islamaumaroc

حكم طبية في آيات الرضاع.

  أمل العلمي

العدد 347 رجب-شعبان 1420/ أكتوبر-نونبر 1999

* تمهيد :
    الإسلام دين الفطرة، أي دين النهج الرباني والدستور السماوي الذي ودعه الله في الكون والكائنات، ودل عليه بأنبيائه ورسله وكتبه، فجعله دين الإسلام والاستسلام للحق سبحانه وتعالى، وقوانينه ومشيئته من آدم إلى نبي الله ورسوله المصطفى الأمين سيدنا محمد ص، الذي بشر بالإسلام ، ملة إبراهيم حنيفا، والأنبياء من قبله، عليه وعليهم السلام...، فجاءت الرسالة المحمدية مكملة ومهيمنة على سائر الرسالات السماوية، وبموجب ذلك نسختها...، ومن ثم فالذين عند الله الإسلام...، « ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه».
     لذا أخذت على عاتقي البحث في الكتاب والسنة والشريعة عن قواعد لإرساء«طب إسلامي» (كما وضحت كل ذلك في كتابي «نحو طب الإسلامي»، مستمدا أصوله وروحه من الشريعة الإسلامية، فبينت على الخصوص مفهوم الطب الإسلامي وخصائصه ومقوماته، واستخلصت حتمية الحل الإسلامي في المجال الصحي...،وذكرت من بين خصائص ومقومات الطب الإسلامي خاصية أساسية أطلقت عليها «الطب الفطري» الذي ينبغي أن يساير به الطب فطرة الإنسان، كما خلقه الله عليها...، لا تبديل لخلق الله...، ومن الأمثلة الكثيرة في هذا الشأن نخص منها بالذكر الرضاع الطبيعي الذي يستجيب لسنة الله في خلقه، وندرسه ضمن الطب الفطري وفوائده الصحية، ويستأثر باهتمامنا في هذا البحث.

• فطريات الرضاع الطبيعي :
بعد الرضاع عند بني الإنسان والحيوان جزءا لا يتجزأ من ظاهرة تناسل جميع الثدييات، وكل نوع من أصناف الحيوان له احتياجات خاصة به، فنلاحظ أن لكل صنف نوعا خاصا من الرضاع يناسب خاصيات وحاجات نسله، فحليب الأم يلبي وحده كل احتياجات الرضيع أثناء الأربع أو الستة الأشهر الأولى. وبعد ذلك يفتقر الرضيع إلى المواد غذائية إضافية، لكن حليب الأم يشكل في كل الحالات قاعدة ضرورية لنمو وتكوين متوازنين أثناء السنتين الأولى في حياة الطفل.
     وجاء في مقال تحت عنوان : «الرضاع (الطبيعي) عند المرأة : اختيار طبيعي» لكاتبه (م. كاربالو) بمجلة المنظمة العالمية للصحة («الصحة والعالم» في عددها لشهري غشت- شتنبر 1979 ص : 29-31) ما مفاده : «... رغم أن الرضاع الطبيعي يخضع لحدس الفطرة، يجب أن نلقنه ونشجع عليه، فالرضاع الطبيعي عند الأم المرضع يعد أولوية للأطفال الرضع في البلدان التي تشق طريق النمو، غير أن كل الأطفال الرضع يفتقرون لذلك مهما كانت بيئتهم الاجتماعية، لذا فإن الرضاعة الطبيعي عند المرأة لا يخص مجموعة بشرية دون أخرى، لكنه يكون جزءا من آلية الحياة».
     وبين الباحث ما يخلفه عدم الرضاع الطبيعي من ارتفاع في نسبة موت الأطفال وحالة الأمراض لاسيما الجرثومية منها.
     ومن البديهي أن عدم الاستجابة للفطرة بالرضاع الطبيعي والمباشر بالتدي (أو الحيلولة دون الزواج المبكر أو الدعوى لعدم الحمل ) كل هذا وذاك يتنافى مع صحة المرأة وطبيعتها الأنثوية، ومن ثم تترتب عليها أضرار بصفة عامة، وفي حق المرأة المرضع والطفل على الخصوص.
     علاوة على ارتكاب ظلم في حق الطفل الرضيع؛ ففي الحالة الأولى التي تهمنا في هذا البحث؛ ترضع الأم نفسها لخطر سرطان التدي، كما تعرض طفلها لأمراض بحرمانه من الحصانة الطبيعية الناشئة عن الرضاع الفطري، وهناك فوائد طبية كثيرة للرضاع الطبيعي، سنحاول استعراض بعض منها بإيجاز ضمن هذا البحث.
     هذا، وإن الاسلام دين الفطرة، أولى الرضاع الفطري الطبيعي أهمية كبرى، وحث عليه في القرآن الكريم، وجعله حقا للطفل وواجبا على الآباء.
     وميل الأنثى لإرضاع الطفل شيء طبيعي إذ جبلت فطرتها على ذلك بوحي من الله. والقرآن الكريم يشير إلى ذلك في سورة القصص : ?وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإن خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني، إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين... ? آية: 7. وتنبهنا الآية الكريمة لأهمية الرضاع من ثدي الأم في حق سيدنا موسى...، فموسى الرضيع يرفض ثدي أي مرضع ولا يطيب له الرضاع حتى يلقى حضن أمه : ?وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون... ? آية 12 من سورة القصص. فكان ذلك لإدخال الغبطة والسرور على نفس أم موسى كي تقر عينها بولدها لما يتيحه الرضاع من ثوتيق أواصل العطف والمحبة والحنان بين الرضيع ومرضعه...

• القرآن والرضاع الطبيعي :
ومن المعلوم أن العرب لم تكن تسمى الرضاع إلا ما كان من الثدي، أما ما عدا ذلك فهو رشف من زجاجة أطلق عليها في عصرنا رضاعة، خلافا للدلالة اللغوية العربية الأصيلة، لذا فإن كل الآيات القرآنية التي تتعرض للرضاع تدل على الرضاع الطبيعي، فجاء لفظ الرضاع ومشتقاته في القرآن الكريم في عدة سور وآيات، فنجد الألفاظ الآتية أرضعت، أرضعن، أرضعنكم، فسترضع، يرضعن، أرضعيه، تسترضعوا، الرضاعة، مرضعة، المراضع؛ وكلها تشير إلى الرضاع الطبيعي، وللمتأمل في تلك الآيات أن يلاحظ أن القرآن يحث على الرضاع، ويشجعه ويلفت النظر لفطريته وضرورته للطفل، ويعطيه أهمية فصوى إلى درجة يجعله في معرض الحديث عن هول يوم القيامة، وما يترتب عنه من ذهول...، ذهول حتى المرضع؛ بل كل مرضع عما أرضعت كما سنوضح كل ذلك.

• أفضلية حليب المرأة :
أثبتت الدراسات العلمية أن حليب المرأة أفضل من الحليب الاصطناع، غير أن عناصره ودورها ومصيرها، كل ذلك يكاد يكون مجهولا بقدر كبير( 15- 13)
     ويشكل في عصرنا الحليب الاصطناعي بأنواعه المختلفة تقدما لما يتيحه من توفير وسائل تغذية الأطفال، ولقد استعملت عدة تقنيات في محاولة تقليد حليب المرضع الطبيعي، لكنها باءت كلها بالفشل، ويجزم الخبراء لأنه يستحيل بتاتا صناعة حليب مطابق لحليب المرأة، انطلاقا من حليب البقر أو غيره. ويلاحظ هؤلاء الخبراء أن حليب المرأة على سبيل المثال، يحتوي خمسين نوعا من أنواع السكر المختلفة التركيب، من بينها ما لم يكشف بعد شكله الكيميائي، ويضيف هؤلاء أن تواجد هذا الكم الهائل من أنواع السكر في حليب المرضع ليس عبئا أو من قبيل الصدف، بل إن كل يلبي حاجات معينة ومضبوطة من حاجات جسم الطفل.
     وبين أحد العلماء الباحثين «ليستراديت» Lestradet كيف أن اختلاف مكونات الحليب البشري وحليب البقر يناسب بالضبط اختلاف تكوين ونمو الرضيع بالمقارنة معها عند العجل، إذ يضاعف العجل وزنه بعد الولادة في شهرين، أما الطفل فيضاعفه في خمسة أو ستة أشهر، وبذلك فإن حاجات العجل اللمواد المشكلة (Plastiques للجسم، والمواد البروتينية، والأملاح المعدنية هي ثلاث أضعاف ما يحتاجه الطفل، فيطغى عند العجل نمو الجسد على نمو الرأس والدماغ، أما دماغ الطفل- خلافا لدماغ العجل- فينمو بسرعة مضاعفة بالمقارنة مع نمو وزنه، ويتطلب ذلك الحصول على بعض المواد المغذية، من بينها كلاكتوزات وأحماض دهنية من نوع خاص بمقادير مضاعفة عند الطفل لما عليه عند العجل، ولا يتوفر ذلك على أتمه إلا بالرضاع الطبيعي فكيف ذلك ؟

• لكل صنف حليبه :
ويقرر كذلك العلم أن خصائص اللبن تختلف من حيوان لآخر، وبالنسبة للبن البشري، وكل لبن يناسب حاجات النوع الحيواني أو البشري الذي ينتمي إليه. إذ أن لبن كل نوع يناسب نمو صغار هذا النوع، بحيث لا توجد نفايات أيضية، أو بمعنى آخر، يمكن بمعرفة تركيب الحليب التعرف على نوع الحيوان الذي ينتمي إليه، ولنسق بعض الأمثلة لتوضيح هذا المفهوم : الفأر والأرنب يضاعفان وزنيهما الولادي في ستة أيام، ويضاعف العجل الرضيع الوزن في شهرين. أما الطفل الرضيع فيتطلب منه ذلك ستة  أشهر، فيمكن أن نستخلص من هذا أن حاجات نمو القامة والوزن عند الفأر والانب والعجل أكبر بكثير منها عند الطفل، ولا سيما من البروتينات والأملاح المعدنية. وبالعكس من ذلك فإن دماغ العجل الصغير ينمو بسرعة أقل من سرعة نمو دماغ الطفل. إذا تكون حاجات العجل للمواد الضرورية لنمو الجهاز العصبي أقل بكثير منها عند الطفل: كلاكتوز- لاكتوز والأحماض الدسمة غير المشبعة الضرورية لتلفيف مادة المييلين حول محور الخلية العصبية. ومادة المييلين تعد مكونا أساسيا للجهاز العصبي.
     أما التحليل الكيميائي للألبان فيؤكد الافتراض السابق حول حاجات نمو القامة والوزن عند مختلف أنواع الحيوانات والنوع البشري. وعندما نراقب مختلف الحيوانات، نتبين أن فحوى الألبان من برتينات وأملاح معدنية هي مناسبة لسرعة مضاعفة وزن الولادة.
    فإن لبن البقر من بروتينات وأملاح معدنية تبلغ ثلاث مرات منها ما يوجد في لبن المراة، إذ العجول تضاعف وزنها ثلاث مرات أسرع من الأطفال، وعلى عكس ذلك، فإن لبن المرأة الغني باللاكتوز والأحماض الدسمة غير المشبعة يناسب نمو دماغ الرضيع.

     *آية «الميلنة» :
     قلنا فيما سبق، إن من مزايا حليب الأم ما يقوم به من دور في إغناء دماغ الرضيع ببروتينات خاصة تساعد تكوين مادة المييلين الأساسية للنمو الطبيعي المناسب لدماغ الصنف البشري.
     والميلة myèlinisation هي المرحلة التي تقوم فيها بعض خلايا الدماغ المسماة خلايا شفان de cellules   chwann  بتلفيف محاور الخلايا العصبونية neurones وتغطيتها لتمكنها من أداء دورها على غرار الأسلاك الكهربائية التي تكون عارية من كل غشاء عازل، فتقوم المييلين مقام عازل كهربائي لمحور الخلية العصبية عن المحيط الذي يمتد فيه.
     ومن المدهش أن نسجل هنا أن المدة الزمنية التي تتطلبها هذه المرحلة الأساسية لما سميناه« الميلنة» لا تتم كاملة إلا بعد سنتين من الولادة، مصدقا للآية الكريمة الواردة في سورة البقرة : ? والوالدات يرضعن أولادهن حولين لمن أراد أن يتم الرضاعة...?صدق الله العظيم (الآية : 233).
     ونعلم كذلك أن دماغ المولود لا يكون عند الولادة قد استوفى تكوينه وتطوره ماديا. فمرحلة تكوين الدماغ تستمر بعد الولادة مدة السنوات الأولى من الحياة؛ ويتطلب ذلك كما سبق ذكره توفر مادة المييلين التي تتكون بفضل الرضاع ومواده الأساسية والخاصة، بكل نوع أو فصيلة من الثدييات أو عند بني البشر. ولمزيد من الإيضاح، فالآية السالفة الذكر تشير إلى مدة كاملين لمن أراد أن يتم الرضيع، فتوافق بذلك مدة « الميلنة» سنتين كاملتين لإتمام عملية تكوين الدماغ على الخصوص ما يتعلق منه بالمواد التي لا يوفرها بخصوصياتها إلا الرضاع الطبيعي.

     * من فوائد الرضاع الطبية : (4 – 8 – 9 12)
     1 – الوقاية من الأمراض الجرثومية:
      يمتاز وينفرد حليب الأم المرضع باحتوائه مادة الإمينوكلوبلين أ(((I g A)ImmunoglobulinesA .هذه المادة يفتقر إليها الرضيع، إذ لا يمكن لجسمه صنعها بالمقادير الكافية إلا بعد ثلاثة أشهر من الولادة، ولا يمكنه الحصول عليها إلا من حليب المرضع فتقيه من الأمراض الجرثومية، لاسيما منها تعفنات الأمعاء...، وكذلك التعفنات من مصدر حموي viral أو تعفنات جرثومية خارج الأمعاء أو تعفنات فطارية mycosiques.
    2- الوقاية من الحساسية :
     تنتج هذه الوقاية بفضل كذلك مادة I g A الموجودة في حليب المرضع. ويحدث ذلك بما تقوم به المادة من تغطية للعشاء الداخلي لأمعاء الرضيع، فتمنع الأمعاء من امتصاص البروتينات الأجنبية عن الجسم. وبهذا توفر الوقاية، أثناء الأسابيع الأولى، من الحساسية . فلو لا مادة I g A قد تترتب عن تلك المواد الأجنبية حساسية بجسم الرضيع.
     على عكس ذلك يعطي الحليب الاصطناعي مواد مضادة للجسم تسمى المستضدات antigènes بمقادير مهمة جدا، لا سيما منها « البيطا لاكتوكلوبولين» B Lactoglobulines  الموجودة في حليب البقر. وهذه المواد مضرة حتما بالطفل، إذ يكون في حالة لا تسمح له بعد بالوقاية منها. وتبدو عواقب ذلك بعد بسنوات. فهؤلاء الرضع الذين لم يحصلوا في الشهور الأولى على بروتينات من حليب البقر، تجدهم أقل عرضة من الآخرين للإصابة – ثلاث إلى أربع مرات – بالتهاب الأنف الأرجي rhinite allergique بداء الربو asthrne ، أو بالإكزيمة eczèma.
     3- الوقاية من داء السمنة :
      يكون الرضيع الذي استوفى حظه من الرضاع الطبيعي لمدة طويلة وكافية أقل عرضة لداء السمنة من اآخرين، إذ يحصل أثناء تلك المدة على أقل كمية المواد التي تهيء للإصابة بالسمنة من دقيق اللبن بأنواعه المختلفة farines ، والسكروز saccharose ، والصوديوم sodium .
هذا، من جهة أخرى فإن حليب (الرضاعة) الاصطناعي يبقى في مركباته ثابتا لا تتغير مواده بالمص، على عكس ما يحدث بجراء مص الثدي من تغيرات في مركبات الحليب الطبيعي، لا سيما على مستوى مواده الدهنية، فيستفيد من ذلك الرضيع.
     4- الرضاع والوقاية من ارتفاع ضغط الدم :
     بينت دراسات تعتمد على التجارب على الحيوان أن تغذية الطفل بحليب البقر أو بمواد متنوعة تعطى له باكرا، من شأنها أن تفور مقادير كبيرة من مادة الصوديوم، وقد ينتج عن ذلك ارتفاع ضغط الدم لاحقا، مما يبين دور الرضاع الطبيعي، إن لم يكن في الوقاية  من ارتفاع ضغط الدم – فبعدم تعريض الطفل لهذا الداء المزمن، إذ نلاحظ أن حليب المرضع لا يسبب تراكم كميات الصديوم بجسم الرضيع. 
     5- الوقاية من السمنة ما بعد الحمل :
     يتيح الرضاع للمرضع الاستعمال الفزلجي للدهنيات التي تراكمت في الجسم أثناء الحمل، ويساعد بذلك على الوقاية من السمنة ما بعد الحمل.
     6- الرضاع وفوائده النفسانية :
     بينت عدة دراسات ميدانية أن الرضاع لما يكون بمحض إرادة الأم وبقبول تام منها، فإنه يعطيها تألقا إضافيا، ومن فوائده أنه يرسخ دور الأمومة. أما بالنسبة للرضيع – ونتيجة لهذه التجربة – فلا للتجارب العاطفي مثيل له، وسنعود لهذه الأمر في فقرة لاحقة.
     7- تغير حليب الأم وطبيعته الكيماوية :
     يتبين أن حليب الأم يتغير تكوينه وطبيعته الكيماوية والغذائية بتغير ظروف الأم، لا سيما تغذيتها وحالتها النفسية، وطبيعة عملها من قبيل إرهاق أو توتر عصبي ليوثر سلبا على الرضيع، أو عكس ذلك إن كانت حالتها النفسية مرضية، ولا تتعرض لتعب بدني. ويتغير الحليب كذلك حسب حاجات الطفل عموما وأثناء اليوم الواحد (بتغير الطقس مثلا) لفائدة الرضيع. فحليب الصباح غير حليب الزوال أو المساء ، ويتغير كذلكأثناء الوجبة الواحدة أو من مصة إلى أخرى...، لنبين هذا المر العجيب بشيء من التفصيل: ففي الأيام الأولى من اليوم الأول إلى السادس، يحتوي حليب الم على اللبأ colostrum، ومن اليوم السادس إلى الرابع عشر يكون الحليب حليبا موقة في تركيبه ومحتواه ما بين المرحلة السابقة واللاحقة. أما الحليب ما بعد اليوم الرابع عشر، فيكون حليبا قد استكمل خصائصه ليناسب هذه المرحلة. واللبأ البشري له خاصيات كيميائية إحيائية تخصه، فهو يحتوي مقادير ضئيلة من اللاكتوز والدهنيات، لكنه غني بالأملاح المعدنية والبروتينات(المضادات العضوية، لاكتوز انسفيرين) وأوليكوساكاريد.
       ومن فوائد اللباء أنه يساعد على طرد الخبث الموجود في أمعاء الوليد في الأيام الأولى من الحياة، ويطلق عليه في الطب عقي meconium . أما عند استكمال الحليب الناضج لخصائصه المناسبة للمرحلة الثالثة ما بعد اليوم الرابع عشر، فتتغير مكوناته، وأثناء الرضع يكون إفراز الحليب خفيفا( من حيث كثافته) في البداية للرضعة الوحيدة ليصير مكثفا شيئا فشيئا من مصة لأخرى، مع ازدياد لكثافة المواد الدهنية بنيبة مضاعفة أربع مرات: ويبدو أن هذا التغيير له تأثير على شهية الرضيع. وأثناء اليوم والليلة فإن كثافة المواد الدهنية (الموجودة في الحليب) تتزايد ما بين السادسة والعاشرة صباحا، وتقل في الليل. وأثناء شهور الرضاع تنخفض تدريجيا نسب اللكتوفيرين Ig As والزنك. فلا يوجد حليب اصطناعي يمكنه مضاهاة الحليب الطبيعي والتكيف مع حاجيلت الطفل بدقة، كما هو شأن الحليب الطبيعي.
     وهذا التغير يجري بكيفية طبيعية فطرية وعجيبة، تستدعي وقفة تأمل...، ففي كل ذلك آيات معجزات نمر عليها مرور الكرام، فلنتفكر في هذا الأمر العجيب مرة أخرى...، ولنعد التفكر ونقول: سبحان مبدع كل شيء...، ومن ثم هل من مقارنة لحليب الم الطبيعي الفطري والرضاع الطبيعي بالحليب الاصطناعي والرضاع الاصطناعي!

     * دور الرضاع في رشاقة جسم المرأة النفساء :
     وهناك كذلك أهمية فطرية أخرى للرضاع وما له من أثر على الجهاز التناسلي عند الرضيع. إذ يبين علم فزلجة الولادة والنفاس أنه مباشرة بعد الخلاص الجنين يتقلص الرحم، فيصير صلبا ومتكورا، ويكون الرحم في البداية منثنيا إلى الأمام وكروي الشكل، فيحدث بالتناوب تقلص وارتخاء أثناء الأيام الأولى، ثم ينخفض عدد التقلصات إلى أن يتوقف. وأثناء الإثني عشرة يوما يكون الرحم بطنيا، فيصل مستوى قعره في أول يوم ما فوق السرة بقدر حجم أصبع. وفي اليوم السادس يهبط المستوى إلى نصف المسافة ما بين السرة والتصاق عظم العانة، ويصير من جديد داخل الحوض ما بعد اليوم الثاني عشر.
     ويحدث مغص شديد عند المرأة المولود بسبب تقلصات الرحم المتقطعة والمؤلمة، ويكون هذا بحدوث ألم شديد بالرحم أثناء يومين أو ثلاثة أيام بعد الولادة يصحبه نزف أو طرد للدم المتختر. وكل ذلك له علاقة بمص الرضيع للثدي، فيتكاثر به بواسطة منعكسات عصبية.
      ويكون عنق الرحم مفتوحا، مرتخيا ومتشنجا في البداية فينكمش بسرعة. وتصير جدرانه صلبة، وسمكة وينخفض طوله...، وكذلك يحدث انكماش وتصاغر بالمسالك الولادية السفلى...
     وعلى هذا النحو يتبين من كل ما سبق مدى ما تحرم المرأة نفسها في فترة النفاس بعدم استجابة نداء الفطرة بإرضاع طفلها، لذا فمن أجل رشاقة جسمك يا سيدتي وللمحافظة على جمالك وصحتك يتعين عليك أن ترضعي طفلك.
     تلكم بعض ما يمكن تسجيله من أثر سلبي بعدم الرضاع الفطري.

     * رباط عاطفي متين :
     يصور القرآن الكريم الرباط العاطفي للمرضع بالرضيع ومتانة تلك العاطفة في معرض الحديث عن هول يوم القيامة في الآية التالية من سورة الحج : ? يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت? آية : 2؛ والآية الكريمة تشير إلى أن كل مرضع تذهل عما أرضعت، فجاء فعل الإرضاع في الماضي ليبين أن علاقة المرضع بالرضيع مستحكمة وقديمة، غذتها المرضع بما تغذقه من حليب في فم الرضيع، وما تقدمه له من حنو وحنان وعاطفة تشتد رسوخا مع مر الأيام بمص الرضيع لثديها، فتكونت بذلك ما يسمى في اصطلاح علم النفس تلك العلاقة النفسانية – العاطفية  relation psycho-affective بين المرضع والرضيع، فصارت رابطة متينة متغلغلة في أعماق وجدانيهما ال يقوى على فك عروتها وكسرها شيء في الوجود بمشيئة الله... غير أن هول يوم القيامة أكبر وأشد على النفس من تلك العاطفة التي ما كانت لتنكسر، وهي متوطدة ومستحكمة الوثاق إلا لهذا المر الجلل.
     ويثبت علم النفس والطب الحديث هذا الأمر، بما في الرضاع ومص الرضيع لثدي المرضع من أثر نفساني وعاطفة تشتد مع مر الأيام بفضل الرضاع الطبيعي. فلا تعرف الأم التي لاترضع من ثدييها تلك العاطفة وما تحدثه في كيان المرضع والرضيع سواء...
     فيا لتعاستها وشقائها...، ويا حسرتها لما فرطت فيه وزهدت عبه...، فظلت بذلك نفسها ووليدها !

     * قضية أبناك الحليب ودور المرضع :
     هذا، والجدير بنا من جهة أخرى أن نقف موقف الرفض من الحلول المستوردة لقضايا طبية إذا ثبت مخالفة لعقيدتنا ولديننا دين الفطرة، وأن نطرح البديل الإسلامي لها.
     وليس للفقهاء أن يتبنوا أمورا مستحدثة في الطب بفتوى تقتصر على سؤال سطحي يوضح حول مسألة، قد لايبين كل جوانبها. من ذلك مسالة أبناك الحليب ومسألة الاستنجاب بطريقة التلقيح الاصطناعي. فقد أفتى بعض علمائنا بجواز أبناك الحليب، وطالعتنا المجلات والصحف بذلك. وفتوى مجردة هكذا لها سلبياتها ولا يعلم إلا الله عواقبها، وحري بنا تقديم فتوى في مثل هذه المسائل، التريث حتى تدرس كل جوانب الموضوع بدقة من طرف أطباء مسلمين وعلماء الفقه والشريعة، لئلا يكون نص الفتوى فيه التباس، أو يتضمن افتراضات نعلم طبيا أنها مخطئة تماما( مثل تلك الفتوى بين الكراهية والحرمة للسجائر حسب عددها أو كونها تضر أولا بصحة من يتعاطاها، على أننا نعلم علم اليقين طبيا أنها مضرة بصحة أي شخص، قل عددها أو كثر).
     وحول قضية أبناك الحليب والفتوى حولها عدة أسئلة كان على عالم الفقه أن يطرحها قبل الإدلاء بفتواه، من بينها :
     - ماهو مفهوم أبناك الحليب قبل كل شيء؟
     ليكون في العلم أن أبناك الحليب تهدف إلى جمع حليب المرضعات بآلات من الثدي مباشرة على غرار ما يجري لاستخراج الحليب من البقر بالطرقث العصرية، ثم يجمع ويقنن بكيفية منفردة أو بعد خلطه مع بعضه، ويخزن بقصد الاستعمال عند الأطفال الرضع بكيفية عشوائية لا تأخذ بعين الاعتبار مصدر الحليب ولا تضبط الطفل الذي يحصل عليه. وقد ينتج من ذلك خلط في المحارم من الرضاع. وإننا نعلم بنص القرآن أن المرضع بمثابة الم، وكذا رابطة الأخوة الناتجة عن الرضاع من ثدي نفس المرضع؛ مصدقا للآية الكريمة في سورة النساء: ? وأمهاتكم اللاتي أرضعتكم وأخواتكم من الرضاعة? آية : 23.
     -ما هي الحالات التي يرى الطب أنها تستدعي الاستعانة بأبناك الحليب؟
     - هل للحليب المخزون في تلك الأبناك نفس المزايا التي توجد في حليب المرضع، ولا يعرض الطفل لأدنى خطر؟
    -ما هي مساوئ أبناك الحليب وأخطارها: سواء الاقتصادية، والتجهيزية، ومخلفاتها الصحية والنفسية على الطفل؟
     - هل لا يوجد هناك حل آخر بالرجوع مثلا إلى تعاليم الإسلام مع إعطاء مكانة لائقة لوظيفة المرضع من جديد في مجتمعنا؟ الطريقة تبقى فطرية،طبيعية، بسيطة، ذات مزايا اقتصادية وصحية على الطفل، فإلى جانب مزايا المرضع الطري هناك خلق فرصة لكسب القوت الحلال لامرأة في حاجة مادية، فهي أفضل لها من اللجوء إلى بيع عرضها والتسكع في الشوارع، وفي نفس الوقت تقوم هذه المرضع بدور الحاضنة بالنسبة للطفل، ويكون هذا حلا بالنسبة كذلك لأسرة الطفل، إن كانت ظروف الأم لا تساعد على القيام بواجبها الفطري نحو طفلها الرضيع؛ ? وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم? آية : 233 من سورة البقرة.
     ولقد أشار القرآن إلى هذا المصدر من الرزق الحلال للمرضع في سورة الطلاق : ? فإن أرضعن فآتوهن أجورهن...? آية :6.
     ويقول الله سبحانه وتعالى كذلك في سورة الطلاق: ? وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى? الآية : 6. ولم يتعرض لأبناك الحليب.
     حقا إن الله عز وجل لم ينف كذلك هذه الوسيلة بنص قطعي، ولكن قياسا بالارشاد الإلهي هنا إلى الإرضاع بواسطة المرضع، هل يمكن القول بأن المسألة لم تعد تقبل نقاشا (وهذا مجرد رأي وليس تصديا للفتوى)، سيما وأن الطب يقنن الحالات التي تستوجب الرجوع إلى هذه الأبناك، فلا تكاد تتعدى حالات الأطفال المولودين قبل الموعد المرتقب(خدجان) مع نقص في الوزن (أقل من كيلو غرامين ونصف)، أو حالات خاصة لأطفال رضع مرضى، ويتبين كذلك أن الأفضل بالنسبة لهم حليب الأم، أو المرضع الطري مباشرة من الثدي(إذا أمكن) بالطريقة الطبيعية الفطرية. والإسلام دين الفطرة يأخذ بأحسن أساليب العلاج في هذه الحال. زد على ذلك ما يمكن أن يترتب على أبناك اللبن من عدم معرفة مصدر الحليب بالنسبة لحرمة الزواج الناتجة عن ذلك كما سبق ذكره. وهذا كله دون التعرض للثمن الفاحش للحليب المخزون.

     * خاتمة :
     نستخلص من هذه الدراسة فطرية الرضاع الطبيعي وفوائده الصحية، وأهميته عند المرضع والرضيع سواء.
    ويمكن تلخيص أهم فوائد حليب المرضع في كونه: يعطي وجبة متوازنة باستعمال مواد غذائية ضرورية لنمو الجسم والدماغ نموا مناسبا، ويتح وقاية ضد الجراثيم والحساسية؛ ويتغير ليناسب احتياجات الطفل؛ ويقوي الرابطة العاطفية بين المرضع والرضيع؛ ويقوم بدور في إعادة الرشاقة لجسم المرضع في مرحلة النفاس. كما بين هذا البحث بعض أوجه الإعجاز العلمي في الآيات القرآنية حول الرضاع والحكم الربانية التي تدهش العالم المتأمل في خلق الله. وتعرض البحث لمناقشة قضية أبناك الحليب واقتراح تجديد دور المرضع في عصرنا.وقدمنا نقدا بناءا لموقف بعض الفقهاء من هذه المسألة .


• المراجع العربية :
- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن.
-  أمل العلمي، نحو طب إسلامي (تحت الطبع)

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here