوا فأبعد عنهم الخرافات والترهات والخزعبلات ولذلك لا يوجد في الأصول المسندة لائمة الحديث الثقات من هذه العوال حديث واحد كما في «فتح المغيت للحافظ السخاوي 3/ 10» وقال الحاكم أبو عبد الله (صاحب المستدرك) «في معرفة علوم الحديث» ص: 9.
     «فأما معرفة العالية من الأسانيد فليس ما يتوهمه عوامل الناس يعدون الأسانيد فما وجدوا منها أقرب عددا إلى رسول الله (ص) يتوهمونه أعلى «ثم مثل بعدد من نسخ المعمرين ومنها نسخة أبي الدنيا اإشج مترجمنا وقال:
     «وفي الجملة أن هذه الأسانيد وأشباهها كخراش بن عبد الله وكثير من سليم ويغنم بن سالم بن قنبر مما لا يفرح بها ولا يحتج بشيء منها وقل ما يوجد في مسانيد أئمة الحديث حديث واحد عنهم».
     وقال السخاوي أيضا: «ومن العجب أن شيخ شيوخنا السرج ابن الملقن- مع جلالته- عقد مجلس الأملاء، فأملى كما قال شيخنا (ابن حجر) المسلسل بالأولية، ثم عدل إلى أحاديث خراش وأضرابه من الكذابين فرحا بعلوها، قال شيخنا: ( وهذا مما يعيبه أهل النقد ويرون أن النزول حينئد أولى من العلو لأنه عندهم كالعدم).
     وما يقال عن المستقدمين من أدعياء التعمير من عدم تصديق الأئمة لهم، يقال عن المتأخرين كسد صه صالة وعمار المعمر ورتن وسرباتك الهنديين والشيخ عبد العزيز الحبشي المعمر خمسمائة عام والذي تسقط له أسنان وتنبت أخرى وأضربهم ممن يتسع المقام لذكرهم.

     رابعا : أبو الدنيا الأشج.
     يعتبر هذا المعمر من القسم الأول الموجود يالفعل، وهو من أشهر المعمرين وأكثرهم ذكرا في الكتب بعد خراش، نظرا لكثرة تجواله وطرافة أخباره وعظيم تناقضاته، ثم ولوع الكذابين به بصفة خاصة وإعجابهم بعبقريته وضمنهم زيادات إلى قصته، وبسبب تلك الناقضات والزيادات يخال المرء أنه أشخاص لا شخص واحد. (4)
     واول ما يطالع الباحث في ترجمته الاختلاف في اسمه واسم أبيه وبلدته، بحسب تضارب أقواله هو نفسه أو بحسب الغضافات والزيادات فقد أورده الخطيب في تاريخ بغداد باسم : عثمان بن الخطاب بن عبد الله بن العوام أبو عمرو البلوي الأشج المغربي المعروف بأبي الدنيا، وكذلك هو عند الحاكم في علوم الحديث، وما نقله الإمام أبو عمرو الداني عما وجده في كتب بعض مشايخه من أهل المضرق، وما نقله أبو نعيم الأصفهاني عن المفيد محمد بن أحمد بن يعقوب الذي سأل بعض من معه من أصحابه ببغداد عن اسمه.
     ويظهر أن هذا كان اسمه بالمشرق أما عند المغاربة فاسمه علي بن عثمان بن خطاب الاشج، قال القاضي عياض في «الغنية» في ترجمة إبراهيم اللواتي ابن الفاسي : «إنه قرأ شيخه هذا نسخة حديث أبي الدنيا المعمر علي بن عثمان بن خطاب الأشج قال : «وحدثنا بها أيضا الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد عن القاضي يونس بمثله كذا سماه لنا علي بن عثمان، وكذا سماه لنا ابن سهل في فهرسته وابن عتاب في فهرسته».
     وابن خير يذكره في فهرسته مرة باسم علي ومرة باسم علي ومرة باسم عثمان بحسب الرواة عنه، ثم قال : «فالله أعلم بصواب ذلك».
     فإذا جئنا إلى بلدته، وجدناه يقول مرة إنه من المغرب من طنجة وهذا هو المشتهر عنه، ومرة يقول إنه من تونس من كورة مرندة ومرة يقول إنه من صعدة باليمن، ومرة يقول: إنه ولد باليمن في خلافة أبي بكر- رضي الله عنه- ثم تحول إلى المغرب وهكذا نجد الاختلاف في سنه من 295 إلى 350 إلى 400.
     وإذا أردنا أن نجمع بين خيوط قصته ونؤلف منها صياقا منسجما بعد طرح التعرجات الكثيرة في ترجمته، أمكننا أن نصنفها على الشكل التالي:
     ولد بطنجة في خلالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وبها نشأ فلما شب خرج مع أبيه للحج، ولما وصلا مصر بلغتهم حرب علي ومعاوية فجلسا بمصر مدة حتى ينجلي الموقف، فيقصدا علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- قلما طال بهما الانتظار رحلا إلى الشام وقصدا عسكر علي- رضي الله عنه- وفي الطريق إليه يوم شديد الحر عطش أبوه، فذهب يبحث له عن ماء، وبينما هو يبحث رأى عينا تشبه الركية فطرح نفسها فيها واغتسل وشرب من مائها، وعندما رجع إلى أبيه وجده قد مات فواراه وانصرف وحده إلى علي كرم الله وجهه فدخل العسكر ليلا، فلما كان من الغد جاء خيمة علي فوقف على بابها، وخرج علي فقدم له أبو الدنيا بغلة النبي (ص)، فهم أن يركب، فأسرع ليقبل ركابه، فنفحه بركابه فجشه التي عرف بها بعد ثم نزل علي وصاح: إدن مني فأنت الأشج فدنا منه فأمر يده عليه ثم قال: حدثني بحديثك فحدثه بما كان منه ومن أبيه، فقال: يا بني تلك عين الحياة اللهم عمره ثلاثا، ثم قال له، أنت المعمر أبو الدنيا، وفي صيغة مقاربة: أنه ضل الطريق وزل عن أبيه فلقي رجلا في فلاة من الأرض، وقد ظمئ فدله على ماء فشرب منه أربع غرف فقال له: أنت تعيش أربعمائة سنة..
     وفي تاريخ بغداد عن المفيد أنه ولد بمرندة وأنه ذهب مع أبيه إلى علي بالكوفة أو بالأرض التي هو بها وأنه شرب من العين المذكورة سابقا ثم أتى أباه ليأخذه إليها فتاها عنها إذا اختفت بعد أن شرب هو منها وظلا يبحثان عنها في الصحراء حتى تعب أبوه فمات، الخ وهناك صيغ أخرى كما تقدم.
     ثم إن الملاحظ أن هذا الرجل ظهر أول ما ظهر سنة 310 ضمن وفد الحجاج المغاربة (5) بالمدينة حيث اجتمع عليه أهل الموسم من بغداد  وخرسان وغيرهما. وذكر أبو القاسم يحيى بن علي الطحان في ذيل تاريخ  مصر لابن يونس أنه قدم من المغرب ودخل مصر في هذه السنة.
     ثم ظهر بالقيروان سنة 311 والغالب أن ذلك عند رجوعه من الحج حيث روى عنه بها أبو جعفر تميم ولد أبي العرب التميمي ثم قدم قرطبة على الحكم المستنصر أيام كان وليا للعهد، وكتب عنه ابن القوطية دفترا من مغازي علي وأخبار الصحابة، فلما لم يرفع به المستنصر رأسا خرج وجاز البحر إلى المغرب، والظاهر أنه رحل بعد ذلك إلى المشرق واستقر ببغداد مدة، وهناك أكثروا من الروايه عنه، وبإحدى المشرق كانت وفته إذ لم يسمع له بعد رحيله عن قرطبة ذكر في المغرب والأندلس.
     أما وفاته فقد جزم الذهبي بأنها كانت سنة 327 فما قيل من أنه ظهر سنة 351 بالحجاز أو أنه مات سنة 476 أو جاوز الخمسمائة فلم يثبت ذلك من طريق يصح.
     وقد ادعى زيادة على ما تقدم من قصته مع علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه- وشربه من عين الحياة الخ أنه رأى أبا بكر وعمر وعثمان وكثيرا من الصحابة ما عدا رسول الله وفاطمة عليها السلام، ولا أدري كيف رأى أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وقد ولد بالمغرب في خلافة أبي بكر ورحل في خلافة علي وهو شاب؟ ثم ادعى أنه رأى عائشة- رضي الله عنها- طويلة بيضاء بوجهها أثر جدري وسمعها تقول لأخيها محمد يوم الجمل أحرقك الله في الدنيا والآخرة، وسمع عثمان يقول لمحمد بن أبي بكر وقد أخذ بلحيته: حل عنها، فقد كان أبويكرمها، ورأى الأشتر النخعي وقد طعن عثمان بسهم، ورأى عليا يصلي ويسلم تسليمة واحدة ويرفع يديه رفعا واحد وقد وصف عليا رضي الله عنه بغير ما هو معروف من نعته.

     أحـاديـثه
     روى الناس عنه بالأندلس والمشرق نسخة (6) عن علي عن النبي (ص)، وأغلب أحاديثه معروف من طريق غيره وفيه الصحيح والضعيف والموضوع، ومنها: أحبب حبيبك هونا ما الحديث.
     النفخ في الطعام والشراب حرام، والنبيد حرام والديباج والخصيان حرام.
     وما كان رفع العرش إلا بحب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.
     سيكون في آخر الزمان علماء يرغبون في الآخرة ولا يرغبون فيها ويزهدون في الدنيا ولا يزهدون فيها!؟
     إلى غير ذلك من الأحاديث المروية عنه عن علي في غالب المصادر التي ترجمت له.
     ثم إن بعض الرواة عنه حاول أن يدافع عن تعمره ويثبت صدقه بمحاولات متكلفة لا تفيد الرجل شيئا لأن أولئك الرواة نفسهم متهمون كأبي بكر المفيد الذي تقدم أنه روى عنه ببغداد فقد قال :
     «كان معه شيوخ من بلده، فسألتهم عنه فقالوا: هو مشهور عندنا بطول العمر، حدثنا بذلك أباؤنا عن أبائهم عن أجدادهم وأن قوله من لقيع علي بن أبي طالب معلوم عندهم أنه كذلك». والمفيد هذا له ترجمة مظلمة في ميزان الذهبي «3/ 460».
     وكأبي جعفر تميم بن أبي العرب التميمي الذي قال: إن صاحب القيروان أمر بإخراج البرد إلى زويلة ومرندة يسأل عن صدق هذا المعمر فيما ادعاه من طول العمر، فرجعوا يقولون عن القوم أنهم يعرفونه وأن شيوخهم يذكرون عن آبائهم وأجدادهم أنه يصدق، وأنه سمع القاضي عبد المجيد بن عبد الله يقول: لم يزل الشيوخ الذين أدركناهم ببلدنا يعرفون هذا المعمر.
     وتميم هذا هو ولد الحافظ أبي العرب التميمي صاحب «طبقات علماء أفريقية» وقد تحول إلى قرطبة بالأندلس وتوفي سنة 369 وحدث بها بكتب أبيه فكذبه أخوه الثقة تمام، وقال لمن قدم عليه القيروان من الأندلسيين: كل شيء رواه أخي عندكم عن أبيه فهو كاذب لم يسمع من أبيه حرفا واحدا، وممن تكلم فيه ابن الفرضي في تاريخه والقاضي عياض في المدارك وابن صابر في تاريخ مالقة، فانفرد بهذه الحكاية في تأييد أبي الدنيا غير مفيد له إلا تشعيب حكايته حتى كأنه أشخاص متعددون، ولولا أن أصل وجوده ثابت لا يبقى معه شك لقيل- بسبب تزيد الناسب في قصته- إنه من القسم الذي لا وجود له، وقد قيل ذلك بالفعل فقال منصور بن سليم (7) في تاريخ «إن هذا المعمر لا يصح وجوده عند علماء النقد».
     والحق أنه موجود إلا أن التضارب الواقع في قصته حمل هذا الحافظ وعلماء النقل الذين حكى عنهم على الاعتقاد بأنه غير موجود وعذرهم واضح.
     والواقع أن الرجل بلغ المائة أو زاد عليها والثقات الذين شاهدوه في موسم الحج قالوا إن أثر الكبر يدل على أنه ممن عمر فوق المائة، أما أنه بلغ الحد المدعى أو خرج عن المألوف في التعمير، فهذا الشيء لميثبت لا له ولا لغيره، ولذلك كذبه النقاد وكذبوا أمثاله ممن ادعى ذلك.

    
تنبيـه :
     هناك أشج آخر معمر أيضا شبيه بهذا قد يختلط به وهو أبو عبد الله زيد تميم الكلابي الأشج ركابي أمير المومنين علي بن أبي طالب قال في سنة 587 إن عمره 520 سنة في الإسلام خاصة بعد الجاهلية، ولعل قول الحافظ السلفي في أحد البيتين الذين تقدم ذكرهما: «أشج الغرب» أراد أن تمييز معمرنا أبي الدنيا عن هذا الأخير والله أعلم.
                            
                                           
. *) وقع سهو في العدد الماضي 347 يتعلق بذكر الأستاذ على انه قيدوم كلية أصول الدين بتطوان فمعذرة.
1) علو الصفة لا ينظر فيه إلى العدد بل إلى صفة الراوي كأن يكون أفقه أو أحفظ أو أتقن أو أضبط أو أكثر مجالسة... /4 .... للمروي عنه إلخ .
1 ) علو الصفة لا ينظر فيه إلى العدد بل إلى صفة الراوي كأن يكون أفقه  أو أحفظ أو أتقن أو أتقن أو أضبط أو أكثر مجالسه.../4... للمروي عنه الخ.
2 ) يقصد بالشيخ النجدي : الشيطان، لأنه أتى في صورة شيخ نجدي إلى قريش حينما أرادوا سواء بالنبي (ص)
3 ) أشج الغر هو أبو الدنيا الأشج موضوع عنوان هذا  البحث.
4 ) تعرضت مصادر كثيرة لترجمته وسأقتصر منها على ذكر المصادر التي أمكن تكوين  ترجمة متناسقة نوعا ما له منها، لأن تتبع المصادر وعزو الأقوال إليها في ترجمته يشوش على الذهن، وتلك المصادر هي :- تاريخ بغداد للخطيب 11/ 297- معرفة علوم الحديث للحاكم  ص: 10- الغنية للقاضي عياض ص: 21 فما بعدها- فهرست ابن خير ص: 169 ميزان الاعتدال للذهبي 3/ 33 و 145 و 4/ 522- لسان الميزان لابن حجر 4/134 و 243- تذكرة الحفاظ للذهبي 3232- تاريخ مكة للفاسي 5/ 503- نفح الطيب 4/ 10 ط محي الدين عبد الحميد.
5 ) والمقصود المغرب العربي الكبير فيصدق على طنجة وعلى مرتدة بتونس والمشارقة يطلقون على الجميع: اسم المغرب.
6 ) نسخة من اصطلاح المحدثين هي التي تروى يسند واحد كنسخة همام بن منبه عن أبي هريرة ونسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ونسخة بهز ابن حكيم عن أبيه عن جده الخ.
7) منصور بن سليم الهمداني الاسكندراني الحافظ، له تاريخ الأسكندرية ومعجم شيوخه والذيل على تذييل ابن نقطة على الإكمال لابن ماكولا توفي سنة 673.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here