islamaumaroc

مولد أشرق به نور الإسلام وسطع به فجر الإيمان [افتتاحية]

  عمر بنعباد

345 العدد

يتميز عدد من الشهور العربية الإسلامية بخصائص ومزايا عديدة، وتحمل مع بزوغها وإشراق طلعتها معالم دينية، ومناسبات جليلة لها مكانتها المتأصلة في حياة المسلم، وتقوية إيمانه، وتزكية مشاعره.
ومن بين تلك الشهور شهر ربيع الأول من كل عام، هذا الشهر المبارك الذي يستقبله العالم الإسلامي بمنتهى الحفاوة والاستبشار، ويخلد في اليوم الثاني عشر منه كل سنة ذكرى من أعظم ذكرياته الدينية، ومناسبة من أجل مناسباته الإسلامية الخالدة، إنها ذكرى مولد رسول الرحمة، ومنقذ البشرية، وداعي الإنسانية، وهادي الأمة، محمد بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليه.
وكيف لايحصل الاحتفاء والابتهاج بذكرى مولد هذا النبي الكريم، والمسلم يرى فيه الواسطة العظمى والنعمة الكبرى فيما أنعم الله به عليه من الإسلام، وشرح به صدره للإيمان، وهداه ووفقه إليه من صالح الأعمال، مصداقا لقوله تعالى : (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه)
فقد شاء الحق سبحانه وهو العليم الحكيم أن يوجد الإنسان على ظهر هذه البسيطة، ويستخلفه فيها ليحمل أمانة ورسالة، ويعمر الأرض إيمانا وتوحيدا وعبادة، ويملأها صلاحا وعدلا واستقامة، واقتضت حكمته تعالى ألا يكل الإنسان إلى عقله وفكره، وألا يتركه إلى نفسه ونظره، للاهتداء إلى الحق والوصول إلى سر وجود الإنسان وغايته، فبعت إليه رسلا مبشرين ومنذرين، اصطفاهم من خيرة عباده، واجتباهم من صفوة خلقه ، ليكونوا للناس هداة مصلحين، وحجة عليهم يوم الجزاء والدين وحتى لا يقولوا في ذلك اليوم المشهود: ( ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين).
وتتابعت الأنبياء والرسل تترى على فترات طويلة من تعاقب الزمان والأجيال لتحقيق تلك الحكمة الإلاهية، وتمكين الهداية الربانية، وكان الرسول يبعث بلسان قومه وإلى أمته خاصة، حتى اقتضت حكمت الله ختم النبوة والرسالات السماوية بديانة كاملة، وشريعة تامة ، تكون مهيمنة على ما سبقها من الشرائع الإلاهية، ومصدقة لما تقدمها من الكتب المنزلة، وصالحة لكل زمان ومكان، فكان مولد محمد بن عبد الله، وكان مبعثه على رأس الأربعين سنة، من حياته الهادية، بداية لإشراق دعوة الإسلام، وسطوع نور الإيمان، ومنطلقا للهداية إلى الدين الحق القويم والصراط السوي المستقيم.
فقد ولد هذا النبي الكريم في ظرف ساد فيه الجهل والضلال، وفي وسط مجتمع عربي انتشر فيه الانحلال والاقتتال، وعم فيه الفساد والظلم والطغيان، وظهرت فيه عبادة الأحجار والأوثان، وطغى فيه الانحراف الاجتماعي في كل جانب وميدان ، فأراد الله إنقاذ المجتمع العربي من وهدة تلك الجهالات ودرك الضلالات، وأن يصبح مجتمع صلاح وهداية دينية، ومنطلق أعظم رسالة ربانية خالدة، لتعم بعد ذلك سائر البلاد، وينتشر إشعاعها ونورها في سائر الأرجاء، باعتبارها رسالة للناس أجمعين ورحمة للعالمين، مصداقا لقوله الحق سبحانه في كتابه المبين: (لقد من الله على المومنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ظلال مبين)، وقوله سبحانه : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمومنين رؤوف رحيم)، وقوله جل علاه : ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيئين، وكان الله بكل شيء عليما).
حقا، لقد كان مولد محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، وما صاحبه من إرهاصات النبوة ورافقه من علاماتها الجلية، إيذانا بأنه المولد الذي ختم الله به النبوة والرسالات عندما بعثه نبيا ورسولا إلى الناس كافة. وأنه النبي الذي تتكون بواسطته أعظم أمة موحدة العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملة، وأشهر أمة عرفها التاريخ البشري تدينا وعلما، وحضارة شعت على أنحاء المعمور، وانتفع بها الكثير من بني الإنسان، فكانت الأمة المحمدية كما وصفها الحق سبحانه أمة الوسط والاعتدال والشهادة على الناس، وخير أمة أخرجت للناس تامر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتومن بالله.
والمسلم أينما كان، وهو يعيش هذه الذكرى النبوية الإسلامية العظيمة يستحضر ما يجب عليه نحوها من التفاني في محبة صاحب الذكرى وفي طاعته التي هي طاعة لله ومن إتباع لهديه، وتمثل لشمائله وأخلاقه، ومن تمسك بالدين واعتصام بحبله المتين، والتزام بكل المبادئ والقيم التي يشتمل عليها، وتدعو المسلم إلى أن يكون دائما عنصر بناء و تشييد وصلاح وإصلاح في أمور دينه ودنياه، عملا بقول الله تعالى في حق نبيه المصطفى الأمين : (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) وقول النبي (ص) : «من أحبني أطاعني، ومن أطاعني كان معي في الجنة».
وما ألطف وأروع قول الإمام البوصيري، وهو يصف ليلة هذا المولد النبوي الكريم وإشراق نوره على الدنيا، حيث قال في ذلك :
ليلـة المولـد الـذي كـان للـديــ             ـــن سرور بيــومـه وازدهـــاء
وتـــوالت بشرى الهواتـف أن قـد         ولــد الـــمصطفى وحق الهنـــاء
 وما أجمل وأبدع قول أمير الشعراء     أحمد شوقي في هذا المضمار، حيث قال:
ولـد الهدى فــالكائنات ضيــــاء           وفــم الــزمـــان تبسم و ثنــاء
الـروح والمـلـلأ الملائك حـولــه           للــديـن و الــدنيــا بــه بشراء
تزامن ذكرى عيد الشباب المجيد وذكرى عيد المولد النبوي الشريف
إذا كان المغرب قد خلد ذكرى عيد المولد النبوي الشريف، كسائر البلاد الإسلامية، واحتفى بما يليق بها من مظاهر الاحتفال، والتعبير عن تفانيه في محبة هذا النبي المصطفى الأمين، والاتباع لسنته المحمدية، والقيام بمدارسة سيرته العطرة وشمائله المحمدية الطاهرة.
فإن من حسن المناسبة وبديع المصادفة أن تتزامن مع هذه الذكرى الإسلامية العطرة ذكرى وطنية مجيدة لها مكانتها الراسخة في نفوس الأمة المغربية، وتخلدها في تاسع يوليوز من كل سنة، إنها ذكرى ميلاد أمير المومنين، وحامي حمى الوطن والدين، جلالة الملك الحسن الثاني، أدام الله له النصر والتمكين.
وهي مناسبة كريمة، وذكرى وطنية مجيدة، تنتقل بذهن المواطن وشعوره، وبفكره ونظره، إلى الظرف الذي ولد فيه هذا الملك الشهم الهمام، وإلى النشأة الصالحة التي نشأها، والتربية الحسنية التي ترباها على يد مربيه الأكبر، ومعلمه الأول جلالة والده المنعم محمد الخامس رضوان الله عليه، وإلى التثقيف والتكوين الذي تلقاه على يد جلة من خيرة العلماء، وصفوة الأساتذة في العلوم الإسلامية والإنسانية، وإلى المواقف الوطنية الحازمة، التي وقفها وهو في زهرة عمر إلى جانب جلالة والده، وإلى المعارك النضالية التي تقدمها وخاضها بإيمان وشجاعة متناهية، وقادها بحزم وبعد نظر، وروح وطنية عالية، من أجل تحرير بلده، وعزته وسيادته.
كما يرى المواطن في عيد الشباب، مناسبة أخرى لتجسيم ما يجمع بين الشعب وملكه من ترابط متين، وتلاحم مكين، والتفاف حول العرش العلوي المجيد، والتقاء حول الجهاد الأكبر المتواصل الذي حقق للمغرب انعتاقه من ربقة الاستعمار، ويسر له استعادة نعمة الحرية والاستقلال، ويحقق به السير به بعد ذلك خطوات متتالية إلى الأمام، وثبات كبيرة نحو مدارج الرقي والكمال، والرخاء والازدهار.
 ويرى فيه ترسيخ تلك الأصالة المغربية، وتثبيت معالمها الشامخة، والاستقلالية المتميزة التي عرف بها المغرب وثبتت له وتأصلت فيه على مدى قرون وأجيال وفي ظل دوله التي تعاقبت على حكمه من عهد دولة الأشراف الأدارسة، وإلى عهد الدولة العلوية الشريفة، وقامت على نظام البيعة الشرعية التي هي أساس نظام الحكم في الإسلام، وركيزة العلاقة المتينة، والآصرة الدينية التي تجمع بين الإمام السلطان ورعيته، وتستوجب الوفاء والإخلاص له بالعهد المتبادل، والطاعة المأمور بها شرعا لأولي الأمر في الإسلام، مما حافظ للمغرب على سيادته الكاملة وأصالته الدينية، وجعل من المؤسسة الملكية الدستورية في المغرب المعاصر، كما كانت دائما وأبدا، تاجا مرصعا على هام الشعب المغربي، وقلادة فريدة في جيده، وضمانا لاستقرار بلدة، وتحقيقا للمزيد من الرقي وبلوغه كل سؤدد وفخار.
كما يرى فيه الاهتمام بالشباب وتكريمه وتقديره، وإبراز شخصيته ومواهبه، وغرس الروح الإسلامية والوطنية في نفسه، وإشعاره بمكانته وقيمته، وإحساسه برسالته ودوره المنوط به في الحياة الاجتماعية، والإسهام في البناء الحضاري للأمة في مختلف مجالاته الفكرية والعملية، وتشييد صرحها على أسس سليمة متينة، ودعائم صلبة قوية.
فليهنأ أمير المومنين بهذه الذكرى المجيدة الغالية، وليهنأ الشعب المغربي بمناسبتها الوطنية العزيزة. وبارك الله في حياته، وأمد في عمره، وأمتعه بموفور الصحة والعافية، وأعاد على جلالته ذكرى المولد النبوي الشريف، وذكرى عيد الشباب المجيد وهو يرفل في حلل السعادة والهناء، وأقر عينه بولي عهده المبجل صاحب السمو الملكي الأمير الجليل محمد، وصنوه الممجد السمو الملكي الأمير المجيد مولاي رشيد، وحفظه في كافة أسرته الملكية الشريفة. إنه سبحانه سميع مجيب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here