islamaumaroc

ما وراء القضية الموريطانية -1-

  دعوة الحق

36 العدد

شهد العالم الدولي- في اليوم الثامن والعشرين من نونبر الماضي- ظاهرة سياسية دولية تدعو إلى كثير من الاندهاش والاستغراب، تلك هي الإعلان المهيأ من قبل عن قيام نظام دولي مستقل في موريطانيا المغربية وفصل هذا الإقليم عن الكيان المغربي الموحد بطريق الاعتماد على وسائل التحكم السياسي المباشر وتحت تأثير بعض الاعتبارات المصلحية الملحة التي تتباين والنهج القانوني السليم تباينا كبيرا.
والظاهرة ليست في الحقيقة جديدة من حيث النوع، فالتاريخ التوسعي الأوربي حافل بنماذج كثيرة من هذا القبيل ولكنها - مع ذلك - تعتبر على جانب كبير من الغرابة والشذوذ نظرا لما تحويه في طواياها من خصائص غريبة على الفهم العادي لمجاري الأمور في العالم الدولي وباعتبار ما يكتنفها من ملابسات سياسية ودولية مريبة وما تعبر عنه من انحرافات قانونية وأخلاقية واضحة.
وإطلاق مثل هذه الأوصاف على الظاهرة الانفصالية الماثلة في موريطانيا لا يعكس - في الواقع مجرد الرغبة في التعبير والتشهير، لأن للمبادئ الميكيافيلية في ميدان العلاقات الدولية حدودا يجب أن تتوقف عندها ولا تتجاوزها إلى غيرها، وإلا كان من المعقول أن يعتبر ذلك مجرد غرابة وشذوذ وانحراف وغير ذلك من الصفات التي لها دورها في تحديد خصائص مثل هذه الموصوفات وتعيين مميزاتها ومعالمها.
وإذا أمعنا النظر قليلا في بعض النتائج السياسية والقانونية الدولية التي كان المفروض أن يفضي إليها الوضع القائم في موريطانيا وجدنا من المظاهر التي يتسم بها هذا الوضع ما يبيح الاعتقاد بأنه ينطوي فعلا على كثير من عناصر الغرابة والشذوذ، وذلك إلى حد يفوق أحيانا ما يمكن أن يلاحظ في بعض الأوضاع الانفصالية والتقسيمية من هذا النوع مما هو موجود في بعض البلدان الأخرى في إفريقيا والقارة الأسيوية وغيرها، ولنتناول بعض الصور والأمثلة التي لها دلالتها في هذا المقال: فقد سجلت السنة الماضية مثلا بروز ظاهرة انفصالية خطيرة في جمهورية الكونغو تمثل جانب منها في انشقاق إقليم كاطانكا وكاساي وامتيازهما عن الكيان الكنغوي الموحد، كما تمثل جانب آخر في تعقد الأحوال العامة بهذا القطر وتبلورها في أشكال ملتوية تؤذن بوجود إمكانيات انشقاقية أخرى أشد تشعبا وأكثر إشكالا.
وفي منطقة الشرق الأقصى يستمر الهولانديون على وفائهم لسياسة التجزئة والتقسيم الموجهة ضد وحدة الأرخبيل الأيندونيسي، ولا يزال لهذه السياسة دور أساسي في علاقاتهم العامة بشعب هذا الأرخبيل، ويتمثل ذلك في إصرارهم على الاحتفاظ بإقليم أريان الغربية الأندونيسية وتصميمهم على استبقاء هذا الإقليم في حالة انعزال عن الكيان القومي الأندونيسي، ومنذ سنين عدة وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية كانت الوحدة القومية بإيران هدفا لمؤامرات انفصالية خطيرة تركزت مظاهرها على الأخص في إقليم أذريبجان، وكانت مجرد تمهيد لتنفيذ البرنامج التوسعي الضخم الذي كان يتبناه العهد الستاليني في الاتحاد السوفياتي والذي كان يستهدف اتخاذ الأراضي الإيرانية مركز انطلاق لعمليات التسرب إلى البحر الأبيض المتوسط عن طريق التسلل إلى العراق وسوريا وغيرهما، وهناك بالطبع صور عديدة أخرى لمثل هذا النوع من التآمر الدولي لا تزال آثارها الفعلية المباشرة على سير الأحداث في كثير من نواحي العالم، وتوجد ولا شك أساسا لنشوء وتطور كثير من الأوضاع التقسيمية والانفصالية التي تعاني منها بعض الشعوب الصغيرة في آسيا وإفريقيا وفي غير آسيا وإفريقيا أيضا، هذه الحالات التآمرية الملتوية هي بالطبع وليدة نفس الأسباب والعوامل التي قادت الحكومة الفرنسية إلى احتضان العهد الحالي بموريطانيا، وقد يبدو شيئا عاديا جدا أن يعمد الفرنسيون - في هذا الصدد- إلى انتهاج نفس الأساليب والطرق التي سلكها الهولانديون في إيندونيسيا، والبلجيكيون في جمهورية الكونغو، والروس في إيران، وآخرون في أقطار عديدة أخرى غير هذه، إلا أن الذي يبدو غير عادي كثيرا أن يلجأ الفرنسيون - فوق ذلك- إلى توسيع مفهوم اللامشروعية التي يتسم بها الوضع الحالي بموريطانيا، وذلك إلى درجة تفوق في مداها حدود المفهوم العادي للتآمر وتتجاوز بكثير المستوى الذي بلغته قضية الاعتراف بالأنظمة الانفصالية. كمثال: فقد انقضى فعلا - على قيام العهد الانفصالي بكاطانطا ما يربو على السبعة شهور، ومع ذلك فإن الحكومة البلجيكية لم تجترئ لحد الآن على الاعتراف به اعترافا علنيا رسميا كما تقضي بذلك أصول المناهج الفرنسية في هذا المجال، بل إن مجموع الوضع القائم بهذا الإقليم الكونغوي لا يزال - على العموم- متجمدا من الناحية الديبلوماسية والدولية، ويكاد مستوى هذا التجمد يصل - في بعض الصور- إلى درجة الاختناق الذاتي نتيجة العزلة القاسية التي تحيط بالنظام الانفصالي الكاطانكي والعراقيل القانونية والدولية التي تحول بينه وبين الانطلاق نحو الأهداف المتوخاة من قيامه، وهكذا الشأن بالنسبة لدولة المناجم التي يقودها «كالونجي» في إقليم «كاساي» وغير ذلك من الأنظمة الانشقاقية بالكونغو التي تؤول أصولها في كثير من الحالات إلى إيحاءات وتدخلات أجنبية سافرة أو مبطنة، على أن موقف الحكومة الهولاندية من قضية إيريان الغربية لا يختلف عن هذا كثيرا، فالمسؤولون في لاهاي لم يقدموا لحد الآن على اتخاذ الخطوات المؤدية إلى تحديد صبغة نهائية لهذا الإقليم الإيندونيسي، كما أنه لم يبد منهم بعد ما يوحي بإمكانية تحويله إلى كيان دولي قائم الذات يعرض على عضوية الأمم المتحدة ويجتذب له المعترفون والمباركون من بين الأصدقاء والشركاء.
أما موقف الحكومة الفرنسية من موريطانيا فقد كان شيئا غير هذا، وكان - إلى ذلك، وكما ذكرنا من قبل- على جانب كبير من الغرابة والشذوذ، وخاصة بالنسبة لبعض الاعتبارات التي تتصل بمبادئ القانون الدولي العام، ووجه الغرابة في هذا الموقف لا ينحصر فيما يعبر عنه من تطاول على البديهيات القانونية الدولية كاصطناع الكيانات القومية قسرا واعتباطا، واقتطاع الأراضي التابعة لدول مستقلة ناجزة السيادة، واستخدامها مجالا لافتعال الأنظمة السياسية المفروضة ووسيلة لاصطناع الوحدات الدولية غير الطبيعية، إن وجه الغرابة لا ينحصر في هذا فقط، بل إنه يبدو أكثر من ذلك في اجتراء الحكومة الفرنسية على ارتكاب سوابق خطيرة في الحقل الدولي وذلك بمحاولتها إقحام موريطانيا على المحافل والمؤسسات الدولية الكبرى كهيئة الأمم المتحدة وغيرها. لقد كان من الممكن أن يكون ترشيح موريطانيا لعضوية المنظمة الأممية أقل غرابة لو أن الوضع في هذا الإقليم المغربي كان يتوفر على بعض المقومات القانونية الأساسية التي تخوله ولو قليلا من مظاهر الشخصية الدولية الثابتة، كان من الجائز حينئذ أن يكون هذا الترشيح دون مستوى الغرابة التي يتسم بها عمليا الآن، لكن الشيء الأساسي الذي ينقص هذا الوضع بالفعل هو متانة القاعدة السياسية والقانونية التي اتخذت أساسا لإقامة بنيانه وتوفر المقومات الضرورية التي تجعله جديرا بالانتساب للأمم المتحدة ومنظماتها وهيئاتها وقادرا على تحمل مسؤوليات العضوية فيها واحترام المقتضيات الناتجة عن هذه العضوية، فالحيز الأرضي المقام عليه هذا النظام لا يزال دائما موضوع حقوق قومية ثابتة يلح في المطالبة بها ويعتبر كل بوادر التصرف فيها - بصورة من الصور- مظهر انتهاك لسيادته وبادرة مس خطيرة بكيانه ووحدته وعدوانا سافرا على حقوقه الدائمة ومقومات شخصيته الدولية الثابتة، وتستند المطالبات المغربية- في هذا الصدد- على عدد وافر من المستندات والمراجع القانونية والتاريخية والواقعية التي لها قدر كبير من القيمة والاعتبار.
أما السكان - العنصر البشري للدولة- فإن ولاءهم للوضع المصطنع في موريطانيا يعتبر- من وجهة النظر المغربية – في حكم المعدوم، ولا يزال - من جهة أخرى- موضوع تشككات عميقة عند كثير من الحكومات الأجنبية كما دلت عليه مواقف عدد من وفود الدول غير الأطلسية أثناء مناقشة موضوع موريطانيا بالأمم المتحدة، ومن البديهي أن الولاء الذي يربط بين السكان والجهاز المسير للدولة والذي يعتبر ذا صلة مباشرة بموضوع الجنسية أو الرعوية في أية دولة من الدول، هذا الولاء يجب أن تتوفر مظاهره في كل كيان دولي ثابت الشرعية لكي يكون لهذا الكيان ما يبرر وجوده الفعلي واستمراره القانوني وما يعطي لهذا الوجود والاستمرار مفهومهما العقلي الأصيل، وإلى كل ذلك فإن الظروف السياسية التي رافقت نشوء العهد الحالي بموريطانيا وكانت أساسا لقيام المؤسسات التي يستند عليها وجوده، هذه الظروف تعتبر دائما على درجة عظيمة من الالتواء والغموض، وتشكل مظهر تآمر سياسي واضح المعالم والمفهوم، فعملية الاستفتاء التي أقحمها النظام الدوكولي منذ سنتين على سكان المستعمرات والمحميات والتي  تعتبر من بين التدرجات السياسية المؤدية إلى قيام الوضع الحالي بموريطانيا، هذه العملية لا تنطوي بالفعل على قيمة حقوقية ثابتة، لأن الظروف التي تمت فيها لم تكن عادية ولا طبيعية، بل إنها كانت تشكل مجرد استمرار للجو الاستبدادي التحكمي الذي يميز جميع الأوضاع الاستعمارية في العالم، هذا إلى أن صيغة هذا الاستفتاء لم تكن على شكل يكفي لاستيعاب جميع مضامين الاتجاه السياسي لشعب موريطانيا، كالميل مثلا إلى إعادة إقرار الوحدة المغربية عن طريق الالتحام بين أجزاء المغرب في الشمال والجنوب، وانعدام الشرعية بهذه الصورة لا يتمثل في عمليات الاستفتاء تلك فقط، بل يتجلى كذلك فيما أعقب تلك العملية من بوادر سياسية ودستورية مختلفة تهدف في جوهرها إلى إقامة مؤسسات سياسية مفتعلة واصطناع كيان دولي غير طبيعي، وذلك عن طريق إجراء انتخابات تشريعية مظهرية وتنصيب مجلس وطني صوري ووضع دستور قومي مرتجل.
هذا إلى أن الوضع المقام في موريطانيا عن طريق هذه الأساليب لا يفتأ يواجه من الاعتراضات على الصعيد الدولي ما يعتبر ذا دلالة خطيرة على مستقبله ووجوده، لأن الاعتراضات الموجهة لهذا الوضع لا تتناول فقط مجرد سلوك القائمين عليه أو تستهدف مذاهبهم واتجاهاتهم، بل إنها تمس الأسس الجوهرية التي يرتكز عليها مبدأ وجوده والمعطيات القانونية التي تبرر نشوءه واستمراره.
وحالة موريطانيا في هذا الأمر تماثل الحالة التي خلقها قيام الكيان الإسرائيلي في أرض فلسطين سنة 1948، فقد صادر اليهود هم أيضا حيزا أرضيا تؤول ملكيته إلى الغير، وأقاموا على هذا الحيز كيانا قوميا مصطنعا لا يتمتع بأي قسط من التماسك والتجانس وتسود وجوده حالة من التوتر الدولي الدائم تجعله عرضة للتهديد المباشر غير المنقطع، وقد كلف وجود هذا النظام الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط ثمنا باهظا، بل إن الاحتكاكات المسلحة الناشئة عنه كادت تؤدي في كثير من الحالات إلى إصابة السلام العالمي في الصميم، مثل ما حدث غداة إقدام القوات الإسرائيلية على اجتياح سيناء، والمشادات الدولية الحادة التي أعقبت ذلك والتي تمثل بعضها في الإنذار الموجه من طرف السوفييت إلى حكومات فرنسا والمملكة المتحدة، وتمثل بعضها الآخر في توتر العلائق بين أمريكا وحلفائها الغربيين المهاجمين بشكل حاد وقوي المفعول. وواضح أن استمرار وجود الكيان الإسرائيلي - وارتباطات هذا الكيان بمشاكل التجزئات الاستعمارية - لن يكون مطلقا عامل تهدئة واستقرار في أنحاء الوطن العربي، بل إنه يساعد بالعكس على استمرار وجود حالة التوتر المشحون بمختلف الإمكانات الانفجارية التي لم تكن حملة سيناء إلا إحدى الشرارات المنبعثة عنها، وهكذا الأمر بالنسبة للوضع القائم في موريطانيا المغربية، فقد نشأ هذا الوضع الغريب وظلال التآمر الدولي تكتنف جوانبه وتضفي على وجوده أردية قاتمة ملؤها الغموض والريب والالتواء، وبقدر ما يمتد به الوجود بقدر ما تزداد عناصر الافتعال والتناقض والتضاد التي صاحبت نشوءه وضوحا وبروزا، ولو أن الحالة التي خلقها هذا الوضع كانت تشكل مجرد معضلة قانونية نظرية لا تأثير لها على الصعيد العملي الذي يتصل فعليا بواقع العلاقات القائمة بين الدول والحكومات والمنظمات العالمية وغيرها - لو كانت الحالة القائمة في موريطانيا بهذه المثابة لكان من الجائز أن تكون أقل إثارة لمشاعر الحذر والريب الذي يبثه وجودها في كثير من المحافل الدولية في العالم، إلا أن الواقع الذي تمثله هذه الحالة يتجلى في خطورة النتائج المنبثقة عنها، هذه النتائج التي ليست - في جوهر الأمر- مطلق نظريات وفروض مجردة بل إنها ذات فعالية حقيقية وتأثير قوي غير محدود، ومن شأنها أن تساهم في تحريف كثير من الحقائق والوقائع التاريخية والاجتماعية والجغرافية والإنسانية الثابتة، وتشكل أساسا للنيل من سلامة ووحدة كيان قومي مرتكز على أساس هذه الحقائق والوقائع، وتفضي في النهاية إلى فرض حالات سياسية ودولية معينة تنسجم مع وجهات النظر التوسعية العامة وتقوم على أساسها. ومن المؤكد أن استمرار حالات من هذا النوع كالحالة القائمة في إقليم موريطانيا ليس مما يعين عادة على تدعيم عوامل الاستقرار العام في أية منطقة كان ذلك من مناطق العالم، وليس هناك ما يبيح الاعتقاد بأن الحالة الموريطانية بمفردها قد تشذ عن هذه الحتمية التاريخية الصحيحة دائما، إن العكس هو الصحيح في الواقع، فالقضية الموريطانية - كغيرها من قضايا التجزئة المفروضة- من شأنها أن تفضي إلى قيام حالة قلقة وغير مستقرة في غرب الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط والصحراء الكبرى، وليس من ريب في أن نشوء مثل هذه الحالة في قطاع دولي حساس وهام كقطاع الشمال الإفريقي يفضي بالطبع إلى إحداث آثار بعيدة المفعول على سير العلاقات الدولية بين شعوبه أو بعضها على الأقل وبين فرنسا والجهاز الدولي الضخم الذي يسبح في فلكها، ومن الجائز جدا أن يؤدي كل ذلك إلى انفتاح آفاق جديدة في رقعة النزاعات الدولية الحادة وقيام حالة أخرى من حالات الصراع الإقليمي المتواصل يماثل في ملابساته وتدخلاته العالمية ذلك النوع من التنازع الحاد والدائم الذي يوجد بين الجمهورية العربية المتحدة وإسرائيل.
وقد يبدو الحديث عن هذه الإمكانيات الدولية الخطيرة التي ينطوي عليها استمرار الوضع الحالي بموريطانيا والصحراء الكبرى - قد يبدو الحديث عن ذلك بمثل هذه الصورة مكتسبا صبغة المبالغة والتهويل ولكن قليلا من التأمل في الجوانب التي تحيط بنشأة وتطور كثير من الأوضاع المماثلة التي لا تفتأ تساهم في تسميم أجواء الأفق الدولي باستمرار كالوضع في الفيتنام وكوريا وألمانيا وفلسطين وغيرها - إن قليلا من إمعان النظر في مثل هذه الأوضاع غير الطبيعية قد يغني في الدلالة على ما يمكن أن تؤدي إليه عمليات التجزئة المصطنعة من صعوبات دولية معقدة على الرغم من اختلاف الظروف التي يمكن أن تكون سببا في وقوع هذه التجزئة، ومن الجلي أن المقدمات التآمرية التي أفضت إلى عزل موريطانيا عن المغرب من شأنها أن تقود إلى إبراز نفس الصعوبات الدولية بكل ما تنطوي عليه من تشعب وتعقيد، وما تحمله في تضاعيفها من تأثير على الاستقرار الدولي العام، لأن النتائج التي من الطبيعي أن تؤدي إليها هذه المقدمات في موريطانيا هي نفس النتائج التي كانت أساسا لخطورة الأحوال الدولية بالشرق الأقصى والشرق الأوسط وأواسط أوربا نتيجة الأوضاع التقسيمية المفروضة على شعوب هذه المناطق، وإذا كانت الأحوال الحاضرة بموريطانيا تبدو في مظهر يوحي ببعض الهدوء النسبي فإن الإمكانيات الانفجارية التي تزخر بها القضية الموريطانية من شأنها أن تعصف بهذا الهدوء وتأتي عليه في أي وقت من الأوقات، والحق أنه من الصعب تقدير هذه الإمكانيات تقديرا صحيحا ودقيقا، إلا أن الذي يبدو مؤكدا أن النتائج التي قد تنبثق عنها لا بد أن تكون على درجة من الأهمية والخطورة سواء على الصعيد القاري الإفريقي أو على الصعيد الإقليمي المتوسط، ومن بين هذه النتائج:
1- قيام حالة من التوتر السياسي والنفساني الناشئ عادة عن عمليات التجزئة والتقسيم في منطقة المغرب والصحراء مثل ما هو عليه الأمر في كوريا والفيتنام وألمانيا وغيرها.
2- نشوء أوضاع في المنطقة تساعد - نتيجة لذلك- على وقوع مصادمات دولية حادة قد يكون لها تأثيرها على مستقبل العلاقات بيننا وبين الغرب.
3- احتمال استفحال التدخل الدولي في موريطانيا واتساع نطاق التسربات الأجنبية إلى الإقليم وما قد يعقب ذلك من آثار سيئة على حسن توازن العلاقات الدولية بإفريقيا.
هذه بعض الإمكانيات الخطيرة التي يحتضنها - بحق- وجود المشكلة الحالية بموريطانيا، وظهور المشكلة بهذا الشكل الحاد وانطواؤها على هذه الإمكانيات يعود في المقام الأول إلى مصادمتها للروح الخيرة التي يجب أن تضبط جو العلاقات بين الأمم والشعوب ومجافاتها للقيم المعنوية الخالدة التي ترتكز عليها مفاهيم الحرية الإنسانية في مختلف الأقطار والأمصار، على الرغم مما تبديه الديبلوماسية الفرنسية في هذا المضمار من كلف سطحي بمبدأ حق تقرير المصير وحرص ظاهري على احترام مقتضياته بالنسبة للشعب المغربي في إقليم موريطانيا، وهذا وجه آخر من أوجه التناقض والتهافت الذي تنطبع به المناهج الاستعمارية الفرنسية في هذا الميدان.
         

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here