islamaumaroc

النهضة الحديثة في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله.

  أحمد العمراني

العدد 347 رجب-شعبان 1420/ أكتوبر-نونبر 1999

     لقد عرف علم الحديث بالمغرب نهضتين رئيسيتين :
- الأولى : في العصر الموحدي. (2)
- والثانية : في عصر العلويين،وخاصة عهد سيدي محمد بن عبد الله. (3)
ويكن تعليل ازدهار الدراسات القرآنية والحديثية في عهد هذا السلطان بأسباب سياسية واجتماعية وثقافية، فقد كان هذا الازدهار رد فعل ضد الغزو الأجنبي العسكري والفكري، وضد فشو البدع والنشاط الطرقي، إذ أدى استعمار الأجانب (البرتغال والاسبان) بعض المدن الساحلسة المغربية إلى رد فعل ديني قوي لدى الشعب بتحريض من العلماء فاعتمد التعليم اعتمادا شديدا على القرآن والحديث لتقوية روابط الإسلام التي تجمع بين المومنين. (4)
     وقد مثل القرن الثالث عشر الهجري (19م) أوج الانبعاث السلفي في جل العالم الاسلامي كرد فعل ضد الغزو الأجنبي، بعد أن تجددت الدعوة السلفية بالمغرب في القرن الثاني عشر الهجري (18م) على يد المولى محمد الثالث، (5) وبعض علماء عهده، كما أن تعدد الزوايا جعل الدولة تعمل على العودة إلى الإسلام في منابعه الأصلية لخلق وحدة وطنية، عكس بعض الزوايا التي تعمل بدون وعي منها على التفرقة، وتمزيق الصف، (6) بالإضافة إلى أن الملوك الأشراف- وخاصة مند عصر السعديين- كانوا يحرصون على تأكيد علاقتهم الدموية بالنبي، وربط تقديس كتب الحديث بشخصهم، (7) إلا أن محمد بن عبد الله تجاوز ذلك إلى محاولة بعث الحياة في الفقه، عن طريق تنشيط الدراسات الحديثية. (8)
     *الفرع الأول : أسباب النهضة الحديثية
     *الفرع الثاني : المجالس الحديثية.
     *الفرع الثالث : التأليف الحديثي.
• الفرع الأول : أسباب النهضة الحديثية :
من أسباب هذه النهضة أن محمد بن عبد الله أدخل مسانيد الأئمة أبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، والشافعي، إلى المغرب، وقال إنه أول من قام بهذا،(9) كما أصدر منشورا إصلاحا يأمر فيه بدراسة الحديث، معينا فيه الكتب التي تجب قراءتها، ولذلك فإنه أمر بنسخ عدد من كتب الحديث وتوزيعها.
     وكان محمد الثالث عالما محدثا، فهو أول ملك علوي محدث، وهو أول من أسس المجالس الحديثية في عصر العلويين،(10) كما كانت له الأولوية بينهم في التأليف الحديثي.
     وصادف عهده وجود محدثين بارعين، حظوا لديه بامتيازات فوق غيرهم من العلماء، وأخص ببعض التفصيل الأسباب الثلاثة الأولى :
- جلب المسانيد.
- إصدار منشور إصلاح التعليم.
- نسخ كتب الحديث وتوزيعها.
1-جلب المسـانيد :
لم يكتف السلطان محمد الثالث بالموجود من كتب الحديث بالمغرب، بل تشوقت نفسه إلى كتب حديثية أخرى لم تكن موجودة ببلاده حينئد، ويخبرنا سفيره أبو القاسم الزياني أنه اشترى في رحلته الثانية التي كانت سنة 1200هـ/1735 م إلى اسطنبول (11) الكتب التي أوصاه بشرائها السلطان قائلا :
     «ولما قضيت الغرض اشتريت الكتب التي أوصاني بشرائها أمير المومنين، وهي مسند أبي حنيفة النعمان، ومسند الإمام الشافعي، ومسند الإمام أحمد، والطريقة المحمدية المختصرة من «الإحياء»... وأعطاني الوزير الأعظم اختصار المواهب الأربع في سفر، وتأليف الدرر المتداول عندهم في الفقه الحنفي، كخليل عند المالكية، وشرحه المسمى بـ : «الغرر على الدرر» في سفرين، كالزرقــــــاني...». (12)
فنستفيد من النص أن الكتب الحديثية التي استجلبها السلطان محمد بن عبد الله من المشرق هي الكتب الثلاثة الأولى، وعلى هذا النص اعتمد الباحثون في هذه المسألة، فاعتبروا أن هذه الكتب لم تدخل المغرب إلا سنة 1200 هـ (13)
غير أن الذي تأكد لي أن السلطان كانت لديه نسخ من هذه المسانيد الثلاثة قبل التاريخ المذكور، بدليل أنها كانت من مصادر كتابه : «الفتوحات الإلهية في أحاديث خير البرية » الذي كان الفراغ من تأليفه سنة 1198هـ،(14) أي قبل رحلة سفره الزياني بعامين، بل إن مسند الإمام أحمد كان عنده قبلها بثلاث سنوات، إذ اعتمد عليه في كتابه «الفتوحات الصغرى» الذي ألفه سنة 1197هـ، كما اعتمد في كتابه «الجامع الصحيح الأسانيد، المستخرجة من أربعة مسانيد» الذي فرغ من تأليفه سنة 1199هـ. (16)
ولقد كان لجلب تلك المسانيد الثلاثة أهمية كبيرة في اتساع الدراسات الحديثية المغربية، إذ اعتنى بها العلماء المغاربة وتدارسوها، وطعموا تآليفهم بما فيها من أحاديث، وخاصة مسند أبي حنيفة الذي عثروا فيه على مجموعة جديدة من الأحاديث، مروية عن طرق لم يعرفوها من قبل،(17) كما أنه أدى إلى تصحيح خطأ كان رائجا، وهو الاعتقاد بأن الإمام أبا حنيفة كان مقل الرواية. (18)
2-إصدار منشور إصلاح التعليم :
وجاء في منشوره الإصلاحي الصادر سنة 1203هـ/ 1788م فيما يتعلق بعلم الحديث :
«الفصل الثالث في المدرسين في مساجد فاس : فإنا نأمرهم أن لا يدرسوا إلا «متاب الله» تعالى بتفسيره، وكتاب «دلائل الخيرات» «والصلاة على رسول الله (ص)».
ومن كتب البخاري: المسانيد، والكتب المستخرجة منها، والبخاري، ومسلم، وغيرها من الكتب الصحاح...».(19)
     وقد كان علم الحديث قبل عهد محمد الثالث مهملا، وإذا درس لا يدرس منه إلا صحيحا البخاري ومسلم، والموطأ أحيانا، (20) ولا يدرس إلا تبركا، لا بقصد الاهتداء بهديه، واستنباط أحكامه، (21) وعلى ذلك سارأغلب الفقهاء، وفي فتاويهم ما يثبت هذا، إذ قليلا ما يستدلون بالآيات والأحاديث.
     فأمر المولى محمد بن عبد الله بأن تعاد للحديث مكانته في الفقه، وأن تعطى العناية لمختلف المصنفات الحديثة المعتمدة، ومثل لذلك بمسانيد الأئمة : أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن حنبل، (22) والكتب الخمسة : «الفتوحات الإلهية الصغرى»، و «الفتوحات الإلهية الكبرى»، و «الجامع الصحيح الأسانيد المستخرج من أربعة مسانيد»، و «فتح الباري في اقتطاف أزهار المسانيد لتخريج أحاديث البخار»، و «صحيح البخاري»، و «صحيح مسلم»، و باقي الكتب الصحاح مثل : «سنن الترمذي» و «سنن أبي داود».
     وبذلك وضع للحديث مقررا دراسيا، مختلفا كما وكيفا عما كان عليه في السابق :
     فمن حيث الكم صار يشتمل على عدد مهم من الكتب الحديثة.
     ومن حيث الكيف أصبح يشمل المذاهب الأربعة، وضمنها المصنفات المغربية المتمثلة في مؤلفات هذا السلطان. (23)
     ومن الذين كانوا يدرسون الفتوحات الإلاهية الفقيه محمد بن أبي القاسم السجلملسي، (24) والفقيه محمد التاودي بن سودة. (25)
     وهذا المنشور لم يحدد فقط المواد والكتب المقررة للدراسة، ولكنه حدد حتى ما يقرأ وما لا يقرأ من تلك الكتب.
     فالبنسبة «لعلم الحديث» نجده يقول :
     «وكذلك الذي يقرأ البخاري، فحين يصل لحديث اللإله يتركه ولا يتعرض لقراءته». (26)
وقد طبق ذلك على نفسه في «نصيحته للأمة» فقال عند الكلام على جريمة السرقة :
     «وقال عليه السلام : والله لو سرقت- وذكر عضوا شريفا من ذات شريفة حاشاها من ذلك- لقطعت». (27)
     وبناء على هذا الأساس القائم على احترام الرسول (ص)، وتوفير آله وصحابته الكرام، انتقد الشيخ خليلا والقاضي عياضا وغيرهما.
     على أنه تنبغي الإشارة إلى ملاحظة ترتبط بتاريخ صدور هذا المرسوم، ذلك أن المولى محمد بن عبد الله أصدره سنة 1203هـ / 1788م، قبل سنة من وفاته، وكان قد بدأ دراسة الحديث دراسة تخصص سنة 1171هـ/ 1757 م، وهذا يعني أنه أصدر المنشور بعد أن تشبع بالفكر الحديثي، وأصبح من رجاله المرموقين.
     كما أن هذا المنشور تضمن النهي عن قراءة «المختصرات الفقهية» ضمنيـــــا، (28) ومع قراءة علم الكلام والمنطق والفلسفة، وكتب غلاوة الصوفية، وكتب القصص، وتوعد المخالفين بالعقوبة، وكان من أهداف ذلك توجيه عناية الطلبة والعلماء إلى الحديث والفقه، وقد صرح بهذا قائلا عن طلبة البادية :
     «فحين يسمعونهم يدرسون هذه العلوم التي نهينا عنها يظنون أنهم يحصلون على فائدة بالعلوم المذكورة، ويتركون مجالس التفقه في الدين، واستماع حديث خير المرسلين عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وإصلاح ألسنتهم بالعربية». (29)
     3- نسخ كتب الحديث وتوزيعها :
     قام السلطان محمد الثالث بنسخ كتب الحديث وتحبيسها على المساجد والمدارس المغربية لنشر الثقافة الحديثية بين رعاياه، وبسب عدم وجود الطباعة في ذلك الوقت، فقد نشطت حركة نسخ الكتب. (30)
     وقد كان محمد بن عبد الله ولوعا بجمع الكتب الغربية ونسخها، حتى إنه جمع وهو خليفة بمراكش عن والده عددا من النساخ، وجعل لهم محلا مخصوصا لنسخ الكتب، ورئيسا هو الفقيه الأديب محمد بن محمد غريط. (31)
     ومن الكتب الحديثية التي أمر بنسخها أيام ملكه، «فتح الباري يشرح صحيح البخاري» لابن حجر العقلاني ( تـ: 853/ 1449 م ). (32)
     وكان يبعث إلى المراكز العلمية بالمغرب مستفسرا عن وجود الكتب التي يشير بقراءتها لأجل إرسالها للنسخ عنها، أو إرسال نسخ منها. (33)
     على أن من أهم أسباب هذه النهضة الحديثية هو تأسيس المجالس الحديثية.

     * الفرع الثاني : المجالس الحديثية :
    1-تأسيسها ونشاطها :
    لعل من حسنات المولى محمد بن عبد الله أنه كان أول من أسس المجالس الحديثية في عصر العلويين، فأحيى بذلك سنة ملوك الإسلام في المشرق والمغرب. (34)
     وقد أسهمت هذه المجالس إسهاما كبيرا في ازدهار علم الحديث بالمغرب، وذلك بما كان يتخللها من دروس ومناقشات ولقاءات بين العلماء، وبما كانت تبثه في نفوس المحدثين والعلماء من روح التنافس والتباري، مما يجعلهم يتطلعون لإلى المزيد من الاطلاع، في سبيل الإبداع درسا وتأليفا، وتقديم أحسن لديهم بحضرة السلطان.
     فقد رتب المولى محمد الثالث لهذه المجالس أوقاتا محددة، لا يتخلف عنها حتى في أوقات عطله، ويقال إنه كان يقتدي في ذلك بالخليفة المنصور السعدي، (35) وأرى أنه تأثر كذلك بالموحدين، إذ هم أول من أسس المجالس الخاصة بالحديث في المغرب، أما المنصور السعدي فكانت مجالسه لعلوم مختلفة.
     كان لمحمد الثالث نوعان من المجالس في الأسبوع، «مجلس خاص» يعقده يوميا مع العلماء الملازمين له، و «مجلس عام» (36) يعقده بعد صلاة الجمعة بمقصورة الجامع اليوسفي بمراكش، ويحضره علماء هذه المدينة وغيرهم من علماء المغرب الوافدين على حضرته، فيذاكرهم في الحديث  وفقهه ومعانيه، (37) وكان يملي عليهم الحديث النبوي، ويؤلفون له فيه على مقتضى تعليماته، (38) وقد خصص لهذه المهمة جماعة من علماء مجالسه.
     كما استقدم جماعة أخرى من العلماء لمراكش من مختلف المدن المغربية، وفرقهم على مساجد الحديثية بعد صلاة الجمعة. (39)
     ويكون المجلس في شكل حوار ومناظرة، تبدأ بسرد الأحاديث، ثم يقوم شيخ المجلس- الذي عينه السلطان- بالتعليق والشرح، ويتلو ذلك نقاش.
    إلا أنه يسير دائما على هذه الطريقة، فتارة يكون على شكل المذكور، وتارة يكون على شكل أسئلة وأجوبة.
     كما أن المجلس لم يكن دائما يقتصر على درس الحديث، بل يتعداه في أحيان أخرى إلى غيره من العلوم، ويتكلم عن الأحداث الظرفية والحياة اليومية. (40)
     وكان السلطان يلازم هذه المجالس حضرا وسفرا، من ذلك أنه لما خرج الصويرة في سنة 1198هـ / 1783 م بقصد النزهة اصطحب معه جماعة من العلماء، منهم محمد بن عبد الله الغربي، ومحمد المير السلاوي، وغيرهما، «فكان يملي عليهم الحديث النبوي، ويؤلفونه على مقتضى إشارته». (41)
     ولم تكن هذه العادة العلمية خاصة بالمركز ( مراكش- العاصمة)، بل كانت منتشرة بعقدها الخلفاء والأمراء والعمال، ويستدعون لها كبار الحفاظ والعلماء إلى منازلهم لرد الحديث التي تشهدها رحاب المساجد الكبيرة والأضرحة الشهيرة والزوايا، ولا سيما في رمضان حيث يوقف العلماء دروسهم المعتادة، ويعوضونها بدروس حديثية. (42)
     ومن طرائف مجالس محمد الثالث، وأحدثها الدالة على تقديره للعلماء، أنه كان ذات يوم من سنة 119هـ / 1784م في مجلسه الحديثي مع جماعة من العلماء وفيهم الشيخ حمدون بن الحاج، فناول الوصيف – وكان اسمه ميمونا- كأس الشاي أولا للسلطان، وكان جالسا على اليسار، فقال السلطان للوصيف : إذن يقول الشيخ حمدون :
     مــددت الكــأس يــا ميمـــون عنــا
                        وكــان الكــــــأس مجـراهـا اليمينـــا
     فقــال حمــدون: نعــم! وأزيــد عليه :
    ولـم تعمــل بحـكم الشـــرع فينـــا
                   كمـا جــلاء خيـــر المــرسلــينــا
     رســول اللــه فيمـا صــح عنـــه
                  من أنـــه (43) قـال : ناولها بيمينا(44)
     وقد وصف هذه المجالس حمدون المذكور بقوله في نفس القصيدة :
     بــه طلعـت شمــوس (45) لأهـل فاس
                 بــأقصــى معـرب للنــاظـرينــــا
     ولـم يعــرف لهـا من قبــل ذكــر
             ولا طــرقـت يأذن الســامعينا
     وجـامعـه تضمــن ما حـوتـه
            وجمعــه فيـه ســؤل الراغبينا (46)
     فعلا- كما قال الفقيه حمدون- كان السلطان المولى محمد بن عبد الله هو أول من أسس مجالس الحديث بالمغرب في العصر العلوي، ولم يعرف لها من قبله ذكر في هذا العصر، وقد اقتدى بهذه السنة الحسنة من جاء بعده من ملوك العلويين، وأصبحت من عوائدهم الرسمية : (47)
     ووصفها أيضا أحمد الغزال الفاسي (48) قائلا :
     أتتنـا بـك الأيـام عنـد مشيبـهـا
                     فعـادت عروسـا بالبهاء لهـا قدر
     وعـادت ريـاض العلـم عابقة الشذا
                    تغـرد في أفنــان أدواحها الطير
     وشدت ذرى الآداب فاعتــز أهلـه
                  وصار لهم في كل شـائعة فخر (49)
     2- أعضاؤها : لقد ضمت هذه المجالس أعيان العلماء لهذا العهد، منهم الأعضاء الرسميون المخصصون بالتأليف حسب تعليمات السلطان، ومنهم الأعضاء الزتئرون. (50)
     - فمن الأعضاء الرسميون :
     محمد بن أحمد الغربي الرباطي، (51) ومحمد المير السلاوي، (52) ومحمد بن عبد الله الغربي الرباطي، (53) ومحمد الكامل الراشدي، (54) وعبد الرحمان بن عبد القادر بوخريص، والتهامي ابن عمرو الرباطي، (55) وعبد الرحمان المنجرة، ومحمد بن عبد الصادق الدكالي، (56) وعبد السلام بن بوعزة حركــــات، (57) وعلي بن أويس الفيلالي وغيرهم.
     -ومن الأعضاء الزائرين :
     فمن(فاس) عبد الله المنجرة، وإدريس العلااقي، ومحمد بن قاسم جنوس، وعمر الفاسي، والتاودي ابن سودة، ومحمد بن الشاهد العلمي، (58) ومن (مكناس) أحمد بن عثمان. (59) ومن (سجلماسة) أحمد بن عبد العزيز الهلالي. ومن (سلا) أبو الفضل الطاهر السلاوي، والطاهر بن عبد السلام. (60) ومن (تطوان) محمد بن الحسن الجنوبي. ومن (تادلة) محمد ابن عبد الرحمان الشريف، (61) ومحمد بن أبي القاسم السجلماسي، وسواهم من (مدن أخرى).
     وهكذا نلاحظ أن هذه المجالس اتصفت من حيث الشكل والتركيب بما يمكن تسميته بالنظام البرلماني حسب  التعبير القانوني، إذ لم تقتصر على أعضائها الملازمين للسلطان الموجودين بالمركز (مراكش العاصمة)، ولكنها ضمت كذلك محدثين وعلماء من مختلف جهات المغرب، مثل فاس، ومكناس، والرباط، وسلا، وتطوان، وتادلة، وسجلماسة وسوس، استدعاهم السلطان إلى عاصمته لتكون مجالسه أكثر عطاء وإنتاجا، وهو نفس ما كان يقوم به في عصر الموحدين الخليفة يعقوب المنصور الموحدي. (62)
     وبذلك شاركت تلك الجهات في المجالس الحديثية ممثلة في علمائها ومحدثيها، كما أن انتماء هؤلاء المحدثين إلى مناطق مغربية مختلفة يدل على انتشار هذه النهضة الحديثية في مختلف أرجاء المغرب.
     وليس هناك تاريخ موحد بين الاستدعاءات التي كان يوجهها السلطان محمد الثالث إلى علماء عهده، إذ يختلف تاريخ بعضها عن بعض، غير أن المدد الزمنية الفاصلة بين تواريخها ليست طويلة، فقد كان السلطان يستدعي العلماء إلى مراكش كلما تعرف على عالم يراه أهلا للمشاركة في مجالسه، ولدلك وجدناه في عدد من المناسبات- مند أن اعتلى عرش المغرب- يسأل عن العلماء والمحدثين.
 
     * الفرع الثالث : التأليف الحديثي :
    كان من مظاهر الازدهار الحديثي في هذا العهد نشاط حركة التأليف، وسأتناول ذلك في النقط الآتية :
     * أمر السلطان بالتأليف الحديثي.
     * مميزات التأليف الحديثي.
     * شهاداتان على ازدهار الدراسات الحديثية.
     * أثر ابن حجر على علماء هذا العهد.
     * التصانيف الحديثية.
     الأولى : أمر السلطان بالتأليف الحديثي :
     لم يقف السلطان محمد بن عبد الله عند حدود تأسيس تلك المجالس الحديثية، بل كان يعلم أن العلم إذا لم يسجل فإنه يضيع بموت أهله، وكما قيل : « العلم صيد، والكتابة قيد » مصداقا للحديث النبوي «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا من صدور الرجال، ولكن يقبضه بقبض العلماء...». (63)
     لذلك كان يشجع العلماء على تأليف الكتب، سواء كانت تآليفه مستقلة، أو مختصرات، أو شروحا، أو حواش، ولم يقتصر على التشجيع، بل كان يأمر- أحيانا- علماء خاصين بتأليف كتاب معين في الحديث أو غيره من العلوم، ويملي عليهم التعليمات التي يراها مناسبة لذلك التأليف. (64)
     فقد كلف التهامي بن عمرو الرباطي بشرح «الأربعين حديثا النووية»، فسمى شرحه «الأنوار».(65)
     وأمر السلطان محمدا التناودي بن سودة بتأليف كتاب «جامع الأمهات، من أحاديث العباردات والصولات». (66) 
     وكلف غيرهم بغير هذا في «علوم أخرى»، سواء عن طريق العمل الفردي أو العمل الجماعي.
     الثانية : مميزات التأليف الحديثي :
     منها ثلاث مميزات :
   * التعاون في التأليف.
   * تجريد الأحاديث من الأسانيد.
   *التجديد في التأليف.
   1- التعاون في التأليف :
   وإيمانا من المولى محمد الثالث بأن العمل الجماعي يكون في كثير من الأحيان أكثر فائدة من العمل الفردي، وخاصة إذا تعلق الأمر بإنجاز عن مهم وضخم، كان يكلف جماعة من العلماء بإعداد تآليف معينة عن طريق التعاون العلمي، (67) وكان هو نفسه يعطي القدوة في ذلك، إذ كان يؤلف كتبه بمساعدة بعض أعضاء مجالسه، فيستشيرهم ويستطيع رأيهم فيما يكون بصدد تأليفه. (68)
     وهكذا كلف ثلاثة من أكابر علماء عهده بشرح «مشارق الأنوار» للصغانــــــــي (69) (تـ: 650هـ/ 1252 م)، وحدد ثلثا لكل عالم منهم، فشرح محمد التاودي بن سودة ثلثه الأول، وعبد القادر بوخريص ثلثه الثاني، وإدريس العراقي ثلثه الأخير، غير أنه توفي قبل إتمام شرحه، فأمر السلطان ولده عبد الله العراقي (70) بإكمال شرح أبيه، (71) فجاء الشرح في عدد من الأجزاء، على حسب التعليمات التي أشار بها عليهم فيه. (72)
     إن التعاون العلمي على تأليف الكتب الحديثية لم يقف في هذا العهد عند حدود المغرب، بل تعداها إلى المشرق، فتجاوز الصعيد المغربي إلى الصعيد الإسلامي. وأمثل لذلك بأن المولى محمد الثالث ألف كتابه الحديثي «فتح الباري، في اقتطاف أزهار المسانيد لتخريج أحاديث البخاري»، (73) واقتصر فيه على ما يتعلق بالعبادات وأحكامها، ثم كلف الشيخ محمدا الأمير المالكي (74) من مصر بتكميل هذا الكتاب فيما يتعلق بالمعاملات. (75)
     كما أن الشيخ محمد بن محمد الجوهري المصري جمع أربعين حديثا، ثم كلف تلميذه محمد بن عبد السلام الناصري بشرحها. (76)
     2- تجريد الأحاديث من الأسانيد :
     وهناك ميزة أخرى طبعت التأليف الحديثي وهي تجريد الأحاديث من الأسانيد وأسماء الرواة، والاقتصار على ذكر الراوي الأخير للحديث لتسهيل قراءته، وأخذ الحكم منه. (77)
     هذا ما فعله التاودي بن سودة في كتابه : «جامع الامهات، من أحاديث العبادات والصلوات» الذي ألفه بأمر السلطان، والذي اختار أحاديثه من كتاب «المجتبى في أحاديث المصطفى» لابن البارزي الشافعي، فيذكر الحديث وراويه الأخير، ومن أخرجه، على نسق الاصل. (78)
     وبهذه الطريقة صنف محمد بن عبد الله كتبه في الحديث وفقه الحديث، وقد صرح بذلك في مقدمة كتابه «الفتوحات الإلهية الكبرى» بقوله :
     «واقتصرت من رجال الأسانيد على ذكر الصحابي، ومن أراد الأسانيد، فعليه بالمسانيد».
     وعلل ذلك في مقدمة كتابه : «الجامع الصحيح الأسانيد المستخرج من ستة مسانيد» بقوله : «ليسهل على الناظر فيه أخذ الحكم من قواعده وأصوله».
     فيقول مثلا : «أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن معاوية رضي الله عنه قال» : سمعت رسول الله يقول : أو «أخرج الإمام مالك والبخاري ومسلم، واللفظ لمالك، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال ».
     نجد ذلك في كتبه : «الفتوحات الإلهية الصغرى» و «الفتوحات الإلهية الكبرى» و «فتح الباري، في اقتطاف أزهار المسانيد لتخريج أحاديث البخاري» وغيرها.
     3- التجديد في التأليف :
     على أنه لابد من الإشارة إلى أن بعض التآليف الحديثية تميزت بالحدة والابتكار، واتبعت نظاما جديدا لم يسبق إليه.
     ومن أمثلة ذلك كتاب «الفتوحات الإلهية الكبرى» و «مسانيد الأئمة الأربعة» أو «الجامع الصحيح الأسانيد، المستخرجة من أربعة مسانيد» و «فتح الباري في اقتطاف أزهار المسانيد لتخريج أحاديث البخاري» للمولى محمد ابن عبد الله :
     أ-الفتوحات الإلهية الكبرى :
      يقول عنه في آخر كتابه «الجامع الصحيح الأسانيد المستخرج من ستة مسانيد» : (79)
     «وسلكت فيه مسلكا لم أسبق إليه، ونسجتها على منوال لم أر من نسج عليه، وسميته «الفتوحات الكبرى» فجاء بحمد الله كتابا بديع التصنيف ».
     ويشرح ذلك في مقدمة «الفتوحات الإلهية الكبرى» (80) قائلا :
     «ثم سقناها المساق الأبدع، ونظمنا جواهرها على نسق أرفع، فذكرت ما اتفق عليه الأئمة الستة، (81) ثم ما اتفق عليه خمسة، ثم ما اتفق عليه أربعة، ثم ما اتفق عليه ثلاثة، ثم ما اتفق عليه اثنان».
     فهو لم يرتب الأحاديث على أبواب الفقه، كما فعل الإمام البخاري في «صحيحه» مثلا، أو باعتبار الصحابي الراوي، كما فعل الإمام أحمد في مسنده، بل راعى في ذلك اجتماع الأئمة أو انفراد أحدهم، فالأحاديث التي اتفق عليها الأئمة الستة تسمى الأحاديث السداسية، والتي رواها خمسة منهم تسمى خماسية، وهكذا، أي رباعية، وثلاثية، وثنائية. (82)
     ب- «الجامع الصحيح الأسانيد المستخرجة من أربعة مسانيد أو مسانيد الأئمة الأربعة» : (83)
     وفيه كذلك رتب الأحاديث حسب اتفاق الأئمة الأربعة، فيأتي بحديث واحد لكل إمام، مرتبا لهم حسب السن، فيذكر أبا حنيفة (تـ: 150 هـ) فمالك (تـ : 179هـ)، فالشافعي (204هـ) فأحمد (تـ : 241هـ)، ثم يعيدهم على هذا الترتيب، وهذا الصنيع أيضا فريد لم يسبق إليه. (84)
     ج- «فتح الباري» : (85)
     وهو استدرك على «صحيح الإمام البخاري»، وهو يعد محاولة نادرة، إذ تتبع أحاديث البخاري، عارضا لها على مساند الأئمة الأربعة، ملاحظا على الإمام البخاري عدم تخريج أحاديث الأئمة الأربعة، ملاحظا على الإمام البخاري عدم تخريج أحاديث الأئمة أصحاب المذاهب الأربعة إلا قليلا، بينما يخرج لمن دونهم مرتبة. (86)
     وقد سلك فيه أيضا طريقة فريدة، من ذلك مثلا أن الحديث إذا روي عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم،

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here