islamaumaroc

أحب الخلق إلى الله أنفعهم للناس [افتتاحية]

  عمر بنعباد

العدد 347 رجب-شعبان 1420/ أكتوبر-نونبر 1999

    الإسلام دين إلاهي قويم، وتشريع رباني حكيم، تضمن من المبادئ والأحكام، ومن المكارم والفضائل ما ينير للإنسان معالم الطريق، ويوضح له سواء السبيل، ويجعله على بينة من أمره فيما يأتي ويذر، وعلى بصيرة من شأنه فيما يقول ويعمل.
    ومن بين تلك المبادئ والمكارم مبدأ التعاون على البر و التقوى، وفضيلة التكافل الاجتماعي بين المسلم وأخيه المسلم، بين القوي والضعيف، والغني والفقير، بما يحقق ذلك التراحم والتعاطف، والتضامن والتماسك بين أفراد الأمة وشرائحها المختلفة، باعتبارها تشكل جسدا واحدا وبنيانا يشد بعضه البعضا.
    وهذا المنظور الإسلامي للأمة المحمدية، يفيد أن الإسلام لا يريد للمسلم أن يكون انفراديا وانطوائيا في قرارة نفسه، ولا يرضى له أن يكون أنانيا وانعزاليا وسط مجتمعه، يهمه أن يعيش لنفسه وذاته، وأن يستمتع بالخيرات لوحده، وبما يسر الله له من مكاسب الحياة، وأفاء عليه من طيبات الرزق، وينتفع بها دون غيره، ويستطيبها دون الإحساس بواقع محيطه، بقدر ما يريد له أن يكون إنسانيا واجتماعيا يفكر في الآخرين ويستشعر ظروفهم وأحوالهم الاجتماعية، ويهتم بهم اهتماما لا يقل عن اهتمامه بنفسه وبأسرته الصغيرة، فيعمل جهد المستطاع لمد يد المعونة المادية والمعنوية لهم، ويسعى من خلال موقعه الاجتماعي وعمله اليومي لتقديم ما يمكن لهم من خدمة ونفع قدر الإمكان، عملا بالحديث النبوي الشريف: « لا يومن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».    
     وإذا كان ذلك مطلوبا من المسلم تجاه أخيه المسلم بصفة عامة، فإنه مطلوب ومتأكد أكثر في حق الفئة الضغينة، وفي اتجاه الشريحة الفقيرة في المجتمع، والتي لا يخلو منها زمان ولا مكان، وفق سنة الله في الكون وحياة الإنسان، إذ التكافل يحقق مقصدا شريفا، وهدفا نبيلا يتمثل في تخفيف وطأة الفقر، ودفع شدة العوز والحاجة عن تلك الفئة، ويدخل عليها المسرة والابتهاج، ويشعرها بالتقدير والاعتبار والاهتمام من طرف الشريحة الميسورة في الأمة، وفي نفس الوقت يحقق للأمة روحيا واعتقاديا يومن به ويصدق به كل مسلم، يتمثل في دفع الأهوال والأزمات والكروب عن الأمة، ويحقق المزيد من الفتح والنصر لها، مصدقا للحديث النبوي القائل: « هل ترحمون وتنصرون إلا بضعفائكم»، والحديث القائل: « الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»،« والراحمون رحمهم الرحمان، إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».
     وانطلاقا من هذه المبادئ الإسلامية، ومن الرعاية الملكية السامية، شهدت بلادنا في رمضان المنصرم لعام 1419 هـ وطيلة هذا الشهر المبارك، عملية الإفطار وتوزيع المواد الغذائية، التي تنظمها مؤسسة محمد الخامس للتضامن، تحت الإشراف المولوي الكريم لجلالة محمد السادس، وهو يومئذ ولي للعهد، وشهدتها في رمضان المبارك من هذا العام 1420 تحت رعاية جلالته، وهو ملك للبلاد وأمير للمومنين، والتي عمت مختلف المدن والقرى بالمملكة، وأدخلت الفرحة والمسرة على قلوب الفئة المستضيفة، وأشاعت الأمل والانتعاش، والسعادة والطمأنينة في نفوسها.
     وفي نفس التوجه والمسار، ولنفس الغاية النبيلة شهدت بلادنا في شهر نونبر الماضي لسنة 1998 الحملة الأولى للتضامن ضد الفقر، التي نظمتها كذلك مؤسسة محمد الخامس للتضامن، تحت الرعاية السامية لجلالته، وهو إذ ذاك ولي للعهد، كما شهدت بلادنا في نفس الشهر من سنة 1999، الحملة الثانية لهذا التضامن تحت إشراف ورعاية جلالته، وهو عاهل للبلاد، وأمير للمومنين والتي لقيت إقبالا متزايدا، وإنفاقا سخيا، وبذلا متناميا بلغت حصيلته أكثر مما كان متوقعا ومنتظرا.
     وذلك يدل على أمرين هامين، وخاصيتين متأصلتين في نفس هذا الشعب المغربي المسلم منذ تكونت دولته المسلمة، وترسخت شخصيته المومنة، وتركزت هويته المغربية الإسلامية، وتوطد عرشه المغربي المكين.
    أولهما الطاعة المتفانية لعاهله المفدى وملكه المحبوب ولعرشه العلوي المجيد، والاستجابة المتسارعة لنداءاته الخيرة، في أي أمر وطني أو ديني أو اجتماعي. كما هو الأمر بالنسبة لحدث المسيرة الخضراء المظفرة، معجزة القرن العشرين، والتي خلد المغرب بكل اعتزاز وحماس في نونبر 1999، ذكراها الرابعة والعشرين، وكما هو الأمر بالنسبة للإسهام الشعبي في تشييد المعلمة الدينية العظمى، معلمة مسجد الثاني بالدار البيضاء، وكما هو الأمر بالنسبة للإٌقبال على الحملة الأولى والثانية للتضامن ضد الفقر تحت الإشراف المولوي الكريم، للملك العطوف الذي تجمعت حوله الكلمة والقلوب، أمير المومنين، جلالة الملك محمد السادس، أيده الله بالنصر والفتح المبين. 
    الأمر الثاني الذي يدل عليه الاهتمام بشريحة الفقراء والمعوزين، ويومئ إليه التكافل الاجتماعي لفائدة الضعفاء والمحتاجين هو ما يحمله هذا الشعب المغربي في قرارته من تمسك بدينه القويم، واعتصام بحبله المتين، وتشبث قوي بمثله العليا، وقيمه المثلى، ومن إيمان متعمق في قلبه، متجذر في نفسه، متأصل في عواطفه، وأن نوازع الخير كامنة في وجدانه ومشاعره، لا يكاد يسمع نداء إلى الخير ودعوة إليه من طرف ملكه وعاهله المطاع ومن وطنه العزيز حتى تجده سباقا إلى فعل الخير والمكرمات، مبادرا إلى التنافس في البر والتقوى، مستعدا لبذل الغالي والنفيس، وتحصيل الفضائل والمبرات، وكأنك به وهو يستجيب للنداء، ويلبي داعي الخير والوطن، يستحضر في قلبه وفكره، ويرسم بين عينيه وفي ضميره قوله تعالى : (  وفي ذلك فليتنافس المتنافسون).
    وإذا كان الإسلام دين الرحمة والشفقة، ودين البر والعطف والتعاون الإنساني والإحسان الخيري والتضامن والتكافل الاجتماعي حقا، فإنه في نفس الوقت دين الدعوة إلى العمل الحيوي بكل أشكاله وأنواعه، ودين الحث على السعي في الحياة لكل قادر عليه، حيث اعتبره نوعا من الجهاد في سبيل الله، ودعا إلى نبذ التكاسل والخمول، وإلى ترك التقاعس والاتكال، وإلى إتاحة الفرص للعمل، وتهييئها للقادرين عليه، وجعل اليد العليا خيرا من اليد السفلى، وجعل مفهوم النفع للناس أوسع، ومجاله أرحب وأفسح، إذ هو يشمل كل نفع مادي ومعنوي يتحقق بكيفية تلقائية من المسلم لأخيه المسلمـ وتجاه مواطنيه بصفة عامة من خلال موقعه وعمله الذي يقوم به في وسطه الاجتماعي، ويؤدي به دوره وواجبه المنوط به تجاه الآخرين، ويحقق به خدمة إيجابية نافعة لبلده وأمته، ويسهم به في بناء صرح مجد الوطن، ونهوضه وازدهاره المنشود، وذلك شأن المواطن الصالح الواعي بمسؤوليته، المقدر لها، النصوح المخلص في السر والعلن. فالإسلام دين القوة والمناعة والعزة والكرامة لأمته وأهله، ولن يتحقق ذلك إلا بالعلم النافع، والعمل الصالح، والسعي الجاد المتواصل في كل جوانب الحياة ومرافقها المتنوعة.
     فما أوسع ميادين نفع العباد في شؤون الدين والدنيا، وما أكثر مجالاته المتنوعة الفسيحة، التي يصدق عليها قول الحق سبحانه : (لمثل هذا فليعمل العاملون) وقول النبي (ص) : « الخلق عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله».

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here