islamaumaroc

تحامل على الإسلام

  دعوة الحق

36 العدد

نشرت مجلة «لافرانس كاثوليك» بعددها الصادر في دجنبر 1959 مقالا بقلم اسقف دكار كبير النصرانية بإفريقيا السوداء تحت عنوان: هل الدول النصرانية ستعمل على تسليم إفريقيا السوداء للنجم الأحمر؟ وقد استهل الأسقف مقاله بالتحدث عن اعتبار إفريقيا السوداء في القديم بكونها قارة غير صحية وغير مسكونة وبلاد الأوبئة والأمراض، وبأنها تجلت كأهم العوبة للدول العظمى، وأنها في ظرف بضع عشرات من السنين صارت أكبر بطل، وأسباب هذا التغيير ترجع إلى عدة عوامل، أهمها نمو المواصلات بها نموا عجيبا سواء منها:
1 – الطرق أو سكة الحديد أو الخطوط الجوية
2- توسيع المدن الكبيرة توسيعا يدعو إلى الإعجاب.
3 – تقدم الثقافة الذي قال عنه: أن الفضل فيه يرجع إلى الدعاة النصارى وأن عاقبته ستكون امكانية انسجام الأجيال الجديدة مع كل ما يروق الروح أن تعرفه. وأضاف قائلا: إلا أنه واحسرتاه، في ذلك من الجيد والقبيح اذ المعسكر مفتوح لكل الدعايات التي توتي أكلها.
وبعد هذه المقدمة تطرق لما يدخل إفريقيا من الجرائد والمجلات المصورة ومن المبعوثين والدعاة من كل جهة وجانب، وإلى تعدد الأحزاب السياسية وما تعد به كل منها من الحرية والمساواة والأموال، وإلى ما يروج من جمل تدعو إلى الثورة: كحق الشعوب في التصرف لنفسها بنفسها، والحق في الاستقلال، وإلى أن وخز الضمير أخذ يسري في القادة بفرنسا، واستنتج من ذلك أن ثورة كثورة فرنسا سنة 1789 على الدين والقيم تحضر من جديد في إفريقيا، وإلى أن سكان إفريقيا يعيشون المأساة الدامية وأن قادة الحكومات يتساءلون إلى أين يسير الناس؟
ثم فحص الكاتب الأسقف بعض التأثيرات والاتجاهات التي أدت في نظره للخروج ببعض النتائج، فتكلم:
1-عن السيطرة الشيوعية ووسائلها ومناهجها مستدلا بنجاح الشيوعيين في الانتخابات بتناناريف بمدغسكار وبكون الكامرون يستلم الأسلحة من غينيا، ويمون الثورة والفتنة، وبكون دول الوفاق تجتهد في منع الانتشار الشيوعي وبكون مالي مهددا أكثر من غيره (وكان مالي اذ ذاك ما زال موحدا على وشك الاستقلال بشطريه السودان والسنغال متحدين).
2 – وعن الإسلام بقوله ما يأتي معربا عن النص الفرنسي المنشور من غير زيادة ولا نقصان:
«شيء غير منتظر بالنسبة لأولئك الذين يعرفون الإسلام معرفة غير جيدة، فالبلدان ذات الأغلبية الإسلامية هي التي تنشق بأكبر سرعة عن الغرب، وتتذرع بالمناهج الشيوعية الشبيهة في الجملة بمناهج الإسلام، فالتعصب والجماعة واستعباد الضعفاء كل ذلك ضمن تقاليد الإسلام. وهكذا فغينيا والسودان والنيجريا والتشاد كانت وما انفكت إلى الآن من هذا الاتجاه، على أن السودان قد نظم نفسه داخليا طبق المناهج ذات الروح المركسية. وأما نيجريا والتشاد فهما مدينان ببقائهما داخل الرابطة (الفرنسية) إلى النشاط المزدوج لأحزاب الأقلية المقتدرة وللإدارة الفرنسية».
«بينما البلدان ذات التأثير النصراني الراجح بها تقاوم الشيوعية وتلبث ملتحقة أشد التحاق بالغرب ومحاسنه الإنسانية. من ذلك أن بلدان خليج غينيا والاكواتور قد اتجهت اتجاها تاما نحو الحلول التي ترمي إلى الشركة مع البلدان الأوربية ولا سيما فرنسا منها. وأما السينغال فإنه يعرض نازلة ذات طابع خاص ومليئة بمبهم، بيد أنه جذاب. وتريد هذه المستعمرة الفرنسية العتيقة المدمجة سياسيا في فرنسا (إذ كان لها أعضاء بمجلس النواب الفرنسي مند عشرات السنين) من باب العاطفة أن تبقى مرتبطة بفرنسا، إلا أن تأثير السودان وثقل الميول الإسلامية كل ذلك يدفعها إلى الاستقلال. ولابد من إضافة مثل غينيا إلى ما ذكر مع بعض عاطفة التعالي على البلدان الأخرى، لعل الحكمة السينغالية ستنتصر، وإلا ففي ظرف مدة وجيزة تملك الشيوعية من دكار إلى كاور والحرب في الجزائر لن يسعها إلا أن تستمر سنين عديدة(1)».
ولما انتهى من الطعن في الإسلام تكلم عن الديموقراطية المحررة فقال أنها تدفع إلى مبادئ القانون الطبيعي، وأنها سبق أن كانت سبب شقاء الأمم الغربية وأنها قد تؤدي إلى الإضرار بهذه الدول الفتية، وأن هذه الدول الفتية لن تستطيع أن تقاوم ممارسة هذه الحريات الغير الطبيعية التي تمنح نفس الحقوق في الخير والشر إلى المواطن المحسن وإلى المواطن المسيء.
ثم أبدى مخاوفه قائلا: لقد آن الوقت لأن نفهم أن هذه الدول يجب أن تكون لها سلطة قوية لتدافع عن الحرية الحقيقية وأن تمنع مرتكبي الفوضى من ارتكابها مصرحا بما يأتي: «أن السلطة والحرية الحقيقة يتمم بعضها الآخر، فنحن نرمي في أحضان الشيوعية بهذه الحكومات الفتية إذا طالبناها بديمقراطية هي نفس مدلول الديماغوجية والفوضوية».
«على أن البلدان النصرانية وبالأخص الكاتوليكية لها أن تظهر اتجاها خالصا مشجعا لجميع هذه الدول التي لها حكومات ذات نيات حسنة. وليس عليها أن تتبعها في أية مغامرة». واستمر كاتبا ما ياتي تعريبه.
«ففي بلداننا الإفريقية، الناس يشعرون بالمثالية الدينية والروحية وبالمحبة بين الشعوب وبالعلائق الودية المحافظة على الكرامة أكثر من شعورهم بالمعونة المالية، ذلك عمل البلدان المتعودة الاكتفاء بالقليل، إلا أنها جد سريعة التأثر في ميدان الغضب وجد مفتوحة للحقائق الروحية، فالبلدان النصرانية تكون غالطة إذا غفلت عن هذا المظهر الثقافي والديني الذي يكون أحسن سفير يمثلها، والمجيء إلى هذه البلدان بالأرصدة وحدها محض خطأ. ان المعونة التي يظهر أن حكامنا الجدد يتمنونها هي تعاون تقني يشمل جميل ميادين النشاط الوزاري».
ثم أشار إلى الخصال المعنوية التي يجب أن يتشبث بها لضمان النجاح.
الشيء الذي يلفت النظر في هذا المقال، بقطع النظر عما جاء فيه من الحق والباطل والخطأ والصواب هو أن الاستعمار يجد دائما روادا ودعاة دجالين مساعدين من رجال الكهنوت، يجوبون الدنيا ويعيشون في الفيافي والقفار، وهم يتوفرون على ثقافة واسعة وشهادات جامعية عليا وتخصص في علمي النفس والاجتماع وطاقة من الصبر والإيمان بعقائدهم الفاسدة، وكلهم طمع في أن يكونوا طائفة قليلة من البسطاء وأن ينصروها وأن يدمجوها وبلادها في حظيرة دولة نصرانية. ولقد كنا نمني أنفسنا بأنهم لن ينجحوا واعتصمنا نحن بالتواكل والروبة، ملقين الحبل على الغارب، غير مكترثين للنتائج التي لم نكن –نحن المسلمين- لنقيم لها الوزن.
ولئن كانت الدول الإفريقية الحديثة الاستقلال المنخرطة في الرابطة الفرنسية وقفت موقفها الذي اتخذته في منظمة الأمم بخصوص القضية الجزائرية، فإن درك هذا الموقف يرجع إلى هؤلاء الدعاة النصارى الذين لا يكتفون بتلقين العقائد بل يتمالؤون وساسة الاستعمار على توحيد جهودهم وخط برامجهم وتنظيم دعايتهم ضد الإسلام تارة وطورا ضد كل المبادئ السياسية التي يشتمون منها خطر تفويت ما أحرزت عليه الدولة المستعمرة النصرانية طيلة القرون الماضية اننا منذ وجدنا ونحن نسمع أن عددا من الأفارقة الزنوج يعتنقون الإسلام على أيدي بعض المسلمين المخلصين الذين دفعهم إيمانهم إلى القيام بالدعوة المحمدية في إفريقيا السوداء وأن جل هؤلاء المومنين ينتسبون إلى الطرق الصوفية، وهم إذ كانوا يقومون بهذه الدعوة تلقائيا بصفة شخصية لوجه الله تعالى كانوا مراقين من طرف السلطة الاستعمارية النصرانية أيما مراقبة، فلم يكن في وسعهم أن يشعروهم بالدعوة على حقيقتها اذ كانوا يضطرون إلى أن يفرقوا بين الدين والسياسة، يضاف إلى ذلك أن هؤلاء الدعاة لم يكونوا اختصاصيين في نشر الدعوة، ولم يكونوا محرزين على المعلومات التي تؤهلهم لإشعار المومنين بأن العزة لا تكون إلا لله ولرسوله وللمومنين، على أن هؤلاء الدعاة المؤمنين جزاهم الله خيرا قد بثوا الروح الاستقلالية باعتراف أسقف دكار بأن البلدان ذات الأغلبية الإسلامية بإفريقيا هي التي تنشق بأكبر سرعة عن الغرب حسبما سبق بيانه، فأسقف دكار لم يستطع أن يكظم غيظه على الإسلام  إذ في الوقت الذي اعترف له بأنه هو الذي دفع الناس إلى المطالبة بالاستقلال اتهم مبادئه بأنها تشبه مبادئ الشيوعية، وأبى عليه تعصبه وعداؤه للإسلام إلا أن لا يعترف بالفضل للإسلام لدفعه المسلمين إلى المطالبة بالحرية، وأن لا يعترف بأن النظم التي يسعى المسلمون في تطبيقها ببلادهم وهي شبيهة بالشيوعية لم يأت بها الإسلام وإنما أتى بها لهؤلاء المسلمين الشيوعيون الذين جيء بهم في صور مختلفة وبأسماء متباينة ليفسدوا على الناس دينهم. على أن الإسلام كما هو معروف من مبادئه لا يسير في ركب الرأسمالية الشرهة ولا يسير في ركب الشيوعية المتطرفة وإنما أخذ من كل المبادئ أحسنها قبل إيجادها. والسر في كون الأفارقة الزنوج اقبلوا على اعتناق الإسلام ولم يقبلوا على اعتناق المسيحية بقدر ما اقبلوا عليه، بالرغم من كون الدعاة النصارى توفرت لديهم الوسائل المالية والعلمية والاجتماعية، بينما الدعاة المسلمون يقومون بالدعوة إلى الله تلقائيا لا يرجون إلا الجزاء من الله، هو أن الإسلام دين بسيط يشتمل على نظام الحياة بجميع أنواعها فهو عقيدة ونظام ودولة، دراسته بكل نزاهة تتيح لمن هداه الله إليه والإيمان به.
ولو أن المسلمين كانوا مسلمين حقا في هذا العصر الذي طغت فيه المادة على الروح لاستطاعوا أن يضربوا المثل للعالم بنظام لا ياتيه النقد من بين يديه ولا من خلفه ولعلموا كلا المعسكرين الأمريكي والروسي أن العظمة هي لله وحده دون غيره، وأن العزة لله ولرسوله وللمومنين، وأن السعادة التي ينشدها أو يدعيها كل منهما ليست إلا خيالا لاحت لهما به السمادير، وأن السعادة في الدنيا إنما هي نسبية، قال تعالى: «لقد خلقنا الإنسان في كبد» وان السعادة وان السعادة التي يجب أن يعمل لها الإنسان هي التي سيجدها في الدار الآخرة ان كان من أهلها.
على كل حال قد اتضح للمسلمين مما سبق بيانه أنهم تهاونوا في الدعوة إلى الله، وانهم حادوا عن المحجة البيضاء، وأن رجال الكهنوت بالرغم من باطل دعوتهم يؤثرون في السياسة العالمية فيوجهونها لإحقاق الباطل وإزهاق الحق، عاملين على استمرار الحروب الصليبية بأسلوب جديد وقالب يتناسب وروح العصر، بينما بعض علماء الإسلام وأدعياء الإسلام قد قتل فيهم الاستعمار وحب الدنيا والاثرة والأنانية والتقليد الأعمى كل فضيلة إسلامية فضلا عن أن يقوموا بالدعوة إلى الله وبنشر محاسن الإسلام بين الأجانب، بل أن بعضهم عمل على إطفاء نور الله بدعوى العمل على نشر السلفية والبعض الآخر قد استغل الطرقية فأفسدها والحالة انها كانت في الأصل متصدية لنشر الدعوة حتى أن دخول الأفارقة من السودان في الإسلام يرجع الفضل فيه إلى رجال منتسبين فقراء كل زادهم هو الإيمان. فعسى المسلمون أن يتعظوا بهذه الأهواء وأن يرجعوا إلى الله ليتأتى لهم اذ ذاك نصر دينه. ولينصرن الله من ينصره.  

 (1) نشر هذا المقال قبل انفصال السنغال عن السودان وما جاء في هذه الفقرة من التنويه بالسينغال والإشارة إلى إرادتها البقاء مرتبطة مع فرنسا يؤذن بأن حركة انفصاله عن السودان كانت مؤامرة تدبر تحت طي الخفاء بواسطة رجال الكهنوت والساسة الاستعماريين. (ص.م.).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here