islamaumaroc

عراصي مدينة مراكش ودورها في تكوين الشباب وتثقيفه.

  حسن جلاب

345 العدد

     * إشكالية التسمية:
     العرصة : البقعة الواسعة بين الدور ليس فيها بناء، وعرصة الدار وسطها، سميت بذلك لاعتراص الصبيان فيها، قال مالك بن الريب :
     تحمل أصحــابي عشـاء وغــادروا
                           أخا ثقــة عرصـــة الدار ثاويـــا
     قال الأزهري: وتجمع على عراص وعرصات.(1)
     والعرصة في اللهجة المغربية هي : البستان الكبير الفسيح الذي فيه بناء.
     والجنة: البستان والحديقة ذات الشجر والنخل، وجمعها جنان، وجنات، (2) وفي اللهجة المغربية (الجنان) البستان الكبير لا بناء فيه.
      والروضة: الأرض ذات الخضرة، والبستان الحسن، وتجمع على روض، ورياض، وروضات، ويقال أيضا الريضة.(3)
     و«الرياض» في اللهجة المغربية الدار المبنية التي فيها بعض الأشجار والأزهار.
     و«الجنان» و «الرياض» من الألفاظ التي ترد في صيغة الجمع بمعنى المفرد، وهي ظاهرة لغوية شائعة في المغرب.(4)
     ويطلق المغاربة «الرويضة» على الروضة أو العرصة الصغيرة ويجمعونها على رويضات.

     * وفرة المياه بمراكش :
     كانت أرض مراكش قبل مجيء المرابطين إليها ملكا للمصامدة،(5) ويكاد يجمع المؤرخون أن الموضع كان مخافة يقطع فيه اللصوص على القوافل حتى إنهم ربطوا بين هذا الواقع وبين مدلول كلمة «مراكش» فقالوا بأن القوافل كانت تردد الكلمة متى انتهت إلى الوضع، ومعناها بلغة الأمازيغ «أسرع المشي».(6)
     ويخبرنا صاحب «الاستبصار» بأن البقعة «كانت قبل ذلك يطير الطائر حولها فيسقط من العط والرمضاء».(7)
     وبعد تأسيس المدينة بذل المرابطون جهودا كبيرة في تغيير بيئتها من مفازة قليلة الماء إلى جنات غناء، واستمرت هذه المجهودات في العصر الموحدي حتى صرنا نسمع شاهد عيان يقول عنها : « ومدينة مراكش أكثر بلاد المغرب جنات وبساتين وأعنابا وفواكه وجميع الثمرات...، وأكثر شجرها الزيتون، وفي مراكش اليوم من الزيتون والزيت ما تستغني به عن غيرها من البلاد...».(8)
     وقال ابن اليسع متحدثا عن بعض بساتين عبد المومن بن علي : « وما خرجت أنا من مراكش في سنة 543هـ إلا وهذا البستان الذي غرسه يبلغ مبيع زيتونه وفواكهه ثلاثين ألف دينار مومنية بحسب رخص الفاكهة بمراكش».(9)
     وقد تم الحصول على هذه النتائج بفضل نظام الري العجيب الذي استنبطه المرابطون، فبعدما كانوا يفكرون في جر الماء من الأطلس بواسطة القنوات عرض عليهم مهندس أندلسي هو عبيد الله بن يونس فكرة حفر الخطارات، وكانت أول تجربة له في بستان أبي الفضل مولى أمير المسلمين.(10)
     قال الوزان الفاسي : «ثم إن الناس نظروا إلى ذلك، ولم يزالوا يحفرون الأرض، ويستخرجون مياهها إلى البساتين حتى كثرت البساتين والجنات، واتصلت بذلك عمارات مراكش، وحسن قطرها ومنظرها».(11)
     ونفذ الموحدون ما عجز عنه سابقوهم، إذ جروا إلى مراكش السواقي من جبال الأطلس، ولا يسعنا المجال للحديث بتفصيل عن هذا الموضوع، لذا نقول باختصار : إن أهم منجزاتهم في هذا الباب :
- ساقية تاسلطانت التي جلبها عبد المومن بن علي من ناحية «أغمات» لملئ الصهاريج التي يتعلم فيها الطلبة والجنود العوم والتجذيف، والتي تسقي البساتين والحقول.(12)
   ونظرا لأهميتها صارت فيما بعد موضوع صراع بين قبائل مسفيوة للسلاطين محمد ابن عبد الله، مولاي سليمان، ومولاي عبد الرحمن، الذي انتصر عليها، وأعاد الساقية إلى صهاريج أكدال.(13)
- استغلال مياه أودية نفيس، وغيغاية، وغدات، فتمكنوا من سقي منطقة طولها 20 كلم، وعرضها 10 كلم جنوب المدينة. (14)
- وأرسل يعقوب المنصور سنة 585 هـ ساقية ظاهرة تشق المدينة من القبلة إلى الجوف. (15)
   وإضافة إلى مجهودات الدولتين المذكورتين استمر الناس على عاداتهم في حفر الآبار، ورعاية العيون، وكان لها استعمال مزدوج : الشرب والسقي، وما زالت المؤلفات المكتوبة عن المدينة تحتفظ لنا بأسماء عدد منها. (16)
     إن وفرة الماء الذي هو أصل كل شيء حي شجع السكان على إقامة الحدائق والعراصي، وغرس الأشجار في البيوت والشوارع لتلطيف جو المدينة الحار صيفا، وتعطيره بروائح الورود والأزهار ربيعا.
    وهكذا نجد أسوار المدينة :
- في الشمال الغربي : عرصة الأحباس، وعرصة ايهري.
- وفي الشمال الشرقي : عرصة باسيدي، وعرصة علي وصالح، وعرصة الملاك.
- وبالقرب من السور في اتجاه الجنوب : عرصة مولاي عبد السلام، وعرصة المامونية، وعرصة الكتبية، وعرصة ابن ادريس.
- وفي وسط المدينة : عرصة موسى، وعرصة بوعشرين.
- وفي الجنوب الشرقي : عرصات الحوتة، سيدي المدني، باحماد، مولاي بوعزة، المسفيوي، البركة بوسكري.
 ولعل أعظم عرصة توجد داخل السور هي عرصة أكدال.
ومع تكاثر سكان المدينة،(17) واتساع حركة البناء بها، بدأت العراصي الداخلية تتقلص، وتقطع أشجارها لتصبح دورا سكنية، ومنها ما احتفظ باسمه الأصلي قبل البناء، وما تغير اسمه، وما بقي محتفظا بلفظ «عرصة» فقط مع إغفال الاسم الخاص، وهذا ما يفسر وجود عدة « دروب » في أحياء مراكش تحمل اسم درب العرصة.
منها على سبيل المثال :
- درب العرصة بحي باب إيلان وبحي قاع المشرع.
- درب العرصة بحي باب دكالة وبحي الجزولي.
- درب العرصة بحي باب الخميس وبحي روض الزيتون.
- درب العرصة بحي بوسكري وبحي القصبة.
- درب العرصة بحي القنارية.
وبعدما ضاقت الأسوار بسكانها امتدت عملية القطع والإبادة والتجزيء إلى العراصي الواقعة خارج المدينة.


1 ) لسان العرب، طبعة دار صادر بيروت ج 7/ 52- 54.
2) لسان العرب، ج : 13/ 99 – 100.
3) لسان العرب، ج : 7 /162 – 165.
4) الألفاظ العامية المغربية التي لها أصل في الفصيح، محمد الفاسي، مجلة المناهل، عدد : 16،، دجنبر 1979.
5 ) ينقسم برابرة المغرب إلى مصامدة وصنهاجية وزناتة ... ويتكلمون بالترتيب : تاشلحيت، تامزيغت، تاريفيت، انظر قبائل المغرب لعبد الوهاب بنمنصور، ط. الرباط.
6) معجم البلدان لياقوت الحموي ج : 8 ص : 7 طبعة السعادة القاهرة 1906 في 10 أجزاء.
والإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الاعلام، لعباس بن إبراهيم المراكشي،  تحقيق عبد الوهاب بنمنصور، المطبعة الملكية ج : 1/1974، ص: 60
7) الاستبصار في عجائب الأمصار ، لمؤلف مجهول، طبعة الإسكندرية 1958،و الإعلام 1/ 59.
8) هو صاحب الاستبصار السابق الذكر، زار المدينة في الربع الأول من القرن السادس الهجري، انظر الإعلام 1/59
9) الإعلام ج: 1/78.
10) انظر في نظام الخطارات : اختصار نزهة المشتاق 213 ب، مخطوطة الخزانة العامة بالرباط رقم : 2381 ك.
وصف إفريقيا للوزان الفاسي ص : 43 – 44 طبعة محمد حجي والإعلام  ج : 1/ 58- 62- 63.
 -Encyclopedie de lislam T. II P. 751- 753 Khettaras de streek.                   
-Marrakech des origines a 1912. Gaston de verdun. Rabat 1956 p.86-88.    
11) وصف إفريقيا ص : 44.
12) معجم البلدان ج: ص:7، الإعلام ج: 1/ 60 و 100، والسعادة الأبدية ج: 1/ ص: 23
13) الإعلام ج : 1/ 92، وقد قال الشاعر الوزير ابن إدريس العمراوي قصيدة بالمناسبة  مطلعها :
             وردت وكــان لهــــا السعـــود مواجهــــا
                                  والحسن مقصـــود علــى أمـــواجـــهـــــــــــــــــا
 عدد أبياتها 55، أورد منها صاحب الإعلام 35 بيتا، ص : 92 و 93.
(14       .p. 11- 12.1912_ Marrakech des origines a
 15)   الإعلام ج:1 /  9 5 .
16)    الإعلام ج: 1 /  99  .  والسعادة الأبدية ج:  1 / 23
17 ) حسب المصادر التي اعتمدها دوفران Deverdun  في بحثه عن مراكش أن سكان المدينة كانوا:
           سنة 1879 – 45000 نسمة.
           وسنة 1885 – 55000 نسمة.
           وسنة 1905 – 65000 نسمة.
           وسنة 1912 – 80000 نسمة.
           وسنة 1926 – 149000 نسمة.
وبعد الاستقلال صار عدد سكان المدينة أزيد من مائتي ألف حسب إحصاء 1961، وفي إحصاء 1971 -171   472 نسمة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here