islamaumaroc

الثقافة أداة العقل

  محمد بريش

العدد 347 رجب-شعبان 1420/ أكتوبر-نونبر 1999

     * الثقافة بمقاصدها :
     مصطلح « الثقافة » مصطلح مستحدث معاصر، أراد باستعماله الذين تبنوه من مفكري العرب زمن النهضة الأدبية في مطلع القرن الميلادي الحالي التعبير عن ما يحتويه مصطلح  Culture  في اللغات اللاتينية المعاصرة من مضمون ودلالة .
     ولم يعد هذا الاستعمال مشاعا إلا بعد بزوغ مؤسسات عربية تعنى بالتربية والثقافة والسياسة الوحدوية، وميلاد عدد من المجامع اللغوية في بعض الأقطار العربية، التي بفضل وجودها ودراساتها تمتع المصطلح لشهرته على الألسن بنوع من التأصيل، وبحث له عن جدور في الثرات الأدبي واللغوي العربي، اكتسب بها شرعية الانتماء لخزان  مصطلحات اللغة، دون أن يسلم بين الحين والآخر من المساءلة عن ظروف الولادة، ومضمون الدلالة.
     ومصطلح « الثقافة » من المصطلحات التي كتب حولها الكثير، وقيل عن دلالتها ومضمونها الكثير، بلغ درجة من الحجم غدا معوقا بتراكماته الضخمة، يومي بظلال من الغموض على المفهوم من كثرة التعريفات والشروح التي خضع لها المصطلح، إذ نجد تباينا بينا بين هذا المفسر وذاك، انطلاقا من القناعات الفلسفية والمنطلقات الإيديولوجية لكل متناول بالشرح أو التحليل لدلالات المصطلح.
     ولقد حاول كاتب هذا البحث مع مجموعة التي كان عضوا فيها ومنسقا لأعمالها من الخبراء المرموقين المكلفين بصياغة «إستراتيجية الثقافة الإسلامية» (1) أن يحدد مفهوما للثقافة سليم الدلالة، واضح العبارة، إسلامي الإشارة، أدرج ضمن تعاريف المفاهيم التي احتواها الفصل الأول تلك الإستراتيجية القيمة، مضمونه أن الثقافة في مفهومها الذي ينسجم مع المنهج الإسلامي، هي ذلك التعبير عن مدى التقدم والرقي في مختلف جوانب الحياة البشرية ومجالاتها المختلفة، وإبراز ما يبدعه الإنسان من خلال تفاعلاته مع الكون الذي سخره الله له لخدمة عقيدته وقيمه الإنسانية، وإبراز خصائصه الكامنة فيه من فكر وسلوك يتواكب مع الواقع الذي يعيشه الفرد والمجتمع، وفق معايير ومضامين إسلامية، تنبع من العقيدة الإسلامية الخالصة، وتنهل من معين الكتاب والسنة، وتتوافق مع ما تضمنته الشريعة السمحاء من نظم إسلامية، وتساير ما أجمعت عليه المذاهب الفقهية، والسلف الصالح، والعلماء المعاصرون المشهود لهم برسوخ العلم وحسن الاستقامة، من مبادئ هامة للفكر الإسلامي في جوانبه الاقتصادية والسياسية والإجتماعية.

     * الثقافة حضارة :
     وكنت أوضحت في دراسة أخرى يمكن أن يرجع إليها أن الثقافة الإسلامية هي الإسلام حين يصبح حضارة، لأن هذين المصطلحين : الثقافة والحضارة، (2) لصيقان مترابطان متفاعلان فيما بينهما في لغتنا المعاصرة، حتى ليكاد البعض أن يخلط بينهما خلطا كبيرا، ناتجا عن استعمال ذات المصطلحين لترجمة لفظة  اللاثينية في مطلع هذا القرن من طرف بعض الأدباء العرب، وخاصة منهم من استهواهم  الفكر الغربي ليتخدوه دون نمط حياة وسلوك عمل ومنهج تفكير، إذ كان معظمهم على تماثل أو تقارب من حيث الأصول العقدية لذلك النمط والسلوك والمنهج، فلم يجدوا عن قدوة الغرب بديلا.
     والمصطلحات يغدي كل منهما الآخر، فلا حضارة بدون ثقافة، ولا تقافة بدون عطاء حضاري. ذلك أن الثقافة تعبير عن سلوك معرفي، وصناعة، وابتكار، وعطء، وإبداع، وفن، ومنهج تفكير، هي تأمل، ونظر، وتدبر،  وتبصر، وتعلم، وحدق، وتهذيب للعقل، وحفاظ على الذاكرة من النسيان والتآكل، هي تقوية للفطنة، وصقل للموهبة، وحث على الاجتهاد. هي خطاب يصدع به العمل الصالح الممارس على أجمل صورة، والقول المنطوق بأسس العبارة. هي ذوق جمالي، وصناعة حضارية ونمط حياة، وتهذيب للسلوك والأخلاق. هي إفرازات ذكية نابعة من قوة الذاكرة، وتفجير لطلقات ما اكتسب من المعرفة، وصدى لاستيعاب العلوم والمعرف من طرف الذات الإنسانية، وفلسفة للمجتمع في تعامله مع الكون والخلائق والحياة. هي دفاع عن الذات والهوية، واقتحام للعقبات بغية تحقيق أهداف نبيلة مسخرة للكون، حافظة للجنس البشري، ومحافظة على التوازن البيئي.
     والقراءة المتأنية لمختلف التعاريف التي تناولت تحديد مفهوم مصطلح «الثقافة» توحي بان معضمها انطلق غالبا من الغايات والمنطلقات التي تقصد من استعمال المصطلح. فتارة يكون القصد منه الحفاظ على الذاكرة، وتارة التعلم وتنمية المعارف، وأخرى صناعة مشروع حضاري، أو تعبير عن الهوية، أو مساهمة إبداعية في صناعة الحياة، وغير ذلك من المقاصد، والغايات التي لا عد لها ولا حصر إلا بمشقة وجهد.

     * الثقافة الإسلامية هي الإسلام حياة :
     وحينما يضاف لهذا المصطلح وصف «الإسلامي» يقصد ذات الغايات المنطلقة من أسس إسلامية، والرامية للقيام بأعباء حمل الرسالة، المرتكزة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهي بذلك تملي سلوكا حياتيا، وتصرفا معرفيا، وتبني قواعد إيمانية، وترسي سلما عقائديا لا يحيد المرء عنه كافة نشاطاته وعطاءاته.
     فالثقافة الإسلامية هي الإسلام حين يجسد عملا إنسانيا في شتى دروب الحياة من خلال تعامل الأفراد وتدافعهم على ساحة واقع المجتمع. هي الوحي حين يفجر في المؤمن عطاءات هادفة بانية في مختلف الاتجاهات الفكرية والإبداعية والعلمية والفنية، فيبقى الإنسان داخل إنسانيته الحقة دائم العطاء والخدمة لنفسه ومجتمعه وبيئته ومحيطه، يبذل من ماله وجهده لجلب المصالح ودرء المفاسد، فينسلخ من تلك الجاذبية من تلك التي تجذبه إلى الأرض ليخلد لهواه، يعاكسها ويجابهها ويقتحم عقباتها بقوة لا إيمان بأن يرقى إلى مراتب التي صاغ الله عليها الإنسان الأول  حين خلقه في أحسن تقويم، قبل أن يرده- غلا الذين آمنوا- إلى أسفل سافلين، كما هو مفصل في الذكر الحكيم في سورة التين.
     كل عطاءات المومن في ذلك المسار، وكل نشاطاته نحو ذلك الصعود، وكل تألقه نحو ذلك الرقي المنشود، يعتبر عطاء ثقافيا إسلاميا، ويجسد على ساحة الواقع ثقافة إسلامية.
     ويمكن أن نقول نفس القول عن سور أخرى تصف التردي الإنساني بعيدا عن الإيمان مثل الذي قلناه بخصوص سورة «التين». فالمومن حين يتجنب مسار الخسران المنصوص عليه في سورة  «العصر» مثلا، فهو في إيمانه، وفي عمله الصالح، وفي تواصيه بالحق، وتواصيه بالصبر، صاحب نشاط على هذه الأصعدة الأربعة، يحقق في تجليات ذلك النشاط ومنجزاته وحركاته ثقافة إسلامية، ويجسد في مساره على قدر البعد من الخسران عطاءا ثقافيا إسلاميا.
    وحين يأمر المومن المسلم بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويسعى لتلك الأخيرية التي نص عليها الحق سبحانه وتعالى في قوله : {كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله}، يكون حينداك منتجا- من خلال سلوكه الذي يتبناه، والانطباعات التي يوحي بها، والأعراف التي يقيمها، والإبداعات التي يقدمها- ثقافة إسلامية.

     * الثقافة فعل ديناميكي :
     والثقافة اليوم في خضم التدافع الحضاري الحامي الوطيس، والصراع الثقافي الملتهب، يلزم أن ينظر إليها في مفهومها الديناميكي. فهي ليست شيئا  سكونيا، كما أنها ليست شيئا نظريا، بل هي شيء ملموس متحرك. فثقف بالشيء  ظفر به، من قوله تعالى : {فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم} وثقف الرجل ثقافة أي أصبح حادقا، خفيفا، وهذا يحتاج إلى ينظر إلى المفهوم في إطاره الديناميكي لكونه شيئا يريد المثقف أن يظفر به، وأمرا يريد أن يكون فيه حادثا خفيفا، أوشيئا يريد أن تصادفه، لأن ثقف تعني كذلك صادف، يقول الله عز وجل : {واقتلوهم حيث ثقفتموهم}، والتقاف العمل بالسيف، أي إعمال شيء حاسم في الأمر له ذلك الفعل القاطع، ففيي هذا الإطار المتحرك والمتفاعل ينبغي أن ننظر إلى مفهوم الثقافة الإسلامية.
     ولهذا كانت عمليات الحدق و الفطنة، وعمليات الظفر بالشيء، ومصادفته وتسويته وتهذيبه، كلها مرادفات لمفهوم  «الثقافة» بمعناه الشمولي، تدل جميعا على الدلالة الديناميكية التي ينبغي أن نستحضرها دائما ونحن نتلفظ بهذا اللفظ المسمى  «الثقافة» بمعناه الشمولي، وتدل جميعها الدلالة الديناميكية التي ينبغي أن نستحضرها دائما ونحن نتلفظ بهذا اللفظ المسمى  «ثقافة»، من حذف وفطنة بالشيء ومصادفة له وتسوية وتهذيب للأخلاق، فهي حدق بالمضمون، وفطنة بالمكنون، وظفر بشيء عزيز، ومصادفة لمجهول، واكتشاف لمفقود، وتسوية وتهذيب لشيء موجود، وسلوك يسلكه الإنسان، فكل ذلك يدخل ضمن المفهوم الديناميكي الذي يتناوله هذا المصطلح المتطور المفهوم، والذي لا يكاد يستقر على مفهوم قار.
     ونحن إذ نعالج الثقافة كأداة فعل، في مستقبل هو مجال الفعل، بمحرك التغيير الذي هو مسار الفعل، في امس الحاجة إلى أن نغير الثقافة بمفهومها الواسع كفلسفة مجتمع، وسلوك فرد، وعطاء  أمة، فتكون الثقافة الإسلامية هي إشعاع الرسالة الإسلامية، لأن ما يميزها عن غيرها من الثقافات، هو مضمون رسالة الإسلام، فالمسلم حامل لرسالة، متميز بسلوك، وخاضع لمرجعية، فإنزال تلك التعابير التي تفجرها ثقافة وتعابير إسلامية.
     ولقد زجدنا عددا من البحوث تصف الثقافة على أنها ألوان من العرف والعادات والتقاليد والتراكمات المعرفية لشعب من الشعوب تنقل من جيل لآخر ما بين إضافة ونقصان، لكننا نراه تعريفا ناقصا، لأنه حين تخلو الثقافة من مصادرها الأساسية، ويصبح مصدرها العرف فقط تخضع لمختلف التقلبات، وتخضع للتمزيق والتشوهات والتمزقات، لأنها تتطور، فالثقافة ليست شيئا قارا لكونها لصيقة بالإنسان وحياته، كما ان الثقافة الإسلامية ليست هي الإسلام، وإنما هي تعبير إنساني عن انغماس الإسلام في الذات، الإنسانية، فبقدر ما ينغرس الإسلام في الذات بقدر ما يصدر عن الذات نشاط له طابع إسلامي، ويكون له ذلك النفع الذي حتما يعود على المسلم وعلى الإنسانية بالخير، ويعزز الوجود الإسلامي، ويحمي الذات ويصون تعامل الآخر بالمعروف.

      *الثقافة علم :
والثقافة اليوم في عالمنا الإسلامي تحتاج إلى تعريف معاصر يبرز حركيتها وسعة مفهومها، فالعلم أضحى جزءا من الثقافة، وهذه حقيقة تأخرت أوروبا في فهمها حتى زاحمها اليابان، ونافسها السياسة الاقتصادية والإنتاج الصناعي والابتكار التكنولوجي، وهي اليوم تخشى زعامته السياسية والعسكرية أكثر من أي وقت مضى. أما العالم المتخلف، والأمة الإسلامية الجزء الهام من رقعته، والطرف الكبير من منظومته- وليس من عافية أن يكبر الورم- فهي بعيدة تمام البعد عن الوعي باحتواء الثقافة للعلم، حتى في أدق بحوثه التقنية والتكنولوجية، ومازالت العديد من سواعد وأموال وعقول العالم الإسلامي تخدم الثقافة الغربية والمنظومة الفكرية الغربية المغذية لها، وهي غير واعية بذلك، بل نرى أسلمها طريقة يدعي أنه لا يستقيم علما أن نقول أن المبتكرات التكنولوجية، والكشوفات العلمية هي جزء من الثقافة، وغن كان لا ينكر أن لها أثرا على الثقافة والفكر. بل يصعب عليه لضعف الوعي بدوافع الابتكار، ومنطلقات الإبداع التسليم بذلك. إلا انه برغم على القبول حين تأتي الفكرة حول ذلك على لسان المبدعين والمبتكرين الغربيين. ولا عجب أن نجده غدا مدافعا عنها، دون سابق اقتناع بها، بمجرد أن نطق بها المبجلون.
     فالثقافة علم، والعلم جزء من الثقافة، لأن الثقافة أخلاق وعطاء وحضارة وصناعة، وتراث وتاريخ وبحث ودراسة وإبداع واستغلال لكل فنون العلم وأدوات، ولهذا فهي لصيقة بأصولها، وأصول الثقافة الإسلامية هي أصول الإسلام، لأن المرجعية في حياة المسلم ونشاطه هي للإسلام، ولشريعة الإسلام، ومقاصدها هي ذات مقاصد الإسلام، وما ينجز المسلم ونشاطه هي فعل آو عمل المؤمن في ساحة الواقع، فيكون إبداعا وجمالا أو شعرا أو نثرا، سواء من حيث السلوك والمعاملة، أومن حيث الإبداع اليدوي أو من حيث الإنتاج الفكري أو العلمي، فكل ذلك يعتبر ثقافة إسلامية.

     * الثقافة لصيقة بالعقيدة :
     والثقافة إما أن تكون لصيقة بالعقيدة أو لصيقة بتاريخ يحتل مكانة العقيدة أو لصيقة بأسطورة تقوم مقام العقيدة، أو إيديولوجية في مرتبة العقيدة، فعديد من الشعوب نجد ثقافتها تعتمد على ركام من الأساطير يشكل بالنسبة لها عقيدة وتاريخا، تحس فيه بنوع من الجمال الفني والإبداعي، لكن بفعل تكبيله للذاكرة ومسخه للفكر لا يستسيغه المؤمن، فقد نجد مثلا عند الهندوس، وغيرهم من شعوب الشرق الأقصى من مجتمعات البودية، نوعا من الجمال الفني، والتعبير الثقافي في معابدهم حول صنم البودا وغيره، وقد نجد في رقصاتهم وأشكال تعابيرهم نوعا من التعبير الثقافي الفني، لكن حين نأخذ الإنسان بمحيطه، وعطائه، ومدى وعيه الفكري، وعمقه الروحي، نجد الإنسان غير التوحيدي في تعبيره الثقافي وإبداعه يخدم المادة بدل أن تخدمه المادة، ونجد شبكة من الأساطير تهيمن على التعبير وتكبل ذلك الإبداع بحيث تحصره في أشكال قرابين هي بمثابة إبداعات بشرية لصالح مجسدات مادية بدل أن يكون العكس.

     * الثقافة لصيقة باللغة :
     ومادامت الثقافة تعبيرا فهي لصيقة باللغة، ولهذا كانت الشعوب الإسلامية حريصة على حماية لغتها وخزانة مصطلحاتها على قدر ما تكون شديدة التمسك بعقيدتها، نشطة في أداء رسالتها، فهي تعرف أن الثقافة نهر دافق يجري بحركة دائبة صوب أهداف منشودة وهو عذب
زلال بقدر ما يتمسك بالمبادئ السامية والأخلاق النبيلة والمنطلقات الأصلية، يحتاج للنهل والإعتراف منه إلى أو عية لغوية وأدوات معرفية إذ لم تصقل ولم يعتنى بها عناية شاملة تدخل ضمن مشروع ثقافي، فإنه لا مجال لكي تكون التعابير الثقافية، وذلك النهر زلالا صالحا لإطعام ما يراد غوثه وسقيه من تلك المياه العذبة. فبغياب حماية الأوعية والأدوات المعرفية، وحماية التربة التي تجري فوقها تلك المياه، فإنها تنقلب من ماء عذب زلال إلى ماء مالح أجاج بما اختلط به من نبات الأرض وملح التراب.

     * الثقافة فقه :
     والثقافة فقه بمعناه الواسع، فقه بالدين، وفقه باللغة، وفقه بالواقع، وفقه بالأصول، وفقه بالأهداف، وفقه بالجمال، وفقه بمراتب الكمال الإنساني، وفقه بالمتغيرات، وفقه بالشدائد والمحن، وفقه بعطاءات المخلوقات الأخرى وببديع الصنعة الإلهية فيها، وهذا كله لا يتحقق إلا بالمهارة في الفنون، واكتساب العلوم، والغوص في دروب الصناعة المعرفية، والكشوفات والبحوث الميدانية، وتفجير عطاءات الذاكرة، وبناء الأفكار لإكتشاف المجهول، ولإعمال ما استوعب من كتاب الوحي، وما فهم وفقه من كتاب الكون، لخدمة الصالح العام جليا للمصالح ودرءا للمفاسد، مصالح نفع للإنسان واابيئة والمحيط والخلائق التي سخرت للإنسان، ومفاسد تضر بالإنسان والبيئة والحياة، وتمسخ التاريخ أو تقضي على بقاء الإنسان.

     * اعتراضات على المصطلح :
       وكما أشرنا في بداية البحث، فإن مصطلح الثقافة مأخوذ أساسا من العلوم الغربية، أراد الكتاب العرب بإدخاله إلى اللغة العربية الإشارة إلى ما يراد من دلالة لمصطلح Culture  في اللغات اللاتينية.
     ورغم انه قد استقر في خزان مصطلحات اللغة العربية، فإنه لا يخلو من معارضة له ولمفاهيمه، نذكر منها نموذجين :
     * النموذج الأول : اعتراض مالك بن نبي.
     يقول مالك بن نبي «كأنما يبتغون بهذا أن يقولوا إن كلمة ثقافة لا تكتب إلا بهذا الوضع، وهؤلاء المؤلفون يعلمون دون ريب ما يفعلون حين يقرنون الكلمة العربية بنظيرتها الأجنبية، فإن معنى هذا أنهم يدركون أن الكلمة لم تكتسب بعد في العربية قوة التحديد، التي ينبغي أن تتوافر لكل علم على مفهوم، فالكلمة جديدة أي أنها وجدت بطريقة التوليد، والغريب أن الكاتب الذي صاغها وربما كان ذلك في مستهل هذا القرن، قد اختارها من بين عدد من الأصول اللغوية من مثل علم، أدب، فهم علم أدب فهم أدرك ثقف تلك الكلمات التي تدل على العمل أو العلاقة المعرفية ومعنى هذا أنه اختار الكلمة التي تدل صورتها على طابع الروح الجاهلية.
     لكن نجد مالك بن نبي يقول بعد ذلك «ولا شك أن الذي اشتق كلمة ثقافة كان صناعا ماهرا في علم العربية حريصا على تجويد اللفظ وصفائه على ما عليه عديد من كتاب الأدب في هذه الأيام». ولكن يبدو لنا أن كلمة ثقافة التي كان من حظها أن تختار لهذا المعنى لم تكتسب قوة التحديث الضرورية لتصبح علما على مفهوم معين، وهذا ما يفسر لنا أنها بحاجة دائمة إلى كلمة أجنبية تقرن بها لتحديد ما يراد منها في الكتب التي تتصدى لهذا الموضوع أو بعبارة أخرى أنها كلمة لا تزال في اللغة العربية تحتاج إلى عكاز أجنبي مثل كلمة Culture لتنتشر، أظن أن هذا الأمر قد مضى لم يعد يعني لفظ الثقافة يحتاج إلى كلمة Culture  كي ينتشر فقد انتشر بالفعل  وساد بعد الحقبة التي كتب فيها مالك بن نبي كتابه. فما كتبه مالك بن نبي في أواخر الخمسينات وفي مطلع الستينات والمدون في كتاب «مشكلة الثقافة» من الحديث حول مفهوم الثقافة والذي ذكرنا بعضا يدل على أنه في بداية الستينات لم يكن لفظ الثقافة منتشر بشكل كبير دون أية مقرونا بما يدل عليه من دلالة في اللغات اللاتينية التي نقل منها، وإن كانت مصر قد شهدت عددا من الكتب التي تناولت مفهوم الثقافة الإسلامية ومفهوم الثقافة عند عديد من الكتاب والباحثين.
     فاليوم نجد أن لفظ ثقافة قد دخل بشكل كبير واستوعبته الأدبيات، وشحن بعديد من التفاسير والشروح حتى لقد أضحى فيه نوع من الغموض يحتاج إلى نوع من التحليل، فعديد من البحوث أو لما تتناول دائما الحديث  حول المفهوم ودلالته، وتحاول أن نجد له نوع من الرباط بين ثقف يثقف في اللغة العربية ومدلول الثقافة المعاصرة. وخاصة ماأعطي لها من مفاهيم في اللغات اللاتينية.
     وبعد أن يخوض مالك بن نبي في دراسة لمفهوم الثقافة وما يعنيه في اللغات الغربية، وما ينبغي أن نتناوله من جوانب اجتماعية وتركيب نفسي من تراكيب جزئية وتركيب عام لمفهوم الثقافة، ينتهي ليعطي مدلولا لمصطلح الثقافة وتعريفا بصورة علمية يحدد مفهومه كالآتي :
     الثقافة مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد مند  ولادته، وتصبح لا شعوريا العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه، ثم يضيف، فهي على هذا التعريف المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته، وهذا التعريف الشامل للثقافة هو الذي يحدد مفهومها، فهي المحيط الذي يعكس حضارة معينة، والذي يتحرك في نطاقه الإنسان المتحضر، وهكذا نرى ان هذا التعريف يضم بين دفتيه فتيه فلسفة الإنسان وفلسفة الجماعة، أي مقومات الإنسان ومقومات المجتمع مع أخذنا في الاعتبار ضرورة انسجام هذه المقومات جميعا في كيان واحد، تحدثه عملية التركيب التي تجريها الشرارة الروحية عندما يوذن فجر إحدى الحضارات.
     * النموذج الثقافي : اعتراض د. المهدي بن عبود :
      حضرت وسمعت مرارا من الدكتور المهدي بن عبود حفظه الله رفضه كلمة ثقافة ليس رفضا باتا، لكن كأنه يرفض استعمالاتها وخاصة الاستعمالات السلبية التي جعلتها تحتل مكان العلم وتأخذ ما لمصطلح العلم من دلالة، فهو يقول حفظه الله، أن مصطلح العلم هو المصطلح الذي ينبغي أن نأخذ به ونعمل به، فهو المصطلح القرآني، وهو المصطلح الذي ظلت تتعامل به الأمة، أما مصطلح الثقافة فمصطلح حديث صنع لنا مجموعة من المثقفين، وجعل عديدا من النثقفين يتناولون قضايا فقهية، لا ينبغي أن يتناولها إلا العلماء العارفون العالمون. وشيء من هذا نجذه كذلك عند مالك بن نبي رحمه الله، حين قال لقد نتج عن عدم محاولتنا تصفية عادتنا وحياتنا بما يشوبها من عوامل الانحطاط أن ثقافة نهضتنا لم تنجح سوى حرفيين منبتين في أنحاء شعب أمي، ونحن مدينون بهذا النقص لرجل القلة الذي بثر فكر النهضة، فعلم يرى في مشكلتها سوى حاجته ومطامعه، دون أن يلمس فيها العنصر الرئيسي لما في نفسه فهو لم يرى في الثقافة إلا المظهر التافه، لأنها عنده طريقة ليصبح شخصية بارزة، وإن زاد فعلم يجلب رزقا. والحقيقة أننا منذ خمسين عاما نعرف مرضا يمكن علاجه هو الجهل والأمية، ولكننا اليوم أصبحنا نرى مرضا جديدا مستعصيا علاجه وهو التعاليم، وإن شئت فقل الحرفية في التعليم والصعوبة كل الصعوية في مداواته.
     ونجد مالك بن نبي يعود لمفهوم الثقافة، فيقول من وجهة التاريخ، الثقافة بما تتمنه من فكرة دينية انتضمت الملحمة الإنسانية في جميع أدوارها من لدو الآدم لا يصوغ أن تعد علما يتعلمه الإنسان، بل هي محيط يحيط به وإطار يتحرك داخله، فهو يغذي جنين الحضارة في أحشائه، إنها الوسط الذي تتكون فيه جميع خصائص المجتمع المتحر، وهي الوسط الذي تتشكل فيه كل جزئية من جزئياته تبعا للغاية العليا التي رسمها المجتمع لنفسه، بمن في ذلك الحداد والراعي والفنان والعالم والإمام، وهكذا يتركب التاريخ، فالثقافة هي تلك الكتلة نفسها بما تتضمنه من عادات متجانسة وعبقريات متقاربة وتقاليد متكاملة، وأذواق متناسبة وعبارات متشابهة وعبارة جامعة هي كل ما يعطي الحضارة سمتها الخاصة ويحدد قطبيها من عقلية بن خلدون وروحانية الغزالي، أو عقلية ديكارت وروحانية جان دارك، هذا هو معنى الثقافة في التاريخ. هكذا يقول الأستاذ بن نبي رحمه الله.
     ونحن حتى نجمع بين ما قاله أخونا وحبيبنا الدكتور المهدي بن عبود في رفضه لكلمة ثقافة ومفهوما الفضفاض، وما قاله الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله، نجد فعلا أن العلم هو غير ثقافة، العلم كما قلت جزء من الثقافة  هي أكبر منه وأعظم منه، لا العلم حين يترك إلى مدرك الإنسان، ويمتلكه الإنسان ويدخل ذاكرته وتحتويه أوعيته الفكرية يتفجر نشاطا، ويصنع أفكارا، لا يوحي بإرادات معرفية، بعمل فكري وبإبداع فني هذا الذي يتفجر ويترك من نشاط إلى ساحة الواقع، وينجلي في المحيط حضارة وعطاءا وإبداعيا وفن، هذا هو عين الثقافة، فإذا هي ليست علما في حد ذاته يدرس ويكتسب، بل هي ما يصدر عن العلم المكتسب من تفجير طاقات وحسبنا هذا في التعريف بالثقافة.
     لأن كما يعرف نفس الأستاذ بن نبي، الثقافة هي الجسر الذي يعتبره الناس إلى الرقي والتمدن، وهي أيضا ذلك الحاجز الذي يحفظ بعضهم الآخر من السقوط من أعلى الجسر إلى الهاوية، فهي وظيفتها مثل وظيفة الدم، يتركب من الكرويات الحمراء والبيضاء وكلاهما يسبح في سائل واحد، من البلازما ليعط الجسد، والثقافة هي ذلك الدم في جسد المجتمع يغذي حضارته، ويحمل أفكار الصفوة، كما يحمل أفكار العامة، وكل من هذه الأفكار منسجم في سائل واحد من الاستعدادات المتشابهة والاتجاهات الموحدة والأذواق المناسبة.
     وطبعا أن حين نقول أن العلم جزء من الثقافة نعرف أن ذلك سير فضه أخونا الدكتور المهدي بن عبود رفضا باتا، لأنه كما سبق القول يرى أن الثقافة مصطلح دخيل أضر بمفهوم العلم، وأساء إلى لغتنا العربية من حيث أراد أن يخدمها، فهو بالنسبة له العلم شيء متقون، حينما يتعلق بعلوم الإيمان، بعلوم الوحى، فهي شيء مصون وشيء موزون، أما بالنسبة للثقافة فهي خليط من العادات والثقاليد والأعراف والأساطير التي تفتقر إلى ما يمكن أن يدل على تماسك المضمون، ويثبت على أنها في حثيتها، وفي تركيباتها لها من العمق المعرفي ما يدل أنه مثقون وموزون.
     وطبعا نحن حين نقول أن العلم جزء من الثقافة لا نعني به العلم بمفهومه الواسع، بل نعني العلم جزء من الثقافة فيما يتعلق بالنشاط المعرفي الإنساني، أي أن العلم بحر واسع، وهو علم بما له من مضامين تدل على ذلك العلم، لكن حين يترك من خلال العقول البشرية فيتفجر نشاطا يصبح ثقافة، ولهذا يختلف هذا النشاط من هذا العارف إلى ذاك، ومن هذا الإنسان إلى ذاك، وبقدر ما يكون الإنسان من أولي النهي وأولي الألباب، بقدر ما تكون تلك الثقافة قريبة من ذلك المنهل الذي نهلت منه وهو العلم، لكن شكلها العلمي شكل ثقافي، ولهذا كان شكل العلم جزءا من الثقافة.
     وهذا ما أردناه من قولنا أن العلم جزءا من الثقافة، ولم نرد بتاتنا أن نقول أن العلم بمفهومه الواسع هو ثقافة أبدا، ولا نظن أن دكتورنا قد يخالفا في ذلك، وإن كان سيتحفظ تحفظا كبيرا من استعمال لفظ ثقافة في الدلالة على العلم ول في سورته الإنسانية، وفي تعبيره الإنساني.

     * حاجتنا إلى مفهوم معاصر للثقافة :
     ونعود في ختام هذا الجزء من البحث، لنذكر بان ثقف يثقف فطن وحدق، وثقف العلم أسرع أخذه، والفطنة والحدق مع سرعة البديهة والفهم، ودقة الاستنباط والتحليل، كلها عوامل أساسية وضرورة لكل استيراجية أي كان موضوعها، ولهذا من الآفيد كما سبق الذكر معالجة التعريف لمفهوم الثقافة في حركيته الديناميكية صاحبة التأثير والتأثر، والعطاء والاقتباس، والتعايش والصراع، بشكل لا ينفك لصيقا بركائزها الاستراتيجية التي إذا ما دب لها الشلل، انقلبت لحالة سكونية لا تسمن ولا تغني من جوع في مجال معالجة الواقع. بل على العكس، تعدو مضرة، وهي في سكونها لضخامة حجم التاريخ الذي خمد وراءها أضحت عقبة بعد أن كانت من أنشط أدوات الحركة، إذ بدلا من أن تصنع لنا رجال الصناعة المستقبلية،
افرزت لنا بعد عنت الجهد هيامى تبجيل التراث والإشادة بالتاريخ.
     ونحن ما زلنا أمام تطور الأوضاع وتصدع عرى ما كسبناه من خلال كفاحنا والغير التام ضد القوات الاستعمارية الغازية نسبيا أو أنسينا- لسذاجة مركبة عمت الأذهان- أن الحرب ضد وجودنا كأمة إسلامية مازالت قائمة بمختلف الأسلحة، السياسية والفكرية والثقافية والتربوية والعقائدية. ومازلنا نفسر تخلفنا على نفس الشكل الذي ذكره مالك بن نبي منذ بداية الستينات، إذ يقول هذا المفكر في كتابه مشكلة الأفكار :
     «وهذه الصعوبات  قد فسرت بطريقتين مختلفتين : بالنسبة لأنصار الموضوعة الاستعمارية، فإن عامل التأخر على الإقلاع هو الإسلام، وبالنسبة لأنصار الموضوعة القومية فإن الاستعمار هو المسؤول عن ذلك، وفي كلا التفسيرين عيب أساسي لغموض في أساسه...الأولون يناسبون الواقع التاريخي بتجاهلهم الدور الذي قام به الإسلام في إحدى أعظم الحضارات الإنسانية، والآخرون يجهلون أو يتجاهلون أن الدول الإسلامية الأكثر تخلفا هي بالتحديد الدول التي لم تواجه تحدي المستعمر».
   وقد لا نتفق مع مالك بن نبي لأنه كتب ما كتب في وقته انطلاقا من تيارات وأوضاع زمانه، لكن النتيجة التي انتهى إليها من ذلك التحليل ما تزال صالحة قائمة تشهد على عدم العمل وتراكم المسؤولية من قبل بن نبي وبعده إلى اليوم، يقول هذا المفكر الفذ :
   «والمجتمع الإسلامي يعاني في الوقت الحاضر بصورة خاصة من هذه الاتجاهات لأن نهضته لم يخطط لها، ولم يفكر بها بطريقة تأخذ باعتبارها عوامل التبديد والتعويق.فمثقفو المجتمع الإسلامي لم ينشئوا في ثقافتهم جهازا للتحليل والنقد إلا ما كان ذا اتجاه تمجيدي يهدف إلى إعلاء قيمة الإسلام. أما القادة السياسيون فإنهم لم يمنوا بضرورة إنشاء مثل هذا الجهاز ليراقبوا مسيرة العمل في بلادهم. هكذا أضحى عمله التاريخي أي العالم الإسلامي منذ قرن خارج مقاييس الفاعلية، وأضحى تنفيذه في ظل فوضى الأفكار».
    ونحن لا نمجد ما خطه مالك بن نبي، ولكن نأسف لأمة تقدم على العمل. بل كثيرا ما نراها – تصادر حكومة وشعبا – كل منهما بأسلوبه – أصحاب النقد والنصيحة الحاملين هم الأمة، ناعتة إياهم بالمروق عن الشرعة والخروج على القانون. ونعلم أنه لا نفع للأسف والتأسي، ولكن ليعلم أننا لسنا أول من يخوض في ركام الأفكار يبحث في حركيتها وديناميكيتها، عسى أن يفهم عللها وبواعثها وشكل تطورها، رغبة في المشاركة المأجورة عند الله وعند الناس في التنقيب عن علاج أزماتها وتحديد زمنيته ومقاديره. ذلك أننا حين نجد مالك بن نبي يقول : «إن للعالم الثقافي بنية ديناميكية تتواقف مظاهرها المتتالية مع علاقات متغيره بين  العناصر الثلاثة للحركية : الأشياء، والأشخاص، والأفكار». نصاب بالخيبة كوننا قضينا زمانا كان علينا فيه الوعي بديناميكية الأفكار الأشياء، وبقينا متخلفين حتى على مستوى التنظير لتحليل ديناميكية وضعنا التعيس، علما أن مالك بن نبي لم يكن أول ولا آخر من نادى بضرورة الاهتمام بحركية الأفكار وجدلية الثقافات.


1 ) طبعت استراتيجية الثقافة الإسلامية من طرف المنظمة الإسلامية للعلوم والتربية والثقافة (الايسيسكو)، إلا أن الإدارة المشرفة على ذلك غفلت على خلاف مثيلاتها من المؤسسات والهيئات الدزلية والقارية، عن الإشارة إلى مراحل إنجاز تلك الاستراتيجية، ومحطات إعدادها والجهد المبذول لصياغتها وقائمة الخبراء الدوليين المرموقين الذين حرروها، تحريرا ونقدا ومراجعة، وتبويبا آملين أن يتدارك ذلك في الطبعات القادمة للكتاب بإذن الله سبحانه.
2 ) محمد بريش، «نحو استشراق متبن للثقافة الإسلامية»، بحث مقدم لمنظمة «الايسيسكو»، 1410/ 1990.
                                         

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here