islamaumaroc

يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر

  عمر بنعباد

العدد 348 رمضان 1420/دجنبر 1999

من مبادئ دين الإسلام الحنيف، ومن مزاياه خصوصياته التي تميز شرعه الحكيم، مبدأ اليسر ورفع الحرج عن أمته المحمدية في كثير من الأحكام الشرعية: التعبدية منها والعملية، وهو مبدأ توسع علماء الإسلام في شرحه وبيانه، واعتنوا بتبسيطه وتوضيحه، وأبانوا عنه بتفصيل في كثير من مؤلفاتهم الأصول الفقهية.
فالإسلام دين التكليف بما في الوسع والإمكان، وبما في الطاقة والاستطاعة ومقدرة الإنسان عقليا ونفسيا وبدنيا، وهو ما تنطق به كثير من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، مثل قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)، وقوله عز وجل: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)، وقوله سبحانه: (وما جعل عليكم في الدين من حرج)، وقول النبي (ص): «أحب الدين إلى الله يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فيسروا ولا تعسروا، ولا بشروا ولا تنفروا، وسددوا وقاربوا...»، «وما خير (ص) بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان كذلك كان أبعد ما يكون عنه».
وهذا المبدأ في الإسلام يتضمن الرخصة والتخفيف عن المسلم فيما يعجز عن القيام به، أو يشق عليه أحيانا الإتيان به من التكاليف الشرعية على وجه العزيمة المأمور بها شرعا في أصل العمل المطلوب، ويتجلى ذلك بصورة أوضح وأكثر في مجال أحكام العبادات بالنسبة لغيرها من أحكام المعاملات الشرعية في حياة الناس.
ففي عزيمة الطهارة بالماء في الوضوء والغسل، وحين انعدم الماء أو العجز عن استعماله لمرض أو توقعه ينتقل المرء إلى الطهارة الترابية بالتيمم على كيفيته المشروعة المعروفة.
وحين العجز والضعف عن القيام في الصلوات الخمس المفروضة، فإنه يأتي بها جلوسا أو اضطجاعا وإيماء، تبعا للحالة التي هو عليها. وفي حالة العجز عن صيام أيام من رمضان لمرض نزل بالإنسان، أو حصول مشقة كبيرة له أثناء سفر، يباح له الإفطار في تلك الأيام، على أن يقضيها في عدة أيام آخر بعد شهر رمضان. وفي حالة العجز عن التجرد من المخيط عند الميقات للإحرام، أو الاضطرار لإلقاء الشعت والتفث، أباح له الإسلام الأخذ بذلك، وشرع له فدية بالتخيير من صيام أو صدقة أو نسك، وأباح الطواف والسعي ركوبا للعاجز عن المشي فيهما، وجعل كفارة اليمين والظهار متنوعة على الترتيب بين إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم أو تحرير رقبة، أو صيام ثلاثة أيام حين لا يجد الحانث في اليمين الاستطاعة لحالة من الحالات السابقة، فينتقل فيها من حالة إلى أخرى أيسر. كلما عجز وضعف عن أدائها على العزيمة والحالة الأولى.
وشرع الإسلام التوبة للعباد من المعاصي، وفتح لهم باب المغفرة والرحمة بالإقلاع الفوري عن الذنوب والآثام، وبالإنابة إلى الله منها، ولم يواخذهم بما يصدر من الإنسان على سبيل الخطأ والإكراه والنسيان، مصداقا للآية الكريمة (فمن  تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه)، والآية الأخرى: (ربنا لا تواخذنا عن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحمل ما لا طاقة لنا به، وأعف عنا، واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين)، ولقول النبي (ص): «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».
وإذا كان مبدأ اليسر ورفع الحرج عن الأمة الإسلامية، وما ينطوي عليه هذا المبدأ الإسلامي الرحيم، من مرونة في التشريع الإسلامي الحكيم، ومقاصده الضرورية والحاجية، متجليا في كثير من الأحكام التعبدية، فإن ذلك لا يعني أنه خاص بها مقصور عليها لا يتجاوزها إلى غيرها، كما قد يظن البعض أو يتبادر إلى الذهن، بل إن مجال هذا المبدأ والأصل المتأصل في الشريعة الإسلامية، وميدانه في الحقيقة والواقع أشمل وأفسح، وأرحب وأوسع، يشمل ويستوعب حتى الجانب التعاملي وأحكام المعاملات في حياة الناس وفق التشريع الإسلامي الحكيم.
ففي أحكام الأسرة المصطلح عليها حاليا بالأحوال الشخصية، وفي المنطق الأساسي لتكوين خليتها الأولى بعقد الزواج، نجد هذا العقد يتكون من أركان أساسية، من بينها ذكر الصداق وتحديده وبيان مقداره 
المقدار المتفق عليه من النقد أو مقابله من المتاع، وعندها يمكن للزوج دفعه كله أو نصفه، وبقاء النصف الآخر في ذمته إلى حين لزوجته، وبراءة ذمته منه مع الله تعالى وتجاه زوجته شريكة حياته الزوجية في الحياة.
وفي مجال النفقة الواجبة على الزوج تجاه زوجته بمقتضى عقد الزواج وميثاقه وقوامة الرجل عليها وعلى بيته، نجد الإسلام لم يفرض قدرا محددا ومعينا ينطبق على كل متزوج، ويكون ملزما به، لا فرق بين غني ولا فقير، بل أمر بالنفقة وأوجبها في إطار ومدلول عام يتحرك فيه كل واحد ويبذل في نطاقه حسب استطاعته وإمكانيته المالية، مصداقا للآية الكريمة: (لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها، سيجعل الله بعد عسر يسرا). وفي ذلك ما فيه من دلالة واضحة على تيسير مر الزواج و الترغيب فيه،والتوجيه والإرشاد إلى خفة مؤونته والتخفيف منها، واليسر في مسلكه الميسر القويم.
وفيما يعرض للحياة الزوجية أحيانا من فتور في العلاقة الزوجية وظهور بوادر الخلاف والشقاق الذي قد يؤدي إلى الفراق والطلاق الذي هو أبعض الحلال إلى الله، فإن الإسلام شرع أولا لهذه الحالة الإصلاح بين الزوجين، ودعا إلى تقريب الشقة والعمل على التوفيق بينهما، حتى إذا تعذر ذلك، وكان الطلاق أمرا ضروريا وعلاجا حتميا لابد منه ولا مناص في بعض الحالات القصوى، فغن الإسلام لم يجعله طلاقا بائنا وأبديا من أول وهلة يقع فيها بقدر ما جعله طلاقا رجعيا في الطلقتين: الأولى والثانية، تتاح فيه الفرصة لاجتماع شمل الأسرة مرة أخرى ولو بعد انقضاء العدة، ولا يكون الطلاق بائنا بينونة كبرى إلا في الطلقة الثالثة، مصداقا للآية الكريمة: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)، والآية الأخرى:  (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره). وقوله (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته، وكان الله واسعا حكيما).
وفي مجال التداعي وما يكون فيه من المطالبة بحق تجاه الغير شرط الإسلام لذلك ثبوت الادعاء والحق المدعى به ببينة الكتابة أو الإشهاد عليه، فإن تعذرت وقع الانتقال إلى ثبوته بوسيلة أخرى هي الإقرار أو اليمين والمدعى عليه، عملا بالحديث النبوي الشريف القائل: «لو يعطى الناس بدعواهم لا داعى أناس دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر».
ومن ذلك أيضا، الإشهاد على الحقوق المالية بإشهاد رجلين عدلين، فإن تعذر ذلك وقع الاكتفاء بعدل واحد وامرأتين لهما صفة العدالة بالتدين والمروءة، مصداقا للآية الكريمة في شأن الأمر بالإشهاد على الدين:
(واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى).
وفي مجال التعامل بعقد البيع والشراء فغن الأصل فيه حضور الشيء المتعاقد عليه من الثمن والمثمن، والاطلاع عليه، وتوفر شروط معينة في كل مهما، لكن في بعض الحالات أباح الإسلام بيع الشيء غير الحاضر، وفق مواصفات معينة، وعلى أساس اعتباره في ذمة البائع، كما هو الأمر في بيع السلم، وكذا الأمر في كثير من أحكام المعاملات الأخرى التي قد يطول تتبعها واستعراض أمثلتها.
وهذا يعني ويفيد فيما يبدو من النظر أن المتأمل في أحكام الإسلام وشرعه الرباني الحكيم، يجد أن هذا المبدأ المتأصل فيه، مبدأ اليسر ورفع الحرج، والمتضمن للمرونة التي جعلت من شريعة الإسلام شريعة خالدة صالحة لكل زمان ومكان، يسري حتى في أحكام المعاملات كما يسري في أحكام العبادات، ويجده فيها سواء تلك الأحكام الأصلية و الفرعية المستفادة مباشرة من نصوص آيات القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، أو المستنبطة منها ومن المقاصد الضرورية للشريعة الإسلامية السمحة الغراء.
وإذا كان الإسلام قد تضمن مبدأ اليسر ورفع الحرج عن الأمة الإسلامية في كثير من الأحكام التعبدية والعلمية، وشرعه رحمة وتخفيفا عنها وتيسيرا عليها، فإنه من الجدير بالمسلم ومن المفروض في المومن أن يستفيد من هذا المبدأ الإسلامي الرحيم، وأن يسترشد وأن ينتفع به في حياته الخاصة والعامة وفي علاقته بالآخرين، وان يأخذ به في كثير من أحواله العلمية ومعاملاته اليومية، وفي مختلف المرافق الحيوية المرتبطة بشؤون الفرد والمجتمع وقضاياه ومصالحه العامة، تيسيرا وتسهيلا وتبسيطا في الأمور، وبعثا لحيوية متجددة في العلاقات الرتيبة، ودافعة بها إلى الأمام.
وعسى أن يكون المرء المسلم واعيا بذلك، وفي مستوى التحديات التي يحملها العصر، وفي المستوى المفروض فيه علما وعملا، وتدينا وتخلقا، وواقعية وجدا، وإدراكا للأمور وتبصرا، وإسهاما في بناء صرح الأمة، والحفاظ على أصالتها وقيمها الراسخة، وحضارتها المتنامية، واستمساكا بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، صلاحا وإصلاحا، عروة الدين واجتماع الكلمة، خدمة للفرد والمجتمع، وللبلاد والعباد، وأمة الإسلام بصفة عامة، وتشبثا واعتزازا بمقدساتها الدينية، وأحكامها الشرعية وأخلاقها الإسلامية وقيمها الفاضلة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here