islamaumaroc

آداب تفسير القرآن الكريم

  عبد الرزاق إسماعيل هرماس

العدد 343 محرم 1420/ مايو 1999

* توطئة:
المراد بالتفسير لغة مطلق «الإيضاح والتبيين»،(1) ومن ذلك قوله تعالى: (وليأتونك بمثل جئناك بالحق وأحسن تفسيرا)،(2) لذلك قيل: لما كان التفسير هو الكشف عما يدل عليه الكلام وضع موضع معناه.(3)
وإذا تجاوزنا الدلالة اللغوية فإننا نجد طائفة من أعلام المتأخرين يحصرون مفهوم التفسير اصطلاحا في «بيان دلالة ألفاظ القرآن» باعتبار ذلك هو أساس فهم سائر الكتاب، سواء تعلق الأمر بآيات الأحكام أو الآداب أو القصص... ففي مقدمة كتاب: «المباني إلى نظم المعاني»؛ «التفسير هو إبانة حكم اللفظ»،(4) وفي كلام الحافظ ابن حجر: «التفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل».(5)
ووجدنا بين المعاصرين من أمثل الدكتور عدنان زرزور يقول: «لم يختلف المفسرون في أن المراد من «تفسير القرآن»- على تعدد تعريفاتهم للتفسير اصطلاحا- بيان معانيه على أي وجه من وجوه البيان».(6)
كما وجدنا الأستاذ محمود شاكر تـ: 1418 هـ يقول: «... وغاية علم تفسير القرآن- كما ينبغي أن يعلم- إنما هي بيان معاني ألفاظه مفردة، وجمله مجتمعة، ودلالة هذه الألفاظ والجمل على المباني، سواء في ذلك آيات الخبر والقصص، وآيات الآداب، وآيات الأحكام، وسائر ما اشتملت عليه معاني القرآن».(7)
واعتبار لكون تضمن آيات مشكلة وعامة ومطلقة...، فإن التفسير هو العلم الذي يهنم ببيان ذلك كله، مع ما يقتضيه البيان من نظر في المفردات والجمل.
ثم ما يترتب على ذلك النظر العلمي من بحث في الأحكام العلمية، وشرح لآيات العقيدة...
ولأن أسلوب القرآن في دلالته على تلك الأحكام العلمية والاعتقادية يأتي في أسمى درجات البلاغة، فإن تفصيل تلك الأحكام وتتبع لطائف الآيات لابد فيه من بذل الجهد من قبل المفسر الذي استكمل مؤهلات وشروط هذا العمل العلمي.
ولحراسة علة تفسير القرآن الكريم، أن يتسور عليه من قبل المبتدعة والقاصرين علميا وأشباههم من الجاهلين، فقد عمد أئمة التفسير منذ نشوء هذا العلم إلى وضع طائفة من الضوابط العليمة المستنبطة من القرآن نفسه، وذلك لأجل الحجر على طوائف الخائضين في كتاب الله بالظن والهوى الذين يقولون على الله ما لا يعلمون.
- فاستنبط هؤلاء الأئمة من القرآن والسنة مختلف القواعد التي تحكم على التفسيـــــر.(8)
- كما ضبطوا مصادر هذا العلم نقلية كانت أم عقلية.(9)
- وعرضوا أيضا لآداب التفسير.
ثم صار يصطلح على هذه القواعد والمصادر والآداب عند المعاصرين «بأصول التفسير»، وقد يطلق بعضهم هذا المصطلح على مصادر التفسير فقط، وهذه الأصول في مجملها تشكل الضوابط العلمية المنهجية التي يجب أن يخضع لها تفسير القرآن.
وبالنسبة لموضوع «آداب التفسير» فهو يعرض المجموعة من الملكات النفسية التي يجب أن تتحقق في التصدي للتفسير، فالأدب يطلق للدلالة «على كل ملكة تعصم من قامت به عما يشينه»،(10) وإذا أضيف اللفظ إلى علم التفسير صار مصطلح «آداب التفسير» يعني مجموعة من الملكات النفسية التي تعصم المفسر من الميل أو الإخلاد لهوى النفس، كما أن استيفاءه لهذه الملكات يزكي بصيرته، ويلهمه الفهم السديد، ويوقفه على لطائف كتاب الله.
ولاستيعاب المراد «بآداب التفسير» أقوال بأنها ليست نجرد قضايا منهجية أو مسائل فكرية فحسب، بل هي أقرب لأن تكون خصالا خلقية تتحلى بها ذات المفسر.
وللإيضاح فإن «قواعد التفسير» التي هي ضوابط منهجية صرف لا يمكن لها منفردة أن تعطينا معرفة سديدة لمراد الله تعالى في القرآن، بل لابد أن تنضاف إليها مختلف الآداب المقررة بالنسبة لمن يتصدى للتفسير.
وإذا أضفنا لما سبق أن تفسير القرآن الكريم، هو عبادة من أعظم العبادات التي يتقرب بها الإنسان لربه، وأن آداب التفسير مجموعة من الملكات النفسية التي تعصم المفر من الوقوع في هوى النفس حين يفسر كتاب الله، علمنا بعد ذلك أهمية هذه الآداب وأولويتها ضمن منهج تفسير القرآن.(11)
وقد أشار كتاب الله إلى أعظم هذه الآداب، وبين كيف أن مطاوعة هوى النفس والميل إلى المعصية يحجب عن الإنسان فهم القرآن حتى يستغرق عليه فقه معانيه وتدبر أحكامه وهديه، وفي ذلك قال سبحانه: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يومنون بالآخرة حجابا مستورا، وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا...).(12)
فمن كان فاسد الاعتقاد أنى له أن يفسر القرآن!! «والأكنة» في الآية جمع كنان وهو الغطاء الذي يكن فيه الشيء، فمن كان فاسد العقيدة قلبه في غطاء يحجب عنه فهم القرآن وفقيه.(13)
هذا وأهم آداب التفسير التي ينبغي على المفسر أن يحرص على تحققها في نفسه:

أولا: صحة الإعتقاد:
فمن لم تكن عقيدته سليمة لوقوعه في أحد نواقضها لا يؤخذ تفسيره، وقد اشتهر في تاريخ علم التفسير أن الباطنية وغيرهم من فرق الضلال قديما كانوا يتجرؤون على التفسير بغية تضمينه معتقداتهم الابطلة حتى يلبسوا على الناس.
وفي عصرنا الراهن خاض في تفسير القرآن الكثير من الملاحدة الذين بلغ بهم العبث أن تطاولوا على كتاب الله يبحثون فيه عن ركائز لانحرافهم العقدي.(14)
ومما تطلبه سلامة العقيدة أن يوقن المفسر بأن القرآن وحي من الله انزله على رسوله (ص)، وقد قام الرسوب بالتبليغ والبيان كما أمر بذلك، وإيمان المفسر بهذه الأصول يستوجب إنكار كل ما يخالفها أو سمعها عن القرآن.
وقد نقل السيوطي (تـ: 911 هـ) عن أبي طالب الطبري في أوائل تفسيره عن آداب المفسر: «اعلم أن من شرطه صحة الاعتقاد أولا... فإن من كان مغموما عليه في دينه لا يؤتمن على الدنيا فكيف على الدين، ثم لا يؤتمن في الدين على الإخبار عن عالم، فكيف يؤتمن في الإخبار عن أسرار الله تعالى، ولأنه لا يؤمن إن كان متهما بالإلحاد أن يبغي الفتنة ويغر الناس بلينه وخداعه كدأب الباطنية وغلاة الرافضة، وإن كان متهما بهوى لم يؤمن أن يحمله هواه كل ما يوافق بدعته كدأب القدرية، فإن أحدهم يصنف الكتاب في التفسير ومقصوده منه الإيضاح الساكن ليصدهم عن إتباع السلف ولزوم طريق الهدى».(15)

ثانيا: لزوم السنة:
وهذا الأدب من أعظم أسباب الاحتراز من الاختلاف والفرقة، ويعني لزوم الاقتداء بالهدي النبوي في الأقوال والأعمال؛ قال الإمام البيهقي: «وإذا لزم إتباع رسول الله (ص) فيما سن، وكان لزومه فرضا باقيا، ولا سبيل إلى إتباع سنته إلا بعد معرفتها. ولا سبيل لنا إلى معرفتها إلا بقبول خبر الصادق عنه، لزم قبوله ليمكننا متابعته، ولذلك أمر بتعليمها، والدعاء إليها، وبالله التوفيق».(16)
هذا ولم يتفرق الناس وتظهر بينهم مختلف الانحرافات في فهم كتاب الله وتفسيره إلا بأحد سببين:
1- الإصرار على إتباع الهوى ومخالفة هدي النبوة، وقد يكون دافع ذلك التعصب.
2- الجهل بالسنة الذي يؤدي إلى الزيغ.
ومما يتطلبه لزوم السنة أن يقف المفسر في مسائل الأصول عند دلالة النصوص، أما في الفروع فما لم يرد فيه نص عن المعصوم، ولم يجتمع فيه أصحابه على شيء فعند ذاك جاز إعمال النظر لمن كان مؤهلا لذلك.
قال الإمام البيهقي (تـ: 458هـ): «... وإنما اجتمع أصحابه على مسائل الأصول، فإنه لم يرو عن واحد منهم خلاف..، فأما مسائل الفروع فما ليس فيه نص كتاب ولا نص فقد أجمعوا على بعضه، واختلفوا في بعضه، فما اجتمعوا عليه ليس لأحد مخالفيهم فيه، وما اختلفوا فيه فصاحب الشرع هو الذي سوغ لهم هذا النوع من الاختلاف، حيث أمرهم بالاستنباط والاجتهاد مع علمه بأن ذلك يختلف...».(17)
وقال الإمام البيهقي أيضا: «فهذا النوع من الاختلاف غير ذم الله تعالى وذمه رسوله (ص)...، فمن سلك من فقهاء الأمصار سبيل الصحابة والتابعين فيما أجمعوا عليه، واختلفوا فيه كانوا كالفرقة الواحدة، وهي الفرقة الناجية التي أشار إليها رسول الله (ص)...».(18)

ثالثا: الإخلاص والتفويض:
ورد في مقدمة كتاب «المباني إلى نظم المعاني» في الخصال التي يحتاج إليها المفسر: «... أن يكون مفوضا أمره إلى الله تعالى، متضرعا إليه أن يلهمه الرشد والتوفيق، وتحذير الإعجاب بنفسه، والاتكال على عقله، وجودة قريحته، فإن المعجب مخذول».(19)
ويظهر التزام المفسر بأدب الإخلاص والتفويض من خلال ثلاثة أمور:
1- عدم قطعه بأن مراد الله هو ما توصل إليه في تفسيره من غير دليل.(20)
2-أن يظهر في تفسيره ما يدل على انه يفوض أمره لله تعالى متضرعا إليه سبحانه، وقد كان المفسرون من السلف الصالح ثم أئمة أهل السنة من بعدهم لا يغفلون عن قولهم (والله اعلم) مهما كان مبلغهم من العلم، وكانت «خطبة الحاجة» أول ما يخطون و «دعاء الاستغفار» آخر ما يكتبون.
3-ومما يقتضيه التفويض أن لا يعتد المفسر بمطلق عقله إلى درجة تحكيمه في الوحي، فضلا عن ذلك يجب عليه التمييز بين المشاهد القرآنية المتصلة بعالم الغيب الذي لا يدركه العقل، وبين مقاطع القرآن التي تعرضت لعالم الغيب الذي لا يدركه العقل، وبين مقاطع القرآن التي عرضت لعالم الشهادة الذي يقع ضمن المدارك الإنسانية.(21)
هذا وقد أدى «الإيمان» بقدرة العقل البشري المجرد عند بعض المتقدمين والمعاصرين ممن كتبوا في التفسير إلى مساواة هذا العقل مع الوحي، أو المبالغة في مرتبته.
حتى وصل بهم الحال إلى نوع أنواع منكرة من بدع التفسير.(22)

رابعا: التدبر والتفكر:
ورد الأمر بتدبر القرآن في أكثر من آية، منها ما وجه الخطاب فيه لغير المسلمين، ومنها ما خاطب المسلمين كقوله تعالى: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب).(23) والتدبر في الآية يراد به القراءة الخاشعة المقرونة بالتفكر، لذلك قال الشوكاني في تفسيرها: «وفي الىية دليل على أن الله سبحانه إنما أنزل القرآن للتدبر والتفكر في معانيه، لا لمجرد التلاوة بدون تدبر».(24)
قال الفيروزابادي (تـ: 817 هـ) في «لطائف الكتاب العزيز»: «والتدبر التفكر، يقال: تدبرت الأمر إذا نظرت في أدباره، ومنه قوله تعالى: (أفلا يتدبرون القـــــرآن).(25) أي أفلم يتفهموا ما خوطبوا به في القرآن؟».(27)
وإذا كان القرآن قد ندب الناس عامة لهذا التدبر، فالمفسر من باب أولى، ويجب عليه إن أراد تحصيل حقائق كلام الله أن يحترز من كل شيء يحجب عنه فهم معاني القرآن بخاصة المعاصي والمبتدعات، وهذا مما يقتضيه التدبر والتفكر...
قال الزركشي (تـ: 794 هـ) في فصل عن «أصل الوقوف على معاني القرآن التدبر»: «واعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي حقيقة، ولا تظهر له أسرار العلم من غيب المعرفة، وفي قلبه بدعة أو إصرار على ذنب، أو في قلبه كبر أو هوى أو حب الدنيا، أو يكون غير متحقق الإيمان أو ضعيف التحقيق، أو معتمدا على قول مفسر ليس عنده إلا علم بظاهر، أو يكون راجعا إلى معقوله؛ وهذه كلها حجب وموانع، بعضها آكد من بعض...».(28)

خامسا: سلامة القصد:
أي الرغبة في الوصول إلى الحق؛ فلا يتوقف عمل المفسر على مجرد الفهم والإدراك لمعاني آيات القرآن، بل لابد من أن تتوفر فيه إرادة ورغبة الوصول إلى الحق، ويتحقق هذا الأدب إذا استطاع المفسر «أن يتنزه عن الهوى، ويخلص نفسه من التحييز والتعصب القومي، أو العنصري، أو العقدي، أو غير ذلك مما يقف حاجزا بين الإنسان وبين إدراك الحقيقة....».(29)
قال السيوطي (تـ: 911 هـ) في «التحبير» فصل «من يقبل تفسيره ومن يرد»: «ولا يقبل ممن عرف بالجدال والمراء والتعصب لقول قاله، وعدم الرجوع إلى الحق إذا ظهر له، ولا من يقدم الرأي على السنة، ولا من عرف بالمجازفة وعدم التثبيت، أو بالجرأة والإقدام على الله وقلة المبالاة».(30)
وقد ذكر النووي (تـ: 676 هـ) من أقسام المفسرين بالرأي من غير دليل صحيح: «... من يحتج بآية على تصحيح مذهبه، وتقوية خاطره، مع انه لا يغلب على ظنه أن ذلك هو المراد بالآية، وإنما يقصد الظهور على خصمه ومنهم من يقصد الدعاء إلى خير، ويحتج بآية من غير أن يظهر له دلالة لما قاله»(31)
والرغبة في الوصول إلى الحق من أولى الآداب بأن يحرص على تحققها، وقد اصطلح عليها أبو طالب الطبري- حين تكلم عن آداب التفسير- بــ «صحة المقصد» فيما يقوله المفسر لكتاب الله ليلقى التسديد(32)

سادسا: الزهد في الدنيا:
وهذا الأدب من شروط «سلامة القصد»- الذي سبق- والذي يفرضه كون الإنسان المشغول بالدنيا تتوجه همته إليها، وقد ينحرف في تفسير القرآن إلى ما تهواه نفسه لا ما يدل عليه كلام الله.
قال صاحب كتاب «المباني» أن مما يحتاج إليه المفسر: «أن يكون من أهل الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، فإن كل واحد محوط بما هو طالبه، وينحو نحو ما هو همته ورغبته، فمن رغب في الدنيا انصرفت همته إليها، وسيكون ما يسبق إلى قلبه من وجوه ما يريد أن يتكلم فيه على وفاق ما في همته، وما أخوفه إذ ذاك أن يصرف كتاب الله تعالى إلى ما تهوى نفسه، فيضل بنفسه ويضل غيره».(33)
فوجه ارتباط «الزهد في الدنيا» بسلامة القصد عند المفسر أن هذا الزهد يحول بينه وبين ما قد تميل إليه نفسه، ويجنح له هواه، فيظن أن ذلك من مراد ربه في القرآن، ولذلك قال أبو طالب الطبري: «وإنما يخلص له القصد إذا زهد في الدنيا، لأنه إذا رغب فيها لم يؤمن أن يتوسل به إلى غرض يصده عن صواب قصده، ويفسد عليه صحة عمله».(34)

سابعا: حدة الذكاء:
فمن كان بليد الفهم ضعيف الذكاء قل أن يبدع في صنه من أصناف المعارف الإنسانية، فكيف بعلم تفسير القرآن!! ثم إن تفسير ما لم يرد فيه نص إنما يعتمد فيه على ما يدل عليه مطلق اللغة، أو ما يقتضيه معنى الكلام، والنظر في هذا الأخير لا يتسنى إلا لمن كان حاد الذكاء سريع البديهة.
وإذا علمنا ذلك، فإن من شروط المقدم على التفسير «أن يكون جيد القريحة، ذكي الفهم، قوي الفكرة، فإن البليد قد يتقاعد عنفهم ما يبين له، فكيف يستنبط ما لم يبين له».(35)
ومن له اطلاع على مصنفات العلم يدرك أن الوقوف على لطائف الكتاب العزيز لا يتيسر إلا لمفسر دقيق الفهم، عميق التفكير، متميز البصيرة، فظاهر عبارة القرآن يستوعبها كل متكلم باللسان، أما دقائق المسائل ولطائف ما تشير إليه الآيات فلا يقف عليه إلا من كان حاد الذكاء من المفسرين الذين يتقون الله في سرهم وعلانيتهم.(36)

ثامنا: التأديب مع القرآن:
ويقضي ذلك تجنب استعمال بعض الأوصاف عند الكلام عن آي القرآن، وأيضا عدم التمحل في صرف دلالة الآية عن الظاهر الذي تدل عليه.
فمن التأدب مع القرآن:
* الاحتراز عن ذكر لفظ الحكاية عن الله تعالى.
* تجنب إطلاق الزائد على بعض الحروف الواردة في القرآن.
قال الزركشي (تـ: 794هـ): «وكثيرا ما يقع في كتب التفسير(حكى الله تعالى) وينبغي تجنبه.
قال الإمام أبو نصر القشيري في كتابه «المرشد»: قال معظم أئمتنا؛ لا يقال: كلام الله يحكى، ولا يقال حكى الله، لأن الحكاية الإتيان بمثل الشيء، وليس لكلامه مثل؛ وتساهل قوم فأطلقوا لفظ الحكاية بمعنى الإخبار، وكثيرا ما يقع في كلامهم إطلاق الزائد على بعض الحروف، كـ «مـا» في نحو (فبما رحمة من الله)،(37) والكاف نحو (ليس كمثله شيء)(38) ونحوه؛ والذي عليه المحققون تجنب هذا اللفظ في القرآن، إذا الزائد لا معنى له، وكلام الله منزه عن ذلك».(39)
* ومن التأدب مع القرآن عدم التحمل والتكلف في صرفه عن ظاهر ما يدل عليه، أو دعاء المجاز لفتح باب التأويل المذموم، ففي قوله تعالى: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون).(40)
قال الزمخشري (تـ: 538هـ) في «الكشاف»: «هذا تمثيل وتخييل..، والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه»،(41) وعلق على تفسيره ابن المنير (تـ: 683 هـ) في «الانتصاف» فقال: «قال أحمد؛ وهذا مما تقدم إنكاري عليه فيه، أفلا كان يتأدب بأدب الآية حيث سمى الله هذا مثلا، ولم يقل: وتلك الخيالات نضربها للناس، ألهمنا الله حسن الأدب معه...».(42)
وفي قوله تعالى: (إنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا).(43) قال الزمخشري: «...وأسند الشق إلى نفسه إسناد الفعل إلى السبب»،(44) قال ابن المنير معقبا: «قال أحمد: ما رأيت كاليوم قط عبدا ينازع ربه، الله تعالى يقول: (ثم شققنا)، فيضيف فعله إلى ذاته حقيقة...، والزمخشري يجعل الإضافة مجازية من باب إسناد الفعل إلى سببه، فيجعل إضافة الفعل إلى الله تعالى من باب إضافة الشق إلى الحراث لأنه السبب...، وإذا جعل شق الأرض مضافا إلى الحراث هو الذي صبب الماء، وانبت الحب والعنب والقضب حقيقة، وهل هما إلا واحد؟».(45)

تاسعا: موهبة التفسير:
وهذه الموهبة حصلها المفسر إذا راقب الله في معتقداته وأفعاله، ولزم حدود التقوى، فهذا الأدب لا يمكن تحصيله إلا بالإيمان والعمل الصالح.
قال السيوطي: «وهو علم يورثه الله لمن عمل بما علم، وإليه الإشارة بحديث «من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم».(46)
ثم قال: «ولعلك تتشكل علم الموهبة وتقول: هذا شيء ليس في قدرة الإنسان؛ وليس كما ظننت من الأشكال، والطريق في تحصيله ارتكاب الأسباب الموجبة له من العمل والزهد».(47)
قال الشيخ أبو شبهة: «أقول: وعلم الموهبة ثمرة من ثمرات التقوى، والتقوى لها معنيان:
- معنى نفسي: وهو خشية الله ومراقبته في السر والعلن، وهذا ما أراد النبي (ص) حينما قال: «التقوى ها هنا» ثلاث وأشار إلى صدره».(48)
- ومعنى ظاهري: وهو الاستقامة على الدين، وذلك بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات، وقد تسمو بصاحبها، فتصل به إلى حد فعل النوافل والمستحبات أيضا، وإتباع مكارم الأخلاق، وتوقي الشبهات خشية الوقع في المآثم والمحرمات.
- والتقوى بمعنييها لابد منها لمن يتصدى لشرح كتاب الله، وفي هذا المعنى قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فراقانا)،(49) أي معنى في القلب يفرق به بين الحق والباطل».(50)
وختاما، فالمتصدي لتفسير كتاب الله يجب أن يضع نصب عينيه ابتغاء مرضاة الله، وينزه نفسه وعمله عن الأغراض الأخرى غير ذلك، والوصول إلى هذه المرتبة يتطلب تحصيل علم شرعي وعمل بمقتضى هذا العلم.(51)
ومهما بلغ إيمان المسلم وعواطفه الدينية، فإن ذلك لا يشفع له للخوض في التفسير، وأيا كان علمه لا يؤهاه للكلام في كتاب الله إن كان في سلوكه مخالفا لمقتضى العلم الذي يحمله.
وإذا اجتمع للإنسام العلم والعمل، فقد ارتقى إلى درجة التقوى التي تعصمه من التقول في تفسير القرآن بمحض الهوى، وفي ذلك قال ابن العربي المعافري(تـ: 543هـ): «والضابط لهذا كله أن يكون الناظر في القرآن يلحظه بعين التقوى، ولا يميل به لرأي أحد للهوى، وإنما ينظر إليه من ذاته ابتغاء على الله ومرضــــــــــاته».(52)
والله تعالى أعلم وأحكم.

  

1 ) الفيروزابادي: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز /ج: 1- ص: 78، نشر الدار العلمية- بيروت.
2) سورة الفرقان- الآية: 33.
3) الزمخرشي: الكشاف / ج: 3- ص: 91 نشر الدار العلمية –بيروت.
4) انظر: مقدمتان  في علوم القرآن /ص: / طبعة الخانجي- القاهرة (1954)، نشر أرثر جفري.
5) ابن حجر: فتح الباري / ج: 13- ص: 526، نشر المكتبة السلفية.
6) د. عدنان زرزور: مدخل لدراسة التفسير /ص: 212.
7) انظر مقدمته «لكتاب الظاهرة القرآنية» ص: 24/ طبعة دار الفكر- بيروت (1406 هـ).
8 ) سبق أن عرضت لهذا الموضوع ضمن مجلة «الإحياء» عدد ينايؤ 1997- رمضان 1417 هـ/ ص: 7-42 في دراسة بعنوان: «نظرات في قواعد تفسير القرآن الكريم».
9) انظر في الموضوع: «المصادر النقلية لتفسير القرآن الكريم» ضمن «دعوة الحق»، العدد: 331/  ص: 44- 62، وأيضا «تفسير القرآن بالرآي والاجتهاد»، «دعوة الحق»، (العدد: 334 /ص: 65- 75).
10) الزبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس/ مادة «أدب»، ج: 1- ص: 144، نشر دار الرشاد.
11 ) انظر: د. فاروق دسوقي: قواعد منهجية للباحث عن الحقيقة في القرآن والسنة/ ص: 48، نشر دار الدعوة – الإسكندرية.
12) سورة الإسراء- الآيتان: 45- 46.
13) الفيروزابادي: بصائر ذوي التمييز / ج: 4- ص: 389.
  هذا وقد وجدنا بعض المعاصرين الجاهلين بالعلم يدعون إلى نقض هذه الآداب حتى قال «شيخهم» في تعليقه على مادة تفسير ضمن  دائرة المعارف الإسلامية (ج:5 – ص: 366): «... وتلك الدراسة الأدبية لأثر عظيم كهذا القرآن هي ما يجب أن يقوم به الدارسون أولا وفاء بحق هذا الكتاب، ولو لم يقصدوا الاهتداء به والانتفاع بما حوى وشمل، بل هي ما  يجب ان يقوم به الدارسون  أولا، ولو لم تنطو صدورهم على عقيدة ما فيه، أو انطوت على نقيض ما يردده المسلمون الذين يعدونه كتابهم  المقدس»!!!.
14) من هؤلاء المعاصرين الماركسيين اللبنانين: محمد عيتاني- توفي عام 1989- وخليل أحمد خليل؛ نشر الأول كتيبا سقيما عنوانه «القرآن في ضوء الفكر المادي الجدلي» صدرت طبعته الأولى ببيروت عام 1972؛ وطبع الثاني كثيبا كسيحا وسمه بـ «جدلية  القرآن» ظهرت طبته الأولى في بيروت عام 1977؛ كما نجد ظاهرة التلبيس هذه في كتنابات بعض المنتسبين إلى «البحث الاكاديمي» بالمغرب من ابناء العالم الإسلامي، والنموذج المجسد للظاهرة كتابات محمد أركون عن القرآن الكريم...
15 ) انظر: السيوطي: الإتقان/ ج: 2، ص: 176، نشر دار الفكر- بيروت، وبهامشه «إعجاز القرآن» لأبي بكر الجاقلاني.
16) البيهقي: الاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة/ ص: 132- الطبعة الأولى 1404 هـ/ دار الكتب العلمية- بيروت.
17) المصدر السابق: ص: 133.
18) نفس المصدر: ص: 134.
19 ) مقدمتان في علوم القرآن/ ص: 174.
20) انظر: النسائي فضائل القرآن/ ص: 114- 115 –الطبعة الأولى 1400 هـ/ دار الثقافة- البيضاء/  بتحقيق: د. فاروق حمادة.
21) قال الأستاذ محمد قطب في هذا السياق: «يبدأ الإسلام التربية العقلية بتحديد مجال النظر العقلي. فيصون الطاقة العقلية أن تتبدد  للمجهول، ولكنه يكل أمر ذلك، إلى الروح، فهي القادرة على ذلك المزودة بوسائل الوصول، أم العقل فوسيلته إلى الله، وإلى معرفة  الحق في التدبر الظاهر للحس، والمدرك بالعقل، ومن ثم يحدد الإسلام مجاله بهذا النطاق، ولا يتركه يغرق في التيه الذي غرقت فيه الفلسفة من قبل، واللاهوتيات، فلم تصل إلى شيء حقيقي يستحق ما بذل فيها من جهد، إن لم تكن قد  غبشت مرآة الفكر البشري، وشتت ما ينعكس عليها من أضواء...» «منهج التربية الإسلامية» / ص: 91- 92 / نشر دار دمشق للطبعة الثانية، وفي  «الاعتصام» للشاطبي / ج: 2- ص: 318، طبعة دار المعرفة- بيروت: «إن الله جعل للعقول في إدراكها  حدا تنتهي إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها سبيلا لإدراك كل مطلوب، ول كانت كذلك لاستوت مع الباري تعالى... »؛ وانظر في نفس الموضوع ما حرره ابن  خلدون ضمن «مقدمته»، الفصل الخاص «بعلم الكلام».
22) للتوسيع يرجع إلى كتاب د. فهد الرومي: منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير، الطبعة الثالثة 1407 هـ.
23) سورة ص ،الآية : 92.
24 ) الشوكاني: فتح القدير/ ج: 4- ص: 430 / دار الفكر- بيروت 1403 هـ.
25) سورة النساء – الآية: 82، وسورة محمد –الآية: 24.
26) سورة المومنون- الآية: 68.
27) الفيروزابادي: بصائر ذوي التمييز/ ج: 2- ص: 588.
28) الزركشي: البرهان في علوم القرآن/ ج: 2- 180-181، الطبعة الثالثة 1400هـ/ دار الفكر- بيروت، بتحقيق: محمد أبو  الفضل إبراهيم، وفي البرهان- أيضا- ج: 1- ص: 6: «قال سفيان بن عتيبة في قوله تعال: ?سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق?- الأعراف: 146 –قال: أحرمهم فهم القرآن .»
29) د. دسوقي: قواعد منهجية للباحث عن الحقيقة في القرآن والسنة/ ص: 44.
30) السيوطي: التحبير/ ص: 331، دار المنار- القاهرة 1406هـ.
31 ) النووي، التبيان في آداب حملة القرآن/ص: 241- 242/ الطبعة الأولى 408 هـ- مكتبة الإحسان- دمشق.
32) الإتقان: للسيوطي/ ج: 2- 176.
33) مقدمتان في علوم القرآن/ ص: 175.
34) الإتقان: ج: 2- ص: 176، وفي البرهان: ج: 1- ص: 6؛ «قال سفيان الثوري: لا يجتمع فهم القرآن والاشتغال بالحطام في قلب مؤمن أبدا»
35) مقدمتان في علوم القرآن/ ص: 174.
36 ) وقد أجمل الزركشي الكلام عن ذلك في البرهان: ج: 2- ص: 153 فقال: «كتاب الله بحر عميق، وفهمه دقيق، لا يصل إلى فهمه إلا من تبحر في العلوم، وعامل الله بتقواه في السر والعلانية، وأجله عند مواقف الشبهات، واللطائف والحقائق لا يفهمها إلا من ألقى السمع وهو شهيد».
37) سورة آل عمران- الآية: 195.
38) سورة الشورى- الآية: 11.
39) البرهان: ج: 2- ص: 178.
40) سورة الحشر- الآية: 21.
41) الزمخشري، الكشاف/ ج: 4-ص: 87/ الدار العالمية بيروت.
42) أحمد المنير المالكي، الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال/ ضمن حاشية كتاب الكشاف ج: 4، ص: 88.
43 ) سورة عبس- الآيتان: 25- 26.
44) الزمخشري، الكاف/ ج: 4- ص: 219.
45) ابن المنير: الانتصاف/ ضمن حاشية «الكشاف»/ ج: 4- ص: 219.
46) السيوطي: التحبير/ ص: 329، وحديث «من عمل بما علم...» أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس وضعفه، وانظر: الحافظ  العراقي: «المغني عن حمل الأسفار» بهامش «الإحياء»/ ج: 1- ص: 71، نشر دار المعرفة- بيروت.
47) السيوطي: الإتقان /ج: 2- ص: 186.
48) الحديث أخرجه مسلم في «جامعه» كتاب البر والصلة والآداب/ باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره، كما أخرجه غيره...
49) سورة الأنفال – الآية: 92.
50) محمد أبو شهبة، الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير/ ص: 36، الطبعة الرابعة 1408 هـ/ مكتبة السنة – القاهرة.
51) وقد أجمل ابن أبي زيد القيرواني الكلام عن الموضوع فقال في رسالته: «ولا يكمل قول الإيمان إلا بالعمل، ولا يكمل قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عم لولا نية إلا بموافقة السنة». وانظر: حاشية  العدوي على شرح أبي الحسن  لرسالة ابن أبي زيد/ ج: 1- ص: 88، نشر دار الفكر- بيروت.
52) ابن العربي، قانون التأويل/ ص: 660/ الطبعة الأولى 1406هـ- دار القلة- جدة / بتحقيق: محمد السليماني.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here