islamaumaroc

الشباب وتنظيم وقت الفراغ.

  إسماعيل الخطيب

345 العدد

    *مدخل:               
    تعتبر مرحلة الشباب أهم مرحلة في حياة الإنسان، فهي مرحلة الحماس والاندفاع، والتضحية، والبذل، والعطاء، وآثار هذه المرحلة تنعكس على حياة الفرد، وتترك بصماتها لما تبقى من عمره.
والملاحظ أن رجال الإصلاح، وعلماء الاجتماع والنفس والتربية، وأهل الفكر ورجال السياسة، عنوا أشد العناية بأمر الشباب، ذلك لأن الشباب هو مصدر الطاقة التي لا تنضب، وهم بناة النهضات، وحملة المشاعل، وهم وقود وطلائع الحركات الإصلاحية  في مختلف العصور، وهم الذين تحملوا العبء الأكبر في الدعوة إلى الله، وفي حركات التحرر والانعتاق.
لذلك كان الرسول (ص) « يرعى الشباب رعاية خاصة، يقربهم إليه ويجالسهم ويستمع إلى آرائهم وأقوالهم، ليشعرهم بذواتهم، ويربي فيهم الشخصية القوية، ويدربهم على المسؤولية، ويعتبر التزامهم بالإسلام ونشوءهم على طاعة الله تعالى من أجل الأعمال وأرقاها، ويقدر دورهم وعطاءهم في نشر الدعوة الإسلامية، وسرعة استجابتهم لدواعي التغيير، ويوصي بهم خيرا لأنهم أرق أفئدة وألين قلوبا».(1)
والشباب هم صلة الوصل بين الأجيال، فهو يتلقى المبادئ والقيم السائدة في المجتمع من الكهول والشيوخ، وهؤلاء تلقوا من أسلافهم، فلذا كان الشباب – أو ينبغي أن يكون – المثال الحي العلمي المعبر عن تراث الأمة وحضارتها.
والواقع أن كل مرحلة من مراحل حياة الإنسان لها أهميتها... وأهمية كل مرحلة تعود في الأساس إلى الوجبات المطلوبة خلالها، ومرحلة الشباب لما كانت تتميز بالنشاط والقوة والاندفاع والهمة، وهي صفات ضرورية لبقاء المجتمع، ونموه وتطوره، كان الحرص على الشباب يعني الحرص على استمرار المجتمع وتقدمه.
لذلك وجدنا علماء الإسلام ومفكريه يهتمون اهتماما واضحا بموضوع الشباب، فيعمدون إلى إصدار الرسائل والبحوث والدراسات التي تتوجه إلى الشباب بالنصائح والإرشادات، رائدهم في ذلك رسول الله(ص)، الذي نال منه الشباب كل رعاية وعناية.

• تحديـد فتـرة الشبـاب:
في التوصية الأولى الصادرة عن «المؤتمر الأول لوزراء الشباب العربــــــــــــي» (1969) حددت فترة الشباب ما بين «الخامسة عشر» حتى «الخامسة والعشرين»، وهذا التحديد ينسجم مع المفهوم الدولي المتفق عليه في هذا الشأن.
وإذا رجعنا إلى مصنفاتنا الفقهية، وجدنا أن فقهاءنا اهتموا بتحديد سن البلوغ، وذلك لما يترتب عليه من أهمية شرعية، حيث يصبح الفرد مسؤولا عن تصرفاته باعتبار البلوغ أمارة على أول كمال العقل.
وقد اختلف الفقهاء في تحديد البلوغ بالسن عند عدم ظهور علاماته: « فقيل خمسة عشر»، وقيل: «سبعة عشر»، وقيل: «ثمانية عشر». (2)
كما اهتموا بتحديد سن الشباب، خاصة عند استنباط الأحكام، كما بينت مصنفات السنة معنى اسم  «الشباب» عند شرحها للأحاديث التي ورد فيها هذا الاسم كحديث: « يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج...».
يقول صاحب « فتح الباري »: الشباب جمع شاب، ويجمع أيضا على شببة وشبان بضم أوله والتثقيل.
وذكر الأزهري أنه لم يجمع فاعل على فعال غيره، وأصله الحركة والنشاط، وهو اسم لمن بلغ إلى أن يكمل ثلاثين، هكذا أطلق الشافعية.
وقال القرطبي في « المفهم »: يقال له: حدث إلى « ستة عشر سنة» ثم شاب إلى «اثنتين وثلاثين» ثم كهل.
وكذا ذكر الزمخشري في الشباب أنه من لدن البلوغ إلى «اثنتين وثلاثين».
وقال ابن شاس المالكي في «الجواهر» إلى « أربعين».
وقال النووي: «الأصح المختار أن الشاب من بلغ ولم يجاوز الثلاثين». (3)
وليس هناك نص يحدد مرحلة الشباب، لذلك كان مرجع الفقهاء إلى اللغة، كما أن العرف يعين على تحديد هذا المدلول.
والواقع يثبت أن تحديد فترة الشباب زمنيا من الأمور التقريبية، وأنه « متى أطلقت كلمة «الشباب» فالمراد بها ما يشمل المرحلة التي تسبق الكهولة، ابتداء من وقت البلوغ فصاعدا، وحيث إن عملية النمو بشقيها عملية باطنية معقدة، ولا تسير في خط مستقيم دائما، فإنه  يحدث أن يكون سن الشباب المسجل في «الحالة المدنية» موازيا لسن الحالة الفكرية والعقلية التي هو عليها من حيث أن  النضج  العقلي والنمو الفكري، كما يحدث أن يكون سنه «المدني» غير موازي لحالته الفكرية والعقلية، وبذلك يكون الفرد معدودا من الوجهة الشكلية بين الشباب بينما هو لا يزال فكريا وعقليا في عداد الأطفال، أو دخل في عداد الذين بلغوا من الكبر عتيا » (4)
على أن مرحلة الشباب تتميز عن مراحل الحياة الأخرى بخصائصها الجسمية، والنفسية، والاجتماعية، والعقلية، فهي أخصب مراحل العمر وتتميز بالقوة في الجسم، والنشاط في العقل، والتغيير في الأفكار.

• الشباب ومشاكله:
نظرا لأن فترة الشباب تتميز بتغيرات شاملة تشمل الجسم والعقل والمشاعر، فإن هذه التغيرات تضع الشاب أمام مشكلات تتصل به شخصيا أو بالمجتمع الذي يعيش فيه.
وشبابنا يعيش مشكلات شائكة، منها ما هو محلي، ومنها ما هو مستورد، منها ما هي فردية، ومنها ما هي عامة مشتركة بين الجيل.
 لذلك كان على المهتمين بأمر الشباب أن يعمدوا إلى دراسة هذه المشاكل بموضوعية، واقتراح السبل الكفيلة لعلاجها، حتى لا يفقد الشباب الهدف والانتماء، فيتحول إلى طاقات مبعثرة تبدد في فراغ، وتنتهي إلى الحيرة والقلق والتمزق.
  وحسبنا هنا أن نشير إلى أهم مشكل يعترض الشباب والذي هو:« مشكل الفراغ » لكن... ماذا نعني بالفراغ؟
     إذا بحثنا في معاجم اللغة نجد أن الفراغ يعني: الخلاء، السعة، الصب، الهدر، والاستعمال العرفي للكلمة لا يبعد عن الوضع اللغوي.
     وقد عرف وقت الفراغ بأنه: «الوقت الفائض عن العمل وواجبات الحياة الأخرى : مثل النوم، والأكل، وتحقيق الحاجيات الفسيولوجية».
     كما عرف بأنه: « الوقت الذي يكون فيه الفرد حرا من العمل والواجبات الأخرى والذي يكون مفيدا للاسترخاء والتسلية والتكوين الاجتماعي أو النمو الشخصي ».
 وإلى هذا المعنى تشير آيات الكتاب الحكيم، وأحاديث الرسول الكريم.
 ففي كتاب الله نقرأ قوله تعالى: ( وأصبح فؤاد أم موسى فارغا).
 قال الراغب الأصفهاني: « أي كأنما فرغ من لبها لما تداخلها من الخوف».(5)
 وفي الحديث نقرأ قول النبي ( ص): « نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». (6)
     ولعل باحثا غربيا اطلع على هذا الحديث فقال: « إن وقت الفراغ المستثمر هو الفترة التي يكون فيها الإنسان في حالة نفسية مثالية يشعر فيها الفرد بالراحة والسعادة والهدوء النفسي، وهي فترة يسعى إليها القليل من الناس، ويتوصل إليها القليل جدا منهم ». (7)
     فوقت الفراغ ليس وقتا منفصلا عن وقت العمل، بل هو وحدة لا تنفصم عراها عن وقت العمل، وهو ضرورة إنسانية، لكنه – أيضا- مشكلة، و « ينبع أساس هذه المشكلة من الاعتقاد السائد بين شبابنا اليوم أن المتعة والترفيه لا يتحققان من قضاء وقت الفراغ إلا إذا انصرف الشاب إلى نوع من النشاط الذي يلائم ميوله وحاجاته، وكان هذا النشاط حرا طليقا من كل قيد، ولا يهدف إلى تحقيق منفعة مادية مباشرة».(8)
     إن عدم استثمار وقت الفراغ استثمارا يحقق التنمية الشخصية يتسبب في تحويله إلى نقمة على الشخص، وعلى مجتمعه خاصة إذا طال وقت الفراغ، ولقد تنبه مفكرونا قديما إلى خطورة الفراغ في حياة الشباب، وقال أبو العتاهية :
     إن الشبــاب والـفراغ والجـدة 
                          مفسـدة للمـــرء أي مفســـدة
     وتتجلى هذه المفسدة في إضاعة الوقت فيما يعود بالضرر، والملاحظ أن جل الانحرافات سببها الفراغ الذي يساء استعماله، لذلك أصبح لزاما – والمشكلة في تفاقم مستمر- أن تقع المسارعة لإيجاد الحلول الإيجابية لها، فـ «الفراغ لا يبقى فراغا أبدا، بل لابد أن يملأ بخير أو شر، ومن لا يشغل نفسه بالحق شغلته نفسه بالباطل، فطوبى لمن ملأه بالخير، والضياع والويل لمن ملأه بالشر والفساد». (9)
     يقول ابن القيم: « ومن أعظم الأشياء ضررا على العبد بطالته وفراغه، فإن النفس لا تقعد فارغة، بل إن لم يشغلها بما ينفعها شغلته بما يضره ولابد». (10)
     لذلك وجدنا الباحثين الاجتماعيين، والاقتصاديين، والسياسيين، والنفسيين، والتربويين، يولون الكثير من الاهتمام بموضوع وقت الفراغ، ويلاحظ أن الاهتمام بهذا الموضوع ازداد بصورة ملفتة في وقتنا الحاضر، وأظهرت دراسات مختلف الباحثين أن الفراغ عند الذكور أكثر من الإناث، ذلك أن الأنثى غالبا ما تضيف إلى عملها الرئيس أعمالا إضافية لا تترك لها مجالا للفراغ، كما أن أوقات الفراغ عند الصغار أكثر منها عند الكبار، وأوقات فراغ العمال والموظفين أكثر من أوقات فراغ الطلاب، وبينما يتسع وقت الفراغ لدى الأسر الميسورة يضيق عند الأسر الفقيرة التي قد تلجأ أفرادها للقيام بأعمال إضافية.
     كما أثبتت الدراسات أن أكثرية الشباب يضيعون وقت فراغهم سدى، بل فيما يعود عليهم بالضرر، وذلك عندما يعتقد الشاب أن مهمته الأولى في الحياة هي ترضية شهواته قبل كل شيء. لذلك فـ « إن القبائح الخلقية التي تنتشر اليوم في أرجاء العالم؛ الشباب هم أول المقبلين عليها، وهم الذين يزيدونها انتشارا ورواجا أكثر من غيرهم، بل هم الذين يتفننون بابتكار المساوئ الجديدة في الحياة الاجتماعية».(11)
     لأجل ذلك كان الشباب بحاجة إلى توجيه حكيم لاستثمار وقت فراغه، ينطلق من تصور شامل للوقت باعتباره أثمن وأنفس ما يملك الإنسان، فالوقت هو الحياة، وهو رأس المال الحقيقي للإنسان، ذلك أن الإنسان قد يستطيع تعويض الكثير مما فاته، لكنه لا يستطيع بحال أن يعوض الوقت الذي مضى.
     ولقد عنى الإسلام بالوقت عناية ملحوظة، وأشارت السنة إلى أن كل إنسان محاسب على وقته.
     قال (ص): « لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، و عن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به».(12)
    وفترة الشباب جزء من العمر، لكنه لما كانت له قيمة متميزة، حيث أنه مرحلة القوة بين ضعفين: ضعف الطفولة وضعف الشيخوخة، خصه الرسول الكريم بالذكر، تنبيها لأهمية مرحلة الشباب، فالإنسان سيسأل عن عمره عامة، وعن شبابه بخاصة.
     إن الذي ينبغي أولا، هو الاعتقاد بأن وقت الفراغ كوقت العمل، كلاهما ضروري للإنسان، فكما أن الإنسان – كل إنسان – ينبغي له أن يكد ويعمل، وأن العمل حق وواجب، فكذلك وقت الفراغ، فهو يمثل ضرورة حاسمة، حيث يتيح الفرصة لتجديد النشاط، وتنمية الميول، وتمكين الطاقات الإبداعية من التعبير عن نفسها، لذلك كان تنظيم وقت الفراغ من أكد الواجبات التي يجب الاهتمام بها على مختلف المستويات.
     والأمة المتحضرة هي التي تهتم بتنظيم وقت الفراغ، وتقدم للشباب خططا توجيهية تبصرهم بطرق الاستفادة منه، ويتولى أمر ذلك متخصصون يقدمون حلولا متكاملة شاملة، تهدف إلى استثمار وقت الفراغ بممارسة مختلف الأنشطة التي تعمل على إشباع الحاجات النفسية والعقلية والجسمية والاجتماعية.
      ومنهج الإسلام كفيل بتبصير الشباب، وترشيده وتوجيهه إلى أنجع السبل لاستغلال طاقاته واستعداداته، وإثارة حوافزه.
      وإذا كان الإنسان بحاجة إلى الترويح عن نفسه في وقت فراغه باعتبار الترويح دواء فعالا لطرد الملل، والقلق، والاكتئاب النفسي، فإن دين الله  تعالى الذي هو دين الوسطية والاعتدال لا يرى حرجا في أن يروح الإنسان عن نفسه بمختلف ألوان اللهو المباح، ولقد كان أصحاب رسول (ص): « يمزحون ويضحكون ويلعبون ويتندرون معرفة منهم بحظ النفس، وتلبية لنداء الفطرة، وتمكينا للقلوب من حقها في الراحة واللهو البرئ، لتكون أقدر على مواصلة السير في طريق الجد، و إنه لطريق طويل».(13)
     على أنه لا ينبغي أن يخلو النشاط الترفيهي من هدف يحقق تنمية وتطوير شخصية الفرد.
     إن وقت الفراغ أصبحت له في عصرنا أهمية كبرى، نظرا للتغيرات الاجتماعية الحديثة التي طغى فيها الجانب المادي على الجوانب الأخرى، مما دفع بطائفة من المستثمرين إلى ابتداع أساليب للترفيه غير مشروعة، والتي تنعكس سلبيا على مستويات الحياة المختلفة.
     وقد اهتم فرع جديد من فروع علم الاجتماع هو علم اجتماع أوقات الفراغ بهذا الاستغلال السلبي، والذي لا يحقق لممارسه فائدة ولا متعة، بينما المطلوب هو الاستغلال الايجابي لوقت الفراغ.
     وبعد :
     فإن الشباب: « هم صلة الوصل بين الأجيال، وهم عنوان المستقبل القريب والبعيد، وهم رأس مال الأمة ورصيدها الوحيد، وهم مرآة المجتمع تتجلى فيهم محاسنه ومساوئه، وهم على الجملة مركز الثقل ومعقد الآمال»، « لن نغدق عليه المدح والثناء كما يفعل المتملقون، كما أننا لن نكيل له القدح والهجاء كما يفعل المتزمتون... فلا المدح المغرض ولا القدح الظالم في مصلحة الشباب الذي يتلمس طريق الحق، ويريد أن يعرف العناصر الحقيقية لمشاكله الطبيعية». (14)
     إن علينا أن نتعرف على المطالب الحيوية لمجتمع الشباب، وأن نحدد المؤثرات السلبية التي تقلص من فعاليتهم، وأن نقدم برامج هادفة تتيح لهم استغلال أوقات فراغهم استغلالا أمثل.

1 ) د، عباس محجوب: مشكلات الشباب... الحلول المطروحة – كتاب الأمة 11 صفحة 10.
2 ) أبو الوليد ابن رشد: المقدمات الممهدات: 1- 13.
3) ابن حجر: فتح الباري: 9: 108 ( كتاب النكاح: الباب الثاني ) .
4 ) محمد المكي الناصري: مع الشباب: 18.
5) مفردات القرآن.
6 ) رواه البخاري في صحيحه.
7) هو الباحث (karous).
8) سيد محمد بدوي : مشكلة قضاء وقت الفراغ : مجلة « التربية» عدد : 68 – ص: 71.
9) يوسف القرضاوي : الوقت في حياة المسلم : ص : 16 -17
10) محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية : طريق الهجرتين وباب السعادتين : 49.
11 ) أبو الأعلى المودودي: بين يدي الشباب: ص 74.
12) رواه البزار والطبراني، بإسناد صحيح.
13 ) يوسف القرضاوي: الحلال والحرام في الإسلام: ص: 283.
14) محمد المكي الناصري: مع الشباب : 11- 12.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here