islamaumaroc

حول ذكرى القرويين

  دعوة الحق

36 العدد

شهد القرن الثالث للهجرة مولد جامع القرويين في قلب فاس عاصمة العلم والعرفان، ذلك الجامع التاريخي العظيم الذي أسسته السيدة فاطمة الفهرية القيروانية في شهر رمضان عام 245 هـ الموافق سنة 859م. فحظى بما لم يحظ به جامع سواه من عناية فائقة وحفاوة بالغة. حيث اتخذ العباد مركزا هاما لعبادتهم، وخصه العلماء بإلقاء دروسهم بين أساطينه وفوق كراسيه. فلم يلبث أن انفراد بدراسات متنوعة وعلوم متعددة من عقلية ونقلية منذ أقدم العصور.
ولئن كان مركزا زاخرا بالعلوم الإنسانية بما فيها من طب وموسيقى فقد امتاز –علاوة على ذلك- بالدراسات الإسلامية العليا ذات الطابع العميق في بحث أسرار الشريعة الإسلامية وفلسفة اللغة العربية.
لذلك أمه الطلاب من جميع أنحاء الدنيا قصد الاغتراف من معينه الفياض لأنه كان الكلية الوحيدة التي ذاع صيتها ذاك وقد اعترف لها بهذه الأولية حتى المؤرخون الأجانب فقد كتب عنها أحد علماء الروس يقول:
 إن أقدم كلية في العالم ليست في أوربا كما كان يظن بل في افريقيا في مدينة فاس عاصمة بلاد المغرب إذ بتحقيق بالشواهد التاريخية أن هذه المدرسة كانت تدعى كلية قيروان... في الجيل التاسع للميلاد (الثالث للهجرة) وعليه فهي ليست فقط أقدم كليات العالم بل هي الكلية الوحيدة التي كانت ملتقى طلبة العلوم السامية في تلك الأزمنة حيث لا يعرفون من الكليات إلا الاسم ولذلك كان الطلبة يتواردون عليها من أنحاء أوربا وانجلترا (وبلاد العرب) للانخراط في سلك طلابها وتلقي العلوم السامية باللغة العربية مع الطلبة الطرابلسيين والتونسيين والمصريين والأندلسيين وغيرهم.
وهذه الأرقام الحسابية التي تعلمها في القرويين سلفسر الثاني ونقلها إلى أوربا لا تزال شاهدة بصحة ما نقول.
والحركة العلمية التي خاض غمارها في القرويين -أعلام الدين والفكر والأدب منذ أوائل القرن الرابع للهجرة مثال ناطق بما كان لعلمائها من هيام بالمعرفة وانقطاع إليها حتى أن بعضهم- مثل ألو ميمونة دار ابن إسماعيل المتوفى عام 357 هـ بني له مسجد بحي مصمودة بفاس ما زال يعرف إلى الآن باسم مسجد سيدي الدراس لكثرة دراسته للعلم وانقطاعه إليه.
هذه الحركة العلمية النشيطة الني دأب عليها العلماء في الماضي لفتت أنظار الدول التي تعاقبت على المغرب فكان لذلك أثره البين في الاهتمام بالقرويين.
فهذه رحابهم تتسع وهذه مستودعاتهم تشهد وهذه أبوابها تكثر فباب للقضاة وآخر للموثقين وآخر وآخر للعميان وآخر للجنائز وآخر للكتبيين وآخر للنساء بإزاء دار يتهيأن فيها للصلاة... إلخ.
وهذه زاوية للقراء وهذه خزانة كبرى للتراث وأخرى لحفظ المصاحف. وهذه مياه عذبة جلب إليها من بعيد وهذه غرفة الموقت ومقصورة المفتي ومقصورة الخطيب وهذه مجانات شمسية وغير شمسية للمحافظة على أوقات الصلاة. وهذه ثرياها الكبرى تحتضي جوفها –ولا يملأ قوارير- سرجها من الزيت إلا خمس قلل- تفتق السنة الشعراء فيتفنون في وصفها إلى نقوش بديعة وآثار فنية رائعة، إلى جانب ما وقف على علمائها وطلبتها والقائمين عليها من محبسات ما فتئت تشهد بما كان لحكومات المغرب وشعبه من عناية فائقة بالقرويين لأن الرسالة المقدسة التي استمرت قائمة بها منذ عدة قرون كانت تفرض هاته العناية.
ولئن كانت الأعاصير الزمنية أوشكت أن تعصف بها من وقت لآخر كانت تصمد ضد تيارها فيكون النصر في الأخير حليفها لأن للبيت ربا يحميه.
ولكنها منذ ابتلاء المغرب بالحماية سنة 1912 أخذ ظلها يتقلص من جراء الضربات المتوالية الموجهة إليها.
وفي فترة وانية من فترات حياتها يأبى صاحب الجلالة الملك المعظم سيدي محمد الخامس إلا أن يراب صدعها ويلم شعتها ويضم شتاتها ويجمع من بقى من علمائها وطلبتها فيصدر ظهيرا شريفا بتاريخ ذي القعدة عام 1394 هـ الموافق 29 مارس سنة 1931م. في شأن تعيين مجلس أعلى للإشراف عليها و(سن ضابط كفيل بتحسين حالتها فيما يرجع لانتخاب العلماء المدرسين وتعيين الفنون التي تدرس فيها والتآليف التي تقرأ بها والأوقات التي تلقى فيها الدروس وما يتعلق بذلك صونا لكيانها وحفظا لبهجتها ونظارتها وحرصا على دوام عمارتها وتعظيما لشأنها).
وعقب ذلك تكون مجلس تحسيني داخل القرويين للسهر على تنفيذ ما سنه المجلس الأعلى من قوانين وما وضعه من ضوابط وبرامج وبمقتضاه أصبح النظام في القرويين منذ ذلك التاريخ مشتملا على طور أول يحتوي على ثلاث سنوات وطور ثان يحتوي على ست سنوات وطور عال يحتوي   على قسم شرعي مكون من ثلاث سنوات وآخر أدبي مكون من ثلاث سنوات أيضا. ومن اجتياز المراحل كلها ونجح في آخر امتحاناتها نال شهادة العالمية، عوضا عن الإجازة القديمة التي كانت تعطى من طرف كبار العلماء لمن حصلت له ملكتهم. وهكذا بدأ النظام في القرويين وتخرج منه 334 عالم من بينهم خمس فتيات وهؤلاء هم القائمون في التعليم الأصلي والعصري بتدريس المادة الإسلامية وعلوم اللغة العربية أو تفتيشها وعاملون في الميدان القضائي والإداري والدبلوماسي في بعض السفارات ويرجع الفضل ف يذلك لصاحب الجلالة الذي ما فتئ يرعى هاته المؤسسة وأخواتها في أنحاء المملكة الشريفة بعناية الملحوظة فيزورها بنفسه الكريمة من آن لآخر ويتحدث عنها في خطبه السنية كلما عنت مناسبة قال جلالته : (إن من حق هذه البلاد أن تعتز بتاريخ ثقافي عريق فمنذ العهود الأولى لانبثاق فجر الإسلام في ربوعها ظهرت من بين المغاربة أو الوافدين عليهم طائفة من العلماء الذين انصرفوا إلى إماطة لثام الجهل عن العقول وغرس مبادئ الدين الحنيف في النفوس وتبصير الناس بما فرض عليهم دينا ودنيا. ومن هذه الطائفة كانت النواة لأول مركز ثقافي عرفه المغرب وكان من بين المراكز الثقافية المعدودة على الأصابع آنئذ هذا المركز هو الذي عرف باسم القرويين والذي صار منذ ذلك الحين منهلا دفاقا بشتى أنواع العلوم والآداب العربية يسعى إليه المغاربة وغيرهم من كل حدب وصوب ليكرعوا من حياضه ويرتووا من معينه ولعل ما نالته القرويين من عناية أسلافنا المقدسين بها واهتمامهم العظيم بشأنها قد ضاعف عناية واهتمام جميع الذين سقوهم ممن تداولوا الحكم بهذه البلاد إذ كانوا يرونها المنار الذي يشع ضياء المعرفة والإيمان والحصى الذي تحتمي به لغة القرآن وآدابها في هذه الديار ففي عهدهم أدخل عليها نظام أشبه بالنظام الجامعي).
وهكذا قيض الله للقرويين من رجال الدولة العلوية من يسهر عليها ويدأب في العمل على رقيتها. ولم يكن اهتمامهم بالمعهد القروي بأقل من الاهتمام الذي كانوا يولونه لابن يوسف بمراكش وذلك جريا على مألوف عادتهم ورحمهم الله من عدم إدخار أي وسع للنهوض بالمستوى الثقافي بهذه البلاد وإشاعة العلوم والمعارف بين كافة الناس وقد لا نحتاج إلى أن نذكر كم بما تم على يدنا في أوائل عهدنا باعتلاء العرش من تأسيس نظام بكليتي القرويين وابن يوسف كان له أبعد الأثر في ترقية أساليب التعليم بهما وبما جددناه أو أحدثناه من معاهد وفروع تابعة لهما كمعهد تطوان ومعهد مكناس وطنحة ووجدة وتارودانت ومعهد الفتيات بفاس الملحق هو أيضا بالقرويين وذلك ما أذكى الروح العلمية في مختلف نواحي البلاد).
هكذا يأبى صاحب الجلالة إلا أن ينثر هذه الدرر الغالية تخليدا لتاريخ القرويين المجيدة وتاريخ أخواتها.
وقد توالى على كرسي الرئاسة بالقرويين عدد من كبار العلماء وشيوخ الإسلام الذين لا يتسع المقام للتحديث عنهم. وفي فترة حالكة من فترات حياتها أسند صاحب الجلالة مديريتها للأستاذ السيد محمد الفاسي فأزاح عن طريقها الأشواك وخطا بها خطوات موفقة إلى الأمام. 
وقبيل استقلال المغرب كان مديرها وعدد من علمائها وطلبتها رهن المعتقلات والسجون والمنافي لمطالبتهم بعودة الملك الشرعي إلى عرشه فاعتراها بسبب ذلك ضعف شديد وانحلال متزايد.
ولما بزغ فجر الاستقلال (2 مارس سنة 1956) وأصبح التعليم الإسلامي العالي من مشمولات وزارة التربية الوطنية أنشأ السيد محمد الفاسي الوزير السابق قسما في الوزارة للعناية بهذا النوع من التعليم العريق في بلادنا لأن السنوات العشر التي قضاها على رأسه جعلته خبيرا بمشاكله ومطالبه ومنذ ذلك الحين أصبح المسؤولون عنه في القسم المختص، أمام عدة مشاكل شاملة لشؤون التجهيز والتأثيث والتسيير والتوظيف وأماكن الدراسة وسكنى الطلبة وإعاناتهم ومنحهم والبرامج والكتب المقررة والفنون المدروسة وغير ذلك من المشاكل المادية والمعنوية التي شغلت بال أولئك المسئولين فذللوا الكثير منها بمعونة الوزارة في أمد قريب سواء في ذلك ما يتعلق بالقرويين أو غيرها من باقي المعاهد الأصلية.
 فإذا علمنا أن القرويين أهملت من لدن الاستعمار طوال مكثه في بلادنا وعلمنا أن طلبة القرويين كانوا يتزايدون في عهد الاستقلال بنسبة مهمة علمنا مدى ما يتطلبه الأمر من اهتمام وتيقظ وتبصر ومواصلة عمل حتى يتحقق للقرويين وغيرها جميع ما حرمت منه في العهد البائد.
ولإطلاع حضراتكم على ما تم في القرويين في عهد الاستقلال أسجل أن عدد تلاميذها وطلبتها ارتفع من سبعمائة إلى أكثر من ستة آلاف. بينما ارتفع رجال التعليم فيها من نحو 50 إلى 213.
وأماكن سكنى الطلبة حولت في معظمها إلى مآوي صحية خصوصية في حي الشراردة. وأصبحت لهم منح منتظمة من وزارة التربية الوطنية بدل الإعانة القديمة التي كانت خبزة قفارا من الأحباس بالنسبة للآفاقيين فقط ولا شيء لغيرهم من الحضريين ولهم اليوم داخلية مستوفية الشروط تضم ثمانيمائة تلميذ إلى فصول دراسية منظمة بدل حلقات الدروس داخل المسجد، ومستوصفين في كل من معهدي الزربطانة والشراردة، وملاعب للرياضة، وقاعة للمحاضرات، وخزانة للكتب الدراسية وغيرها.
أما البرامج الدراسية فقد أدخلت عليها تحسينات عملا بمبدأ الوحدة الذي قررته اللجنة الملكية منذ سنة 1957 على أساس تدريس جميع المواد العربية ودراسة لغة أجنبية كمادة ثقافية. فكان في ذلك فرصة للقرويين استطاعت بسببها أحياء مواد رياضية يعبر عنها اليوم بالمواد الحديثة وقد كانت تدرس في القرويين منذ القرن الرابع للهجرة. وبذلك صارت الدروس التي تلقى فيها حاليا تتوفر على جميع المواد الشرعية واللغوية والتاريخ والجغرافية والفلك والمنطق وتشتمل إلى جانب ذلك العلوم والرياضيات والكيمياء واللغة الأجنبية والرياضة البدنية والتربية الخلقية والوطنية... إلخ.
ولتدريس هذه المواد بالغة العربية استقدمت وزارة التربة الوطنية عددا من الساتذة الشرقيين. ولحل مشكلة الكتب التي ينبغي أن تدرس بها جميع مواد البرامج الجديدة، أشعر قم التعليم العالي جميع مدرسي المواد الأصلية أو الحديثة بضرورة إعداد مذكرات بالدروس التي يلقونها على تلاميذهم قصد انتقاء الإصلاح منها بواسطة لجان فنية لطبعه وتقريره وقد شرعوا في إعداد هاته المذكرات منذ السنة الماضية ووصلت بعض النماذج بالفعل إلى الوزارة والأمل قوي في أن تحل هذه المشكلة العويصة في أقرب وقت ممكن بفضل مجهودات الأساتذة المختصين.
والجدير بالذكر أن القرويين استطاعت بحكم محيطها العريق في العربية أن تحقق –بسرعة- ما قررته الجنة الملكية من ضرورة تدريس جميع المواد باللغة العربية وإلى جانبها لغة فرنسية. وابتداء من السنة الدراسية المقبلة ستضاف إليها اللغة الإنجليزية بينما ستفتح في القرويين كلية للشريعة تشتمل على جميع المواد التي كانت تدرس في النهائي القديم من تفسير وحديث وأصول وفقه وخلاف عال وتاريخ ونصوص أدبية ولغوية، وتزيد عليها بدراسة مواد أخرى كالفلسفة الإسلامية وتاريخ التشريع الإسلامي ونظام الحكم في الإسلام والفرق الإسلامية إلى غير ذلك من الاقتصاد السياسي والقانون الدستوري والأنظمة السياسية وعلم الاجتماع والقانون الدولي العام والخاص والتجاري والإداري والمالية العمومية... إلخ ولعلماء الشباب الحق في الحصول على شهادة الدكتورة في الشريعة الإسلامية بواسطة شهادة الدبلوم التي ستفتح أمامهم المجال للإعداد أطروحة هذه نظرة على عن ماضي القرويين وحاضرها نرجوا أن تكون ألقت ضوءا على بعض جوانب هذه المؤسسة العظيمة.
سدد الله الخطي وحقق الآمال في ظل عاهلنا المنصور المظفر والسلام.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here