islamaumaroc

على هامش كتاب الخزانة العلمية بالمغرب، لمحمد العابد الفاسي -1-

  دعوة الحق

36 العدد

بمناسبة ذكرى مرور ألف ومائة سنة على تأسيس جامعة القرويين التي اقيمت حفلاتها يوم 10 أكتوبر سنة 1960 - تحركت قريحة الأستاذ الأخ محمد العابد الفاسي فحرر كتابه القيم «الخزانة العلمية بالمغرب».
الكتاب الذي يعد الوحيد من نوعه رغم أن هناك مؤلفات عرضت لذكر بعض الخزائن العلمية بالمغرب في اقتضاب وإلمام لا يكاد يروي غلة المتطلع.
وإذ كان الكتاب بهذا الاعتبار حيث عرض فيه الباحث الفاسي للمكتبة المغربية عبر مراحل التاريخ الإسلامي العلمي بالمغرب، حبب إلى الكاتب الجراري أن يتجول في جنبات بحوثه القيمة مقدرا جهود الأخ وعناءه الفردي الذي لا يحسه إلا من وقف مواقفه وقلب صفحات النوادر والغرائب والخروم والجيزات المبعثرة داخل  الرفوف كطعمة للأرضة والعنكبوت ، رغبة في مشاركته ولومن  بعيد. والأمل أن لا يظن الأخ في هذه المشاركة تعقيبا عليه فيما كتب أو ما يمس بمكانته العلمية لا سيما في بابه والذي يستحق التقريظ والتقدير من الكتاب والباحثين، لذا فالجراري يهنئ الأستاذ الفاسي في محاولته الكبر في الموضوع متمنيا له مزبد العون والنشاط .
 وها هو الكاتب يجول في زوايا الخزانة تطلعا منه لاقتناء ما تحتوي من نفائس ودرر غالية كان الوصول إليها عسير المنال لولا الجهود، والجهود الجبارة الموفقة .
جاء في ص5 ما قرى تموه في بحث نشر في مجلة المغرب التي كانت تصدر بالرباط: أن معاوية بن أبي سفيان كانت له مكتبة بالشام خدمة وأعوان يتعاونون على إحضارها له وقراءتها عليه، يجلس  لذلك في أوقات معينة  لا يخطاها، كما لمعودي في مروج الذهب وغيره .
   الذي تعطيه ظروف الإسلام الاولى وحضانتها المبكرة التي لم تكن تشتقا بوئ بثه في الصدور عن طريق الكتاب والسنة الشفاهة في كثير من الأحيان، أو الحكمة التي كان يتوفك إليها البعض ممن أوتوا فقها وفهما أن الاعتماد لم يكن على غير مذاكر . وطبيعي أن زمان معاوية بعد غصا في هذا الباب لم تبزغ فيه شمس التأليف بالمعنى والواسع الذي ينجم عنه وجود مجلدات تحتوي معالم العلوم والفنون على اختلاف مشاربها وميول المعاصرين لها لحد يستدعي أحداث مكتبة تضم أسفارها ومجلداتها .
فالتأليف لهذا العند الرطيب لا زال يدرج على رجليه، فأحرى أن تتكون فيه أجزاء ومجلدات، لذا فالذي أراه في الموضوع أن المكتبة التي كانت لمعاوية بالشام لها قيمون وأعوان يقومون بتقريبها من الخليفة وإحضارها له في أوقات معينة، إنما هي الدفاتر المحتوية على سير الملوك وأخبارها والحروب والمكايد، والظن أن هدا لا يستدعي مكتبة لها مالها من القيمين والأعوان، اللهم إلا إذا أضيف إليها دواوين من قبله من الخلفاء كعمر، رضي الله عنه، أو أن المكتبة كانت تضم فيما تضم من دفاتر مجلدات الخزائن الرومانية والفارسية وقتا كان فيه بعض من ذكر من الغلمان يشتغل علاوة على الترتيب  والتنظيم بترجمتها وحل ما بها من تراتيب إدارية وسياسية لابد للدولة من معرفتها والسير على غرارها إن هي أرادت بلوغ الهدف المرغوب فيه لدى الدول والحكومة ،لاسيما وقد أصبحت الدولة الإسلامية تحتك بغيرها من دول العالم بما كان لها من فتوحات ، فترى من أنظمتها وعاداتها ما لا يجد معه بدا من اقتباس محاسنة وإدخال ما تساعد تعاليم الإسلام على إدخاله من عوائد.كل هذا يتحمله لفظ مكتبة في هذا العصر الأول للإسلام وإن لم يرد في كلمة المسعودي، وإنما الوارد فيه: الدفاتر فيها سير الملوك  وأخبارها والحروب والمكايد (رقم 425ج2 من مروج المسعودي على هامش نفح الطبب ) وهي ما كثرت تستدعي طبعا خزانة ومكتبة تضمها. على أن حركة الكتاب وظهوره في الميدان الثقافي واتخاذ العدة لوضعه في رفوق أولية ما ابتدأ يأخذ اتجاهه ونظامه إلا أيام حفيد معاوية -خالد بن يزيد- الذي جعل  يشتغل بترجمة الكتب العلمية والرياضية لحد اندفع فيه هو نفسه للتأليف والتصنيف فكتب عدة كتب منها كتاب الحرارت، وكتاب الصحيفة الكبير، وكتاب الصحيفة الصغير وكتاب وصيته لابنه في الصنعة.
أما العلوم الإسلامية من تفسير وحديث وسير ومغازي وملاحم فما اتجه إليها علماؤنا واشتغلوا بالكتاب فيها إلا أواسط القرن الثاني، حتى ذكروا أن أول من اعتنى بالتدوين والتأليف فيها هو  ابن جريج عبد الملك الرومي المتوفي سنة  150كأبي حنيفة .
وابن جريج أول الذين               قد دونوا الكتب لنا تدوينا
       وليسمح لي الأستاذ إذا ما حادثته في صفاء، ذلك أنه يورد أحيانا نقوله عن بعض المجلات كنتيجة لمطالعاته فيقول (قرأت في بحث منشور في مجلة المغرب التي كانت تصدر بالرباط وكنت قرأت في أحد أجزاء مجلة المجمع العلمي والعربي نقلا عن تاريخ ابن فياض وما إلى هذا، ووجدت في أوراقي الخاصة نقلا عن بعض المصادر إلى أن أحصى الخ ) قائلا للأخ تسهيلا على القارئ والمطالع لو أنه بين سنة المجلة وشهرها وعددها رغبة في اهتداء الولوع بأسرع ما يمكن لمراجعة الموضوع في المصدر ورغبة كذلك في التمكن من جهة، وطلبا لمزيد الاتساع في الاستفادة من جهة أخرى، مع احترام مطالعات الأخ ومباركة وعيه وثبات مذكرته.
ورد في ص6: في الوقت الذي أخلدنا فيه نحن أهل البلاد إلى الكسل والانزواء إلى آخر عباراته: ما له أثناء نشاط علماء الاستشراف وتقديرهم للثقافات وخدمتهم الثقافة العربية الأندلسية فيما خدموا. نعم حضرة الأخ إنها لظاهرة سيئة إذا ما ورد  خاطرها على النفس ونفس الولوع  على الأخص، يكاد يتميز غيطا من عارها، إنها ورب الكعبة حالة مزرية قد لا تتورع عن إلصاق العار بالكتاب والأدباء المنزوين في بروجهم العاجية كنظارة ليس لهم من الإشراق إلا الازدراء بالعاملين والمنتجين، والذي أراه في دائرة الإخلاد والكسل أنهما ظاهرتان ناشئتان عن إهمال الجهود وفقدان التشجيع لا ماديا ولا أدبيا. وتلك بحق الداهية الفاتنة والخانقة لذكاء الأذكياء ونبوغ النبغاء، والعامل الأكبر على انزوائهم في زوايا الإهمال والخمول وإقبارهم في النهاية، وحرمان النشء النابت والأجيال القادمة من تجاربهم العلمية ومعارفهم الفنية، هذا ما أراه كعامل قوي في فرض هذا الانزواء على الباحثين والموهوبين. وحتى إذا ما سمعنا مرة بتشجيع نبوغ تلقائي ظهر في أجواء البعث للقرائح فليس هو بالتشجيع المشرف الذي ينهض بالنبغاء  إلى المستوى اللائق كدافع لهم على المضي في الإنتاج واستدرار ما بعصارة أفكارهم من مكنونات ذهنية ناهضة تشق الطريق أمام رواد الثقافة ورجالات الأدب والكتاب منهم بمعنى أوسع وقتا لا يذر للعاجزين عذرا يدفع بأمثالهم للانزواء والانكماش.
وفي هذه الأثناء يبين الصبح لذي عينين، وتقوم الحجة جلية واضحة على المخلدين للكسل والراحة، ولا أطيل بالقارئ في الموضوع إذ المجال فيه أفسح.
جاء في ص 7 والمسلمون الذين عرفوا تحبيس الفرس وآلات الحرب في الجهاد على المسلمين لا نظن بهم أنهم أهملوا تحبيس الكتب التي هي طريق المعرفة والإرشاد إلخ الفقرات. فبعد الاتفاق مع الأخ الكاتب على ما كان المسلمون يقومون به في تلك العصور المشرقة من تعاون مثمر يسير حسبما توحي به تعاليم الإسلام الطيبة، وبقطع النظر عن كون التاريخ يغفل ما يغفل من وقائع وأحداث، أصارحه أن الواقع في هذه الناحية بالنسبة للكتب والتأليف لا يساعد على القيام بمثل ما حبس لتركيز الوحدة وحماية البيضة إذ التصنيف في تلك العصور الأولى ما زال لم يأخذ طريقه الواسع فتكثر التقاييد والمؤلفات في غير ما مادة من مواد العصر مما يتطلب بطبيعة الحال خزائن ومكتبات، أضف إلى هذا أن الكتابة ومحسنيها في الظرف المتحدث عنه (أواخر القرن الثاني الهجري) كانوا قلة حيث الأمية ضاربة أطنابها في الأوساط المسلمة خصوصا بالمغرب، ثم ماذا عسى أن يرد على المغرب العربي من تراث الشرق وإنتاج كتابه والتأليف لا يزال حديث عهد بأرضه وترابه، اللهم إلا ما كان من الكتاب العزيز ومصاحفه المقدسة، إذ المسلمون في عهودهم الأولى كانوا قبل أن يتجردوا للتصنيف والتحرير وبعث القرائح للتسجيل والبحث في عمق وعاة للعلم حفاظا للمبادئ والتعاليم، يضربون أكباد الإبل لتلقيه وأخذ معارفه بطريق المباشرة واحتكاك الأفكار، ووضع الحقائق على محك البحث الصحيح، واستخلاص ما وراء هذا الاتصال الحي من مسائل لولاه لبقيت تدور في عالم الاشتباك والالتباس وقد اكتنف جوانبها الغموض، إذا لا ضير يلحق هذا العصر إذا ما خلا من خزائن تضم ما يمكن أن يكون هيء  من دفاتر علمية. على أننا قد نجتزئ مكتفين برجالات كانوا أوعية للعلم، خزائن حية تدب على أرجلها منشدين في نفس الوقت قول المعتز بذاكرته وقوة فطنته اللاقطة:
ليس بعلم ما حوى القمطر         ما العلم إلا ما حواه الصدر
وجاء في ص 10 أثناء الحديث عن الخزانة أيام الموحدين –وامتلأت الخزانة بالمدونة وشروحها وكتاب النوادر والزيادات والمختصر إلخ، لا أدري ماذا يعني الأخ بالمختصر أهو مختصر عثمان بن الحاجب المسمى بمنتهى السول والأمل، وهو المتبادر، أو مختصر أبي الضياء خليل الفقهاء، والأستاذ على بينة من أن هذا لم يخلق إلى أواسط القرن الثامن الهجري الذي هو عصر الدولة المرينية الأخير. فكان بيان نوع المختصر مما يتأكد توضيحه إذ ليس في استطاعة كل قارئ أن يدرك تاريخ المختصرين ومصنفيها، على أن هناك مختصرات شتى في مختلف العلوم والفنون.
ووقع ص 26 –أثناء الكلام عن الحركة العلمية والثقافية أيام أبي عنان- والأندية التي كانت تعقد في تلك المجالس المشرقة حيث تعرض لذلك أبو الوليد إسماعيل بن الأحمر في شرحه على بردة البوصيري، ونقل بعض ذلك مختصره أبو زيد عبد الرحمن الجادري عند قول المديح:
لعل رحمة ربي حين يقسمها
                  تأتي على حسب العصيان في القسم
الذي عرفته عن تلك الحركة العلمية الدالة على ذهبية العصر المريني وعن المذاكرة التي كان محورها نفس بيت البوصيري أنها وقعت بين أيدي أبي سعيد المريني جد أبي عنان فارس بن أبي الحسن، وجرت المذاكرة في المجلس السلطاني بحضور علية القوم من أبناء المعرفة حول البيت حيث ألقى السلطان أبو سعيد سؤالا على الحاضرين مضمنه: كيف يصح أن تقسم الرحمة على العاصين وحدهم؟  وماذا سيكون حظ المطيعين منها وقد وزعت على المجرمين؟ فوجم الكل ولم يحيروا جوابا، إلا ما كان من أبي الوليد بن الأحمر، وكان أصغر القوم، فتجرد للجواب متسلحا بسلاح الشجاعة الأدبية التي يتوفر عليه الشباب، والشباب في كل عصر رمز القوة والبطولة قائلا: إن طاعة المطيع وأعماله البرية لتعد وحدها رحمة بل عين الرحمة، على أن قول الله تعالى في سورة الأعراف: (ورحمتي وسعت كل شيء) تتناول العاصين والمطيعين بأوسع ما تحمله الرحمة. والقضية تعرض لها الأديب أبو القاسم بن رضوان في كتابه السياسي المشتمل على أربعين بابا –كما أخبرني بذلك المؤرخ المرحوم محمد بن علي السلوي صاحب أدواح البستان، والأتحاف والوجيز وغيرهما من التقاييد القيمة. والنقل الذي ساقه الأخ عن مختصر الجادري لشرح أبي الوليد على البردة لا يمنع من تعدد القضية وتواطئها على نفس الموضوع الواحد، إنما كان بالود لم يتمم الأخ الحكاية ويسطر نتيجة ما دار في المجلس حول البيت من بحوث لتتبين القضية أكثر ويتجلى التوافق (لو كان) بأجلى مظهر كتبرع منه وإن نبا عن موضوع الخزانة، والأمل وطيد أن تجود المعلمة المغربية وموسوعاتها الغنية بثرواتها المفرقة في المكتبات هنا وهناك بكتاب أبي القاسم السياسي الذي كان أحد الحضور ليقع التقابل بين البحث الذي تناوله كل من الرجلين اللذين شاركا في الندوة.
وما دام القلم يتحدث عن الخزانة المرينية فلا بأس أن أسجل في هذا الهامش ما وجدته في أوراقي العلمية نقلا عن بعض المؤرخين الثقات: فعندما احتل البرتغال مدينة سبتة سنة 818هـ (1416م) أيام أبي سعيد المريني المعروف بالصغير –وجدبها ست عشرة خزانة علمية عمومية محتوية على المعدات والمرافق الضرورية لحفظها وعموميتها التي تتطلب في المقدمة القيمين، فوجود هذا القدر من الخزائن العمومية بإحدى مدن المغرب هو وحده برهان ساطع على ما كان للمعرفة والثقافة من كبير العناية في الوسط المغربي. وليس هذا بالغريب أن توجد هذه الثروة الثقافية بمدينة سبتة المغربية وقد ضمت من رجالات الثقافة وشتى الميادين العلمية والفنية طوال عهودها المشرقة ما كان نتيجة لجهود وجهود بذر أصولها علماء أفذاذ أمثال ابن مرانة الفرضي السبتي وابن غازي الخطيب، وابن عطاء الكاتب، والقاضي عياض الذي أفردها بكتاب خاص «العيون الستة» وابن رشيد صاحب الرحلة «ملء العيبة» وغيرهم كثير. وختاما أهنئ الأخ على تحريره القيم بعد إلحاحي عليه في إعادة طبعه مرة أخرى رفعا لما وقع فيه من تشويه مطبعي قد يغلط الكثير ويعرقل نشاط المطالع المستفيد.

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here